الرئيسية » نصوص » رواية » كلشان البياتي : خليلة كلكامش

كلشان البياتي : خليلة كلكامش

خليلة كلكامش
كلشان البياتي

قلبي يؤنبئني بأن نينوى “أرض الحياة” ليست بخير وأن خطراً ماحق يحدق بها وجميلات نينوى اللواتي يهبن الحياة للكهول و(الشيابّ) مثلي أضحين سبابا .
حلوات نينوى ذوات الفساتين الحمر المخملية ، حبيبات كلكامش يذبلن مثل ذبول الورود في حداىق نينوى .
براكين وزلازال وطوفان الدم ،أرض الحياة تغرق بالأوحال والدماء ، تلتهما النيران والأحقاديا جوليوس .
كائنات خرافية أستغلت غيابي فأوغلت خراباً ودماراً وسفكاً للدماء والأنفس .
عقلي يؤنبئني أن التنين الشرير أستعاد نشاطه بعد فنائي ..
هذا ما قاله كلكامش لوزيره جوليوس عندما أستفاق من نوم أبدي استغرق أكثر من ستة ألف سنة .
نصحه الوزير جوليوس أن ينام ألف عام أخر ويستفيق بعد آلفية أخرى –تكون الحياة في حالة أبهى تستحق أن يُخلد فيها المرء .. قال أن أهل الأرض في هذه الألفية تحديداً _ يعانون من بشاعة الحياة والمرء فيها أما قاتل أو مقتول !!
لكن نوبة البحث عن الخلود ، الرغبة التي لا تنطفئ ولا تخمد نيرانها – أستيقظت في نفس كلكامش وهو يكابد هذه الرغبة !!
في غمرة الألم والأسى ومرارة الشعوربالوحدة ، تاقت نفسه إلى الخلود مجدداً .. الحلم الأزلي الذي ولد ونشأ معه وطاف معه الممالك السفلى .
نفض التراب عن جسده وناد بعلو صوته : ياكبير الخدم ، جهزوا عربة الخلود ، إني مسافر إلى ديار الأحباب والخّلان .
أعتاد ملك الملوك , كلكامش العظيم, أن يستفيق من نومه ويفض التراب عن جسده كلما مر ّ ألف عام أو ألفين أو ثلاثةأعوام على غفوته الأبدية في المملكة السفلى .
أرتاى أن يقوم بجولة ترويحية في الكون ماراً على الأقوام والأمم والأزمنة ، يوقف عربته في هذه المملكة وتلك وعندما يمل ّ من نزهته ويشعر أن رغبته في الخلود قد وأدت تماماً واستطاع من كبح شهوته وأرتوى عطشه –ينزل إلى نعشه ويطلب أن ينهال عليه التراب طالباً عدم إيقاظه -يغمض جفنه وينام نوماً سرمدياً ممسكاً بتلابيب دماغه عن فكرة الخلود الأبدي .
في هذه الأستفاقة – قال لحاشيته ولخدمه : حضروا لي عربة الخلود الملكية ، سأخرج إلى أرض نينوى المباركة -أرض أجدادي وأسلافي لأصلي في محرابها ومساجدها وكنائسها وأحصل على مبتغاي من الخلود.
قلبي يوخزني أن نينوى ليست بخير وأنها تعاني وتكابد …
التفت كبير الخدم إلى وزراء الملك وإلى حاشيته وأهل بيته محاولاً ثني الملك عن قرار السفرإلى نينوى وهي مازالت تحت قبضة ( داعش وماعش) لكن كلكامش صرخ في وجهه قائلاً له : ماذا دهاك يا كبير الخدم ، هل نسيت أني ملك الملوك ، الباحث عن الخلود ، أنا كلكامش الذي لا يمل ّ ولا يكل ّ ، لا يخاف ولا يقلق ولايئن ..حان الآوان لأحصل على الخلود ..
أغلوا لي عشبة الخلود لأجرع منه كأساً وأنا أهم ّ برحلتي المباركة إلى نينوى العظيمة التي لا تسقط لها منارة ولا جدار ، ولا تذبل فيها وردة ، ولا تموت شجيرة ولا تشيخ شجرة .
نينوى ستهبني الخلود الأبدي ..
التفت الخدم إلى بعضهم بعضاً واحنوا رؤوسهم أرضا والدموع تترقرق من أعينهم لكن الوزير جوليوس أستدرك الموقف عاجلاً فقال له : أمرك مطاع يا جلالة الملك ، نينوى تتوق إلى أطلالتك البهيّة وستسترد رونقها وبهائها ما أن تحط ّ العربة الملكية في بقاعها وتجول وتصول في ربوعها الخضراء .
قال له كبير الخدم :إن الحية ّ الصفراء المّرقطة قد أتت والتهمت العشبة ولم تترك من النبة شيئاً يذكر ، الأفعى التي تجرأت قبل عصور أن تلتهم العشبة وتحتكر الخلود لجنسها .
تجاهل كلكامش أمر الحية ّ المرقطة ّ التي أكلت العشبة ما أن تراءى له وجه بشوش ينثر النور ّ ، وجه امرأة موصلية في غاية الفتنة والجمال ، فقال لنفسه : سأتخذها خليلة وأنيسة وأنصبها ملكة على مملكتي أن ضمنتُ الخلود في أرض نينوى .
أدار كلكامش وجهه المعفر ّ بالتراب وأستقل العربة متجهاً نحو بلاد مابين النهرين حيث تقع نينوى أرض أسلافه ، ضرب بسوطه على حصانين ملكيين يجران العربة فطارت في الهواء محلقة ّ كأنها طير من طيور السماء ..مرت العربة بين النجوم والكواكب والنيازك الصغيرة .. أعاد الضرب بالسوط ، زاد الحصانان من سرعة الجريفي الهواء وكلكامش منتشي تنازعه رغبة الحصول على الخلود –حلمه الازلي الذي لا يفارقه ولا يخلع جلبابه عن جسده .
حين دخلت العربة المجال الجوي لأرض نينوى ، اصطدمت بجسم طائر ، فقدت العربة توازنها وهوت على الأرض ، عندما أراد أن يتعرف إلى الجسم الطائر قال له الوزير جوليوس أن طائرات التحالف الدولي تقصف أرض الحياة بحثاً عن داعش . داعش الذي احدث الخراب في المدينة وأستولى على مقاليد الأمور فيها .
شم ّ كلكامش روائح يألفها أنفه فحدثه نفسه أن هذه الرائحة رائحة عشبة الخلود الموجودة في أرض نينوى – هنا سقطت بذرة من بذار الخلود الذي كان ينثرها في رحلة من رحلاته المكوكية بحثاً عن الخلود فهوت بذرة ثم سقطت دمعة فوقها فروتها ويقال أن نينوى منذ أن سقاها كلكامش بدموعه أصبحت أرض خلود لا يموت فيها كائن – جنّ أو أنس .. دموعه وهبت الحياة للأرض والشجر والماء والطير ..
كان الظلام دامساً والنجوم صغيرة لا تنير ما حولها ، عتمة لم يصدف كلكامش مثلها من قبل .. أعتصر الألم قلبه وشعر بالأسى والحزن وحمل النسيم إلى أنفه _ رائحة الدم الذي ينفر ّ منها .
جال ببصره فشعر أن روحه تكاد تنخلع من صدره وأقفاص صدره تكاد تنفلق من جسده – مابال نينوى حزينة ، مظلمة لا حياة فيها .
من يجرؤ أن يغمر نينوى بكل هذا الآسى ؟ تسأل بصوت عال فأجابه الوزير جوليوس : إنه داعش يا مولاي . رفع كلكامش رأسه وحملق في الوزير فأرتعب الأخير وبلع ريقه .
من هذا الحيوان الذي تجرأ على أرض الحياة ؟ أهو التنين الشرير المتوحش الذي خلعت رأسه من جسده قبل فنائي الأخير ؟
بحث عن منارة الحدباء فلم يعثر على أثر لها –خاطب الحصانان اللذين يجران العربة ، يا صديقاي الوفيان: مرا فوق منارة الحدباء وأقرا فوقها الصلوات عسى أن ترد صدى صوتكما .
أخذ الحصانان يجولان بعينهما باحثين عن المنارة فأستشاط كلكامش غضباً فصرخ فيهما : يبدو أنكما هرمتما وخف ّ الضوء في عينكما ، ساحيلكما على التقاعد .رد الحصانين: إن المنارة قد هوت وسوت مع التراب لكننا لم نجرؤاأن نخبر جلالة ملك الملوك خوفاً عليه من الآسى وبينما هما يحدثان الملك ، أصابهم وابل من رشقات الرصاص فأصيب عجلتي العربة .
صرخ كلكامش : أهبطوا أرضاً وابحثوا عن مصدر النيران .
من يجرؤ أن يستهدف عربة كلكامش ، ساحيله تراباً ، ويبقى ملعونا ،منبوذاً ..
هبطت العربة ببطء ووقفت فوق تلة ترابية ، دفر كلكامش الباب برجليه وهو غاضب ، أحاط به ملثمون مدججون بالسلاح ، صرخوا في وجهه : سلم ّ نفسك يا مسلح أنت مطوق ّ من كل مكان .
تقدم صوبه الجندي علاء وأراد أن يضربه بأخمس بندقيته ، أنصهر بندقيته وتحول إلى ذرات من الرماد تطاير في الأفق .. تسمر ّ الجنود في مكانهم ، صرخ أحدهم : أنتشروا ، داعش يرتدي حزام ناسف.بهت كلكامش وجال ببصره في المكان ، بحثاً عن داعش فلم يجد في المكان غيره !!
جاء صوت أنفجار آخر من مكان آخر فوجد كلكامش نفسه وحيداً لا يعي ما يدور حوله . لم يسمع مثل هذه الأصوات من قبل ولم تقع عيناه على أجسام تنفجر في الفضاء وتبحث دخاناً وناراً في الأفق .
عم ّ الهدوء ، فأخذ يمشي عله يجد أنساً جناً يتحدث إليه ويفهم ماذا حل ّ بنينوى العامرة بالحياة ..
وهو يسير ، عثر على جسم تعثر فيه وأوقعه ارضاً ، ينام فوق كومة من الأحجار –نبئه نفسه أن تحت كومة الأحجار هذه – جسم يتحرك ونفس يتأوه ..رفع الأحجار ، حجراً حجراً ، فأنتشل جسم صبي صغير لا يتجاوز عمره الأربعة سنوات .. حمله في حجره وأخذه بين ذراعيه يبحث عن مكان يعالج به جسد الصبي – دفر باب أحدى الدور ودخل إلى الحجرة من الحجرات ومد ّ الصبي على طوله واخذ يعالج ما به من جروح ورضوض.
شعر بالسكينة بعض الشيء ، حدثه نفسه أن يبقى في هذا البيت حتى يتماثل الصبي إلى الشفاء لكن الأصوات عادت تظهر من جديد فعاوده الخوف ثانية ..
داهمه الجوع والعطش وهو مستلقٍ فوق السرير ، قرر أن يخرج إلى الحديقة ويقطف تفاحا وبعض الأوراق الخضراء وبعض الثمار من الأشجار الباسقة ، عندما دخل المطبخ وفتح البرادّ وجد صحون كثيرة مملوءة بأطعمة كثيرة : كبة موصلية ولحم بعجين وصحن سلطة تبولة وصحن ملفوف ورق عنب وأبريق من شراب الرمان وتمر الهند ..
يتبع …

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *