أ.د. ابراهيم خليل العلاف : الأستاذ الدكتور شاكر مصطفى سليم وصفحة من تاريخ الصراع السياسي في جامعة بغداد (ملف/2)

إشارة :
الدكتور شاكر مصطفى سليم ( 1919 – 1985 ) أول عالم إنثروبولوجيا (إناسة) في العراق، صاحب دراسة “الڇبايش” التي أثبتت أنّ عالماً عراقياً درس الأهوار أفضل من الأجانب الذين انبهرنا بهم مثل كافن يونغ وولفرد ثيسكر، وصاحب أول قاموس انثروبولوجي، انكليزي عربي (1981) ضم قرابة 5055 مصطلحا، والمثقف العضوي الذي حارب تسييس الجامعة عام 1959-1960 فسُجن وفُصل. والذي شهد بجرأة على مذابح عام 1959 في كتبه: (الإعصار الأحمر- 1960) و(نضال وحبال- 1963) و(محكمة حسن الركاع). تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الكُتّاب والقرّاء للمساهمة في ملفها عنه بالمقالات والصور والوثائق (وللأسف لم نجد أي صورة للراحل على الشابكة).

المقالة : 
لأستاذ الدكتور شاكر مطفى سليم ..وصفحة من تاريخ الصراع السياسي في جامعة بغداد
أ. د. ابراهيم خليل العلاف

الأستاذ الدكتور شاكر مصطفى سليم 1919-1985 ، من رواد علم الاجتماع والانثروبولوجي(علم الانسان ) في العراق …عمارتلي أي من أبناء مدينة العمارة ..مركز محافظة ميسان الجميلة، ومن عشيرة العزة ..لهذا لم يكن غريبا أن يهتم بالاهوار منذ سنة 1953 ، ويكتب عنها أطروحته للدكتوراه في جامعة لندن بعنوان: ” الجبايش” طبعت بجزئين 1956-1957 .وتعد أطروحته من الأطروحات الرائدة في الحقل المنهجي الإحصائي – الميداني ، فلقد عاش الرجل قرابة سنة مع أهل الجبايش .
لم ينل ما يستحقه من اهتمام ، مع انه كان مالئ الدنيا ، وشاغل الناس في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات من القرن الماضي بسبب فصله من جامعة بغداد وكتاباته المعادية للشيوعيين وللزعيم الركن عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة في العراق آنذاك.
كتب مقالات لاذعة ضد المسؤولين في جامعة بغداد في صحف بغداد وخاصة جريدة الحرية سنة 1959-1960 ثم جمعها في كتب نشرها وأبرزها كتبه : “الإعصار الاحمر1960″ ، و”نضال وحبال” 1959 ، و”محكمة حسن الركاع”، و”من مذكرات قومي متامر1959″ .
ألف عددا من الكتب في حقل اختصاصه منها : “محاضرات في الانثروبولوجيا ” 1959 ، و”المدخل الى الانثروبولوجيا” 1975وهو كتابه السابق مع بعض الاضافات . وترجم كتاب “مقدمة في الانثروبولوجيا الاجتماعية ” تأليف لوسي مير1983 . كما وضع” قاموس الانثروبولوجي-انكليزي –عربي ” 1981 ويضم قرابة 5055 مصطلحا . كما ترجم كتاب بعنوان: ” الإنسان في المرآة” تأليف كلايد كلوكهون 1964 .وله قصة منشورة بأسم “الطيش القاتل” نشرت منذ سنة 1936 .له كتب أخرى منشورة باللغة الانكليزية لم نطلع عليها .
تعرض للاعتقال والفصل من جامعة بغداد بسبب معاداته للسلطة الحاكمة ، ولإدارة الجامعة التي كان يرأسها الأستاذ الدكتور عبد الجبار عبد الله .عد معاديا للسلطة ، وعدت كتاباته في الصحف تهكمية ، واستفزازية للمسؤولين في جامعة بغداد .كانت عناوين مقالاته مثيرة من قبيل : “دكتوراه للبيع !! ” و”أما كان السكوت أولى يا جامعة بغداد ؟ ” و” يتهمني البعض “.أتهم جامعة بغداد بتعرضها لضغوط الحزب الشيوعي ، وقدم مع نخبة من أساتذة كلية الآداب-وقبل أن ينقل إلى كلية التربية – مذكرة عن الأوضاع في كليتهم ومنها انحياز عميدها الدكتور مهدي المخزومي وخضوعه للضغوط الحزبية الشيوعية . فضلا عن أن مرتبته العلمية آنذاك :” مدرس” لاتؤهله لان يكون عميدا في حين يوجد في الكلية أساتذة وأساتذة مساعدون ، وان من عيناه في هذا المنصب كلا من الدكتور فيصل السامر والدكتور صلاح خالص المديران العامان في وزارة المعارف (التربية ) وكانت جامعة بغداد تتبعها آنذاك .
وقد تشكلت لجنة تحقيقية ، واستدعي الموقعون على المذكرة والدكتور شاكر مصطفى سليم أحدهم ، ونشرت مذكرتهم في الصحف وأصبحت قضية رأي عام .. وبدأت القضية تتفاعل سياسيا ، واتهم الدكتور سليم بتعريض سمعة الجامعة للتشويه وبكونه يعمل ضد ” السلطات الوطنية ويهاجمها” ، فأحيل إلى لجنة انضباط موظفي الجامعة لمحاكمته عن الوقائع المسندة إليه .
وجه الدكتور شاكر مصطفى سليم في 26 نيسان 1960 رسالة مطولة إلى وزير المعارف وفيها اشتكى من أوضاع الجامعة وابتعادها عن ما اسماه ” العلم والقوانين ” ولما لم يستجب الوزير للرسالة نشرها الدكتور سليم في الصحف وكان يقصد بذلك إثارة الرأي العام القومي المعادي للسلطة .وفي الرابع من مايس 1960 ، وجه الدكتور سليم رسالة إلى رئيس جامعة بغداد وقد صدر أمر باعتقاله وسفر إلى خانقين .يقول الدكتور سليم انه بعد أن يئس من الجامعة قرر أن يستقيل من عمله في جامعة بغداد وقدم استقالته تحريريا في 30 تموز 1960 إلى وزير المعارف وكان آنذاك الزعيم (العميد ) الركن إسماعيل إبراهيم العارف ، ووقع الاستقالة بأسم الدكتور شاكر مصطفى سليم ليسانس في الأدب العربي ، ودكتوراه فلسفة وأستاذ الانثروبولوجي في كلية التربية ” ، ونشر الاستقالة قي جريدتي الحرية والثورة في 31 تموز 1960 .وقال في كتاب استقالته” انه – كأستاذ جامعي- يعتز بكرامته ، ويحترم العلم ويقدسه ، ويعتقد جازما أن الجامعة يجب أن تظل فوق السياسة ، وبعيدة عن الأهواء والتيارات الحزبية ” .
ولم يقف عند هذا الحد، بل عرض شهادته للدكتوراه للبيع ، وكتب بذلك إعلانا في الصحف اليومية . وقال انه يعرض شهاداته : ليسانس ، ودبلوما ،ودكتوراه …واختصاص في علم الانثروبولوجي …وخبرة في التدريس الابتدائي والثانوي والجامعي …وبحوث وتأليف وكتب علمية منوعة وأشياء أخرى …للبيع …وتساءل ما فائدة هذا كله ؟ .وبعد عشرة أيام من الاستقالة أصدرت جامعة بغداد بيانا حول استقالته وجاء في البيان أن الجامعة ” تأسف أن يكون أحد المنتسبين إليها مازال يشهر بها في أسلوب لايليق بمثقف ، ولا يتفق مع ما يتطلبه الروح الجامعي الهادئ المترفع عن مثل هذا الإسفاف ” .وقد وضع البيان وجهة نظر الجامعة أمام الرأي العام وقال : ” أن الجامعة أبعد ما تكون عن التحيز أو التمييز بين أعضاء الهيئات التدريسية كافة ، وأنها تنتظر منهم جميعا المزيد من بذل الجهود لرفع مستوى التعليم الجامعي وتطويره لخدمة جمهورية الرابع عشر من تموز وأهدافها الخيرة النبيلة ” . .
عد الدكتور شاكر مصطفى سليم مستقيلا بسبب تغيبه عن وظيفته “مدرسا ” في كلية التربية –جامعة بغداد بموجب الأمر الجامعي الصادر في 28 شباط سنة 1961 والذي وقعه الأستاذ الدكتور عبد الجبار عبد الله رئيس جامعة بغداد .وقد ترتب على ذلك اعتباره “مخلا بشروط عقد البعثة العلمية ومطالبته بمبلغ يقرب من ألفين وخمسمائة دينار عن بقية مدة العقد التي يفرضها عليه العقد ” .وهو مبلغ كبير بقياسات وأسعار ذلك الزمان .
كان الأستاذ الدكتور شاكر مصطفى سليم ذو أسلوب ساخر، وتهكمي في مقالاته .كما كان عروبيا قوميا في توجهاته السياسية . واغلب الظن انه كان مستقلا لاينتمي إلى أي حزب .كتب عنه صديقنا الأستاذ الدكتور معن خليل عمر في كتابه “رواد علم الاجتماع في العراق “بغداد 1990 فصلا ضافيا فأجاد .ومما قاله في ذلك الفصل: ” أن الدكتور شاكر مصطفى سليم يعد باحثا ناقدا ، وان مارس النقد الاجتماعي لأحداث سياسية متصارعة في جريدة الحرية (البغدادية )أثارت انتباه القراء وكان نقده أحادي الجانب ، إلا انه انطلق من الجانب القومي ضد الجانب الشيوعي والمسؤولين السياسيين إبان حكم الزعيم عبد الكريم قاسم 1958-1963 ، فتعرض لمشاكل سياسية ومهنية أدت به إلى السجن والإبعاد والنقل من كلية إلى أخرى ومن ثم إلى الفصل من الوظيفة “.ومما توصل إليه الدكتور معن خليل عمر أن الدكتور شاكر مصطفى سليم ابرز –من خلال كتاباته – دور المثقفين العراقيين وما يمكن أن يقوموا به في التفاعل مع الحدث السياسي .لكن تطرقه للصراع السياسي افتقد إلى التحليل ولم يكن منطلقا من زاوية منطقية . كما انه لم يشر إلى أبعاد الصراع وايجابياته وسلبياته ، ولم تكن نظرته شاملة بل تجزيئية وسردية ، ودون الولوج إلى حيثيات الحدث وآثاره وتبعاته الاجتماعية .
الكتابة عن الدكتور شاكر مصطفى سليم وما أحدثه من ضجة وتداعيات يشكل ، من وجهة نظرنا ، محطة مهمة من محطات النضال من اجل أن تظل الجامعات في العراق بعيدة عن النشاطات السياسية والحزبية . ونطمح لان تكتب عن هذا الموضوع رسائل وأطروحات.. ونأمل في أن يضع الباحثون تلك المرحلة في حيزها التاريخي العلمي الموضوعي ،وتدرس بصبر وأناة وحيادية لمعرفة أسباب وظروف ونتائج الصراع السياسي الذي شهده العراق منذ أواخر الخمسينات وأوائل الستينات من القرن الماضي بين الشيوعيين والقوميين ، وانعكاس ذلك على وضع العراق ومستقبله ضمانا لعدم تكرار مثل ذلك الصراع ، وحفاظا ليس على استقلال الجامعات فحسب بل وضع الأسس لعدم تكرار مثل تلك الحالات ضمانا لمستقبل الأجيال في عراقنا العزيز .

*المقال نشر لاول مرة في موقع الحوار المتمدن ..الموقع الفرعي ل”ابراهيم خليل العلاف ” يوم 9-3-2012
**الصورة للدكتور شاكر مصطفى سليم كما كان يظهره احد رسامي الكاريكاتير عند كتابة مقالاته وقد أخذت من (موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين) للأستاذ حميد المطبعي وللأسف لم استطع الحصول على صورة جيدة له .

*عن موقع الاستاذ الدكتور ابراهيم العلاف

شاهد أيضاً

ثامر الحاج امين: الإنسانية المنتهكة في رواية (حياة ثقيلة) (ملف/130)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (31) (ملف/129)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

خبر لوكالة رويتر عن رواية “حياة ثقيلة” للروائي سلام إبراهيم
حياة ثقيلة.. رواية تصوّر كابوس العراق بعد صدام (ملف/128)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *