الرئيسية » نقد » ادب » شكيب كاظم : من وجوه النقد في العراق الدكتور سمير الخليل صوت نقدي جاد ومثابر…

شكيب كاظم : من وجوه النقد في العراق الدكتور سمير الخليل صوت نقدي جاد ومثابر…

من وجوه النقد في العراق
الدكتور سمير الخليل صوت نقدي جاد ومثابر…
شكيب كاظم

بعد رحيل من رحل من نقادنا الكبار: علي جواد الطاهر، جلال الخياط، عبد المحسن اطميش، عبد الجبار داود البصري، عبد الاله احمد، علي الزبيدي، رزوق فرج رزوق، وصمت من صمت لأسباب شتى علي عباس علوان، شجاع مسلم العاني ومالك المطلبي، عبد الرحمن طهمازي، ومغادرة من غادر العراق إلى دنيا الله الواسعة: عبد الله إبراهيم، حاتم محمد الصكر، ومحسن جاسم الموسوي، حسين سرمك حسن، عبد الواحد لؤلؤة.
خلت الساحة العراقية الثقافية أو كادت من أسماء لامعة في النقد، بشقيه التطبيقي الإجرائي، أو التنظيري، وما أرانا بكبير حاجة إلى الشق الأخير، فبإمكان القارئ أو الدارس العودة إلى المراجع المترجمة، والوقوف على نظريات النقد، دون التعويل على من وضع نفسه وسيطا بين مبدعي تلك النظريات والقارئ، الذي ما طلب منهم القيام بهذه المهمة لا بل يؤسفه أن يقوموا بها، لأنهم يزيدونها إرباكا وتعقيدا.
إزاء هذه الحقائق المؤلمة، كنت أتابع عن كثب ظهور صوت نقدي جاد ورصين، اقرأ ما يكتب سواء على صفحات جريدة (الأديب) الثقافية الأسبوعية الرصينة أم في دوريات الثقافة الأخرى واستمع إلى محاضراته ومداخلاته، ما امكن.
كنت اجد فيه تعويضا عن بعض خساراتنا الفادحة في دنيا الدراسة النقدية، اذ خلت الساحة او كادت، بعد سنوات الجدب والضياع والتأزم التي عاشها هذا البلد منذ دخولنا تلك الحرب العابثة عام 1980 وما تلاها من حصار وحروب.
كان الناقد الدكتور سمير الخليل صوتاً نقدياً جاداً ومثابراً، مسلحاً بالثقافة الأكاديمية دارسا لها ومدرسا إياها، فضلا على مواكبة جيدة لمدارس النقد التي سميت حديثة وما هي بحديثة لدى أهلها، إذ تجاوزها الزمن عندهم، وظللنا نشير إليها بالحديثة لأنها جاءت إلينا متأخرة بسبب بطء حركة الترجمة العربية وكسلها.
لهذا كنت حريصا على اقتناء كتابه (علاقات الحضور والغياب في شعرية النص الأدبي – مقاربات نقدية) الصادرة طبعته الأولى عام 2008 عن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد، كنت حريصا على مطالعته، بل دراسته، لانياريد التعمق بدرس هذا المشروع النقدي الجاد والجديد. فوجدت في كتابه هذا الذي يقع في ثلاثة مئة وثمان وعشرين صفحة، موضوعات شتى، كان للشعر فيها حصة الأسد، فضلا على دراسة قيمة وجديرة بالتنويه، لا بل بالإشادة تناول فيها رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) رائعة الروائي السوداني الطيب صالح، الذي لم يستطع تجاوزها وكتابة ما يوازيها ويحايثها أو يقترب منها، فسكت للأسف: إذ ظلت أعماله الروائية والقصصية: دومة ودحامد. ضو البيت. بندر شاه وعرس الزين، ضائعة وسط الدوي الذي أحدثته روايته (موسم الهجرة إلى الشمال) واقفا، الدكتور سمير خليل، عند مثابات مهمة من مثابات تلك الرواية الضاجة بأحداثها المكتنزة بمفارقاتها، مناقشا للعديد من دروسها مصوبا ومشخصا: مثل دراسات رجاء النقاش وكان من أروع ما كتب عنها، وأول من بشر بموهبة الطيب صالح، وأول من دلني على إبداعه، فضلا على دراسات الناقد السوري الحصيف محيي الدين صبحي، الذي ما عدنا نقرأ له شيئا منذ سنوات وجورج طرابيشي والناقد الدكتور شجاع مسلم العاني والدكتورة منى تقي الدين وحسن المنيعي، والدكتور موريس أبو ناضر.
دراسة نقدية قيمة اقتربت من الخمسين صفحة، فاقت أروع ما قرأت من نقود عن هذه الرواية واعني دراسة الناقد محيي الدين صبحي الموسومة بـ(موسم الهجرة إلى الشمال: بين عطيل وميرسو) التي نشرها في مجلة (المعرفة) السورية الرائعة، وأعاد نشرها في كتابه الممتع (إبطال الصيرورة. دراسات في الرواية العربية والمعربة) الصادر عن دار الطليعة ببيروت عام 1980.
الدراسة النقدية الثانية خارج نطاق الشعر في هذا الكتاب النقدي الرصين والممتع كانت عن الواقعية الاشتراكية وانحسار تأثيرها، بسبب الإلزام لا الالتزام الاختياري الطوعي الناتج عن الإيمان الفكري بطروحات المنهج الذي يكتب في ضوئه، لكن الذي ساد في أوساط الرأي الواحد والحزب القائد إن تحول الالتزام، الاقتناع إلى إلزام وإقسار وإقناع لهذا رأينا هذا المنهج يذوي ويذهب تذروه رياح التغيير والرأي الحر.
الناقد سمير خليل في كتابه الرصين هذا يقدم للقارئ الجاد والرصين، الذي أراه أصبح افتراضيا وغائبا ومغيبا، بسبب سيطرة ثقافة الصورة الكسول، وسياسات التجهيل، وإبعاد الناشئة عن عوالم الكتب والمجلة الرصينة الجادة والقراءة، كي يسهل لهم قيادة القطيع الجاهل، وتحويل الناس، الشعب إلى دق الكعب، كما يقول عبد الحليم حافظ في إحدى أغنيات تلك السنوات: إحنا الشعب ندق الكعب، أقول قدم الناقد سمير الخليل دراسات عن عوالم الشعر، فدرس قصيدة القناع، واقفا عند هذا اللون الشعري لدى الشاعر اليمني الكبير الدكتور عبد العزيز المقالح، فضلا على القصيدة الومضة وكان من ممثلي هذا اللون من الوان الكتابة الشاعر الراحل رشدي العامل، وسعدي يوسف في بداياته، خاصة ديوانه (51 قصيدة) فضلا على الشاعر سامي مهدي، وأستاذنا أيام الدرس الجامعي في كلية الآداب (1970-1975) الشاعر المصري كمال نشأة، الذي كان يواجه الشعراء منا، لكتابة هذا اللون الشعري، وكذلك الشاعر احمد مطر، الذي حاز على اهتمام القراء والباحثين للموضوعات التي يطرقها. هذا اللون أفاض في الحديث عنه الشاعر الكبير محمد جميل شلش، الخليل وقف نقديا عند ظاهرة الومضة الشعرية لدى الشاعر الكردي الكبير شيروكو بيكه س.
مادام الحديث عن الشعر، فلا بد أن يخص الناقد سمير الخليل، الشاعر الشاغل للناس بدر شاكر السياب بدراسة، وقف فيها عند قصيدته الرائعة (أنشودة المطر) وكذلك درس الشاعرة الرائدة نازك الملائكة، في مقاربة نقدية لقصيدة (الزائر الذي لم يجئ). فضلاً على دراسته عن الشاعر خالد علي مصطفى، واقفاً عند مثابتين: الأولى القضية الفلسطينية والثانية تعامله مع المعطيات القرآنية لغوياً، هو المعروف عنه حرصه على نصه الشعري رائقاً جميلاً، منذ مجموعته الأولى (البصرة-حيفا) الذي يشير إلى اقتلاعه من أرضه حيفا وانغراسه في ارض البصرة، أو هي اشاراتالى ما يبثه الشاعر من نجوى وشكوى صادرة عن مكان الإقامة، البصرة، نحو ربوع الاقتلاع… حيفا، فخالد علي مصطفى لم يسفح شعره، كما سفحه الآخرون إقتناصاً لمكسب وانتهازاً لمغنم، بل ظل يحترم نفسه ويحترم شعره ومنجزه، ففي حين ذوى الآخرون، واصبحوا اثراً بعد عين، ظل خالد علي مصطفى حاضراً باقياً وعيناً في العين.
ما اعجبني كثيراً في منهج الدكتور سمير الخليل النقدي هذه المزاوجة، وهذه المواكبة، المزاوجة بين التراث والمعاصرة، هو يستفيد من مناهج النقد الحديثة، دون الارتماس فيها والانغمار والغرق في طروحاتها، يستفيد منها في ترصين بحثه ودرسه، دون الانقطاع عن الجذور والأصول، مقدماً دراسته في لغة انيقة مفهومة دون ضعف، واضحة من دون لبس وإلتباس مما أولع فيه العديد من النقاد، يحسبون الغموض علماً وفهماً، وما احسبه إلا تعالياً على القارئ الجاد النابه، لكنه غادر منهجه المتزن هذا، وهو يقدم لنا دراسته عن الشاعر هلال ناجي، سماها دراسة أسلوبية، مقدماً لنا إحصاءات اسماها الأسلوبية الإحصائية أخذها عن معادلة بوزمان المعدلة ذاكراً نسبة الأفعال إلى عدد الصفات ليقدم لنا نتائج هذه المعادلات ونسبها-تراجع ص287- وما أرى إن هلالاً الشاعر وهو ينظم شعره قد وضع في حسبانه هذه النسب، وما كانت تخطر على باله هذه المعادلات، هذه المعادلات والنسب تقتل الشعر والشاعرية، وتحوله إلى ما يشبه الشعر التعليمي، لا ماء ولا بهاء ولا رواء، وانا انزه شعر هلال ناجي عن تلك الحذلقات، فالشاعر الذي ملأ الدنيا ومهرجانات الشعر، شعراً ما كانت تروق له هذه الاحجيات والطلاسم اللوغارتمية، بل كان يطلق شعره، عفو الخاطر، مطلقاً لأخيلته العنان، ولقريحته أن تحلق ولموهبته أن تستقي من وادي عبقر، لا من معادلات بوزمان. فصاحب (الفجر آت يا عراق) و (ساق على الدانوب) و (في خريف العمر) ما هو بحاجة إلى بوزمان ومعادلاته!!!.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *