جمعة عبد الله : المفردات العشقية في ديوان (حديقة من زهور الكلمات) الشاعر يحيى السماوي (ملف/66)

إشارة :
يوما بعد آخر، تتراكم المقالات والدراسات والكتب والأطاريح الجامعية عن المنجز الشعري الفذّ للشاعر العراقي الكبير “يحيى السماوي”. وقد ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي أن تعمل على تقديم ملف ضخم عن منجز هذا المبدع الذي حمل قضيته؛ وطنه؛ العراق الجريح، في قلبه وعلى أجنحة شعره الملتهبة لأكثر من خمسين عاماً كانت محمّلة بالمرارات والخسارات الجسيمة التي اختار علاجا لها الكيّ الشعري الفريد والمُحبّب عبر أكثر من 20 مجموعة شعرية. تدعو أسرة الموقع الأحبة النقّاد والقراء إلى المساهمة في هذا الملف وإثرائه بما لديهم من مقالات ودراسات وكتب وصور ووثائق. تحية للمبدع الكبير يحيى السماوي.

المقالة : 

المفردات العشقية في ديوان ( حديقة من زهور الكلمات ) الشاعر يحيى السماوي
اسم السماوي له صدى كبير بجرسه الرنان , في عطاءه الشعري والنثري , وكل اطلالة ديوان او مجموعة شعرية او نثرية جديدة , يؤكد حضوره المتألق في جمالية الابداع الاصيل . بما يملك من خزين غزير من الخبرة والكفاءة في الخزين اللغوي والمعرفي , في رسم اسلوبية خاصة متميزة في عوالم الشعر والنثر , انه يمتلك الصفة المميزة في اسلوبية الابداع بشكل فذ وعملاق , وانه يطرق كل الاساليب والطرق المتجددة , في الصياغة والتركيب والبناء المعماري , هذه المواصفات الفذة , تؤهله ان يكون في قمة العطاء الشعري والنثري . انه بارع في تركيب الصورة الفنية , التي تحمل الدلالة والتعبير البليغ , وفي اشاراتها الرمزية , من منصات الواقع , فهو يستلهم مفردات الواقع , ليصوغها من جديد في اطار خلاق متجدد , وبرؤية فكرية ناضجة في معارفها المتنوعة , في طرق الاشكال العشق بكل مسمياته . الصوفية والوطنية والايروتيكية , يصوغها في كتلة واحدة منسجمة وملتهبة , في تألق في بؤرتها الضوئية , التي تمتلك صفة الاندهاش والتمرد والالهام , كما تألقت بنيرها في الديوان النثري ( حديقة من زهور الكلمات ) في عملاقية الابداع بروحية خلاقة , في ازهاره اليانعة والبراقة , في بريقها الذي يحفز مكامن الذهن , بالانشراح والدهشة التصويرية , لتكوين صورة ملهمة من الرؤية , التي تقود العشق الى الحلم والامل الى حد الالهام والعبادة . انه يزرع بذور الامل والحلم والتمرد , على الواقع المسكون بالخيبات والتحطم , لتجاوزه بروح وثابة نحو مملكة الامل والحلم , مملكة العشق , للعشاق الذين يستحقون الامل والامان , من كوة العتمة والظلام , التي خنقت الوطن لخرابه , انه يعلن حالة التمرد على هذا الواقع المأفون والمفجوع والمنكوب , انه يحول سنوات ومعاناة الغربة والاغتراب والبعد عن الوطن , ليناطح بروحية صادقة هذه الازمنة القمئية , نحو منصات الحلم والتمرد ليحولها الى الذات العامة , اي انه يصهر بوقته الذاتية في بوتقة الذات العامة لكنية الوطن , بأن يتجاوز محنته الى محنة الوطن , ليبعث روح متمردة وثابة , التي تفتش عن مرافئ آمنة , ترسو عليها سفينة الوطن بكل اقتدار , انه لا يصارع من اجل الخيال الوهم , وانما يصارع من اجل الانقاذ حطام الواقع , ليكون البديل المناسب , مملكته العشقية , القائمة على الحرية والانعتاق والتمرد , اي يحول ازمة الوطن , الى شيء ملموس من الحلم والامل , اي يبعث الروح في الواقع , ليقف على قدميه من المعاناة التي تحاصره , او ليخلقه من جديد , في تراتيل من زهور الكلمات , هذه هي فضاءات ديوانه الجديد , الذي حفل بقاموس عشقي غير مألوف في الطرح والجرأة , في الصورة المشهدية وفي بلاغتها في دلالات ايماءاتها البليغة , في مفرداتها غير مطروفة في نحتها ورسمها بصياغة كأنها خلقت من جديد , بدلالات مدهشة في التعبير والرمز , انه ينطلق من صدقه الوجداني ووضوحه الفكري . في الواقع بكل محطاته وعثراته , لذا فأنه في ( حديقة من زهور الكلمات ) عاشق محارب شرس , او كما يطلق عليه الناقد الكبير حسين سرمك ( ساموراي ) . يجيد استخدام تقنياته وادواته , ليفجرها في هالة جمالية مدهشة في مفردات العشق , ليلامس الجرح والداء الذي يعاني منه الواقع والوطن المخطوف , من التجار والسماسرة والظلاميين , من حالة صراخ وانين الاطفال , من حالة الحداد العام بالحزن والمعاناة , بينما قساوسة المنطقة الخضراء , يتنعمون بالنعيم والترف والجنة , وهم يحملون صك الغفران والمباركة من معابد البيت الابيض في واشنطن . ان هذه القراءة الثانية , تحاول الغوص في مفردات العشقية , في جانبها الوطني , وفي جانبها الايروتيكي .
1 – مفردات العشق للوطن :
– يقف بالمرصاد لفضح الطبقة السياسية الحاكمة , التي تتلاعب في مصير الوطن , وفق مشيئة عقليتها المضخمة في الفساد والنهب , بتحويل الوطن الى بضاعة تجارية معروضة للبيع والشراء و مما تأزمت الحالة الى الكفر والرفض الشديد , ان يكون الوطن لعبة للتجار والسماسرة والظلاميين , وهم لم يكفوا بزخ الشعارات الزائفة والمنافقة الى الشوارع والاعلام , التي تحولت الى اكفان , وللضحك على ذقون المغفلين , ومن هذه الحالة المأساوية , يعلن تضامنه الى مناديل العشق
لذا
آمنت بحبيبتي
وكفرت بالساسة التجار والظلاميين
معلناً
تضامني مع مناديل العشق
في حربها
ضد لافتات الشعارات والاكفان / ص 144 .
– الحالة الوخيمة الجاثمة على صدر الوطن لقطع انفاسه . تصبح الضرورة الملحة , من ان لايترك الوطن ان يسير نحو سرير الموت البطيء , لابد ان ينهض ( بلال ) جديد يؤذن لاعلان الفجر الجديد , ويدعو الى صلاة الفرح والانقاذ
صلاتي مؤجلة
وليس من “بلال ” جديد يُقيم ُ الأذان
معلناً عن صلاة الفرح ! / ص103
– حالة التردد والوجوم والشحوب بعلامات الحزن , اصبحت علامات فارقة للوطن المنكوب . التي تظهر في سيماتها , في الجوع والحروب . التي هي من فعل طاعون ( النفط ) , ولا يمكن ان يكون لها حد ونهاية لهذه المحنة الوطنية والانسانية , إلا حتى تجف اخر قطرة من طاعون ( النفط ) الذي اصبح رصيد في ارصدة اللصوص الحكام , وللشعب نصيبه الدخان الاسود الخانق , في استغفال عقول المغفلين .
النفط الذي أشبعنا جوعاً وحروباً
متى يجف
فيغادر اللصوص
بيت مال المستغفلين ؟ / ص114
– ولا ينسى المأساة الدموية التي حدثت , في منطقة الكرادة , التي نزفت دماءاً ودخاناً بشكل غزير , من فعل الارهاب الدموي الاجرامي , الذي حول المنطقة الى حالة الحداد والحزن , ومعاناة أليمة تركت اثارها بجروح عميقة للارامل والثكالى بسقوط الشهداء الابرياء .
نهار وليل ” الكرادة ”
أضحيا
أكثر سواداً
من لافتات الحداد
وعباءات الارامل والثكالى
فالشموس والاقمار تساقطت
شهيداً
بعد شهيداً ! / ص124 .
– تعددت منصات الخراب في الوطن , في التشرد والهجرة الى المنافي , بالهروب من الوطن الذي اصبح جحيماً لا يطاق . لذا فهو يقترح ان المنصة المناسبة للدكتاتور , هو ان يجلس على منصة الخازوق .
الشحاذ
منصته الرصيف
×
أما الديكتاتور
فمنصته الخازوق
توجد فيه منصات كثيرة
لاطلاق المشردين
نحو المنافي ومعسكرات اللجوء / ص134
– يستغيث بالله , ان يعينه على محنة الوطن التي طالت اكثر من اللازم , والمآسي تحفر عميقاً في وجه الوطن , وبات لعبة بين الموت والدمار , فقد صبره النافذ من هذه المحنة الوطنية , فلم يبقى إلا الحطام وفقدان الآمان . فيتساءل مع ربه , متى يكون له وطن آمن ؟
ربٌ
أنى يكون لي وطن آمن ؟
لقد وهن الصبر مني
وبلغتٌ من الغربة عِتياً
الساسة
يتناطحون في مستنقع المحاصصة
بُكرة وعشيا ..
فاجعل لي ْ
من تهشيم قرونهم
آية ! / ص138 .
– يضع يديه على الجرح والداء , الذي يعاني منه الوطن , وقاده الى التحطم والتمزق , هم اصل العلة والداء . قساوسة سكنة المنطقة الخضراء ( العشن العفن والاسن ) , السماسرة الدعارة السياسية . هؤلاء الاوغاد الفاسدين , صموا أذانهم بالشمع , حتى لا يسمعوا طراخ وانين الاطفال , لكن كل حواسهم صاغية بذل وخشوع ذليل ومهين بالاهانة , الى صدى نواقيس المعبد الابيض في واشنطن
ما لقساوسة المنطقة الخضراء ؟
يسمعون
صدى نواقيس المعبد الابيض في واشنطن
ولا يسمعون
صراخ أطفال المناطق الصفراء / ص147 .
– لذلك يتمنى ان يمن عليه الله في امنية , ان يحل بدلاً من ( عزرائيل ) لينصب شبكة الموت , للمستنقعات الاسنة بالفساد , في دهاليز المنطقة الخضراء . عش الوباء الطاعوني في تمزيق راية الوطن نحو الخراب والتمزق .
لو أنني ” عزرائيل ”
لنشرت شباكي
في مستنقعات وأقبية
المنطقة الخضراء / ص156 .
– ويمارس التهكم والسخرية اللاذعة , من شعارات احزاب المحاصصة الطائفية الحاكمة , التي تملئ الشوارع , زيفاً ونفاقاً , لخداع المواطنين بهذا الترويج المزيف , لذا فيقترح عليهم حلاً منطقياً ومعقولاً , ان تكتب على الارصفة , لتدوسها احذية السابلة حتى تقرأها احذيتهم
أذا كان لابد من الشعارات
فأكتبوها
على الارصفة
لتقرأها
أحذية السابلة ! / ص173 .
– ولكنه يزرع الامل والحلم لعشاق الوطن , بأنهم هم الرابحون في النهاية , اما الباقي من حثالات الطحالب , زائلون مصيرهم مزابل القمامة . سيأتي يوماً للوطن , ان تطرز سماء الوطن بالفرشات , واقواس الفرح الربيعي , لتعود البسمة على وجه الوطن المخطوف .
والعشاق
يطرزون فضاء الوطن بالفرشات
وأقواس القزح
ومن حناجرهم يسيل
الهديل
فلا تغمسي اصبعكِ بالحبر البنفسجي
إلا
انتقاء للعشاق الأمرين بالحدائق
والناهين عن الخنادق / ص183 .
2 – مفردات العشق الايروتيكي :
كما حفل الديوان النثري . من باقة من الازهار الايروتيكية , بشهية اللذة والاشتهاء والاغواء الساخن , وبمفردات معجمية , خلقت من جديد , في معاني ومضامين خلاقة , غير مطروقة , انها تنتمي الى قاموس السماوي المتميز في اسلوبه المدهش في الاثارة .
لهيب العشق نار مشتعلة في الروح والجسد , تبحث عن مجرات لاطفاء نيرانها , وفي دهشة خلق مفردات في محتواها الجديد , تكون مواد قابلة للاشتعال الايروتيكي في الجسد ( قوس . سهم . محراث . تنور ) وهي ايضاً قابلة لاطفاء نيران الشبق الجسدي وغزيرته .
مُذ انقذتني واطفائني بنارها
ونجن
قوس وسهم . .
محراث وتنور . .
ومحراب وصلاة ! / ص23 .
– وسهام اللذة الحارقة , لها نصيب من حرارة الاشتعال الطافح بفيضانه , بالتسلق نحو منصات الاشتهاء . حتى تتلاشى الامطار , لتنبت عشباً ربيعياً , في صحراء الخريف .
يوم تسلقت نخلتكِ قبلة قبلة
سقطت مغشياً عليك
من أثر اللذة
وكما يتلاشى الدخان في الاعالي
تلاشت أمطاري في واديكِ
موقظة
عشب ربيعك
في صحراء خريفي / ص35 .
– ورحيق الاشتهاء في لثم الشفاه , في الصدر الدافئ للاشتهاء واللذة .
لتُعد شفتاكِ الى شفتي
آلاف القبلاتِ
وليسترجع صدركِ دفئه
من صدري
وخصركِ الذي دثرتهُ
بملاءة من زفيري
دعيني استنشقهُ من لهاثكِ حين
أطبق أضلاعي عليك / ص47 .
– ورغبة الاشتهاء تفور وتتفجر ليشرب خمر انوثتها . ليجرب رجولته وفحولته
ولو
يشقُ ليلةٍ
لاشرب خمر أنوثتكِ
بكأس رجولتي
كل قبلة منكِ
سأجزيكِ
بعشر أمثالها
مني / ص50
– ولا خوف في السقوط في فراش العشق واحضانه الوثيرة .
لا تخافي السقوط
فحضني وثير
كسريرك / ص64 .
جمعة عبدالله

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.