الدّكتور علي القاسميّ سيرة ومسيرة مجموعة بحوث ودراسات مهداة إليه بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسّبعين
إعداد د. منتصر أمين عبد الرّحيم (21)

سابعاً ـــ القاسمي روائياً
عندما نشر القاسمي روايته “مرافئ الحب السبعة” في المركز الثقافي العربي سنة 2012، استقبلتها الصحافة العربية الإلكترونية والورقية بكثير من العرض والتعليق، وتناولها النقاد والباحثون بالنقد والتحليل، وفي خلال سنة واحدة من صدورها نُشِر عنها كتابان، أحدهما للشاعر الناقد المغربي الأستاذ إدريس كريوي بعنوان “بلاغة السرد في الرواية العربية: رواية القاسمي، مرافئ الحب السبعة، نموذجاً” التي نُشرت في بيروت والجزائر والرياض والرباط في آن واحد، كما كُتب عنها حوالي خمسين مقالاً ودراسة، ضمَّ بعضها الأديب الأستاذ إبراهيم أكراف في كتاب عنوانه “مقالات مختارة عن رواية المرافئ”، نُشر إلكترونيا في الرياض. وفيما يلي بعض هذه الدراسات التي خص بها أصحابها هذا الكتاب التكريمي:
1
مُتخيل الماء في رواية
“مرافئ الحب السبعة” لعلي القاسمي
بقلم: الدكتور عبد الرحيم وهابي
ناقد، أستاذ التعليم العالي، فاس
مقدمة
لا شك أن أي عمل أدبي لا تكتمل جماليته إلا بتحقيق ميزة فارقة تميزه ضمن الجنس الذي ينتمي إليه. وإذا كانت رواية “مرافئ الحب السبعة” (1) للدكتور والباحث الأكاديمي العراقي علي القاسمي، مرشحة لتكون سيرة ذاتية للكاتب، تحكي رحلته الطويلة، بدءا من العراق موطنه الأصلي، مرورا بالمرافئ المتعددة التي تنقل عبرها: (بيروت وأوستن وتكساس والرباط والرياض وفاس. . )؛باحثا عن كينونته في علاقته بالآخر؛ فإن هذه السيرة لم تتخذ شكل سرد تقليدي كرونولوجي لمراحل حياة كاتبها، بل جاءت متدفقة عبر انسيابات مائية، تنطلق من نهر الفرات، لتعبر إلى بيروت، قبل أن تطوح بالسارد إلى بحار مجهولة في الولايات المتحدة الأمريكية، وتدفعه إلى بحيرات المغرب، وشواطئه التي وجد فيها تعويضا عن ماء الفرات، الذي يتماهى في مخيلة السارد مع حليب الأم، ورُطب النخلة المطلة على النهر.
وها هو السارد يعفينا مشقة التأويل والبحث عن طبيعته أحاسيسه ومشاعره، من بين الأسطقسات الأربعة، أي (الماء والنار والتراب والهواء)، ليخبرنا بأنه من طبيعة مائية:
“لا أدري ما الذي يربط بيني وبين الماء، هذا الماء الذي يعرِّفه الكيميائيون بأنه سائل لا طعم له ولا لون، هو الذي يلوِّن حياتي بالأحاسيس ويهَب وجودي مذاقا وطعما ومعنى، ما رأيت الماء إلا أحسست بنوع من اللذة الخفية. . . كنت أعتقد في طفولتي أن اللذة والألم من مشتقات الماء أو أن الماء من مشتقاتهما . . . الماء بالنسبة إلي هو الحياة والموت، هو الوجود والعدم، هو السعادة والشقاء” (ص: 190).
ونستحضر في هذا الصدد ما قاله باشلار وهو يحاول الغوص في دلالات ورموز الماء: “أحلام الصفراويين هي من طبيعة النار والحرائق والحروب والجرائم؛ وأحلام السوداويين من طبيعة أعمال الدفن والقبور والأشباح، والخنادق، وجملة الأشياء المحزنة؛ وأحلام النخاميين من طبيعة البحيرات والأنهار والفيضانات والغرق”(2).
ولا يتصوِّر السارد عالمه الطفولي خارج الفضاء المائي، وما يتفاعل فيه من أصوات وأضواء وأحلام:
“في طفولتي كانت دارنا تطلُّ على نهر الفرات، وكنت أذاكر دروسي في ضوء الشموع والفوانيس. فصارت خلطة الماء والموسيقى وضوء القمر والشموع هي التعويذة السحرية التي ترفعني، في الليالي المقمرة، بعذوبة ونعومة في مقعدي، وتحملني مخدرا على أجنحتها الشفافة . . . محلقة بي بعيدا في عوالم الحُلم والخيال” (ص: 202).
ومن هنا فهو يصف نفسه ملاحا سومريا تائها في مرافئ مضللة، أو سندبادا بحريا: “أنا ملاح سومريٌّ ضلَّت سفينتي الشراعية، قادتني ريح عاتية إلى هذه البحيرة النائية. . . أنا رب القوارب والمراكب. . أنا سندباد بحري جال العالم وقاسى الأهوال والصعاب، وهو اليوم يريد العودة إلى أهله، محمَّلا لا بالجواهر والذهب، بل مثقل بالهموم، مثخن بالأحزان” (ص: 206).
ومن هنا يمكن أن نعتبر عنصر الماء، بمثابة اللاشعور الذي يقودنا إلى اكتناه أعماق النص وكشف رموزه ودلالاته العميقة، ذلك أن معاناة ذات السارد في رحلته لتحقيق الكينونة وتحقيق الاستقرار في الوطن يتم اختزالها، بلحظة ارتواء من ماء الفرات:
“سيجري ماء الفرات على الدوام في عروقي وأوردتي، وشراييني ودمعي. وسأظل صاديا ظمآنَ لن أرتوي إلا ببضع قطرات من ماء الفرات. ” (ص: 93).

القاسمي مع صديقه المستعرب الروماني الدكتور نيقولا دوبرشيان في قاعة الاجتماعات في مجمع اللغة العربية بالقاهرة حيث يجلسان كل عام أثناء مؤتمر المجمع، وأمام دوبريشيان رواية القاسمي التي يقوم بترجمتها إلى اللغة الرومانية.

في هذا السياق يمكن الكشف عن مجموعة من التجليات الرمزية للماء، يمكن توضيحها كالشكل التالي:
1 – الماء الأمومي
ترتبط الأُمُّ عند السارد بمتخيل الماء، وأولى الصور التي تستعيدها ذاكرته، صورة أمه التي تغدق عليه من حليبها: “كانت أمي تغذيني منذ طفولتي بالحليب والتمر، ولكن لا حليب كذاك الذي أرضعتني من ثدييها، فقد كان له مذاق الوطن” (ص: 18).
ونقرأ أيضا: “أشعر برغبة في الأكل والشرب، فأقول: ماما، يأتيني الجواب في الحال: يا روح ماما؟ أقول: أريد رُطبا وحليبا، تنطلق منها ضحكة عالية، وتنهض بخفة وفرح لتجلب لي ما طلبت” (ص: 18)
ولا يخفى أن الحليب يحمل في مخيلة المبدعين صورة الماء. يقول باشلار: “كل ماء حليب، وبتحديد أدق، كل مشروع سعيد حليب أمومي” (3). ليؤكد أنه من البديهي “أن الذي يلهم القاص، بدلا من المشهد، إنما هي ذكرى معينة، ذكرى سعيدة، أكثر الذكريات هدوءا، وأكثرها تسكينا، ذكرى الحليب المغذي، ذكرى حضن الأم. كل شيء يبرهَن في الصفحة التي تنتهي بالتذكير حتى بالإهمال العذب للطفل الشبعان، للطفل النائم على ثدي مرضعته”(4).
وإذا كان الشاعر قد ربط نفسه بالبحر، فهو ملاح سومري أو سندباد بحري، فلأن البحر يختزل الحليب الأمومي، حيث لا تعدو موجة البحر عند الشاعر Edgar Quinet أن تكون ثديا ممتلئا بالحليب، ينتشي بارتشاف قطراته اللذيذة: “كم من مرة وأنا أسبح في خليج مغزول، اعتصرت الموجة على صدري بانفعال، وعلى عنقي، كانت الموجة تتدلى شعثاء، والزبد يقبل شفتي، وكانت تنبجس من حولي ومضات معطرة”(5).
وقد جعل الشاعر الفرنسي Jules Michelet في ديوانه الذي المعنون La mer من البحر أُمّا رؤوما مستعيدا الصورة البدائية: صورة البحر المغذي بحليبه الدسم. (6)
لا تحضر الأمُّ في الرواية إلا من خلال انسيابات مائية، وإلا من خلال استحضار إيحاءات الماء. وحتى عندما ماتت فإن استحضارها، سيكون استحضارا طفوليا يعبق بالأريج المائي الحليبي، يحلم السارد بأن تقوم الأم من اللحد لكي تمسح دموعه كما كانت تفعل في طفولته، يحلم بحجرتها التي تظللها النخلة الباسقة، يحلم بأن تسقي بمائها زهور الخزامى حتى لا تذبل وتستعيد أريجها (ص: 165). ولهذا فإن متخيل الماء يتماهى مع صورة الأم من خلال الحليب الأول.
وتتكامل صورة الأم، مع صور أخرى لتشكل رمز الوطن العراق، وأولى هذه الصور صورة النهر نهر الفرات، يقول السارد: “وطني هو ذلك النهر المنساب برقة في أحضان قريتنا الوديعة”. (ص: 93).
وثاني هذه الصور صورة النخلة التي جاءت في الرواية متلبسة بصورة الأم، بل إنه يختلط علينا الأمر في بعض الأحيان فلا ندري أيتحدث السارد عن أمه أم عن النخلة، يصف النخلة قائلا: “كانت النخلة تقف شماء باسقة مثل عروس فارعة الطول، تختال بجمالها وقوامها الأنيق وسط الوصيفات ليلة الزفاف” (ص: 19). وفي موضع آخر يصفها قائلا: “كنت أتمدد في ظل تلك النخلة، وأتطلع إلى الأعلى، تفتح النخلة صدرها، تكشف عن عذقَيها الناهدين المحمَّلين برطب أصفر لاهث كالذهب”(ص: 17)، النخلة مثل الأم تفتح صدرها، وتكشف ثدييها لتطعم الطفل الجوعان الظمآن، الأم تغدق الحليب، والنخلة تجود بالتمر، ولكنهما كلتاهما تنحدران من أصل مائي فراتي عراقي عذب. ظل مذاقه حاضرا في مخيلة السارد في كل محطة من محطات حياته الطويلة.
وها هو السارد يُدمج النخلة والأم في صورة واحدة، ليضيف النخلة إلى الأم، يقول في لحظة استذكار ومناجاة وحنين، بعد أن ضاقت به كل الفضاءات والأوطان: “آه يا نخلة أمي، لقد طوفت في مدن الأحزان، وتنقلت بين البلدان، عبرت البحار والشطآن، فلم أر مثلك في شموخك، وتناسق شكلك، وروعة لونك، وطيب ثمرك، كل الأشجار قميئة القدر بعدك” (ص: 19)، لم تستطع شجرة الأرز بلبنان، ولا شجرة الباوباب في مدغشقر، ولا شجرة الجكراندا في جنوب أفريقيا، ولا شجرة الأركان في سوس، أن تُنسيَ السارد نخلة أمه، ولم يلذ له ثمر كما لذ له رُطبها مع اللبن المخيض (ص: 19).
وفي هذا الفضاء المائي حيث الحليب والتمر والنخلة المطلة على نهر الفرات في الدار القديمة، تتعاون الأم والنخلة، من أجل هدهدة الطفل، الذي تمنى لو كان طائرا محلقا في فضائه المائي ليحط على سعفات نخلة أمه: “كانت أمي تهز مهدي تحت ظلالك. . وكنت وإخوتي نتأرجح في أرجوحة نربطها إلى جذعك. . . آه يا نخلة أمي كم أتمنى اليوم لو أنني صنعت تمثالا معبودا من تمرك” (ص: 20).
وعلينا أن نربط هنا فعل التأرجح والهدهدة، بالماء، ونسوق في هذا السياق، فـ:”الماء وحده من بين العناصر الأربعة، هو الذي يهدهد، إنه العنصر المهدهد، وهذا ملمح آخر من ملامح طابعه الأنثوي، إذ يهدهد مثل الأم، “(7).
ونختم بأن النخلة تمظهرت في الرواية كما الأم، وكما النهر، رمزا للوطن الذي لا يتصوره السارد خارج طبيعته المائية بكل ما ترمز إليه من حياة وخصب:”وطني هو النخلات التي تحنو على النهر ويتدلى سعفها الطويل في مجراه، فتمتزج خضرتها بزرقة السماء على صفحة مائه” (ص: 93). ولذلك لا نستغرب عندما يخاطب الأب السارد، وقد هم بالرحيل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بأن لا ينسى الأهل والنخل الفراتي: “ستعبر يا بني إلى الضفة الأخرى، وسترى وجوها جديدة وأشجارا مختلفة وستناديك أصوات متنوعة. . . ولكن لا تنس أهلك ونخيلك على شاطئ الفرات، لتبق ظلال سعف النخيل على عينيك كأهدابك”. ليجيب السارد بأنه سيظل يرى “أعناق نخلات بلاده في الغمائم فوق السفن”(ص: 92).

د. منتصر أمين عبد الرّحيم معدّ الكتاب

2 – رمزية البطة:
يستوقفنا السارد في عدة صفحات من الرواية ليتحدث عن البط، البط السابح في نهر الفرات، إنه الكائن المائي، الذي يؤثث فضاء النهر، ويرتبط عند السارد بذكريات طفولته، وخاصة ذكرى بطته التي اشتراها له أبوه هدية بعد نجاحه في السنة الرابعة:
في رحلته الأولى من بلدته بالعراق، إلى بيروت، يمر السارد عبر النهر المتدفق قرب بيت طفولته، فيثيره منظر البط السابح في النهر:”ظهر سرب من البط يتهادى منحدرا مع تيار النهر، فذكرني ببطتي” (ص: 28).
إن القراءة الأولى قد تبقينا في دائرة ذكريات الطفولة، وفي نطاق مكان يرمز للوطن العراق، لكن استحضار الأوصاف والدلالات الرمزية لبعض المشاعر والانفعالات والأفعال، التي ارتبطت بالحديث عن البطة، يجعلنا نتجاوز المستوى السطحي، لنتحدث عن رمزية أعمق وأدل للبط، وذلك في سياق وحدة الحدث الكلي الذي يؤطر الرواية. فالبطة لا تعدو أن تكون رمزا للمرأة، أو لنقل إن البطة تتماهى مع صورة المعشوقة “أثيرة”، التي ظل السارد يستحضرها في كل محطات الحكي.
نعم إن السارد يتحدث هنا عن مرحلة سابقة للقائه بأثيرة، الفتاة التي التقاها في المغرب وتعلق بها، قبل أن تضيع منه ويبدأ رحلة طويلة في البحث عنها بلا جدوى، لكن كل المراحل موجهة بزمن الكتابة، زمن ما بعد بيروت وأوستن وتكساس، والرباط، زمن ما بعد أثيرة. ودليل ذلك قوله “ظهر سرب من البط يتهادى منحدرا مع تيار النهر، فذكرني ببطتي”، ومنطقيا لا يمكن للبط أن يذكر بالبط، سيذكر بشيء آخر مرتبط به ارتباطا لا واعيا، والذي يرتبط به هو صورة المرأة، ألم يقل باشلار بأن البطة: ” في الأدب بديل للمرأة العارية، إنها العري المباح، البياض الناصع والظاهر. . . الإوزات يبحن أنفسهن للرؤية، والذي يعبد البجعة يشتهي المستحمة”(8)، مما يجعلنا نرجح من منطلقات نصية أن السارد كان يتحدث عن معشوقته.
دليل ذلك، أنه توقف كثيرا عند وصف جمال البطة الأنثوي (اللون الناصع البياض الذي يعانق اللون الفضي للنهر – جسمها الممتلئ -عنقها الطويل)، فضلا عن النشوة واللذة المرتبطة بملامسة جسم البطة، وحتى لا يكون كلمنا إسقاطا دعونا ننصت إلى السارد وهو يصف لقاءه ببطته: “كان لون بطتي الناصع البياض يعانق اللون الفضي لماء النهر. . . ينعكس ألق الضوء الذي يلامس جسمها الممتلئ على عيني وينفذ منهما إلى أعماقي فينبعث في إحساس لذيذ بالنشوة والارتياح. تمد عنقها الطويل المقوس كالخنجر. . . يلامس وجهي بعض الرذاذ البارد، فأشعر بانتعاش يسري في أوصالي، وأطلق ضحكاتي الطفولية وصرخاتي المرحجة. تفرد جناحيها مشرعين، وتحرك ذيلها بسرعة وبخفقات متناسقة متلاحقة من الجناحين. . . ثم ترجع عائمة صوبي فأستقبلها باسما فرحا. . وتقترب مني وأنا على حافة النهر حتى تلامسَ أصابعي ظهرَها الناعم، وأُمسِّدَ ريشها للحظات. شَغِفت بتلك البطة منذ اليوم الأول. . . كانت صغيرة أول الأمر ثم أخذت تكبر بسرعة وتكبر معها الألفة والمودة بيننا، حتى أضحت صديقتي الأثيرة “(ص: 29 -30). ولنلاحظ كيف يصف السارد بطته بصديقته الأثيرة، وعلينا أن نستحضر هنا أن المعشوقة التي ظل يتحدث عنها السارد في مختلف محطات حياته، والتي عاش لأجلها ومن أجلها، اسمها “أثيرة”، ولنلاحظ أيضا هذه الإيحاءات الجسدية المرتبطة بالجسم وبالمتعة، حيث: (الملامسة والنشوة واللذة والارتياح والخفقات، والشغف، والألفة والمودة. . . ).

غلاف الكتاب من تصميم د. منتصر أمين عبد الرحيم وصدر عن دار الوفاء، الاسكندرية، 2017

لا غرابة أن السارد بعد ذلك عندما وصف لنا حبيبته أثيرة، ركز على فستانها الأبيض، الشبيه ببياض البطة، وعلى جمال جيدها: “دخلت أنت يا أثيرة، وعلى شفتيك شبح ابتسامة ساخرة، دخلت علي، وأنت في غاية الأناقة، فستانك أبيض، عيناك كحيلتان، عطرك فواح، جيدك تزينه قلادة لؤلؤية” (ص: 256-257).
أطلق السارد على بطته الأثيرة اسم وفاء: “اقترحت علي أختي أن نعطيها اسما فاخترت لها اسم وفاء” (ص: 29)، وبالرغم من أن السارد برر لنا ذلك بمبررات من قبيل، تيمنه بابنة الجيران التي كانت تحمل نفس الاسم، أو أن الأخلاق البدوية التي تربى عليها تنبني على قيمة الوفاء، أو أن أباه كان يحفظه قصيدة للشاعر العربي الجاهلي السموأل المشهور بوفائه (ص: 29-30)، فإن التأويل الأعمق يجب أن نستخرجه من حُبكة النص ومن أحداثها، حيث السارد ظل في مختلف تقلبات حياته وفيا لحبيبته أثيرة، عاد من الرياض يبحث عنها، وظل يبحث حتى آخر المحطات التي سردها من حياته.
ومما يعضد هذا التأويل أي تماهي البطة مع المعشوقة، أن قصة السارد مع البطة، متشابهة ومتطابقة مع قصته مع وفاء:
يتذكر السارد كيف خرج مع بطته ليلا، إلى النهر، وكيف اندست في الماء، و ظهر فجأة سرب من البط، تتقدمه بطة كبيرة قاتمة اللون كالبجعة السوداء، لتنضم البطة البيضاء إلى هذا السرب، وتتجه جنوبا مع مجرى النهر، وتختفي مع سرب البط، ظل الصبي ينتظر بطته، ولكن البطة لم تعد أبدا، لينام مبللا وسادته بعبراته. وعلى الرغم من أن الأب قد أحضر له بطتين هدية تعويضا عن بطته الضائعة، فإنه أجابه بصوت متهدج مطأطئَ الرأس “أريد بطتي وفاء”. (ص: 31- 32).
قصة السارد مع البطة وفاء، شبيهة بقصته مع معشوقته أثيرة، التي ظل ينتظر رجوعها إليه، ولكنها لم تأت. بل إنه وهو ينتظر بطته استحضر قصة قيس وليلى: “قلت في نفسي ستعود إلي، إنها تعرف الطريق تماما، إنها متمرسة في السباحة في النهر. سأنتظرها، سأظل في مكاني، وأحسست برودة الماء في قدمي، فتذكرت رواية حكتها لي أمي ذات ليلة، قالت: إن ليلى التقت قيسا في صباح يوم ربيعي وهي تحمل جرة ماء على رأسها، طلبت منه أن ينتظرها حتى توصل الماء إلى أهلها وتعود إليه. وعندما شارفت مضارب أهلها ألفتهم يرحلون بجمالهم، وحملها إخوتها ووضعوها في الهودج، ولم يعد بإمكانها أن ترجع لحبيبها لتخبره، وظل قيس ينتظر وينتظر حتى أعشبت الأرض من بين أصابع قدميه” (ص: 32).
هذا الانتقال اللاشعوري من انتظار البطة إلى انتظار الحبيب، انتظار قيس لليلاه، يؤكد توحد صورة البطة، وصورة المرأة في مخيلة السارد، وهي صورة مترعة بخصوبة الماء، حيث ليلى تحمل جرة الماء، وحيث قيس ظل ينتظر حتى أعشبت الأرض بين أصابع قدميه، فكأنه ظل ينتظر حتى بلله ماء المطر، أو أن المكان الذي كان يقف فوقه كان قرب منبع ماء، وهو لا يأبه لأن لوعة الانتظار أفقدته كل شعور عداه.
والغريب أن السارد ذهب يستحضر ذكرى حبيبته أثيرة في البحيرة، وتحديدا في ضاية عوا قرب (إفران)، حيث كانت ذكرى جميلة قد جمعت السارد بأثيرة في ذلك المكان، الحالم في غابات الأطلس المتوسط بالمغرب. والأغرب، أن يدمج السارد ذكرى أثيرة المعشوقة بذكرى البط والإوز والبجع الذي كان في البحيرة، وأن يتماهى موت البحيرة التي حل بها الجفاف والموت مع موت الحب، وغياب أثيرة. ومثلما غابت بطة السارد في نهر الفرات، غابت بطات وإوزات وبجعات ضاية عوا، وغابت بطته أو بالأحرى معشوقته أثيرة. ليتأكد بكل هذا رمزية البطة في الرواية، رمز العري الأنثوي، والجسد الأخاذ والسحر الفاتن، ودعونا نقرأ هذا المقطع الذي يغني عن كل تعليق:
“عرجت على ضاية عوا لا أدري لماذا، ولكن وجدتني أقترب منها، وحالما وصلت الموقع لفحت وجهي رياح الأسى وزكمت أنفي رائحة الجفاف والموت. . . . رأيت بحيرة ضاية عوا قد استحالت أرضا جرداء، وقاعا صفصفا؛ أرضا خاوية من الماء وقاعا يابسا جافا تملأه الشقوق العميقة. رأيت فيها جفاف قلبي وفطوره، كانت الأشجار حول البحيرة ذابلة صفراء جرداء . . . التفت يمينا أبحث عن البط والإوز والبجع الذي كان يمخر ماء البحيرة . . . لم يقع بصري إلا على أرض جافة يابسة مزقتها الشقوق تماما مثل خريطة الوطن العربي . . . جلست على المسطبة الوحيدة الباقية على ضفة بحيرة (ضاية عوا)، وأطرقت وحلق فكري بعيدا، هاهي البحيرة أمامي، ولكنها بلا ماء، وها أنذا أجلس على ضفتها، ولكن من دون أن تكوني معي” (ص: 311-313).
في هذا السياق، يستحضر السارد بحيرة لامرتين، وسباحته في النهر مع حبيبته جولييت: “افترقا على أمل اللقاء بعد سنة عند البحيرة نفسها، وعاد لامرتين إلى البحيرة ولم توافه جولييت، إذ ماتت بعد بضعة أشهر من ذلك اللقاء”. ليجلس لامرتين على ضفة البحيرة ويكتب قصيدته الشهيرة (البحيرة) (ص: 315-316).
استعارة البط والبجع للرمز إلى المرأة العارية، تحضر عند كثير من الأدباء، وها هو الكاتب الألماني غوته Goethe في مسرحيته الشهيرة “فاوست”، يتحدث عن سباحة البجعات، رامزا بهن إلى النساء العاريات.
على أن دلالة البجع والبط، لا تنحصر في المرأة العارية أو الإيحاءات الجنسية، فهي تتماهى في سياق حبكة النص مع النهر، مع النخيل، مع الوطن: “وطني هو البجع البري، الذي كان يسبح في مجرى التَّيار قادما من أعالي النهر، فكنت أسبح نحوه جذلا، أطلق صرخات الفرح، أطارده بمرح، ترفرف أجنحته، يرتفع طائرا على سطح الماء، فأنبهر به” (ص: 94).
ويتناسق هذا مع الدلالة الرمزية لأثيرة التي ترمز ا للاستقرار الأسري الذي افتقده السارد منذ هجرته العراق، إذ لا يعدو أن يكون استحضار أثيرة المتماهية مع صورة البطة، توقا لا شعوريا لاستعادة دفء الوطن، الذي وجد السارد بعضه في المغرب.
إن كل ما سبق يجعلنا نعتبر مشهد وصف البطة بؤرة الرواية، ومحور النص، ونقطة الإشعاع التي تنطلق منها كل خيوط الحكي، ويؤكد هذا أن الكاتب، قد كتب بعض مقاطع الرواية بخط أسود بارز، ومن بين هذه المقاطع المقطع 14 المخصص للحديث عن البطة، والذي استغرق ما يقارب ست صفحات (من 28 إلى 33) وهو تبئير لهذا المقطع يجعله مرشحا أكثر من غيره ليكون منطلقا لمقاربة النص.
3 – فاعلية الماء:
الماء في الرواية هو الفضاء الذي تنعكس على صفحته الشفافة كل التحولات، الماء هو الذي يجمع ويفرق، جمع السارد ببطته وفاء في نهر الفرات وأبعده عنها مع البجعة السوداء الكبيرة وسربها، جمعه في بحيرة ضاية عوا مع محبوبته أثيرة، وأبعده عنها هذا الموت والجفاف المحدق بالبحيرة، مثلما أبعد البجع والإوز والبط. اجتمع لافونتين في البحيرة مع حبيبته جولييت، وافترقا هناك، حيث عصف الموت بلقاء البحيرة. وكانت جرة الماء هي التي جمعت قيسا وليلى وهي التي أبعدتهما.
ومن الرموز العميقة للماء في الرواية، أن يربط السارد العراق بالمغرب من خلال “قصة لالة عيشة البحرية”، حيث تذكر الروايات أن الولي الصالح أبا شعيب الرداد، سافر من بلدته (أزمور) بالمغرب إلى العراق طلبا للعلم (بداية القرن السادس عشر الميلادي)، وهناك أحب فتاة اسمها عائشة، وطلبها للزواج فرفض أهلها، وعاد إلى المغرب كسير القلب، فقررت عائشة خوض رحلة بحرية خطيرة للسفر إلى حبيبها بالمغرب، وعندما اقتربت من شاطئ (أزمور) غرقت، ولم تتمكن من لقاء حبيبها، فدفنها الأهالي هناك، وشيدوا على قبرها ضريحا كبيرا أبيض اللون. (ص: 246- 265). وهكذا يقف الماء، ماء البحر المغرق، مرة أخرى حاجزا دون لقاء الحبيبين، وعلينا أن نقارن هنا قصة أبي شعيب وعائشة البحرية، بقصة السارد وأثيرة، فالفراق يلون القصتين.
إن نهر دجلة الذي ربط السارد ببلدته وجعله رمزا للعراق كلها، هو الذي يستحضره في ذلك العبور الحزين، عبور الرحيل من العراق من غير عودة، حيث تحضر ذكرى وفاة الجد، وحيث يتنبأ السارد باستحالة عودته، ليتساءل فيما إذا سيُغسل مثل جده بماء الفرات قبل دفنه، أم سيُغسل بماء غريب: “من سيغسلني عند موتي؟ وبماء أي نهر؟”. (ص: 35).
ويستعيد السارد صورة دفنه، وهو في الولايات المتحدة الأمريكية ليشبه حياته بماء الساقية الذي يتلاشى في الحقل:
“سأدفن يا أمي من دون أن يعرفوا اسمي الكامل ولا القبيلة التي أنتمي إليها، والتي كنت تفتخرين بشجاعتها وإبائها، لم أحقق أي نجاح في حياتي . . . . لم ألعب كرة القدم بمهارة مثل الجزائري زين الدين زيدان، ولم أكتشف شيئا علميا مثيرا مثل المعوق المشلول البريطاني ستيفن هاوكنغ، صاحب كتاب “موجز تاريخ الزمن”. . لم أكن أول إنسان يخترق الفضاء مثل الروسي غاغارين، في النهاية لم أنجز شيئا عظيما مثل أولئك العمالقة، ولن يُصنع لي تمثال في وطني . . . فقد مرت حياتي مثلُ الساقية الصغيرة التي تتلاشى في الحقل، بيد أن مياه الساقية قد تبعث الحياة في البذور لتنموَ وتثمرَ، أما أنا فلم أُثمر شيئا، لم أتزوج ولم أخلف ولدا صالحا أو غير صالح” ص: 224- 225).
ولا غرابة في ارتباط الموت بالماء، فالماء مثلما هو مرتبط بالحياة، مرتبط بالتحول والموت، ألم يقل الفيلسوف القديم (هيرقليدس)، بأننا لا نستحم في النهر مرتين، ألم يؤكد المفكر (غاستون باشلار) بأن”قدر الإنسان البشري، في عمقه هو الماء الجاري، الماء هو حقا العنصر الانتقالي، إنه التحول الكائني. . . والكائن الذي قدره الماء كائن دائخ، فهو يموت كل لحظة، ومن دون توقف، يسيل شيء ما من مادته . . . الماء يجري كل يوم، الماء يهطل كل يوم، وعلى الدوام ينتهي بموته الأفقي . . . موت الماء أكثر حلمية من موت التراب، لا نهائي هو عذاب الماء”(9).
وقدر السارد هو الماء، منه يستقي كينونته، منه يكتسب حلمُه مادتَه، ومنه تنبع معاناته مقارنة بالأشخاص الذين يلونون أحلامهم بالنار والحرائق والحروب.
خاتمة
ختاما نؤكد بأن عنصر الماء هو الخيط الرابط، لكل أحداث الروية، هو العنصر الثابت في خضم التحولات التي عرفتها حياة السارد، هو بؤرة الحكي التي ضمنت وحدة الحبكة الروائية، التي قال عنها أرسطو بأنها تجعل السرد الفني أسمى مقاما من التاريخ، وأرفع منزلة من الفلسفة(10). فينهر الفرات تُختزن ذكريات الوطن، ومن الحليب المائي للأم يستمد السارد كينونته، ومن بحيرة الماء تنثال أحلام اليقظة بعودة الحبيبة أثيرة، بل إن الحلم بأثيرة وعودتها ليس إلا حلما باستعادة الوطن، واستعادة الاستقرار الأسري الذي لم يعشه السارد طيلة العقود التي قضاها مهاجرا بين المرافئ والبحار. وما بحثه عن أثيرة إلا بحثا عن ذاته، عن هويته، عن جذوره عن أهله، عن مذاق الفرات الذي افتقده في المرافئ الغريبة والمحطات البائسة، لتتوحد بذلك صورة أثيرة، بصورة الأم، وليتم ربط كل ذلك بماء الفرات وفضاءاته:
“في كل الدروب التي قطعتها كنت أبحث عنك وعن ذاتي، بل كنت أبحث عني فيك، والذكرى تشتعل في سواقي دمي، والماضي الحي يتوهج في أوراق العمر المتساقطة، في جميع الطرقات التي مشيتها مطرقا كنت أفتش عنك وعن هُويتي. . . المرافئ كلها غريبة، والمحطات كلها بائسة، تخلو من رائحة الأهل، ونهر الفرات”(ص: 110-111).
وعندما يناجي السارد رفاقه وهو في غربته يسألهم عن مآل الوطن، فلا يستحضر إلا الماء والنهر والبط والنخيل، والدار التي رضع فيها حليب أمه: “رفاقي ألا يزال النهر جاريا في أحضان قريتنا؟ ألا تزال مياهه الثرة تفيض كل ربيع فتغتسل عتبات دارنا؟ وهل ما زال البط يسبح في مجراه كما كان؟ وهل ما زالت الأغنام ترتع على شاطئيه تحت ظلال النخيل؟” (ص: 219).
وفي خاتمة الرواية يستوقفنا السارد بحلمه المائي، وهو يسبح في بحر المالديف، في مياه المحيط الهندي: “تمنيت لو كنت سمكة على شاكلة واحدة من تلك الأسماك، أنساب بنعومة في المياه، وأنتقل من محيط إلى بحر، ومن بحر إلى نهر، حتى أصل نهر قريتي، لأرتشف قطرة او قطرتين من مائه الفرات قبل أن أموت، فأنا رجل طاعن في الغربة والبؤس” (ص: 315).
الهوامش
1 – صدرت الرواية عن المركز الثقافي العربي. ط1. الدار البيضاء. المغرب. 2012.
2 – غاستون باشلار. الماء والأحلام. ترجمة علي نجيب إبراهيم. المنظمة العربية للترجمة. بيروت. ديسمبر. 2007. ص: 17.
3 – نفسه. ص:174
4 – نفسه. ص: 182.
5 – نفسه. ص: 191.
6 – نفسه. ص: 176-177.
7 – نفسه. ص: 93
8 – نفسه. ص: 61.
9 – نفسه. ص: 20.
10 – أرسطو طاليس: فن الشعر. ترجمة وتقديم: عبد الرحمن بدوي. ط2. دار الثقافة. بيروت. 1973. ص: 20-22.

شاهد أيضاً

هشام القيسي: أكثر من نهر
(5) حفر كي يبقى

لهبه أوسع مثل نوافذ لا تستفهم الوهم ولا تحتفي سوى بالأفق قد أوقد شعرا علم …

طلال حسن: حكايات للفتيان (حكايات عربية)
(5) سعاد

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري
(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (19)

التقاط الدر من واحة الشعر قراءة نقدية موجزة في ديوان ( في آخر الزمن نجمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *