الرئيسية » فلسفة » مهدي شاكر العبيدي : عود على وحدة المعرفة وإليها

مهدي شاكر العبيدي : عود على وحدة المعرفة وإليها

عود على وحدة المعرفة وإليها
مهدي شاكر العبيدي
اوستن -تكساس
ثمة خلاف جدّ قبل عقود بين كاتبين مصريين هما الدكتور زكي نجيب محمود وصنوه الدكتور محمد كامل حسين، وذلك على صفحات مجلة المجلة المصرية، بشأن ما سمياه علمية المنهج، بمناسبة صدور كتاب الثاني منهما بعنوان “وحدة المعرفة” ويجدر بنا أن ننوه باقتضاب بأن الباحث محمد كامل حسين طبيب متخصص بجراحة العظام، غير أنه يعدوها إلى اهتمامات فكرية وأدبية شتى، فهو مؤلف قصة قرية ظالمة، ومعني بالتيارات والمذاهب الفلسفية في التاريخ الإنساني عامة وفي حياة العرب والمسلمين بوجه خاص، وقد جمع جملة من أبحاثه ودراساته المنشورة في الصحف والمجلات وطبعها ثانية بكتاب (متنوعات) ومن بينها فصل قيم عن تفسير سور القرآن الكريم، أبين ما يلفت نظر القارئ فيه ويستدعي إعجابه تمييزه الدقيق بين ما تعنيه كلمتا الإنشاء والتعبير وتنطويان عليه من معانٍ ودلائل، وكثيراً ما يحصل لدى القارئ التباس أو إشكال ويخالونه نفس سميه المرحوم محمد كامل حسين الأستاذ بكلية الآداب/ جامعة القاهرة سابقاً. وصاحب المباحث الضافية المأثورة حول الأدب المصري في الحقبة المعروفة في التاريخ السياسي بالإسماعيلية فضلاً عن كتاباته ومساجلاته بخصوص النزعات والاتجاهات المعهودة لدى بعض الفرق والجماعات التي اطلع أربابها بأقوال باينوا فيها مألوف العامة، وغدوا موضع شك بمعتقدهم وإيمانهم، ومن أولاء أخوان الصفا وخلان الوفا، فلا مراء في ما يعرض حتى للقارئ المتتبع من توهم أو خلط بين الدارسين المجليين، فكثيراً ما يشبه طبيب العظام في توجهه واهتمامه أستاذ الآداب في ما يوليه تقصياً أو معالجة من شؤون وملابسات.
أهم ما حدده الدكتور زكي نجيب محمود في أحد ردوده وشخصه بدقة ما يدل به المعنيون بالعلوم التطبيقية ومنها الفيزياء والهندسة والطب من تعال واعتداد وثقة مطلقة بأنفسهم ومؤهلاتهم، يضاف إليها جميعاً شعورهم المتناهي بأن المجتمع يظل دوماً بحاجة إليهم ، ويترتب على هذه الحالة تصور فئة منهم أنهم وحدهم يحق لهم الحديث عن المناهج وقواعد التفكير العلمي وماعداهم من المهتمين بالتاريخ والجغرافية واللغة والأدب القومي والقانون والاقتصاد، دونهم في احتياج المجتمع لهم في سعيه للتقدم والنهوض والرقي في متنوع المجالات، بحيث أدى هذا النظر القاصر إلى نتيجة مزرية لا تليق بمجتمع غير مدخر وسعاً في تنشئة أبنائه، وإنفاق الأموال الطائلة من ثرواته وموارده لتنمية كفاءاتهم وقابلياتهم، معولاً عليهم أن يضطلعوا بالأسباب والعوامل الآيلة إلى ازدهاره ورخائه وأمنه، فما نحسب أن الذين وضعوا الخطط ورسموا المناهج واصطلحوا على جعل الدراسة في المرحلة الثانوية ذات شقين علمي وأدبي دار في خلدهم أن بوسعنا الاستغناء عن المنصرفين للدراسات الأدبية ، وما يماثلها من تخصصات في الاقتصاد والقانون وعلم ا لنفس وغيرها، أو أنهم يتدنون عن أقرانهم ونظرائهم في الذكاء والفطنة والإدراك واستيعاب العلوم، وما كان لأفهامهم مطلقاً ساعة قرروا تقسيم الدراسة في هذه المرحلة من العمر بين علمية وأدبية، وتجاوزهما مؤخراً إلى فرعين آخرين تجاري وصناعي، أن يؤول ا لأمر لهذا الرعيل الثاني من نابتة الجيل إلى أن يداخلهم شعور بالإحباط والتضاؤل وحتى ازدراء ذواتهم أحياناً، وقد يشجع على ذلك مرات عديدة ما يوهمهم به زملاؤهم العلميون أو يوحون لهم به من دعوى عن السهولة واليسر والبساطة المقترنة بالدراسة في الفرع الأدبي بينما هم يعانون المشقات ويواجهون في سوغ علومهم المثبطات وأنها تستغرق جل أوقاتهم ، غير مخفين في الوقت عينه زهوهم ومباهاتهم، بما تزخر به مواد دراستهم من نظريات ومعادلات وما لا أحيط به علماً.
