قصي الشيخ عسكر : قاموس المنقلب والمتحوّل من الكلمات (1)

قاموس
المنقلب والمتحوّل من الكلمات (1)
قصي الشيخ عسكر

يعود اهتمامي بموضوع اللغة إلى أيام المدرسة الثانوية حيث كنت مغرما بموضوعي القواعد والنحو والصرف وكنت بعد المدرسة أذهب لاتعلم اللغة وأسرارها على يدي مدرس قدير معروف بالبصرة هو العلامة المرحوم الأستاذ محمد جواد جلال(1) الذي لفت نظري إلى كثير من الأغلاط الشائعة التي نجدها في الصحف ووسائل الإعلام الأخرى بل تكاد كتب الأدب والبحث لا تخلو منها.
واستمر شغفي بموضوع اللغة إلى المرحلة الجامعية فكدت أختار في البحوث التجريبية التي اعتادت الجامعة أن تكلف بها الطلاب في السنتين الثانية والرابعة موضوعا في اللغة لولا أن تحدث معي الدكتور حسن البياتي (2) قائلا لي مادمت صاحب موهبة شعرية وروائية فإن التخصص في اللغة يقضي على موهبتك بحكم جفاف موضوع اللغة والنحو والصرف وخلوه من الخيال وخضوعه للروتين والمنهجية وأيده في ذلك الدكتور زاهد العزي (3) ، فانصرفت عن الكتابة في اللغة إلى البحث الأدبي.
كان ذلك في العام الدراسي 1971/1972 ،فاقتنعت بالفكرة ووضعت جانبا قصاصة ورق دونت عليها بعض الكلمات المنقلبة التي بقيت عاقة في ذهني منذ ذلك الحين.
غير أن الحنين إلى قضية اللغة يبقى دائما في أعماق الكاتب لاسيما وإني حفظت كتبا نحوية عن ظهر قلب تقريبا مثل”ألفية بن مالك”، وأعجبت بكتاب “شرح قطر الندى وبل الصدى” فقرأته أكثر من مرة وهناك أيضا “شذا العَرْف”وغير ذلك من الكتب التي تعنى بالنحو والصرف، أقول ظل ذلك الحنين خافتا ساكنا حتى بعث لي الدكتور سعيد الزبيدي (4) مشكورا كتابه الموسوم ” من معجم الجواهري ” الذي أثار في نفسي موضوع اللغة ثانية بعد فراق طويل، فتذكرت كلمات منقلبة ومتحولة كنت قد دوّنتها من أيام الجامعة وبعضها اكتشفته حديثا وإذا بي أجدني ألفت قاموسا صغيرا في المنقلب والمتحول من الكلمات.
إن قضية انقلاب كلمة من معنى سلبي إلى معنى إيجابي أو العكس متأصلة الجذور في اللغة العربية فقد وجدنا ذلك في عصر صدر الإسلام إذ تذكر كتب الأدب أن عمر ذكر امرأ القيس فقال عن تأثيره في الشعراء ” إنه خسف لهم عين الشعر، وافتقر عن معان عور” (5) ،ولو تصفحنا قواميس اللغة وما يعنى بها من معاجم لوجدنا أن عور تعني فقدان بصر العين لكن الكلمة أصبحت معنى جماليا إبداعيا يخص المعاني المبتكرة الجديدة فهي منقلبة من معناها الأصلي إلى معنى آخر ، ليس هذا فحسب بل ما إن يأتي العصر العباسي حتى نجد اللغويين والبلاغيين والنقاد الأوائل يضعون مصطلح ” استعارة” فيُعرِّفونه ويؤلفون فيه، والاستعارة حسب تعريفها الشائع تشبيه حذف أحد طرفيه، أو وفق تعريف الجرجاني” أن تريد تشبيه الشيء بالشيء ، فتدع أن تفصح بالتشبيه ، وتظهره وتجيء إلى اسم المشبّه به فتعيره المشبّه وتجريه عليه” (6) أما من حيث الأصل فإنّّ كلمة “استعارة “وفق الرجوع إلى المعاجم اللغوية مشتقة من عور (7) ، من هذا المنطلق تكون الكلمة انقلبت مرة من النقصان ” عور العين” إلى الجمال” معان عور” ثم تحولت إلى مصطلح بلاغي ” استعارة”.
وأودّ الإشارة إلى أنني أشرت في بعض المواضع إلى كلمات قليلة انقلبت في بلد عربي إلى معنى سلبي ولم تنقلب في جميع البلدان العربية وهي كلمات تمثل خصوصية تلك البلدان وربما يكون معناها المنقلب يُعنى بالعامية في ذلك البلد مثل انقلاب كلمة ” عير” في العراق و ” زامل” و ” حوى” في المغرب ولعلنا لو استعرضنا البلاد العربية كلها لوجدنا – ربما- العشرات من مثل تلك الكلمات.
ومادمنا بصدد الحديث عن الانقلاب فيمكن القول إن الانقلاب لايخص العربية وحدها إذ يمكن أن نجد له مثيلا في اللغات الأخرى ومنها اللغة الإنكليزية كلمة solicitor تعني الآن في بريطانيا المحامي فتجدها في الصحافة ووسائل الإعلام وعلى أبواب مكاتب المحامين وفي حديث الناس الشائع، في حين أن الكلمة وفق البحوث الإنكليزية ذات جذر قديم يعني النشوة الجنسية بخاصة العاهر !! (8)
ومثلما انقلبت كلمة solicitor من معنى سلبي إلى آخر إيجابي متداول الآن نجد أن كلمة gay وتعني الفَرِح السعيد وهي تعادل happy أصبحت تدل الآن وفق الرؤية المعاصرة على معنى آخر تعده نحن الشرقيين بمفهومنا يدل على السلب.
ومن الكلمات التي انقلبت من معنى إلى آخر فسميت حينها كلمات مولدة ما نجده شائعا الآن ومنها كلمة ” قحبة” تذكر العاجم اللغوية أن قحب تعني سعل، والقحبة العجوز،والقحبة الفاجرة أصلها من السعال لأنها تسعل أو تتنحنح لتجذب الزبائن وهي مولَّدة (9) ، ونظنه انقلابا من سيء إلى سيء أو أكثر سؤا لأن السعال في الكبر يدل على معنى سلبي يخص الضعف والوهن وفساد الجوف، فينقلب إلى معنى البغاء وهو معنى سلبي أيضا.
ولعلنا ندرك أن لانقلاب الكلمة أسبابا عديدة ، فمنها السبب السياسي، كما في كلمة ” إسرائيل” التي أصبحت بنظر العرب والمسلمين من المكروهات والمحظورات، وهناك العامل النفسي مثل ما يستحب من التسمية لله فنقول عبد الله وعبد الخالق وعبد الحميد لكننا نكره كراهة شديدة أن نسمي مولودا عبد المميت مع أن المميت من أسماء الله الحسنى، وهناك أيضا الانقلاب لسبب عنصري أو قومي، أو طائفي مثلما نقول استكرده، أعجمي، رفضي أو رافضي، ومن الانقلاب مايكون سببه التشابه اللفظي بين كلمة وأخرى صرم، قطع، ورسم نهاية المعي، وقد بينا في كلمة استعارة أن الانقلاب يأتي أيضا لغاية جمالية من القبيح إلى الجميل ومن الجميل إلى القبيح، وهناك انقلاب يتأتى من باب التفاؤل والتشاؤم، فإذا كانت الصحراء مهلكة فإن العربي أطلق عليها مفازة من باب التفاؤل ليس إلا.
وقد تبقى الكلمة كما هي في حالة الانقلاب دونما تغيير يطرأ على بنيتها وربما تصبح مضافة أو تتعرض لاختصار.
أما المتحوّل فنذكر بكلمة كافر التي تعني الساتر الذي يستر الأشياء وماتزال كلمة كفْر تتردد على الألسن في سوريا وفلسطين بمعنى الأرض المزروعة التي يسترها الزرع يقول لبيد في معلقته:
حتى إذا ألقت يدا في كافر وأجن عورات الثغور ظلامها (10)
حيث تحولّت الكلمة بعد الإسلام إلى مصطلح آخر ذي دلالت تخص الإيمان والتوحيد.
وسيجد القاريء الكريم أن هناك بعض الكلمات تحوّلت من لغة أخرى إلى العربيّة أشرت إليها في موضعها وهي قليلة حيث تعني في لغتها الأصليّة معنى معيَّنا،وعندما دخلت العربيّة أصبح لها مفهوم آخر، في الوقت نفسه أودّ أن أشير إلى أنّ الانقلاب والتحوّل لا علاقة لهما بموت الكلمة فكثير من الكلمات لم يعد أحد يستخدمها مثل كلمة ” الصامغان” وتعني زاوية التقاء الشفتين وغيرها من الكلمات التي تكاد تموت أو ماتت وبقيت محفوظة في القواميس وهي بلا شك تحتاج إلى دراسة وتأمّل.
إن الانقلاب والتحوّل في اللغة- أية لغة كانت- يدلّ على حيويتها وتطوّرها وتكيّفها مع ظروف المجتمع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية لكي تستوعب متطلبات مجتمعها،لذلك حين نروم أن نعرِّف مدلول كلمة ما فإنّ علينا أن نتعايش مع معناها في إذهان الناس خلال عصر معيّن لا أن نجري عليها حكما عام يوقعنا في اللبس، والاستنتاج الخاطي. وفي الصفحات التالية يجد القاريء الكريم ماعثرت عيه من كلمات منقلبة ومتحولة كنت قد جمعت بعضها – كما نوهت في بداية الحديث- أيام الدراسة في جامعة البصرة والله ولي التوفيق.

هوامش :

(1). الأستاذ المرحوم محمّد جواد جلال، مدرّس لغة عربية، عالم لغة قدير بمنزلة المرحوم الدكتور مصطفى جواد، استعانت به جامعة البصرة لإلقاء دروس ومحاضرات في بداية تأسيسها، له مؤلفات عديدة، وقد درست على يديه العروض والشعر والصرف.
(2). الدكتور حسن البياتي،خريج الاتحاد السوفيتي، جامعة موسكو،يعدّ هو والمرحومة نازك الملائكة المؤسسين لقسم اللغة العربية العربية في كلية الآداب بجامعة البصرة.درّس أدب الفترة المظلمة والعروض، وله مؤلفات كثيرة بين الشعر والدراسة والترجمة.
(3). الكتور زاهد العزي، خريج يوغسلافيا السابقة درّس في جامعة البصرة الأدب الجاهلي، والنقد الأدبي،والنقد المسرحية اليونانية.
(4). الأستاذ الدكتور سعيد جاسم الزبيدي، شاعر وكاتب ولغوي عراقي أصدر عددا من الدواووين الشعرية وكتبا في اللغة، عمل أستاذا في جامعات العراق وبعض الجامعات العربية، ويعمل الآن أستاذا للغة العربية في جامعة “نزوى” بعمان.
(5). ابن قتيبة، الشعر والشعراء ،تحقيق أحمد محمد شاكر،دار المعارف، 1 / 127.
(6). دلائل الإعجاز ، الجرجانيّ، قرأه وعلّق عليه محمود محمّد شاكر أبو فهر،مكتبة الخانجي ، القاهرة، ص67.
(7). ابن منظور، لسان العرب، مادة عور.
(8). Etymology on line dictionary ,solicitor.
(9)ز ابن منظور، سبق ذكره، مادة قحب.
(10). ديوان لبيد بن ربيعة العامري، دار صادر بيروت ، ص 176.

شاهد أيضاً

طلال حسن: عصر الديناصورات (قصص للأطفال) (18/القسم الأخير))

الديناصور 1 ــــــــــ عادت الديناصورة العشبية إلى وكرها ، عند غروب الشمس ، بعد أن …

طلال حسن: عصر الديناصورات (قصص للأطفال) (17)

ديناصور وديناصورة 1 ــــــــــ ككل صباح ، تأهبا للذهاب إلى المروج لتناول طعامهما من الأعشاب …

غانم عزيز العقيدي: دلامـــــة والخائن طوكان (قصص قصــيرة) (1)

دلامة والخائن طوكان بسبب كبر سنه وتعرضه الى الخسارة في عديد من المرات التي كان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *