خضير اللامي: ثقافة الداخل ثقافة الخارج..

إن تقسيم ثيمة ما يسمي ادب الداخل، وثيمة ما يسمي ادب الخارج، هو تقسيم افتراضي، لدي بعض المثقفين والادباء وبعض النقاد، وانهما ؛ ادب واحد، لا يمكن فصل احدهما عن الاخر، إنهما توأمان، باستثناء اختلاف الاساليب والثقافات والتجارب لكل منهما، وكلاهما عبرا عن هموم ومعاناة وضمير الوطن، ولو اخذنا علي سبيل المثال، روايتين احداهما من الداخل والاخري من الخارج، ووضعنا مؤلفيهما احدهما بدل الاخر، وقراناهما، لما لاحظنا فارقا شاسعا، ولما ميزنا بينهما، اي رواية تعد من ادب الداخل والاخري من ادب الخارج. انهما روايتان عراقيتان بامتياز.. وهذا ينطبق علي الاعمال الادبية والابداعية الاخري.اذن، ما قدمه الاديب في الداخل للوطن، يقدمه الاديب للوطن في الخارج..وهذه ثنائية عراقية خالصة..
اذن من العسف ان نقسم او نشطر الثقافة العراقية الي شطرين، كما لو اننا نشطر توأمين ملتصقين بعملية جراحية تؤدي الي موتهما في ان واحد، ذلك ان الثقافة العراقية ومنذ العصور الاولي لنشوئها هي ثقافة واحدة تعبر عن شعب واحد بكل اطيافه واثنياته، وهي رافقت مراحل نضال الشعب العراقي ضد الطغيان والاستبداد وعبرت بروح صادقة عن اصالة هذا الشعب، كما عبرت عن اصالتها الابداعية والادبية سواء كانت هذه الثقافة في الخارج او الداخل. وبقيت مشعلا ينير للوطن دروبه.
اذن كيف ظهر هذا المفهوم المفتعل، ومن يقف وراءه، وما الهدف منه، هل ثمة اغراض سياسية براغماتية تريد ان تضرب علي وتر حساس،او تدق اسفين لتحقيق منافعها ؟
 هناك من يشم مثل هذه الرائحة التي تنتشر بين اوساط بعض المثقفين العراقيين في الداخل والخارج، واحيانا تزكم هذه الرائحة الانوف. وقبل ان نضع اصبعنا علي الجرح، لا بد لنا ان ننظر من حولنا ونسمع لغطا وهمهمات بين بعض اوساط المثقفين سواء كانوا في الداخل او الخارج. هنا من يقول ماذا فعل ادباء الخارج وماذا قدموا للوطن وهو في محنته ؛ ومنهم من يتهم بان ادباء الخارج هم يمارسون حريتهم في بلدان الحرية وغضوا الطرف عما يعاني منه اقرانهم في الداخل. ومن الطرف الاخر، هناك، من ادباء الخارج، من يقول، ان ادباء الداخل تواطأوا مع النظام الدكتاتوري وراحوا يكتبون علي وفق اجنداته في الحروب والغزو من قصص وروايات وقصائد ومقالات..
اما السياسي في الخارج والسياسي في الداخل اللذين كانا يعارضان النظام الدكتاتوري، فانهما كما يبدو بعد السقوط، ادارا ظهريهما للمثقف في الخارج الذي هرب من جور النظام والمثقف في الداخل الذي بقي تحت مطرقة النظام، ولم يفكر بعقد مؤتمر ثقافي يجمع المثقفين في الداخل والخارج، لمعالجة ثقافة الخارج – الداخل،باستثناء فترة استيزار وزير الثقافة مفيد الجزائري الذي استعان بكوادر الثقافة التي عقد فيها مؤتمر المثقفين وصدرت قرارات هامة، لو طبقت لكان امر الثقافة العراقية الان شانا اخر. والغيت تلك القرارات بعد مجيء وزيرامي للوزارة. وبلغ الامر بالسياسي ان يهمش المثقف في الخارج والداخل معا، باستثناء من انتمي الي احزابهم، او حاباهم. او من يدافع عن اجندتهم. ليس هذا حسب، انما السياسي استهان بوزارة اسمها وزارة الثقافة التي تعني بالشأن الثقافي العراقي وبخاصة،في مرحلة حساسة جدا في تاريخها، فرصد لها ميزانية هي اقل ميزانية في الوزارات بحيث اصيبت فاعليتها بالشلل، وعز عليه ان يعين وزيرا من الوسط الثقافي لتحتل الثقافة مكانها الطبيعي ؛ انما اختار لها وزيرا يعني باالطائفية قبل عنايته بالثقافة، واخر امام مسجد يمارس الارهاب والقتل، ووزيرا ثالثا وزيرا للبروتوكولات حسب.
وعلي كل حال،ان المثقف في الداخل والمثقف في الخارج، كلاهما يجاهران باختلافهما عن غيرهما، الوطن مستقر في وعيهما، يحيلانه معهما في حلهما وترحالهما وبقائهما، لا يبارحانه مهما نأيا عنه، ومهما كانت المسافات تبعده عنهما، يرونه في بواطنهما، يتمليان صورته كما يري نرسيس صورته في بئر صافية. هما الوطن يسكن عقولهما، وياخذ باهتماماتهما. عطاؤهما الابداع له، لا يحده فضاء ولا تسوره جغرافيا، هما لا يشبهان غيرهما في عطائهما له، يحملان همهما صليبا علي ظهريهما، كدعبل الخزاعي. يحطمان شرنقاتهما حينما ينأيان عنه، يحلمان في فضاءاته، روح ترفرف فوق ترابه، فوق مساقط ولادتهما، مشدودان لارحامهما التي انزلقا منها، تلامس اجسادهما الغضة الارض الطاهرة، انهما توأما الوطن، لا انفصام عنه، هذا هو قدرهما. اينما رحلا، هاجرا، لجئا، بقيا في الوطن، مزيتهما انهما يختفيان خلف عطاءاتهما الابداعية، لا يشبهان المهن الاخري، انهما يمدان ايديهما للوطن، وهما في اقصي زاوية من الكون او في وطنهما، انهما يجاهران بانميازهما عن الاخرين، لا يبحثان عن مكان لهما في العالم، كما الاخرين، انهما يتخليان عن كل شيء الا الوطن،تحفة ابداعهما. واستثناء من هذا، من كان عاقا لرحمه ووطنه وتاريخه.. واستثناء من ليس له حساب في مجال الخلق والابداع، والعطاء..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : علامات الترقيم وفوضى الاستخدام.

علمتنا المدرسة، في زمن ما، الأمور ببساطة ودون تعقيد، وتخرجنا ونحن نفهم ما علمنا إياه …

| زيد شحاثة : قواعد الإشتباك في الزمن الأغبر .

يقصد بمفهوم ” قواعد الإشتباك” بأنها النظم أو الأطر أو المبادئ التوجيهية, التي يجب أن …

2 تعليقان

  1. مؤيد داود البصام

    الاستاذ الرائع المبدع خضير اللمي، لاشك انك مدرك ولا أشك في ذلك، أن المحتل ومن جاء معه بالاتفاق أو بدون اتفاق، حملوا برنامج لترسيخ الاحتلال، وأزاحة كل ما يمت الى بناء المجتمع والدولة الموحدة، حتى يستطيع من السيطرة، والتفرغ لنهب البلد بعد أن يجعلنا نقاتل بعضنا البعض بمختلف اشكال الاختلاف، ولعل ما حدث في السنوات الاولى للاحتلال عندما حلت الثقافة الطائفية، واستعرت روح العداء والدم، اكبر دليل على ما خطط ويخطط له الامبرياليون والصهاينة الجدد ضد شعبنا، وثقافة الخارج والداخل هي جزء من هذا المخطط، ان ذكرت بوعي او بدون وعي، وهي جزء كمن حراكه لتفتيت مجتمعنا.
          اما ما اشرت اليه عن الوزراء، فانت الشاعر المثقف المبدع، الذي تعف نفسه عن دنائات ما يقولون، ان الذين جاؤا او حضروا او اقاموا وكل من اشترك، فهم منفذين لبرنامج الاحتلال معممهم اولابس كشيدتهم، او من صحى عندما قطعوا الخمر عنه، واغلقوا المايخانات، لهذا تعجبت من تصنيفك لهم وتجنيت عليهم بالصفات وكانك تنتصر لفئة على أخرى وهم سواسية في كل شئ لم يقدموا، وانما أخروا، مع تحياتي ومودتي

  2. خضير اللامي

    الصديق المبدع مؤيد البصام

    : وهل انا قلت غير ذلك ، الم اشر الى ان ثمة جهات ورائحة تزكم الانوف وراء هذا التقسيم الافتراضي ، انا اعرف تماما وانت تعرف ايضا ان هناك من يريد ان يدق اسفين بين المثقفي في الداخل والخارج كما يفعلون الان في محاصصتهم للطائفية البغيضة ادعوك الى اعادة قراءة الموضوع لتدرك تماما ما انوي فيه
    ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.