تابعنا على فيسبوك وتويتر

جمال الروح وقبحها في صورة دوريان جراي
هدية حسين

إذا كان الفنان هو صانع الأشياء الجميلة كما يقول أوسكار وايلد، فلماذا يصر هذا الكاتب المتميز على أن الفن حين يكشف عن نفسه عليه أن يخفي شخصية الفنان؟ أليس من حق هذا الفنان أن يعلن عن شخصيته من خلال الأشياء الجميلة التي يصنعها؟ هل يكفي أن نتطلع الى اللوحة الجميلة من دون أن ندرك لمسة الأصابع التي مرت عليها وشكّلتها؟ على الأقل لنقول شكراً لتلك الأصابع التي أبدعت هذا الجمال، تماماً مثلما نتذكر دافنشي بكل الإعجاب الذي ننظر به الى رائعته “الموناليزا” ونهتف باسم فان كوخ بالدهشة ذاتها التي نرى فيها لوحة “عباد الشمس”.
والكلام نفسه نقوله عن أوسكار وايلد ونحن نتجوّل في حدائق روايته “صورة دوريان جراي” ترى ماذا صنع أوسكار وايلد ليقدم لنا هذه التحفة التي ظلت برغم طول السنين رواية فكرية خلاقة متجددة، تمزج بين الجمال الإنساني والقبح الذي يكمن وراءه، بين الروح والجسد في صراعهما من أجل الخلود، بين الفضيلة والرذيلة، بين عشق الذات المرضي وعشق الحياة بكل أبعادها الإنسانية الجميلة؟
بعشرين فصلاً، وبتعريب لويس عوض عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، نتتبع بمتعة بالغة خلاصة الجمال والوجه الآخر المختفي وراءه، وذلك من خلال حياة رسام يدعى بازيل هولوورد قدّم خلاصة تجربته حين رسم لوحة الشاب الجميل دوريان جراي، وضع الرسام من نفسه أكثر مما ينبغي لرسام آخر يضعه في صورة لأنه عشق جمال دوريان وافتتن به.
رواية ” صورة دوريان جراي” من الأعمال الخالدة التي حفرت في الذاكرة بعيداً، ولم تبارح الذاكرة إلا لتتجدد، ذلك أننا في كل قراءة نعثر على أشياء جديدة توقظ الحواس وتبعث الأفكار ربما لم نعثر عليها في القراءة الأولى، أو أنها في القراءة التالية تقدم لنا مستويات ومديات أوسع بفعل تفتح الوعي ونضج المعرفة الحياتية.
لا يشك أحد من القراء المتابعين لحياة أوسكار وايلد من أنه نثر آراءه ومعتقداته في ثنايا هذا العمل على لسان اللورد هنري، وقد لا نفصل بين الشخصيتين، أي أن أوسكار وايلد الذي صنع لنا هذا الجمال لم يسع الى إخفاء شخصيته وراء شخصيات الرواية، بل إنك كلما تتبعت الشرك الجميل الذي صنعه اللورد هنري شعرت بخطوات أوسكار وايلد تتبعك.. فالمعروف عن أوسكار وايلد أن لديه ميولاً مثلية، وقد تأكد ذلك بعد الدعوى التي رفعت ضده وقُدمت فيها الأدلة والبراهين، وقد حُكم عليه بالسجن سنتين مع الأشغال الشاقة في زمن كان يُجرّم المثلية في مجتمعه، بالرغم من أن الرواية لا تتطرق الى المثلية بشكل واضح، لكنها توحي بذلك من خلال علاقة الرسام الذي أحب دوريان جراي ورسمه (يمكن العودة الى المحاكمة الشهيرة بتفاصيل كثيرة في ويكيبيديا).
رواية “صورة دوريان جراي” تمضي من خلال شخصياتها القليلة الى تلك الدهاليز السرية الغامضة والمُحيرة في الكائن البشري بكل نوازعه الخيّرة والشريرة، إنها رواية الجمال والقبح معاً، مع شخصيات تقدس الجمال وتدعو الى عبادته، وأخرى تعتبره صورة من صور الفن وأن الأخلاق أعلى قيمة منه، ويبقى اللورد هنري هو الشخصية المحركة للعمل، تلك الشخصية التي ترفع شعار ” إذا أردت إفساد نفس فعليك بإصلاحها” وبرغم الاختلاف في المفاهيم بين اللورد هنري والرسام بازيل ودون جراي إلا أن القاسم المشترك بينهم هو علاقة الصداقة التي جعلتهم يمضون فيها سنوات طوالاً.

لقطة من فيلم دوريان جراي

لقد سعى اللورد هنري الذي يمثل الرذيلة بكل أبعادها، الى إفساد الفتى دوريان منذ أول مرة وقعت عيناه عليه، وفيما بعد قال له: إن حبك لي لن يفتر أبداً، فأنا أمثل لك جميع الرذائل التي لا تجرؤ على الانغماس فيها.. بينما تحول دوريان الذي كان يمثل الطهارة الى صورة بشعة لا يراها الآخرون الذين فتنوا بجماله، لقد تغيرت روحه دون أن يدري، وتراجعت صور البراءة في عينيه، وحلت محلها ملامح أكثر مراوغة، أما الصورة الجميلة التي رسمها له بازيل فقد تغيرت هي الأخرى، وكان أول تغيير حدث فيها هو القسوة التي ظهرت على الوجه بعد ان ارتكب دوريان إثماً فاحشاً ترك آثاره عليه، لقد كان تأثير اللورد هنري عليه أكثر مما تصور، وها هي الصورة تتحمل وزر ما فعل نيابة عنه، كأن الأمنية التي تمناها دوريان قد تحققت فعلاً، تلك الأمنية التي جاءت على لسانه: لو أن شبابه يدوم له وتحمل الصورة عنه عبء السنين متحمّلة آثامه وشهواته.. حتى غدت الصورة بعد حين بشعة الى حد كبير لم يستطع دوريان تحمله فحطم الصورة وانتحر.. إنها رواية تبحث في جمال الروح وقبحها، فيها الكثير من التفاصيل والحوارات الفكرية في فلسفة الحب والجمال والقبح، وواجهت معارضة شديدة من الرقابة وقال البعض بأن أوسكار وايلد يستحق الملاحقة القانونية.
ومع ذلك وجدت الرواية طريقها الى السينما، ففي العام 1945 مثلها جورج ساندرز وقام أوسكار وايلد بكتابة السيناريو، وفي العام 2009 قام المخرج أوليفر باركر بإخراجها وأسند دور البطولة الى الممثل البريطاني كولين فيرث، والممثلة ربيكا هول.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"