وقد عرض الدكتور ريكان إبراهيم لهذا الواقع الثقافي المرفوض في مقالة له، دعا فيها إلى إمكان تقريب المسافة بين ذوي الاختصاصات التي تبدو للعيان أو تخيل لغير المتأمل أنها متباينة أن يكون المثقف موسوعياً أو آخذاً من كل شيء بطرف حسبما جاء في المقولة المتداولة قديماً، إنما أنكر مثلاً على عالم الرياضيات أن يغدو أخرس تماماً في محفل يتطلبه أن يخاطب الجمهور بعبارات ذات طابع أدبي وإنشائي، يتحرى فيه الأداء الفني المقبول والصياغة اللغوية المؤثرة في عواطفه ووجدانه، مثلما انحى فيها على غيره من المعدودين في خانة الثقافة من قبيل الجغرافيين والمؤرخين والاقتصاديين وسواهم فرط جهلهم بعوامل التبخر والعناصر الداخلة في تركيب الماء وأثر تناول ملح الطعام بإفراط زائد على الحاجة المعقولة في ضغط الدم وغيرها.
والذي يدفعني لأن ألفت نظر الجهات ذات الحل والعقد، ولها حق التوجيه والقطع برأي نافذ في هاته الشؤون التي تمس حياتنا الاجتماعية بالصميم، ومنها يمكن للمجتلين أن يتوقعوا أو يتحسسوا جيداً بما ستكون عليه هذه الحياة مستقبلاً، ما بقي هذا التفاوت أو التباعد بين أصناف الدارسين قائماً، وما ظللنا نحسب أو نظن إجراء التجارب في المختبرات مقصوراً على الفيزيائيين والكيميائيين وحدهم، ونخال من باب التزيد والجهل بالمصطلح تداولنا في محاوراتنا ومناظراتنا ومقالاتنا مسميات من قبيل العلوم اللغوية وعلم الاقتصاد وهلمجرا، قلت أني سمعت من أحد أبنائي الذي يدرس الفيزياء بأن محاضرة يوم الخميس تكاد تقتصر على مادة اللغة العربية، وقد لا تقرن بمحاضرة نظيرة لها تتعلق بمادة مقررة في المنهج كأن تكون في موضوع الكهرباء، أو الميكانيك، ويلقي هذه المحاضرة على اسماعهم أستاذ متخصص بالأدب العربي، وقد لا يكون له رأي في اختيار هذا اليوم من الأسبوع للمحاضرة في كلية يتدارس فيها الطلبة الكهرباء والرياضيات والفيزياء والحيوان والنبات ، علماً أننا نحيط علماً بما يعتري نفوس الموظفين في الدوائر والمؤسسات كافة من فتور و ونىَ وقلة رغبة وحماسة في انجاز الأعمال تهيؤاً لمغادرتها ، ولا يبرر هذا الاختيار البتة بذريعة أن كليتهم ذات الطابع العلمي تستضيفه محاضراً من كلية يغلب عليها الجانب النظري دون صنوه العملي ، ولا تسل بعد عن غفالة الطلبة الدارسين وعدم معرفتهم بالدوافع النبيلة التي توخى بها أن يقوم أستاذ دارس للأدب بشرح عيون من قصائد الشعر العربي وتفسيرها، حملاً لهم على الاعتزاز بلغتهم والفخر بمآثر أمتهم، فضلاً عن صقل ملكاتهم في المناظرات والمخاطبات وتمرسهم بآداب الكلام في أدنى حال.
وما أدري بعد أكان أستاذ الأدب المحاضر قد تلمس في أبنائه الدارسين تجاوباً وتعاطفاً مع ما يمعن فيه من تحليل النصوص وذوقها وبسط معانيها، أم أنه صدم بما يرين على وجوههم من إمارات الفرق، فعلم علماً يقطع ا لظن أنهم يعدون الدرس اللغوي والنقدي كنافلة زائدة على المطلوب المهم، ولا غرو في ذلك ما دمنا نتعامل مع الثقافة مثلما نتعامل مع الحنطة والشلب، وثمة رهط من أبنائنا لا يريدون الثقافة بل يريدون الشهادة، والفارق كبير بينهما كما يقول الدكتور داود سلوم رحمه الله

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *