جمعة عبد الله : قراءة في قصيدة ( ندىً من حجر ) للشاعر يحيى السماوي (ملف/67)

إشارة :
يوما بعد آخر، تتراكم المقالات والدراسات والكتب والأطاريح الجامعية عن المنجز الشعري الفذّ للشاعر العراقي الكبير “يحيى السماوي”. وقد ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي أن تعمل على تقديم ملف ضخم عن منجز هذا المبدع الذي حمل قضيته؛ وطنه؛ العراق الجريح، في قلبه وعلى أجنحة شعره الملتهبة لأكثر من خمسين عاماً كانت محمّلة بالمرارات والخسارات الجسيمة التي اختار علاجا لها الكيّ الشعري الفريد والمُحبّب عبر أكثر من 20 مجموعة شعرية. تدعو أسرة الموقع الأحبة النقّاد والقراء إلى المساهمة في هذا الملف وإثرائه بما لديهم من مقالات ودراسات وكتب وصور ووثائق. تحية للمبدع الكبير يحيى السماوي.

المقالة : 
قراءة في قصيدة ( ندىً من حجر ) للشاعر يحيى السماوي

1- قصيدة الشاعر السماوي الكبير
قصيدة : ندى من حجر
يـحـيـى الـسـمـاوي

جَـزِعَــتْ مـن جَـزعـي نــفــسـي
وأضـنـانـي
عِــتـابـي لـلــعــتـابْ

فـأنـا بـتُّ ســؤالاً مُــبـهَــمـاً
يـنـبـشُ فـي مـقــبـرةِ الأيـامِ بـحـثـاً
عـن جـوابْ

نَـضُـبَـتْ قـارورةُ الـعـمـرِ
سـوى
بـعـضِ حُـبـابْ

ونـدىً مـن حَـجَـرٍ
شـجَّ زهـورَ الـلـوزِ فـي وادي الـمـرايـا
فـالـيـنـابـيـعُ لـهـيـبٌ
والـفـراشـاتُ صـخـورٌ
والــشــذا ظُـفـرٌ ونـابْ

فـلـمـاذا أتـشـظّـى
حـاسِــراً عـن قـلـقِ الـرحـلـةِ
مـا بـيـن ذهـابٍ وإيـابْ ؟

مـا الـذي تـخـسـرُهُ الـصـحـراءُ
لـو جَـفَّ الـسـرابْ ؟

إنـنـي الأعـمـى
فـمـا الــضــرُّ إذا أظـلــمَ صُــبـحٌ
وإذا الـبـدرُ عـن الـمـقـلـةِ غـابْ ؟

أشــروقٌ مُـشـمِـسٌ دون غِــيـابْ؟

شَــيَّـعَـتْ أشـذاءَهـا الـوردةُ
واشــتـاقَ تـرابـي
لـلـتـرابْ

خَـدَعَـتـنـي صـهـوةُ الـلـذةِ فـي مـضـمـارِ
أحـلامِ الـشـبـابْ

وصـهـيـلـي بـيـن كـهـفٍ وبـسـاتـيـنَ
وصـحـراءٍ وغــابْ

سـيـدي .. مـولايَ
هـبْـنـي شِــربـةً مـن خـمـرةِ الـعـشـقِ
تَـقـيـنـي عـطـشَ الـروحِ لـكـأسٍ مـن شــرابْ

وأغِـثْـنـي مـن شـيـاطـيـنـي ..
أعِـدنـي لـلـتـرابْ

نـقـطـةً بـيـضـاءَ فـي آخـرِ سـطـرٍ مـن كـتـابـي
فـيَـمِـيـنـي الان تـخـشـى مـن يـسـاري
حـيـن تـأتـي بـالـكـتـابْ

آنَ لـيْ أنْ أغـلـقَ الـكـأسَ عـن الـراحِ
وأنْ أفـتـحَ بـابْ

لـحـبـيـبٍ
كـنـتُ عـن فـردوسِــهِ الـنـابـضِ نـوراً
فـي غـيـابْ
***
× اريد ادخل مباشرة في القصيدة , دون ذكر مكانة الشاعر العملاقة , في سماء الشعر . اعتقد ان القصيدة حفلت بالمتجددات , في تقنيات الشاعر وتكتيكاته في اسلوبه التعبيري , الذي يحمل قوة تعبيرية مؤثرة , حافلة بالجمالية المتألقة , في فضاءات عالم الشعر , في قوة المستفزة من الايحاء البليغ في اشاراته , وفي رنين وقع الصدى في دلالتها الدالة . القصيدة حملت رؤية الاستنباط الداخلي والوجداني , في مشاعره الداخلية الملتهبة بنار التوجع والالم , وكشف ارهاصاتها الى الظاهر والمكشوف . في صراعها الداخلي وتصديره الى الخارج الظاهر , في رؤية المفارقة ومفاهيمها ومضامينها , في ناحية التعارض والاضداد والتضاد , في داخل الصورة الشعرية نفسها , ولكنه اتخذ منحى اخر في تعاطي صيغة مفهوم المفارقة , في منحى ابداعي متألق ومتجدد , لتسليط الصورة الكامنة في الذات , التي تشتعل في نارها وشدة وقوة خلجاتها المؤلمة , في صرخات الذات المؤلمة ( جزعت من جزعي نفسي / وأضناني / عتابي للعتاب ) . هذا الهم المؤلم وجد ناصيته التعبيرية , في المفارقة في دلالات المستفزة داخل الذات , وتسويقها او كشفها الى الظاهر العام , او الذات الواقع الموضوعية , في اسلوب تضاد بين المعنى الباطن , والمعنى الظاهر , في مبدأ التضاد , ليوصلنا ان المكتشف الحقيقي الدال , لعمق المؤثرات الداخلية , التي طفحت على السطح , في نمطية انماط الواقع , في صيغة الصراع الناشب , بين الداخل والخارج . لذا فان الادوات التعبيرية في اشارتها الدالة , في نسيج وبناء القصيدة المركبة , على ثنائية التعاطي والتعبير , في رسم معاني الصورة الشعرية , في تقنيات وتكتيكات شعر ية متجددة , ليدل الشاعر بأنه يظل يبحث عن محطات جديدة . تحمل وشائج التعبير البليغ , بصورة فنية من الجمالية الشعرية . لذلك جاءت القصيدة , حافلة برؤية المفارقة المتجددة , في مفارقتها الوجدانية والحياتية , المدوية في صراخات الالم والتوجع ( فأنا بتُ سؤالاً مبهماً / ينبشُ في مقبرة الايام بحثاً ) وعلى الواقع المتضاد ان يجد ( عن جواب ) . لاشك ان هناك تلاعب مبدع في صيغة المفارقة والتضاد , في ناحية معادلة التوازن , الذي عرفت به مفاهيم المفارقة ( سلب . ايجاب ), حتى تكمل صيغة التوازن الدلالي . لكن السماوي يقلب معادلة التوازن الدالي , الى ( سلب . سلب ) ( ما الذي تخسره الصحراء / لو جف السراب ؟ ) وهذا دأب السماوي , في تحويل نمطية قواعد الانماط والاشكال الشعرية , بخلقها بروحية جديدة , فهو الباحث والصياد , عن بؤر تعبيرية في تقنياتها الحديثة , يبحث عن اكثر مرفئ ضوء كاشف لدعم الجمالية الشعرية المتوهجة , في اشاراته الدالة في قوة التأثير التعبيري المؤثر , وقد برز الشاعر الجواهري الكبير , في تعاطي اسلوب المفارقة , في قصيدته العظيمة ( نامي جياع الشعب نامي . حرستك آلهة الطعامِ ) . وهذا يدل في صور القصيدة الكاشفة , قوة الجرح الداخلي وألمه الحارق , في دلالاته البليغة , ان تصرخ بكل قوتها في الالم الموجع . وفي طرفي التناقض في المفارقة ( إنني اعمى / فما الضرر اذا أظلم صبح ) , هذه الصورة الشعرية في مفاقة السماوي الجديدة ( سلبية . سلبية ) اي ان هناك تنافس في رؤية السلبية . منْ هو الاسوأ , العالم الداخلي أم العالم الخارجي ؟ . ولكن لابد من الاشارة . في توظيف المفارقة , ليس سهلاً , تستلزم الامكانيات المتمكنة القديرة , وكذلك الفطنة والذكاء في التلاعب في طرفي التضاد , ان يحمل خبرة معمقة في اساليب الشعر وامكانياته , حتى لا ترد بشكل معكوس في صغة استخدام المفارقة , وتوظيف محسناتها . والسماوي عملاق في كل شيء . اللغة والبلاغة والشعر , وناصية الموهبة الملهمة والفذة , لذلك يطرق طرق التجديد والتحديث , بكل قدرة فائقة ومتمكنة . ان يجسد احاسيسه الوجدانية , في اي طريقة شعرية , متألقة في الابتكار التحديث . لذا فكان قديراً في ادارة صيغة المفارقة في شكلها الجديد , في طرفي الصراع والتعارض والتضاد . وجاء الاخلال في التوازن في معادلة صيغة المفارقة , في نصية الابداع الجميل , بهذه الصور الناطقة بالف صوت واحساس يمور في نيرانه الداخلية

آنَ لـيْ أنْ أغـلـقَ الـكـأسَ عـن الـراحِ
وأنْ أفـتـحَ بـابْ

لـحـبـيـبٍ
كـنـتُ عـن فـردوسِــهِ الـنـابـضِ نـوراً
فـي غـيـابْ
اقول لقد كان السماوي اميناً في نقل رسالة الوحي الشعري , الذي هبط عليه لدقائق معدودة , ورتل هذه القصيدة الملهمة من الالهام الشعري . و اقول كان السماوي اميناً , في نقل الرسالة , دون تعديل وشطب , دون تغيير وحذف , وكانت مجلجلة في قوتها التعبيرية الدالة
ودمت في صحة وعافية والشفاء العاجل والتام
جمعة عبدالله

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *