تابعنا على فيسبوك وتويتر

سؤال الحنين المُفضي الى الإبداع
هدية حسين

الحنين هو الجمرة التي لا تخمد، الى صديق فقدته في الحرب، الى جلسة تضمك مع الأهل وأنت المُبعد بخيارك أو رغماً عنك، الى وطن شط عنك على الرغم من أنه يعيش فيك فتخدع نفسك باختراع وطن خارج حدود ذكرياتك لكنك تستدعي وطنك وأنت تشيد الوطن المخترع.. وسؤال الحنين هو الذي قاد المبدعة المدهشة ايزابيل الليندي الى كتابها (بلدي المخترع) السيرة الذاتية التي لم تعد تاريخاً شخصياً فقط وإنما تاريخ بلد اسمه تشيلي.. ويأتي هذا الكتاب ضمن ثلاثة كتب في السيرة هي (باولا) و (حصاد الأيام) و (بلدي المخترع).
سؤالان قادا إيزابيل الليندي إلى هذه السيرة، الأول ملاحظة من حفيدها عندما قال لها وهو يراها تتطلع في المرآة (لا تهتمي يا عجوزي، ستعيشين ثلاث سنوات على الأقل) والثاني من أحد الشباب في إحدى الندوات (ما الدور الذي يلعبه الحنين في رواياتك؟).
الملاحظة الأولى من حفيدها جعلتها تلقي نظرة على حياتها وماذا ستفعل في هذه السنوات الثلاث المتبقية من عمرها، أما السؤال الثاني فقد قطع عليها الهواء كما تقول (لأنني حتى هذه اللحظة لم أنتبه الى أنني أكتب كتمرين متواصل عن الاشتياق.. طوال حياتي كنت غريبة تقريباً، وهو الوضع الذي أقبله، لأنه لا خيار آخر أمامي، وجدتُ نفسي مرات عديدة مجبرة على المغادرة) وتواصل إيزابيل الليندي الكلام عن الحنين بالقول (الحنين عيبي، الحنين شعور حزين، يكاد يكون من المحال تقريباً التطرق للموضوع دون الوقوع في العاطفية، لكنني سأحاول).
ومحاولة الكاتبة ليست سهلة، لأن الإجابة طويلة وشاقة، وهكذا بدأت بكتابة البلد المخترع بعد طول ترحال منذ أن غادرت بلدها تشيلي عام 1979 بعد الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال أوغوستو بنوتشيت.. وعن ذلك تقول (انفطرت حياتي، ما من شيء عاد ليكون ما كان من قبل، فأنا خسرت بلداً) لقد أصبحت غريبة في بلدها في عالم يسوده الخوف والخراب، وغريبة خارج بلدها حيث تنقلت في بلدان عديدة قبل أن تستقر في أمريكا.
(بلدي المخترع) سيرة وطن قبل أن يكون سيرة شخصية، لقد اندغم الخاص بالعام، وتحدثت فيه عن وطنها أكثر مما تحدثت عن خصوصياتها، عن سنوات التشكل الأولى لهذا البلد، وعن الزعماء وأبناء البلد الأصليين، وأحوال الطقس المتقلبة، إنها تفيض بالسرد عن جعرافية تشيلي، وعن موقع بلدها من العالم، عن جباله وصخوره وثلوجه الأبدية وطقسه المتنوع وارتباط الناس بالأرض، وتستذكر إحدى الرحلات الى شمال الوطن عندما كانت طفلة رافقت أسرتها بالقطار الذي يسير كالسلحفاة، وتصف ما رأته من أحجار متكلسة ومقابر مهجورة وأبنية خربة وغبار متواصل في نهار حرارته مرتفعة وعطشه لا ينتهي.. خريطة ملغومة بكل المتناقضات، من الجفاف الى الخضرة والمراكز الصناعية في الجنوب حيث الغابات والبحيرات والبراكين والأمطار، تاريخ ممتد في الأرض تسطره لنا ايزابيل الليندي بالأرقام والوقائع لنلم بكل صغيرة وكبيرة ونقف على بلد فيه من العجائب قدر ما فيه من الغرائب، وتقدم لنا دعوة مفتوحة لا تكلف الكثير من العناء (كي يرى المرء بلدي عليه أن يقرأ بابلو نيرودا، الشاعر القومي الذي خلد بأشعاره المناظر الشامخة والنكهات والأسحار والمطر العنيد والفقر الكريم وحسن الضيافة).
تتحدث عن أسرتها وعن الحياة في مدينتها سانتياغو، تحكي عن تاريخ هذه المدينة، أيام كانت وبعد سنوات طويلة حينما زارتها فلم تعرفها (تبعثرت سانتياغو مثل أخطبوط مجنون) ولا تنسى أن تذكر قطاع الطرق والفقرالمدقع وعادم السيارات القديمة، ثم ترصد المدن الأخرى وما خزنته ذاكرتها، الشواطىء والخلجان والقرى الساحرة ودور السينما وطقوس يوم الأحد ورائحة الخبز، أما أسرتها فتقدمها للقارىء بإسهاب، وتتحدث عنها بأدق التفاصيل، العائلة والأقرباء والعادات الغريبة والجدات وحكاياتهن العجيبة.
حين عادت ايزابيل الليندي الى وطنها بعد زوال الدكتاتورية، لم تجد ذاك الوطن الذي حافظت عليه في ذاكرتها زمناً طويلاً، فلا الناس هم الناس ولا تفاصيل الحياة كما كانت.. لقد تنقلت من بلد الى بلد (لبنان وسوريا وفنزويلا ثم أمريكا) وتنازلت عن أشياء كثيرة، وبقيت غريبة في بلدها الأول تشيلي، وبلدها الثاني أمريكا، وما يؤلمها هو سوء الفهم ممن هم في الداخل وفي الخارج (لاحظتُ أن الكثيرين ممن بقوا في تشيلي وعانوا، يعتبروننا نحن الذين غادرنا الوطن، خونة، ويفكرون بأن الحياة في الخارج أسهل.. ومن ناحية أخرى لا يخلو الأمر من منفيين يتهمون الذين بقوا في البلد بالمتعاونين مع الدكتاتورية).. لذلك كله ولأسباب وتفصيلات كثيرة في كتابها، كان على ايزابيل أن تخترع لها بلداً منذ اللحظة التي غادرت فيها بلدها، دون أن تسقط من ذاكرتها وطنها الأصلي، وسنجد بعد هذه الرحلة الطويلة أنها لم تقع في فخاخ الحنين بدرجة كبيرة، إنها امرأة فهمت لعبة الحياة ووائمت بين الممكن والمستحيل، لم تلعن المنفى كما فعل الكثيرون، ولم تقطع الصلة بالأرض التي ولدت عليها، تلك الأرض التي هي أرض الحنين ومنبع الإبداع.

 


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"