مهدي شاكر العبيدي: التركيب اللغوي لشعر السياب

عثرْتُ بكتابٍ يحمل عنوان ( التركيب اللغوي لشعر السياب ) لمؤلفه الدكتور خليل إبراهيم العطية في إحدى المكتبات بدمشق اعتادَتْ منذ تأسيسها ـ على ما يبدو ـ ترويج الأدبيات والمطبوعات المعنية بشؤون الأديان والمذاهب والطوائف والفرق والحركات النازعة لإحداث الجديد والموائم لقيم العصر في مواقفها وتوجهاتها ، كي لا تظلَّ النظرة حيال أقطابها ووجوهها على حالها من وسمهم بالارتجاع والجمود ، واحتذائهم في سلائقهم للمبادئ السَّلفية ، وتردُّدهم في التكيُّف والمستجدات الحضارية وقبول فاعليتها في حياة المجتمع الإسلامي ، فاستغربْتُ لذلك أو منه ثلاث مرَّات ؛ فأمَّا الأولى فلأنـَّه لمؤلف عراقي وقد أصدرته دار المعارف للطباعة والنشر    بتونس ، وأخرجته بهذا الشَّكل الرَّائع الجميل بدءا ً من الحجم المناسب والتغليف القشيب ، وانتهاءً بهذه الحروف الطباعية الأنيقة والمستخدمة في إنجازه على أتمِّ ما يكون الإنجاز من البداعة والرَّوعة ، وتشويق القارئ للوقوف على وجهة نظر جديدة بصدد شعر بدر شاكر السياب بعد أنْ شغف الدَّارسون في تحليل نتاجه الغزير وذهبوا مذاهب شتى في تقويمه ، وتوزَّعَتْ آراؤهم وأحكامهم بين أنْ يستدلَّ فريق منهم بإبداعه وجدَّته وقوة تصويره وتمثيله طريقة مستحدثة في الأداء والنسج الشِّعري ، تجاوزَتْ منوال الشُّعراء الرُّومانسيينَ والرَّمزيينَ ممَّن لزموا نفس الشَّكل التقليدي المتوارث ، غير أنـَّهم أوفوا على شيءٍ من الطلاوة والرَّهافة الوجدانية في تعبيرهم ، وجاوزوهم لحدِّ الغلو والإسراف والمبالغة في الاتصال بالحياة وتناول موضوعاتها وجعلها من  أغراضهم الشِّعرية ، وبين أنْ يزري فريق آخر ويهوِّن من صنيعه الفني وتجديده الشِّعري ويتحرى هناته الأسلوبية ، عادا ً كلَّ ما استخدمه في قصائده من رموز وأساطير هو مقحَمٌ ومفروض على سياقها وقاصرٌ عن تمثيله وقيامه بوظيفةٍ ما ، ويتطرَّف أكثر فيشين بالقالب الجديد الذي يختلف الأدباء والناقدون حول تشخيص أيٍّ من الشُّعراء سبق غيره إلى هذا اللون من البيان وابتدعه بدعوى تجديد الشِّعر العربي وتطويعه لمقتضيات العصر .

       وأمَّا الثانية فلأنـِّي بُوْغِتُّ بأنَّ ما بيدي الآن هو الطبعة الثانية المفروغ منها عام 1999م ، بعد أنْ طبع ببغداد عام 1986م ، دون أنْ أخلص إلى دراية وعلم ٍ به ، لأنَّ المنابر الإعلامية وقتذاك كانتْ موقوفة على المجهودات الحربية أكثر من انشغالها بالدِّعاية للمشروعات الثقافية ، ويجوز أنـَّه خلال المدَّة بين ذينك التاريخين ِ مكث المؤلف في تونس أستاذا ً للآداب العربية في جامعتها على سبيل الانتداب من جامعة البصرة ، فوافى تلك الجهة الناشرة بنسخة منه لتعيد طبعه ثانية ، وانتهَتْ منها دون أنْ يصل إلى يده نموذج منها ، فقد غادر هذه الدُّنيا الفانية إبَّان تلك الآونة ، وكان في وفرة من الصِّحة والعافية والتظاهر بمحبَّة الحياة والإقبال عليها ، مع أنـَّه ينطوي على شجن ٍ وهم ٍ لاعج ٍ مأتاه إشفاقه من وجود أحد أشقائه في المهجر وفرقه من احتمال تعرُّضه للمساءلة عن عدائه ومناوأته للسُّلطة القائمة وتنديده بسياستها من خلال الإذاعات الخارجية لا أنْ تعُفَّ وتدين كلَّ إنسان بجريرته .

       والباعث الثالث والأخير لهذا الاستغراب فلعلـَّه أبينها وأسدُّها وأقمنها بالتدبر والالتفات والارتياب بغايات كاتبه من ورائه واكتناهه بغيته ونزوعه لدراسة شعر السياب وتفلية نسيجه الفني ، والانتهاء منه إلى القطع بترسُّله بمحض العفوية والصُّدور عن الطبيعة الخالصة مراعيا ً ملتزما ً للفصاحة العربية ، وموفيا ً محيطا ً بشرائطها وعناصرها ، أو خلاف ذلك من الإخلال بالقواعد الصَّحيحة التي جرى عليها السَّابقون في تجسيد خواطر نفوسهم ، وعوَّلوا في تعبيرهم على ألفاظ ومفرداتٍ لا وجود لها في العربية ، أو لم يتداولها العرب وينبو عنها ذوقهم وفطرتهم وما يلحق بهذه الخصيصة من إقحامهم بقالبهم الإشارات والرُّموز والحكايات الأسطورية ، فتبين مقطوعة الصِّلة بها دون الإيحاء والتدليل على قيامها بوظيفة ما ، منتحلينَ لتورُّطهم في ذلك مسوِّغات شتى من قبيل كلفهم بالاستعارة والمجاز والفنون البلاغية الأخرى قصد الإيهام باحتوائهم محصولا ً ثقافيا ً غزيرا ً من الثقافات الإنسانية وانفتاحهم على العالم ، وإلا فعهدي بالمرحوم الدكتور خليل إبراهيم العطية أنـَّه من حماة التراث اللغوي في بلده وأحرص في اهتماماته الفكرية على إيلاء النتاجات المعنية بموروثات السَّلف وتحليل معطياتهم منه إلى العناية بآثار المحدثينَ ، لأنَّ تلك تتميَّز من وجهة نظره وغيره من المنصرفينَ لإحياء كتب الأقدمينَ ورسائلهم ، بالأصالة والقوَّة والعمق والإشراق والصِّحة والبهجة والتمام إلى غيرها من المواصفات والسِّمات ، وتنبي عن أنَّ منتجيها ومبتدعيها يستوحونها من واقع حياتهم ولم يتعجـَّلوا في صياغتها وحبكها والإبانة عمَّا يخامرهم ويساورهم من خواطر وخلجات ومعان ٍ ، دون أنْ تختمر في وجدانهم ويستوثقوا من قدرتهم على التجسيد والإفصاح على شاكلةٍ تعكس أنصبتهم من تفهم موضوعهم واحتوائه والإحاطة  بأسبابه ، وتشي بحماستهم واندفاعهم وحيويتهم ، وتنمُح عن مقدار جهدهم واستغراقهم في صقل مواهبهم وتثقيف عقولهم وإفعام نفوسهم بالتطرية والرَّهافة والرِّقة حيال كلِّ ما ينزل بالآدميينَ من حولنا من بأساءٍ وضيم ، مجانبينَ طرائق شباب الأدب هذه الأيَّام في الاقتصار على قراءة الأعمال الأدبية الهابطة والسَّطحية والتي لا تغني في شحذ الملكات الذهنية وترقية العقل وتهذيب الوجدان ، مندفعينَ في ذلك ومنصرفينَ له بعامل حبِّ الاشتهار والظهور .

       لذا أقطع بأنـَّه بانصرافه لقراءة شعر السياب بمجموعه وإمعانه نظرا ً لتراكيبه اللغوية ومعاينة ما أوفى عليه من صور التجديد ولو بالميل إلى استخدام ما لم تألفه العربية الفصيحة في استعمال أدواتها ، وغير مبال ٍ ولا مكترث أصلا ً بما حظي الشَّاعر به في حياته من إعجابٍ عَمِيَتْ معه عيون المعجبينَ عن الفطنة والالتفات والتنبُّه على سقطاته وهنواته اللغوية ، رام منها تحذير القرَّاء من الغلو والتسرُّع في مشايعة كلِّ بدعة جديدة في الحياة عامة والثقافية بوجه خاص ، مستندا ً في ذلك إلى مدونات أشياخ اللغة الأثبات ومستأنسا ً بما أودعوه فيها من أصول وثوابت ، لا مراء في صحَّتها وليس هناك من سبيل لتخطئتها ونقضها ، وإنْ لم ينصَّ على ذلك صراحة إنـَّما يستشفه القارئ من خاتمته لهذه الدِّراسة العميقة التي أخذ صاحبها نفسه بالجهد والصَّبر والمشقة ، يقول :ـ ” لقد كان وكدنا على رأي الفصيحة في معظم الظواهر اللغوية التي ألفيناها عند السياب ، ولم نعدَّ هذا الكتاب ليكون دعوة إلى الشَّاعر ليقول ما يشاء ، تاركا ً الحبل على الغارب ولكن لإيماننا أنْ لغة الشِّعر غير لغة النثر ، فلنوجِّه أنظارنا إلى رصد شعره وتقويم لغته وبيان تركيبه في ضوء عربيَّتنا  الفصيحة ، لغة التنزيل العزيز ” .

وإنـَّه لتحذير مشفق وحمية غيران .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مهند النابلسي : كيف تصبح كاتبا عظيما من وجهة نظر”ستيفن كينغ” …اضافة لوجهة نظري؟! .

  ابق متزوجا وانعم بصحة وعش حياة جيدة، امتلك الشجاعة للتخلي عن الأجزاء والجمل المملة، …

| بكر أبوبكر : النازية والصهيونية، ومحمود عباس .

ولد الزعيم النازي أدولف هتلر في 20 نيسان 1889 في مدينة براوناو النمساوية على نهر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.