د.عاطف الدرابسة : حين تنتظرُ الأرضُ الشتاء !

قلتُ لها :

يجيءُ الشِّتاءُ هذا العام
كأنَّهُ الغروب
أشمُّ رائحةَ الأرضِ
كأنَّها رائحةُ جثَّةِ حيوانٍ
مُلقىً على ظهرِ السُّهول ..

يجيءُ هذا الشِّتاءُ حزيناً
كرجلٍ عقيم
لا يشتهي لقاءَ الأرضِ
كزاهدٍ اقترفَ الخطيئةَ
قبلَ أن يموت ..

تسألني السُّهولُ الصَّفراء
والجبالُ المُوحِشَات
والبحارُ التي هدأَ موجُها
عن حالِ الشِّتاء :
هل هجرت الدِّماءُ جسدَ السَّماء ؟

يجيءُ الشِّتاءُ حزيناً هذا العام
فأرى اليباسَ يتسلَّلُ إلى شرايينِ الشَّجر
مثلَ الزَّواحفِ البريِّةِ
وأسمعُ صوتَ البُكاء
يخرجٍ من بينِ أغصانِ الليمون
وألمحُ خلفَ الجِدارِ
وردةً عذراء
تسألُ الياسمينَ :
ماذا أصابَ الزَّيتون ؟
وأرى الحَمامَ
كلَّما حطَّ على غُصنِ زيتونٍ
اختنقَ بينَ شفتيهِ الغناء
وكلَّما حاولَ أن يطير
سقطَ على الأرضِ
كحبَّةِ زيتونٍ
انقطعَ عنها الماء ..

يجيءُ الشِّتاءُ حزيناً هذا العام
فيهتزُّ عرشُ الفُصُول
وتنتحرُ آخرُ زهرةٍ بريَّةٍ
على سفوحِ الجبال
ويلفظُ الرَّبيعُ آخرَ أنفاسهِ
بين السُّهول
وأسمعُ صوتَ آخرِ سُنبلةٍ
تدعو ربَّ السَّماء
أن تجريَ الدِّماء
في عروقِ الشِّتاء
فالأرضُ كعذراءِ الأساطيرِ
ترتدي ثوبَ نومٍ
بلونِ النَّار
تنتظرُ آخرَ الجفافِ
لقاءَ الشِّتاء ..

د.عاطف الدرابسة

شاهد أيضاً

د.عاطف الدرابسة: روحٌ وحيدةٌ في دوَّامةِ الفراغِ

قلتُ لها : لِمَ تركتِ روحي وحيدةً في هذا الفراغِ ، تسألُ المجهولَ عن أسرارِ …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

محمد الدرقاوي: درب “جا ونزل “

مذ بدأت أمي تسمح لي باللعب مع أبناء الحي في الدرب وأنا لا اعرف من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *