أ. د. نادية هناوي سعدون : تواشج نصوص واقعة الطف بين أمالي الشيخ الطوسي وشعر دعبل الخزاعي

تواشج نصوص واقعة الطف
بين أمالي الشيخ الطوسي وشعر دعبل الخزاعي
أ. د. نادية هناوي سعدون
كلية التربية/ الجامعة المستنصرية
ملخص البحث
تأتي كتب السيرة والاخبار بما فيها من أحاديث شريفة وروايات وأشعار لتزيد القارئ معرفة بإزاء قضايا فكرية ومناحٍ لغوية وظواهر أدبية ارتبطت بوقائع تاريخية مهمة لما فيها من معان ودلالات.. وهو ما اصطلحنا على نعته بالتواشج بمعنى الصلات التي يوجدها التداخل الابداعي بين ما هو أخباري نثري وما هو شعري..
وقد قصدنا نصوص واقعة الطف في أمالي الشيخ الطوسي وديوان دعبل لكي نتلمس مواطن التداخل بين الرواية والشعر بغية الكشف عن وشائج تتيح التوثق، أو ارتباطات تدعم اليقين الذي لا يربو إليه الشك ولا يداهمه الجرح أو التعديل..

التواشج منهجا/
لم تكن واقعة الطف حدثا عابرا في التاريخ مرَّ مروراً اعتيادياً؛ بل كان حدثاً إنسانياً كبيراً واستثناءً تاريخياً ودرسا كونياً بليغاً لم تعرف البشرية مثله في كل عصورها قاطبة وهذا ما جعل الفكر الإنساني يقف منبهرا أمام عظمة الشهادة في سبيل العقيدة.
وأبطال الطف لم تغرهم الدنيا ليساوموا أو يهادنوا في سبيل مبادئهم أو يماروا في إيمانهم بل ظلوا صابرين محتسبين يتقدمهم الإمام الحسين عليه السلام مثالا للشهادة والفداء وسيدا لشباب أهل الجنة مؤمنا صامدا صلدا مقدماً للإنسانية درسا رساليا منقطع النظير في الثبات والصبر.
ونظرا لجسامة الواقعة وهولها توالت الأقلام عبر العصور في التوثيق والرواية للأخبار مرة بالسيرة والشعر وأخرى بالتاريخ لعلها تستطيع شرح معاني الطف وقيمه وتضحيات أبطاله في سبيل المبدأ والعقيدة.
ويعد الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي رحمه الله أحد أهم رواة الأخبار ورجال الدين الموثوقين الذين أثنى عليهم العلماء وقد ولد عام 358 للهجرة وتوفي عام 460هـ وكان حريصا على حماية الدين وإحياء شريعة سيد المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين.
وفي كتابه(الأمالي) روايات باسانيد مختلفة وأخبار عديدة تدلل على ما كانت واقعة الطف قد قدمته من عبر وعظات تمثلتها سيرة أهل البيت عليهم السلام .
والأمالي كما وصفها حاجي خليفة” أن يعقد عالم وحوله تلاميذه بالمخابر والقراطيس فيتكلم بما فتح الله سبحانه وتعالى عليه من العلم ويكتبه التلاميذ فيصير كتابا ويسمونه الإملاء والامالي” ومن كتب الأمالي أمالي القالي وأمالي المرتضى.. وغيرها.
وتتوزع بعض من الأخبار المروية عن واقعة الطف في كتاب(الأمالي) للطوسي بين نقل الواقعة وما تبعها من أحداث عن أهل البيت ومعاناتهم من جهة وبين نقل ما آل إليه حال أعدائهم من جهة أخرى.
أما مصادر تلك الأخبار المروية فيمكن تحديدها أولا بما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وثانيا بما رُوي عن أهل البيت عليهم السلام وثالثا بما روي عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.
ولا غرو أن روايات الشيخ الطوسي ذات أسانيد عديدة منقولة عن رجال معروفين بالتقية والورع الذين هم من أهل الحديث والرواية الذين لا جرح إزاءهم ولا تعديل.
وإذا كان شعر أولئك الشعراء الذين آزروا آل البيت ونعوا مصابهم في كربلاء قد وثقوا واقعة الطف بكل دقائقها؛ إلا إن بعضاً منهم قد لحق بهم الشك والتزييف في كون شعرهم منسوب إليهم وليس لهم ومن هؤلاء الشاعر دعبل الخزاعي.
وهنا تأتي كتب السيرة والاخبار بما فيها من أحاديث شريفة وروايات وأشعار لتزيد القارئ معرفة إزاء قضايا فكرية ومناح لغوية وظواهر ادبية ولاسيما تلك الظواهر التي ارتبطت بوقائع تاريخية مهمة لما فيها من معان ودلالات..هذا إذا ما علمنا” أن وحدة تراثنا واشتباكه في اللغة والنحو والأدب والتاريخ والتفسير والفقه والحديث والتراجم والبلدان والعقائد يعين على حسن الجمع والتحقيق ويوثق النصوص ويوسع رقعتها ويجمع بعضها إلى بعض”
وقد كان الشاعر دعبل الخزاعي واحداً من شعراء العرب الذين كثيرا ما أشيع عنه انه قد نُسب إليه شعر كثير، وقد علل جامع الديوان الأستاذ عبد الكريم الاشتر ذلك الأمر بالقول:” ولعل لعقيدة الشاعر التي يصورها شعره في قوة وينفح عنها ويهجو خصومها ولموقفه السياسي من أحداث التاريخ وتعصبه لليمنية وطعنه على النزارية وقريش صلة بأسباب ضياعه على نحو ما وقع لدواوين بعض الشعراء من الشيعة”
وقد كان شعر دعبل الخزاعي أنموذجا مميزا لأدب العقيدة الذي يخلص فيه الشاعر لقضيته فلا يماري ولا يهادن بل يظل عاكفا على التغني الصميمي والقلبي بالمعاني الإنسانية الرفيعة والأفكار التحررية النبيلة التي لا تنال إلا بالنضال والمغالبة والصبر والتضحية والاستبسال فلا يرقى إليها تصنع فني أو تكلف أدبي ولا تنفك تنأى عن الزيف والكذب والتدليس والنفاق.
ولهذا قُسم ديوانه إلى ثلاثة أقسام هي الشعر الذي نُسب إلى دعبل ولم ينسب إلى غيره وشعر نُسب إلى دعبل وليس له، وشعر انفردت بروايته كتب الشيعة مما جاء في مديح آل البيت وبكاء مقاتلهم وهجاء خصومهم؛ وهذا القسم سيكون مقصدنا إذ سنعضد البيت أو الأبيات بالخبر الذي يرويه الشيخ الطوسي في كتابه الأمالي.
وتعد القصيدة التائية أشهر شعر دعبل في هذا الصدد وقد أوردها الأستاذ عبد الكريم الاشتر بصورتها التي انفردت بها كتب الشيعة مبينا أن هناك ترجيحا أن بعض أبياتها مما نسب إلى دعبل أو إلى غيره والسبب قدم المصدر والثقة بصاحبه في نسبة الشعر .
وقد رجع إلى كتب التفسير ومنها مجمع البيان لعلوم القرآن للطبرسي ومعاجم اللغة وكتب الأخبار كبحار الأنوار ومجالس المؤمنين وكشكول البحراني ومجموعة السماوي وروضة الواعظين ومناقب آل أبي طالب ونور الأبصار والإتحاف بحب الأشراف وغيرها.
وعلى الرغم من إعتماده على تفسير الطوسي المسمى التبيان في تفسير القرآن الذي رآه قد تأثر فيه بتفسير الطبرسي إلا إنه لم يرجع إلى كتابه (الامالي).
ومن هنا قصدنا أمالي الطوسي وديوان دعبل لكي نتلمس مواطن التداخل في نصوص واقعة الطف بين الرواية والشعر بغية الكشف عن وشائج تتيح التوثق، أو ارتباطات تدعم اليقين الذي لا يربو إليه الشك كما لا يداهمه الجرح أو التعديل.

التواشج بين الاحاديث والاخبار والشعر/
اذا كان التواشج هو الصلات التي يوجدها التداخل الابداعي بين ما هو أخباري نثري وما هو شعري؛ فإننا سنجد علاقات وثيقة بين أخبار واقعة الطف ورواياتها تاريخيا وما جاء منها أدبيا وفنيا .
ومن هنا فان تدعيم النصوص الشعرية التي تناولت واقعة الطف في قصائد الشاعر دعبل الخزاعي بالأخبار المروية التي نقلها الشيخ محمد بن الحسن الطوسي في أماليه سيدلل على كون المنحيين الفني والتأريخي قد تداخلا فتوافقا…
ويقينا فان تعاضد الخبر بالرواية اولا مع الخبر بالنص الشعري آخرا إنما هو دليل التزام عقائدي وصدق فني وواقعي وتأطير موضوعي لمنهج تأويلي يتيح لقارئ الشعر إدراك طبيعة الواقعة بكل تجلياتها.
وبذلك يتآزر الشعر والتاريخ ليكونا كالبنيان المرصوص والوحدة الواحدة في بناء مرجعية لحقيقة إنسانية لا يقرب إليها الشك ولا تعتريها المواربة.
تقع القصيدة التائية لدعبل في مئة وثمانية عشر بيتا وهي من البحر الطويل وتبتدئ بمطلع بكائي لنسوة وفد وقفن على خبر فاجع فانتحبن وبكين نائحات صادحات:
تجاوَبنَ بالإرنانِ والزفراتِ نوائحُ عجم اللفظ والنطِقات
يُخبرن بالأنفاس عن سر أنفسٍ أُسارى هوى ماضٍ وآخر آتِ
فأسعدن أو أسعفن حتى تقوضتْ صفوفُ الدجى بالفجر منهزماتِ
وبذلك غيّب الشاعر حاله وصار ساردا يسترجع حدثا ماضيا..بينما هيمنت وجهة النظر النسوية التي مثلتها جموع المؤنث السالم اسميا وعضدتها نونات النسوة فعليا.
وهو ذات المفتتح الحكائي الذي به تروى الواقعة في أمالي الطوسي إذ تبدأ رواية الواقعة بخبر نسوة اجتمعن، ومن اجتماعهن تبين للناس فحوى المأساة التي كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد أُخبر بها وأعلم أصحابه بمآلها.
فـعن أبي هياج عبد الله بن عامر” قال: لما نعي الحسين عليه السلام إلى المدينة خرجت أسماء بنت عقيل بن أبي طالب رحمهما الله في جماعة من نسائها حتى انتهت إلى قبر رسول الله فلاذت به وشهقت عنده ثم التفتت إلى المهاجرين والأنصار وهي تقول:
ماذا تقولون إن قال النبي لكم يوم الحساب وصدق القول مسموع
خذلتم عترتي أو كنتم غيبا والحق عند ولي الأمر مجموع
أسلمتموه بأيدي الظالمين فما منكم له اليوم عند الله مشفوع
ما كان عند عداة الطف إذ حضروا تلك المنايا ولا عنهن مدفوع
قال: فما رأينا باكيا ولا باكية أكثر مما رأينا ذلك اليوم”.
وكذلك ما نقلته الروايات عن أم سلمة وكيف أنها استبقت خبر استشهاد الإمام الحسين عليه السلام..فقد ذكر الشيخ الطوسي عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام” قال: قال :أصبحتْ يوما أم سلمة رحمها الله تبكي فقيل لها: مم بكاؤك؟ فقالت: لقد قتل ابني الحسين الليلة وذلك إنني ما رأيت رسول الله منذ قبض إلا الليلة فرأيته شاحبا كئيبا فقالت: ما لي أراك يا رسول الله شاحبا كئيبا. قالت: قال: ما زلت الليلة احفر القبور للحسين وأصحابه عليه وعليهم السلام”
ثم تنتقل قصيدة دعبل إلى مشهدية نسوية أخرى للواقعة وهي مشهد السبايا واقتيادهن إلى الشام :
على العَرَصات الخاليات من اَلمها سلامُ شجٍ صبًّ على العرصات
فعهدي بها خُضر المعاهدِ مألفـَاً من العطِرات البيض والخَفَرات
ليالي يُعدين الوصالَ على القِلى ويُعدي تدانينا على الغِرَبات
وإذ هنَّ يلحظن العيونَ سوافراً ويَسترن بالأيدي على الوَجَنات
وهذا الرد للصدر على العجز وهذا التطابق بين الوصال والغربات والستر والسفر وتتابع فعلي المضي وفاعلهن المؤنث( يلحظن ويسترن) قد منح المشهد شجنا يعكس حجم الواقعة وهولها..
وقد نقل الشيخ الطوسي عن ذلك المشهد رواية حذلم بن ستير” قال: قدمتُ الكوفة في المحرم من سنة إحدى وستين منصرف علي بن الحسين عليهما السلام بالنسوة من كربلاء ومعهم الأجناد يحيطون بهم وقد خرج الناس للنظر إليهم فلما اقبل بهم على الجمال بغير وطاء جعل نساء الكوفة يبكين ويلتدمن فسمعتُ علي بن الحسين عليهما السلام وهو يقول بصوت ضئيل وقد نهكته العلة وفي عنقه الجامعة ويده مغلولة إلى عنقه ألا أن هؤلاء النسوة يبكين فمن قتلنا؟
وهذا ما يدفع الشاعر إلى التفاعل وإعلان الحسرة واللوعة بلسان المتكلم لا الراوي واصفا مشاعره بالقول:
وإذ كلَّ يومٍ لي بلحظيَ نشوةٌ يَـبيت لها قلبي على نشواتي
فكم حسراتٍ هاجها (بمُحسِّرٍ) وقوفي يوم الجمع من (عرفات)
ويستحضر مواضع مكانية بمكة وعرفة ليزداد نشوة لكن واقع الحال سيأتي بما هو غير متوقع فالأيام ستجور ويتمادى أهلها في الظلم والفرقة والثأر ليزلفوا عن طريق الحق الذي لا يسلكه إلا من آمن بالله سبحانه وأحب النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته عليهم السلام:
ألم ترَ للأيام ما جرَّ جِورُها على الناس من نقص وطول شَتات؟
ومن دول المستهترين ومن غدا بهم طالبا للنور في الظلمات ؟
فكيف ومِن أنَّى يطالَبُ زلفةً إلى اللهِ بعد الصوم والصلوات،
سوى حبِّ أبناء النبي ورهطه وبُغض بني الزرقاء والعَبَلات
وقد وثّق الشيخ الطوسي ناقلا عن إبراهيم بن داحة أن أول شعر رثي به الحسين بن علي عليهما السلام قول عقبة بن عمرو السهمي من بني سهم بن عوف بن غالب:
إذا العين قرتْ في الحياة وأنتم تخافون في الدنيا فاظلم نورها
مررت على قبر الحسين بكربلا ففاض عليه من دموعي غزيرها
فما زلت ارثيه وابكي لشجوه ويسعد عيني دمعها وزفيرها
وبكيت من بعد الحسين عصائبا أطافت بها من جانبيها قبورها
سلام على أهل القبور بكربلا وقل لها مني سلام يزورها
سلام بآصال العشي وبالضحى تؤديه نكباء الرياح ومورها
ولا تبرح الوفاد زوار قبره يفوح عليهم مسكها وعبيرها
ويستمر الشاعر في التعريف بأولئك الذين نقضوا عهد الله وناصبوا آل البيت العداء فكانت الرزية مفجعة وهذا ما جعله يفضح زورهم ويكشف عن حقدهم ولو أنهم احتكموا إلى الموصى إليه أمير المؤمنين علي لما وقعت تلك الرزية:
وهندِ وما أدتْ سمية وابنُها أولوا الكفر في الإسلام والفَجَرات
هم نقضوا عهد الكتاب وفرضَهُ ومُحكـمه بالزُّور والشُّبهات
ولم تكُ إلا محنةٌ كَشَفَتهمُ بدعوى ضلالٍ من هَن وهَناتِ
تراثٌ بلا قربى وملكٌ بلا هدىً وحكمٌ بلا شورى بغيرِ هُداة
رزايا أَرتْنا خُضرة الأفق حمرةً وردت أُجاجا طعمَ كلِّ فرات
وما سهَّلت تلك المذاهبَ فيهمُ على الناس إلا بيعةُ الفَلَتات
وما نالَ أصحابُ السقيفةِ إمرةً بدعوى تُراثٍ بل بأمر تِراتِ
ولو قلَّدوا الموصى إليه زمامَها لزُمَّت بمأمونٍ من العثرات
وقد أورد الطوسي أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم تبين فضل علي بن أبي طالب ومنزلته عند الله ورسوله إذ نقل عن علي بن الحكم عن ليث بن سعد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله:” أحبوا عليا فان لحمه لحمي ودمه دمي لعن الله أقواما من أمتي ضيعوا فيه عهدي ونسوا فيه وصيتي ما لهم عند الله من خلاق”
ولذلك أطال الشاعر الوقوف عند مناقب الإمام عليه السلام مؤشرا بطولاته في سوح الوغى ومبينا فضله وأخلاقه:
أخا خاتمِ الرسلِ المصفّى من القَذى ومفترسَ الأبطالِ في الغَمَرات
فإن جحدوا كان الغديرُ شهيدَهُ وبدرُ وأُحدٌ شامخُ الهضبات
وآيٌ من القرآن تتلى بفضله وإيثارِه بالقوتِ في اللزَبات
وغرُّ خِلالٍ أدركته بسبقها مناقبُ كانت فيه مؤتنِفات
مناقبُ لم تُدرَك بكيدٍ ولم تُنل بشيءٍ سوى حدِّ القنا الذَّرِبات
نجيٌّ لجبريلَ الأمينِ وأنتم عكوفٌ على العُزّى معا ومناة
ومن ثم يعمد الشاعر إلى فحوى القصيدة وغرضها الحقيقي وهو الرثاء بكاءً على واقعة كربلاء وما نزل فيها من ظلم وجور..
وهو ما عُني الشيخ الطوسي بالوقوف عنده والتوثيق له بالروايات فعن أبي عبد الله عليه السلام” قال: سمعته يقول: بينما الحسين عند رسول الله إذ أتاه جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد أتحبه؟ قال: نعم قال: أما أن أمتك ستقتله فحزن رسول الله لذلك حزنا شديدا فقال جبرئيل عليه السلام: أيسرك أن اريك التربة التي يقتل فيها؟ قال: نعم قال: فخسف جبرئيل عليه السلام ما بين مجلس رسول الله إلى كربلاء حتى التقت القطعتان هكذا وجمع بين السباببتين فتناول بجناحيه من التربة فناولها رسول الله ثم دحى الأرض من طرف العين فقال رسول الله : طوبى لك من تربة وطوبى لمن يقتل فيك”
وفي السياق الاستشهادي نفسه وضمن المحمول القيمي العالي عينه يمضي دعبل قائلا :
بَكَيْتُ لرسمِ الدارِ من عرفاتِ وأذريتُ دمع العين في الوجنات
وفكُّ عرى صبري وهاجت صبابتي رسومُ ديار قد عفت وعِرات
مدارسُ آيات خلت من تلاوةٍ ومنزلُ وحيٍ مقفِرُ العرصات
لآل رسولِ اللهِ بالخيف من منى وبالركن والتعريف والجمرات
ديارُ عليًّ والحسينِ وجعفرٍ وحمزةَ والسجاد ذي الثِفنات
ديارٌ لعبد الله والفضل صنوه نجيٍّ رسولِ الله في الخلوات
وسبطي رسول الله وابني وصيه ووارثِ علم الله والحَسنات
والشاعر يستذكر المنازل التي كانت عامرة بالصلاة والطهر والحسنات مسلما عليها مستشعرا هول الحال الذي نزل بأهلها وقد فرقتهم غربة النوى بعد ان كانوا خير قادة وخير حماة وصلى عليهم الله ورسوله .
ولقد نقل الطوسي رحمه الله عن الفحام عن سيدنا الصادق أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام “قال: قال أبي لجابر بن عبد الله: لي إليك حاجة أريد أن أخلو بك فيها فلما خلا به في بعض الأيام قال له: اخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد امي فاطمة عليها السلام قال جابر: اشهد بالله لقد دخلت على فاطمة بنت رسول الله لاهئنها بولدها الحسين فاذا بيدها لوح اخضر من زبرجدة خضراء فيه كتاب انور من الشمس واطيب من رائحة المسك الاذفر فقلت ما هذا يا بنت رسول الله؟ فقالت: هذا لوح أهداه الله عز وجل الى أبي فيه اسم ابي واسم بعلي واسم الاوصياء بعده من ولدي”
وعن بشير الدهان”: قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ربما فاتني الحج فاعرف عند قبر الحسين عليه السلام ؟قال: أحسنت يا بشير انه من أتى قبر الحسين بن علي عليهما السلام في غير يوم عيد كتب له عشرون حجة وعشرون عمرة مبرورات متقبلات وعشرون غزوة مع نبي مرسل أو إمام عادل
ثم يأخذ دعبل بمدح مآثر المعصومين وذكر مناقبهم في الأخلاق والكرم والفضل والصدق والثبات والشجاعة متعجبا من أولئك الذين يكنون لهم الحسد والتكذيب:
إذا لم نناج الله في صلواتنا بأسمائهم لم يَقبل الصلوات
مطاعيمُ في الإقتار في كل مشهدٍ لقد شَرفوا بالفضل والبركات
وما الناسُ إلا حاسدٌ ومكذبٌ ومضطغنٌ ذو إحنة وتِـرات
وللطوسي رواية فيها حديث قدسي عن” جابر عن انس بن مالك أن رسول الله قال: إن الله تعالى لما أحب أن يخلقني خلقني نطفة بيضاء طيبة فأودعها صلب أبي ادم عليه السلام فلم يزل ينقلها من صلب طاهر إلى رحم طاهر الى نوح وابراهيم عليهما السلام ثم كذلك الى عبد المطلب فلم يصبني من دنس الجاهلية ثم افترقت تلك النطفة بشطرين الى عبد الله وابي طالب فولدني ابي فختم الله بي النبوة وولد علي فختمت به الوصية ثم اجتمعت النطفتان مني ومن علي فولدنا الجهر والجهير: الحسنان فختم الله بهما اسباط النبوة وجعل ذريتي منهما والذي يفح مدينة او قال مدائن الكفر ويملأ أرض الله عدلا كما ملئت ظلما وجورا فهما طهران مطهران وهما سيدا شباب اهل الجنة طوبى لمن أحبهما وأباهما وأمهما وويل لمن حادهم وابغضهم”
ثم يواصل دعبل بيان لؤم الغادرين لآل البيت وكيف أنهم كانوا يبتون العدة ويتهيئون لأخذ ثاراتهم في غزوة بدر وخيبر:
إذا ذَكروا قتلى ببدرٍ وخيبرٍ ويوم حنينٍ أسبلوا العبرات
وكيف يحبون النبي ورهطَه وهم تركوا أحشاءهم وغِرات
ولكن لا بد للحق أن ينجلي ويزهق الباطل وهذا ما توضح في ما بعد؛ فقد انقلب فعل الغادرين عليهم ونالهم سوء الحال والمآل؛ فعن الطوسي عن يحيى بن المغيرة الرازي” قال: كنت عند جرير بن عبد الحميد إذ جاءه رجل من أهل العراق فسأله جرير عن خير الناس فقال: تركت الرشيد وقد كرب قبر الحسين عليه السلام وأمر أن تقطع السدرة التي فيه فقطع قال: فرفع جرير يديه فقال: الله اكبر جاءنا فيه حديث عن رسول الله انه قال: لعن الله قاطع السدرة ثلاثا فلم نقف على معناه حتى الآن لان القصد بقطعه تغيير مصرع الحسين عليه السلام حتى لا يقف الناس على قبره”
ومن ثم يأتي دعبل إلى لب القصيد او مطلبه وهو البكاء على الحادث الجلل والمصاب الكلل ليعاود الخطاب مناديا فاطمة نداء قريبا أن تذرف الدمع ناقلا مشهد عاشوراء واستشهاد ريحانة رسول الله وقد مات عطشانا :
أفاطمُ لو خلت الحسين مجدَّلا وقد مات عطشانا بشط فرات
اذن للطمت الخد فاطم عنده وأجريت دمع العين في الوجنات
افاطم قومي يابنة الخير واندبي نجومَ سمــوات بأرض فلاة
………….
قبور بجنب النهر من ارض كربلا معرَّسُهم منها بشط فرات
توفوا عطاشاً بالعراة فليتني توفيت فيهم قبل حين وفاتي
وهو يشكو إلى الله لوعة زمن ترك لآل البيت في كل يوم نومة ومضجع وهم الذين أضاءت لهم الأستار في الظلمات فكانوا موضع كل فخر..ليقول:
إذا وردوا خيلا تسعَّر بالقنا مساعِرُ جَمرِ الموت والغمرات
وان فخروا يوما أتوا بمحمد وجبريل والفرقان ذي السورات
وعدوا عليا ذا المناقب والعلا وفاطمةَ الزهراء خيرَ بنات
وحمزة والعباس ذا الهدى والتقى وجعفرا الطيارَ في الحَجَبات
مقارنا المنزلة الرفيعة لال البيت بالحال الوضيعة لأعدائهم من أبناء هند وسمية وفي السياق عينه نقل الشيخ الطوسي روايات تمجد آل البيت وتبين المكانة الرفيعة التي امتلكوها فعن ابن خشيش قال: توجهت إلى زيارة الحسين عليه السلام فاذا هو قد حرثت ارضه ومخر فيها الماء وارسلت الثيران العوامل في الارض فبعيني وبصري كنت ارى الثيران تساق في الارض فتنساق لهم حتى اذا حازت مكان القبر حادت عنه يمينا وشمالا فتضرب بالعصا الضرب الشديد فلا ينفع ذلك فيها ولا تطأ القبر بوجه ولا سبب فما امكنني الزيارة فتوجهت الى بغداد وانا اقول في ذلك:
تا الله ان كانت امية قد اتت قتل ابن بنت نبيها مظلوما
فلقد اتاك بنو ابيه بمثلها هذا لعمرك قبره مهدوما
أسفوا على ألا يكونوا شايعوا في قتله فتتبعوه رميما
فلما قدمت بغداد سمعت الهائعة فقلت : ما الخبر؟ قالوا: سقط الطائر بقتل جعفر المتوكل فعجبت لذلك وقلت: الهي ليلة بليلة.
فأما طاعة ال البيت فواجبة ومقدسة وأما مبايعتهم فأمر لازم تأكيدا لقوله تعالى(قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ) لهذا صارت مناصرتهم جهادا والذود عنهم طاعة لله وحبا لرسوله.
وهذا ما أكدته رواية نقلها الطوسي عن رافع مولى أبي ذر قال:” رأيت أبا ذر آخذا بحلقة باب الكعبة مستقبل الناس بوجهه وهو يقول: من عرفني فانا جندب الغفاري ومن لم يعرفني فانا أبو ذر الغفاري سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من قاتلني في الأولى وقاتل أهل بيتي في الثانية حشره الله تعالى في الثالثة مع الدجال إنما مثل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن خلف عنها غرق ومثل باب حطة من دخله نجا ومن لم يدخله هلك” وعن هذا المعنى قال دعبل:
تخيَّرتُهم رشدا لأمري فإنهم على كل خيرةُ الخيرات
نبذتُ إليهم بالمودة جاهدا وسلمت نفسي طائعا لولاتي
فياربِّ زدني من يقيني بصيرةً وزد حبَّهم يا رب في حسناتي
سأبكيهمُ ما حجَّ لله راكبٌ وإني لمحزونٌ طوال حياتي
أحب قصيَّ الرحم من اجل حبكم واهجر فيكم أسرتي وبناتي
ومن ثم دعَّم دعبل شعور الأسى والمرارة بتلك الصورة التي رسمها لوصف الحالة كانت عليها الفئة الباغية من آل أمية وال زياد :
فكيف أداوي من جوىً ليَ والجوى أمية أهلُ الفسق والتبعات
بنات زيادٍ في القصور مصونةٌ وآلُ رسولِ الله في الفلوات
سأبكيهِمُ ما ذرَّ في الأفق شارقٌ ونادى منادي الخير بالصلوات
ولولا انه كان مؤمنا بان الله تعالى سيثأر من عدوهم لكان قلبه قد تقطّع حسرة ولوعة وان عزاءه هو قائم آل محمد الذي سيخرج ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا:
خروج إمام لا محالةَ خارجٌ يقوم على اسمِ الله والبركات
يُميِّزُ فينا كلَّ حق وباطل ويَجزي على النعماء والنقمات
وقد تنبأ دعبل في قصيدته هذه بأن أمرا قريبا سيحصل متيقنا بمقدم المختار أبي عبيدة الثقفي الذي قاد الثورة ضد آل زياد بعد مرور سنين:
فيا نفسُ طيبي ثم يا نفس أبشري فغيرُ بعيدٍ كلُّ ما هو آت
ولا تجزعي من مدةِ الجوْر إنني كأني بها قد آذنت بِشتات
فان قرَّب الرحمنُ من تلك مدتي وأخَّر من عمري ليوم وفاتي
شَفَيْتُ ولم اترك لنفسي غصةً وروَّيت منهم مُنصلي وقناتي
وهذا ما أورد له الطوسي روايات عدة فعن المدائني أن المختار بن أبي عبيدة الثقفي رحمه الله ظهر بالكوفة ليلة الأربعاء لأربعة عشر ليلة بقيت من شهر ربيع الاخر سنة ستة وستين فبايعه الناس على كتاب الله وسنة رسول الله والطلب بدم الحسين بن علي عليهما السلام ودماء أهل بيته رحمة الله عليهم والدفع عن الضعفاء فقال الشاعر في ذلك:
ولما دعى المختار جئنا لنصره على الخيل تردي من كميت واشقرا
دعا يا لثارات الحسين فأقبلت تعادى بفرسان الصباح لتثأرا
ودعبل لا يرجو من وراء ذلك كله إلا التقرب إلى الله تعالى فليست الدنيا همه ومطلبه بل مبتغاه الاخرة ومقصده الجنة حيث المنتهى والمستقر..
ولان دعبلا لا طاقة له بقتال بني أمية لكثرتهم وشدة سطوتهم لذلك أعترف بالتقصير واصفا مشاعره بالقول:
تقاصَرُ نفسي دائما عن جدالهمُ كفاني ما ألقى من العبرات
أحاول نقل الشُّم من مستقرها وإسماع أحجارٍ من الصَّلدات
فحسبي منهم أن أموت بغُصة ترددُ بين الصدر واللهوات
فمن عارف لم ينتفع ومعاند يميل مع الاهواء والشهوات
كأنك بالأضلاع قد ضاق رُحبُها لِما ضُمنِّت من شدة الزفرات
وبهذه الأبيات يختم قصيدته التائية واضعا كما هائلا من الحسرة والزفرة هذا فضلا عن قصائد أخر في رثاء الحسين وآل بيته عليهم السلام وبكاء مصابهم منها قصيدته من البحر الكامل التي ذكر فيها واقعة الطف :
هلا بَكَيْت على الحسين وأهلهِ هلا بكيت لمن بكاه محمدُ
فلقد بكته في السماء ملائكٌ زهرٌ كرامٌ راكعون وسُجَّد
وتضعضع الإسلام يوم مصابه فالدين يبكي فقده والسؤددُ
وهذا ما تعضده رواية الشيخ الطوسي عن محمد بن عمران” قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لما كان من أمر الحسين بن علي ما كان ضجت الملائكة الى الله تعالى وقالت: يا رب يفعل هذا بالحسين صفيك وابن نبيك؟ قال: فأقام الله لهم ظل القائم عليه السلام وقال: بهذا انتقم له من ظالمه”
وكانت قد بكت الحسين حتى الجن فقد نقل الطوسي عن شيخ من بني تميم” كان يسكن الرابية قال: سمعت أبي يقول: ما شعرنا بمقتل الحسين عليه السلام حتى كان مساء ليلة عاشوراء فاني لجالس بالرابية ومعي رجل من الحي فسمعنا هاتفا يقول:
والله ما جئتكم حتى بصرت به بالطف منعفر الخدين منحورا
وحوله فتية تدمي نحورهم مثل المصابيح يطفون الدجى نورا
وقد حثثت قلوصي كي اصادفهم من قبل ان تتلاق الحرد الورا
فعاقني قدر والله بالغه و كان امرا قضاء الله مقدورا
كان الحسين سراجا يستضاء به الله يعلم اني لم اقل زورا
صلى الاله على جسم تضمنه قبر الحسين حليف الخير مقبورا
مجاورا لرسول الله في غرف وللوصي وللطيار مسرورا
فقلنا له: من انت يرحمك الله قال:أنا وأبي من جن نصيبين اردنا مؤازرة الحسين عليه السلام ومؤاساته بانفسنا فانصرفنا من الحج فاصبناه قتيلا”
أما عن مآل السبايا ومشهد الحسين عليه السلام وهو مقطع بالسيوف فقد رسمه دعبل في صورة تلامس شغاف القلب فلا يملك المرء معها الا الانتحاب وهذا هو حال الشاعر الصادق فنيا الذي لا يملك بُداً بإزاء مضاضة الفعل الدنئ الا ان يتجرع غصته لينقل احساسه نقلا قويا مخاطبا متلقيه بقوة ومضاء:
كيف القرارُ وفي السباء زينبُ تدعو بفرطِ حرارةٍ يا احمدُ
هذا حسينٌ بالسيوف مبضَّع وملطخ بدمائه ، مستشهد
…………
ثم استباحوا الطاهراتِ حواسرا فالشمل من بعدِ الحسين مبدد
بالطف حولي من يتامى أخوتي في الذُل قد سُلبوا القناع وجردوا
وعن ذلك نقل الشيخ الطوسي عن حذلم بن ستير قال: ورأيت زينب بنت علي عليهما السلام ولم أر خفرة قط انطق منها كأنها تنزع عن لسان أمير المؤمنين قال: وقد أومأت إلى الناس ان اسكتوا فارتدت الأنفاس وسكتت الأصوات فقالت:” الحمد لله والصلاة على أبي رسول الله اما بعد يا أهل الكوفة وأهل الختل والخذل فلا رقأت العبرة ولا هدأت الرنة فانما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم الا وهل فيكم الا الصلف النطف والضرم الشرف خوارون في اللقاء عاجزون عن الاعداء ناكثون للبيعة مضيعون للذمة فبئس ما قدمت لكم انفسكم ان سخط الله عليكم وفي العذاب انتم خالدون.
أتبكون؟ أي والله فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا ولقد فزتم بعارها وشنارها ولن تغسلوا دنسها عنكم ابدا فسليل خاتم السالة وسيد شباب اهل الجنة وملاذ خيرتكم ومفزع نازلتكم وامارة محجتكم ومدرجة حجتكم خذلتم وله قتلتم الا ساء ما تزرون فتعسا ونكسا ولقد خاب السعي وتبت الايدي وخسرت الصفقة وبؤتم بغضب من الله وضربت عليكم الذلة والمسكنة .
ويلكم أتدرون أي كبد لمحمد فريتم واي دم له سفكتم واي كريمة له اصبتم ؟ لقد جئتم شيئا ادا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا
ولقد أتيتم بها خرقاء شوهاء طلاع الارض والسماء افعجبتم ان قطرت السماء دما ولعذاب الاخرة اخرى فلا يستخفنكم المهل انه لا يحفزه البدار ولا يخاف عليه فوت الثار كلا ان ربك لبالمرصاد.
قال: ثم سكتت فرأيت الناس حيارى قد ردوا ايديهم في افواههم ورأيت شيخا قد بكى حتى اخضلت لحيته وهو يقول:
كهولكم خير الكهول ونسلكم إذا عد نسل لا يخيب ولا يخزى
وفي هذه الخطبة العصماء من الصور البلاغية والمعاني البليغة ما لا تستطيع الأقلام شرحه وتأويله فقد انبرت عليها السلام في أول الخطبة مقرعة لاهل الكوفة كونهم نقضوا عهدتهم وتنكروا لبعيتهم للإمام عليه السلام واصفة إياهم بأوصاف النفاق والخبث والغدر مبوخة لهم على حالهم الذي سيظل التاريخ يذكره بأسى ومرارة.
وهي في كل ذلك لا تنفك تستلهم القرآن الكريم دليلا دامغا لمن أغوته الضلالة ونورا هاديا للأبصار المستنيرة بالإيمان والعقيدة .
وقد قال دعبل معنفا ومزدريا وهو يمقت فعل الخزي الذي قامت بفعله الفئة الضالة يوم عاشوراء :
يا امةً قتلت حسينا عنوةً لم ترع حق الله فيه فتهتدي
قتلوه يوم الطف طعنا بالقنا سلباً وهبرا بالحسام المُقْصِد
ولهذا ظل العار يلاحق قاتلي الحسين عليه وأهل بيته عليهم أتم السلام فعن” المنهال بن عمرو قال: قال: دخلت على علي بن الحسين عليهما السلام منصرفي من مكة فقال ليك يا منهال ما صنع حرملة بن كاهلة الاسدي؟ فقلت تركته حيا بالكوفة قال: فرفع يديه جميعا ثم قال: اللهم أذقه حر الحديد اللهم أذقه حر الحديد اللهم أذقه حر النار”
وقد قال دعبل مواليا الحق متبعا نهج المعصومين مزدريا من الباغين متوعدا إياهم بيوم عبوس قمطرير:
صبرا موالينا فسوف يُدِيلُكُمُ يومٌ على آل اللعين عبوس
ما زلتُ متبعا لكم ولأمركم وعليه نفسي ما حييتُ أسوس
وفي هذا المعنى نقرأ رواية في الامالي عن القاسم بن معمر الاسدي الكوفي وكان له علم بالسيرة وأيام الناس قال: بلغ المتوكل جعفر بن المعتصم أن أهل السواد يجتمعون بأرض نينوى لزيارة قبر الحسين عليه السلام فيصير إلى قبره منهم خلق كثير فأنفذ قائدا من قواده وضم إليه كنفا من الجند كثيرا ليشعب قبر الحسين عليه السلام ويمنع الناس من زيارته والاجتماع إلى قبره فخرج القائد إلى الطف وعمل بما أمر وذلك في سنة سبع وثلاثين ومائتين فثار أهل السواد به واجتمعوا عليه وقالوا: لو قتلنا عن آخرنا لما امسك من بقي منا عن زيارته ورأوا من الدلائل ما حملهم على ما صنعوا فكتب بالأمر إلى الحضرة فورد كتاب المتوكل إلى القائد بالكف عنهم والمسير إلى الكوفة مظهرا أن مسيره إليها في صالح أهلها والانكفاء إلى المصر، فمضى الأمر على ذلك حتى كانت سنة سبع وأربعين فبلغ المتوكل أيضا مسير الناس من أهل السواد والكوفة إلى كربلاء لزيارة قبر الحسين عليه السلام وانه قد كثر جمعهم كذلك وصار لهم شوق كبير فأنفذ قائدا في جمع كثير من الجند وأمر مناديا ينادي ببراءة الذمة ممن زار قبر الحسين ونبش القبر وحرث أرضه وانقطع الناس عن الزيارة وعمل على تتبع آل أبي طالب عليهما السلام والشيعة فقتل ولم يتم له ما قدر”
ختاما/
يتأكد لنا ـ وعودا على ما تقدم ـ أن نصوص واقعة الطف التي وصلت إلينا بالخبر النثري وبالنص الشعري قد تواشج فيها التاريخ بالشعر تواشجا قويا وكان عماد ذلك كله تحري الصدق والاخلاص للمبدأ والثبات على العقيدة.
والغاية هي عرض ما في الواقعة من دروس عظيمة وعبر إنسانية خالدة تنقل إلى الأجيال لتستقي منها الامل في الصبر على الأهوال والإيمان بالحق والتمسك بالنهج القويم مهما كانت التضحيات وأيا بلغت العوائق والعقبات..
فطوبى للشيخ الطوسي صنيعه العلمي ومرحى للشاعر دعبل الذي خلد اسمه بما كان قد نذر له روحه واخلص له حباً وولاءً .

هوامش :

[1] ينظر: الأمالي، للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي ولابنه أبي علي الحسن بن محمد بن الحسن الطوسي رحمهما الله تعالى ، تحقيق وتصحيح بهراد الجعفري وعلي اكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية تهران 1422 .

[2] كشف الظنون ج 1/ 191

3] شعر دعبل بن علي الخزاعي صنعة الدكتور عبد الكريم الاشتر، الطبعة الأولى، مطبعة شريعت ، 1427هـ / 21

[4] م.ن/ 11ـ 12

[5] ينظر: م.ن/ هامش 24

[6] ينظر: م.ن / هامش 28

[7] م.ن / 221

[8] الامالي/ 149ـ15

[9] م.ن/150

[10] شعر دعبل بن علي الخزاعي / 222

[11] الامالي/

[12] شعر دعبل بن علي الخزاعي / 222

[13] م.ن/ 222 والزرقاء هي أم مروان بن الحكم

[14] الامالي /155ـ156 وتكرر في ص367

[15] شعر دعبل بن علي الخزاعي /222ـ 223

[16] الامالي/ 115

[17] شعر دعبل الخزاعي/ 224ـ225

[18] الامالي/ 470

[19] شعر دعبل الخزاعي/ 226

[20]  ينظر: م.ن/ 226ـ227

[21] الامالي/ 440

[22] م.ن/ 313

[23] شعر دعبل الخزاعي/ 228

[24] الامالي/738ـ 739

[25] شعر دعبل الخزاعي/ 228

[26] الامالي/ 484

[27] شعر دعبل الخزاعي/ 229ـ 231

[28] م.ن/ 232ـ233

[29] الامالي/489

[30] سورة الشورى الاية 23

[31] الامالي /104

[32] شعر دعبل الخزاعي/ 234ـ235

[333] م.ن/ 235ـ236

[34] م.ن / 237

[35] م.ن/ 237

[36] ينظر: الامالي /372ـ 377

[37]شعر دعبل الخزاعي/  238

[38] م.ن/ 246

[39] الامالي/ 624

[40] الامالي /151

[41] شعر دعبل الخزاعي/ 247ـ 248

[42] الامالي /155ـ154

[43] شعر دعبل الخزاعي/ 254

[44] الامالي /370

[45] شعر دعبل الخزاعي/ 261

[46] الامالي/489

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسن ملواني : تصالح الألوان في رواية ” قهوة بالحليب على شاطئ الأسود المتوسط “.

رمزية العنوان يعتبر عنوان الرواية بصيغته مزدوج الوظيفة، فهو إذ يشير إلى ما يعتبر عاديا …

| خليل مزهر الغالبي : مجموعة “ممتلكاتٌ لا تخصَّني” وخاصية البناء الشعري لآمنة محمود .

في مجموعتها الشعرية “ممتلكاتٌ لا تخصّني” راهنت الشاعرة “آمنة محمود” على تأكيد بصمتها الشعرية بمثولها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *