“هدية حسين” .. ومحنة “نساء العتبات”

قراءة: حسين سرمك حسن

(إنها ومضة تركت حين خطفت، فكرة أخذتني إلى الورق لتبدا أحداث هذه الرواية. فقد اتصلت بي الدكتورة (لقاء موسى) (تدرس الأدب الحديث في كلية التربية للبنات في جامعة بغداد) أخبرتني أنها درست طلابها رواية (في الطريق إليهم). وحالما انتهت المكالمة تساءلت: لماذا اختارت الدكتورة لقاء تلك الرواية تحديدا؟ وقادني هذا التساؤل إلى إعادة قراءة الرواية التي صدرت في العام 2004باحثة بين صفحاتها عن إجابة، لكن ما إن انتهيت منها حتى نسيت الإجابة لأجدني قد خرجت بفكرة رواية (نساء العتبات) حيث وقفت أمام أسئلة عديدة تتعلق بشخصية أمل (الثانية) التي جاءت في النصف الثاني من رواية (في الطريق إليهم) ولم تأخذ نصيبها من الأحداث ..).
هكذا تفتتح الروائية العراقية المبدعة (هدية حسين) “الإضاءة” التي كتبتها لروايتها الهامة (نساء العتبات) والتي –كما تنصح هي فعلا- ينبغي على القارىء أن يقرأ روايتها السابقة (في الطريق إليهم) قبل قراءة هذه الرواية، ليتعرف على جذور (أمل) الثانية والمعاناة التي خرجت منها وشكلت نظرتها للحياة، برغم أن عدم الرجوع إلى تلك الرواية لا يتعارض وقراءة (نساء العتبات).
(الفقراء هم وحدهم الصامتون في سومر) ..
هذا المثل السومري الذي افتتحت هدية به روايتها لا يلخص محنة (أمل) الشخصية المركزية بل –وهنا تتجلى أهمية الرواية حين يلتحم المبدع بهموم شعبه ويتجاوز أخدوعة “الفن للفن”- تجسد الكارثة الفاجعة التي مزقت جسد شعب كامل. جاءت الرواية بشخوصها المركزيين: أمل الشخصية المركزية الخلاصة، وجبار زوج أمل الضابط في الحرس الجمهوري الذي رصدت من خلاله سلوك النخبة الحاكمة، و(جمّار) الخادمة العجوز المخلصة التي كانت تتمظهر تلقائيا كأنموذج للناس المسحوقين، مكثفة ومركزة بلا استطالات تشخص المأساة العراقية حيث يلقى المواطن العراقي بلا رحمة بعيدا عن رحمه الأمومي إلى الخارج، في عمان أو غيرها من عواصم المنافي، حيث تتوالى مطارق النوائب حد تحطيم تماسكه النفسي والوجداني. هناك حيث الضياع والخيبة والإحباط تتكرر صورة نساء العتبات العراقيات اللائي لخصن محنة بلاد كاملة ديدنها الإنتظار المديد والمتطاول بلا رجاء، سلسلة لا نهاية لها تمتد من أحشاء الخيبة الجنينية السومرية الأولية إلى (أمل في الطريق إليهم) مرورا بـ (أمل نساء العتبات) ووصولا إلى (أمل النهايات المفنوحة) الخائبة المقبلة، العتبات تتحول والجلسة المذلة المحبطة على عتبة الإحباط واحدة سواء في بغداد أو عمان.
تقول أمل وهي في تغربها في عمان: ( أنفض رأسي فيتساقط وجه أمي وجدتي.. أمشي دونما هدي والطريق يرتفع مرة وينخفض مرة.. أجلس لأرتاح قليلا، على جذع شجرة ممدد إلى جانب الشارع، يلوح لي الجسر المعلّق الذي علقت عليه الكثير من الآمال، أرى دجلة يمضي تحته هادئا وقورا وغارقا بالأسرار، مثل ناسك قال كل ما لديه ولم يبق معه إلا الصمت، قد أكون قريبة الشبه بدجلة، فأنا الأخرى لم يبق لدي سوى الصمت.. لكنني بالتأكيد لست ناسكة.. إلا ن الحياة المرفهة تملكتني، صمتي من النوع الذي يغور في أوصالي ويشويني على جمر خبا تحت الرماد.. صمت له أنياب تنهش لحمي، مثل نظرات هذا الرجل الذي انتبهت إليه توا.. ).
الصمت المديد هو بطل هذه الرواية.. صمت الأرواح العراقية المكلومة عبر تاريخها الهائل القاهر.. صمت يمتد ين (أملين) مجهضين.. صمت أمة مذلة ممزقة عبرت عنه المبدعة هدية حسين خير تعبير..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

مهند الخيگاني: تشريح الصمت وتصنيف الكلام في عالم ماكس بيكارد

“ولد الكلام من الصمت من الصمت الكامل ، كان كمال الصمت قد انفجر لو انه …

مهند طلال الأخرس: #كل_يوم_كتاب.. طريق الخيّالة

طريق الخيّالة، سبعون عاما من الذاكرة، كتاب سيرة ذاتية وهو بقلم المناضل والفدائي البطل احمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *