في ذكرى رحيل “ذنون أيوب”: تحليل رواية “الرسائل المنسية”

ذنون أيوب يلقي كلمة في تأبين المجاهد الشبيبي
حسين سرمك حسن
الخوف من المجهول: «أن أمهد له الطريق لاقتباس كل شيء من الواقع: الصفات، الأسماء والألوان والحوادث دون أن يبالي بإمكان وجود من تنطبق عليه بالصدفة صفات بطل من الأبطال فيثور هذا بكرامته ويقاضيه بتهمة التشنيع والتشهير بالناس مستنداً إلى أقصوصة انتقادية بعد أن يبرهن على أنه هو المقصود لأن الصفات تنطبق عليه دون زيادة أو نقصان. كم سيضحك القضاة عندما يرون هذا الذي يستطيع أن يكتب القصص وينال إعجاب البعض وقد انعقد لسانه فلا يجد جواباً؟
المنطق: «من حسن حظه أنك خامل منـزوٍ في نفسه، لا تسمعه صوتك إلا في القليل النادر، ولولا ذلك لما استطاع أن يكتب سطراً. أنت أيها الخوف أكبر نكبة على بني البشر».
 ذنون أيوب
 من رواية «الدكتور إبراهيم»
اشتهر الروائي العراقي الراحل «ذنون أيوب» بروحه التعرضية التي هيأته لمعاجلة موضوعات اجتماعية وأخلاقية حساسة جداً في قصصه ورواياته في النصف الأول من القرن العشرين حيث كانت هناك الكثير من العوامل والقوى التي قد تثبط همة الكاتب واندفاعته في معالجة تلك الموضوعات فنياً، لكن «ذنون أيوب» كان متعرضاً وجسوراً، وقد تكون لدينا الكثير من الملاحظات حول منهجه في الكتابة القصصية من واقعية فجة وتصوير سقيم للواقع وورؤية متعبة وغيرها من الأوصاف التي لا تعبر سوى عن فذلكة كتابها الذين يكتبون عن النصف الأول من القرن العشرين بعقلية بنيوية مستوردة من أوربا في النصف الثاني من القرن العشرين، هذه مهانة ذاتية وإهانة للنص المقدس نفسه، وفق هذا المعيار الذي يقول ضمن إطاره “كمال أبو ديب” إنه طور البنيوية أكثر من البنيويين!! ضاع الفهم الخلاق للكثير من الأعمال السردية العربية عموما والعراقية خصوصا، وهذا جعل النقاد يغفلون الحقوق الإبداعية لذنون أيوب كأنموذج لجيل مضيّع من الناحيتين، الفنية والتاريخية. والمشكلة أن أخوة يوسف العراقيين النقدة هم الذين يسهمون في تجريح انفسهم بالسكاكين البنيوية الباشطة، هل يقل مستوى رواية «الدكتور إبراهيم» مثلاً لـ«ذنون أيوب» عن رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل أو روايات «طه حسين» الأيام ودعاء الكروان وغيرها؟ والجواب هو أن روايات «ذنون» إن لم تكن بمستوى تلك الروايات فإنها قد تفوقها في بعض الجوانب، ثم إن كون رواية ما قد كتبت بطريقة واقعية «تقريرية» لم يمنع ناقداً مهماً مثل الأستاذ «جورج طرابيشي» من مراجعة وتحليل روايات واقعية «فديمة» لاكتشاف مضامين ودلالات ورموز غنية حفلت بها مثل رواية «إبراهيم الكاتب» لـ«المازني» وذلك في كتابه المعروف «عقدة أوديب في الرواية العربية».. لكن للأسف الحال عندنا هو غير الحال هناك، فقد شكا «ذنون أيوب» خلال حياته من إهمال النقاد العراقيين، بل ومحاربة بعضهم له. في روايته القصيرة «حوراء» التي أصدرها في عام 1988، وأعتقد أنها آخر عمل له، يعلن هذه الشكوى صراحة فيقول: «ويعجبني أن أتعرض للأديب الناقد المحقق الذي كان ديدنه طوال عقد من الزمن، أن يلاحقني بأسئلة تتطلب الإجابة عليها ما حجمه كراس أو كتيب، دون أن ينشر شيئاً منها. وفي آخر لقاء معه هذه السنة تحرش بي بسؤال ورد في تحقيقاته، إذ سأل (يقال إنك قد أخذت بكتابة المذكرات، لما فشلت في كتابة القصة)، وإليه الجواب مادام هو وسواه لا ينشر أجوبتي) (فأؤكد) له أني لا أكتب لهواً أو عبثاً، ولا ما لا يفهم «من الإبداع الحديث»، بل أفضل الوضوح إرضاءً لميولي الإنسانية، وإن أراد دليلاً فإني أحيله إلى ألوف القراء، وسيعلم أن نسخة واحدة من كتبي يقرأها أكثر من عشرة. أما حين تكون «محجمة» فأكثر من مائة. ولعلي الكاتب الوحيد الذي قرأه ويقرأه الساسة الحاكمون، والمثقفون النابهون، سابقاً ولاحقاً، لا فرق بين مباد ومبيد، وإن لم يصدق فليسأل ويحقق، وعذر القارئ أذا وجد أني أشيد بنفسي، فإني قد تجوهلت واضطهد أدبي مراراً، فهذا دفاع لا غرور، وأعود لأسأل الناقد «…» هل يلام كاتب أن يكتب مذكراته وهو على وشك الرحيل بعد أن أدرك أرذل العمر؟!). «حوراء – رواية – ذنون أيوب – دار العصور – بغداد – 1988».
تحليل رواية «الرسائل المنسية»: (الرسائل المنسية – قصة في رسائل) «لذنون أيوب» تختلف في بنائها الفني عن باقي نتاجاته فهي رواية قصيرة طويلة يسردها راوٍ من خلال «الرسائل» فقط، كما أنها تتميز من الناحية المضمونية أيضاً بكونها تعتمد على توظيف الدوافع والعقد النفسية من خلال صوت واحد أو شخصية واحدة. من ناحية أخرى يختفي الحوار في هذه الرواية تماماً في الوقت الذي حفلت روايات «ذنون» الأخرى بحوارات طويلة بعضها مفرط ووعظي الطابع وممل جدا. ومجموعة الرسائل التي قام بناء الرواية على أساسها هي رسائل حب لصديق للراوي أتت بها زوجة الأول إلى الثاني الذي يقرأ ويفكر باستثمارها في كتابة رواية حب تخرجه من إطار الروايات السياسية، وهو حال الروائي فعلياً قبل كتابته هذه الرواية. وهذا الصديق واسمه «عارف» هو نموذج لشخصية تحمل قدراً هائلاً من الصراعات النفسية التي تجعلها تقف على حافة الاضطراب، ويتضح ذلك من خلال الوصف الذي يقدمه الراوي لصديقه هذا حيث يقول: «سر ولعي بهذا الصديق كسر ولعي بغيره من شواذ الدنيا وغرائب أنواع بني الإنسان فهو طائش ماجن، عاقل حكيم، محب كاره، يسمو إلى السماء السابعة ثم ينحط إلى الدركة السابعة من الأرض. كل ذلك في آن واحد…» لكن هذا الصديق قد هجر البلاد بعد الحرب إلى جهة مجهولة دون أن يخبر أهله وذويه وحتى أصدقاءه بأي شيء. ولم يعد الراوي يعرف عنه شيئاً سوى أنه – أي (عارف) – قد ترك ظرفاً ضخماً معنوناً باسم الراوي، وقد عثرت الزوجة التي يئست من عودة زوجها على هذا الظرف وجاءت به إلى الراوي لتقول له ناقمة ولتكشف ما يؤكد رأيه حول (شذوذ) (عارف). «هاك كل ما ترك واحمد الله على أنه لم ينجب أطفالاً، ولعلك تجد في هذه الرسائل ما يفسر سلوكه الغامض، ولست ألح في تقصي أخباره فغيابه خير من وجوده ولا أظنك تخالفني». وبعد أن يتسلم الراوي الكاتب الرسائل ويقرأها وهو يحاول إيقاعنا في شبكاك «مصيدة» موضوعية الكاتب وعدم انحيازه. (ولم أقف عند حد الانتهاء من قراءة الرسائل بل صممت على أن أسرقها أيضاً، فلا أبذل من الجهد أكثر من أن أحفظها ثم أرتبها دون زيادة أو نقصان وأسميها قصة عنوانها «الرسائل المنسية» ثم أطبعها وأقول لمن يتساءل، لماذا لا يكتب هذا الذي يسمي نفسه أديباً قصة غرامية؟ هاك قصة غرامية». وينسى المؤلف في قراره بـ«سرقة» الرسائل وتوقيت التحول إلى الكتابة العاطفية والخروج من إطار دائرة الكتابة السياسية هو أنه قرار تحكمه صراعاته ودوافعه الذاتية هو نفسه، والشيء نفسه يقال عن ولعه بشواذ البشر مثل (عارف) الذي يجمع في تركيبته وسلوكه متناقضات صارخة. ومن يراجع أعمال الكاتب سيجد أن الطريقة التي أعلن عنها في المقطع السابق على لسان الراوي، هي الطريقة نفسها التي اتبعها في كتابة رواية «الدكتور إبراهيم.. حياته ومآثره» والتي أقامها على أساس جمع رسائل (إبراهيم)، بطله، وصياغة وقائعها بأسلوبه الخاص، هذا الأسلوب الذي جعل الدكتور (إبراهيم) يثور لأنه وجد قصة حياته وقد تغيرت جوهرياً بفعل المنظور الثاني الذي تناولها الكاتب منه، وعليه فإنه جملة «…دون زيادة أو نقصان». هي ادعاء أو زعم «موضوعي» في الظاهر في حين أن ما يشكله من الداخل هو الدفعات الذاتية، اللا شعورية خصوصاً. فحين يختار الكاتب من بين آلاف الموضوعات التي تزخر بها الحياة اليومية شخصا محدداً (عارف مثلاً) وموضوعاً معيناً (الرسائل مثلاً) فليس لأنه (انتبه) إلى هذا الشخص أو الموضوع دون غيرهما – ويجدر القول إن الانتباه انتقائي ويعود في جانبه الأكبر إلى فعل العوامل الذاتية – فحسب بل لأنهما قد استفزا (شيئاً) ما كامناً ولائباً في أعماق لا شعور الكاتب ووجد فيهما منفذاً لتصريف صراعاته. وحتى لو لم يكن نضال هذا الشخص أو الموضوع المحدد فعلياً على أرض الواقع، فإن الكاتب يستطيع خلق وتلبيس وتغليف أي شخصية أو موضوع بتناقضات لا شعوره ومكبوتاته الدفينة. لقد قال لنا المؤلف في بداية القصة: «إن سر ولعي بهذا الصديق (عارف) كسر ولعي بغيره من شواذ الدنيا وغرائب أنواع بني الإنسان». وقد قدم لنا الكاتب رواية سابقة «الدكتور إبراهيم» والكثير من القصص القصيرة التي تدور حول الشخصيات ذات السلوكيات الغريبة والمنحرفة. وليس من واجبه رصد هذه الشخصيات لأغراض بحثية أو لأغراض (تربوية) تحصن القارئ كما يرى بعض (الموضوعيين). هؤلاء ينسون «اللعبة الخفية» التي تجري بين المبدع والمتلقي، فتحت الأغطية الجمالية والمعرفية يوفر العمل الإبداعي مسارب مشروعة لممارسة ما هو (غير مشروع) والتنفيس عنه والتخلص من رقابة الضمير الفردي والتملص من قبضة النواهي والتابوات الاجتماعية الخانقة. إن الانهمام بشواذ البشر وملاحقة سلوكياتهم والتفنن في عرضها إبداعياً هو، في حقيقة «ممارسة» وتفريج عن المكبوت الباطن الضاغط الذي يصارع «أنا» الكاتب من أجل لجمه، الكاتب (يمارس) عرض السلوكيات المنحرفة، والمتلقي يستحسن هذا الغرض كلما كان باهراً كلما كان محكما أخاذاً لأنه يتيح له، بالمقابل، «ممارسة» مشروعة لما هو لا مشروع.
ولو عدنا إلى المقطع الذي يتحدث فيه الكاتب الراوي عن المبررات التي تقف وراء إعجابه بتلك الرسائل فسنمسك بفعل العوامل الذاتية بدرجة أكبر وإن كانت مستترة خلف أغطية (موضوعية). ويقول الراوي: «لقد أعجبتني الرسائل، لأنها واقعية، ولأنها تختلف عن كل ما قد قرأته في هذا الموضوع، ولأنها تحوي من التحليل ما لا تحويه الرسائل الغرامية، ولأنها تكشف عن عواطف متناقضة لا تجد لها مثيلاً إلا عند أولئك الذين يطلقون أنفسهم على السجية فيصرحون بما يجول في أعماق نفوسهم تصريحاً لا يتحكم به عرف أو تقاليد، فهو انطلاق يزيح الأستار عن النفس البشرية فيعطيك صورة جلية عن مكونات أسرارها وأخيراً لأنها رسائل غرام كتبها إنسان ما كنت أعلم أنه من  أهل الغرام». ومقابل هذه الأسباب الخمسة التي جعلته يؤسس إعجابه بالرسائل ومن ثم إقامة مشروعه الروائي، لا يقوم سبب حاسم واحد يدفع الزوجة، زوجة (عارف)، إلى الاهتمام برسائل زوجها ولا الولع به كواحد من (شواذ الدنيا)، فهي ترى أن غيابه خير من وجوده كما تقول. وحين يطرح الراوي/ المؤلف أسباب إعجابه فإنه، في حقيقة الأمر، يكشف انحيازه المدعم بالمبررات من ناحية ويوظف هذا الانحياز من أجل تهيئة القارئ مسبقاً، لتأسيس إعجاب مقابل، حتى لو كان ذلك بصورة جزئية، من ناحية أخرى. ينكشف انحياز الراوي وتطلعاته الذاتية حين يبدأ (شيطان) الإبداع المغوي ألعابه ونصب فخاخه إذا جاز الوصف، ونشر الأستار الملونة البراقة من أجل استدراج القارئ (توريطه) في لعبة «الولع بشواذ الدنيا وغرائب أبناء بني الإنسان»، فنجد الراوي، المؤلف، يقسم روايته إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول وضع له عنواناً هو «الشرك المسحور» الذي ينسجه المؤلف للقارئ تحت غطاء التنظيم والتصنيف، فهو عنوان مغرٍ بإيحاءاته الدلالية والنفسية، وقد صاغه من خلال ما تشكل لديه من قناعات بعد أن أكمل قراءة الرسائل وحركت محفزاتها ما هو مخزون ولائب في أعماقه المسمومة، يتجسد ذلك بصورة أكثر وضوحاً في العبارة التفسيرية التي وضعها المؤلف تحت عنوان القسم الأول. «هذا شرك مسحور يدرك المقترب منه أخطاره، إلا أنه يتدافع إليه مسروراً ويقع فيه مختاراً». أما القسم الثاني الذي يحمل عنوان: «في الشرك» فإن العبارة التفسيرية التي يكتبها المؤلف تقول: «يقع في الشرك مختاراً ولا يلبث أن يثور مختلقاً الأسباب للبقاء متوهماً أنه يفعل ذلك بغية الخلاص»، في حين أشار في عباراته التفسيرية للقسم الثالث وعنوانه «بداية النهاية» إلى أنه: «لا تدوم العواصف إلى الأبد، ولابدّ أن يعقب العاصفة الهدوء، وما ذلك إلا مقدمة النهاية». وتعبر عناوين الأقسام الثلاثة – بل التقسيم نفسه – وعباراتها التفسيرية عن فهم نفسي وصفي وإبداعي لمناخات الرسائل ولجوانب من التركيبة النفسية لصاحبه (عارف)، وهو فهم فيه أوجه كثيرة من الحقيقة. فالفقرتان التفسيريتان، الأولى والثانية، تصفان تركيبة المعصوب الاندفاعي المازوخي في إقباله المتحمس والمختار على المهالك اللذيذة التي تنطوي أيضاً على تدمير الذات. وكون الشرك مسحوراً يغيب انتباهة الشعور، فهو يعني الموضوعات والرغبات التي تدغدغ جسد الدوافع الجنسية لدى الفرد. يضم القسم الأول خمس رسائل وجهها (عارف) إلى حبيبته (سهاد) يقول في استهلال الرسالة الأولى منها: «عزيزتي: أرسل إليك مع الرسول كتاباً للمازني، «إبراهيم الكاتب»، وعن هذا الكاتب أحب أن أتحدث إليك قليلاً. يبسط المازني في قصته هذا آراء في الحب قد تكون آراءه الخاصة. أراها جديرة بالاهتمام». وقصة «المازني» «إبراهيم الكاتب» والتي كتبها في عام 1925، ولم يكملها إلا في سنة 1931 تدور حول إبراهيم، العاجز عن الحب وفق مفاهيم التحليل النفسي، فنراه يفر من موضوع أنثوي إلى موضوع آخر، وفي الظاهر هو لعوب ومحبوب ودون جوان، في حين أنه، في الباطن معصوب أوديبياً ومثبت على موضوع الحب الأصلي، الأم – كتاب طرابيشي المذكور سابقاً – وعندما نواصل قراءة ما قاله (عارف) في رسالته الأولى هذه: «…أما أنا فليس لي رأي خاص في نظريات الكاتب وآرائه، ولكني أستسيغ منطقة، وأطرب لما يسرد من حوادث»، فسنجد أن ما يقوله لا يعدو أن يكون اندفاعة ذاتية تحكمها فواعل لاشعوره، وهذا ما سنراه في الرسائل المقبلة. يقول (عارف) في هذه الرسالة: «إني لم أحب أحداً كما تعلمين، غير أني أستشف في أعماق نفسي طوارئ جديدة غير مألوفة. إن هذه الطوارئ تحيرني وأخشى أن تكون طلائع عاصفة عاطفية ستثور بين جوانحي.. لقد قرأت «إبراهيم الكاتب» أكثر من مرة ولعله يعجبك كما أعجبني». إن الوصف الذي قاله (عارف) عن نفسه في أنه «لم يحب أبداً» بشيء بملامح نرجسية مرضية متمركزة حول ذاتها – كما هو الحال في  الطفولة المبكرة حين يكون الطفل مركزاً للعالم، وهذا الوصف يجعله، أيضاً نسخة مكررة من «إبراهيم الكاتب» – وهنا يطفح الذاتي صارخاً – الذي يصفه (المازني) بأنه لم يكن يحب سوى نفسه، حتى أن (المازني) نفسه قد أهدى روايته تلك إلى ذاته قائلا: «إلى التي لها أحيا.. وفي سبيلها أسعى.. ولها وحدي أغني طائعاً أو كارهاً.. إلى.. نفسي». وبطلنا (عارف) مثل (إبراهيم الكاتب) و(المازني) و(ذنون أيوب) متمركز حول كيانه الخاص إلى درجة مفرطة جعلته غير قادر على العطاء المتوازن في أي علاقة إنسانية، وهذا يوصله إلى سلوك طفلي يعتاش على دم مضيفه، ولا يقدم له غير الخراب والضرر، ولعل من أسباب اللعنة التي أنزلتها الآلهة بـ(نرسيس) هو أنه، في انبهاره بصورته الخارقة الحسن والمنعكسة في البحيرة قد أضر بحركة العلاقات المتبادلة بين الإنسان والآخر (الإنسان الآلهة، الطبيعي، ولم يعد يرى سوى نفسه كمركز للكون. وخطورة النرجسي وتأثيره السلبي على الحياة الإنسانية تتمثل في أنه يصبح عبئاً على الآخرين من ناحية، ويحاول إعادة عجلة مسيرة النضج الشخصي له في المجتمع إلى الخلف من ناحية ثانية. النرجسي يضيق بالآخر عندما يكون الأخير (التزاماً) ومشروعاً لتثبيت الطاقة النفسية الحبية، فذات النرجسي هي التي تستثمر، بل تستنـزف طاقاته، يعترف (عارف) لصديقته في الرسالة الثالثة: «أعترف لك أولاً بأني لست كالمحبين الذين يفرحون عند ذكر اسم المحبوب، فأنا أغلب الأحيان أجد ضيقاً عندما أتذكرك، وكثيراً ما شعرت وأنت معي، بأني أحمل أمراً صعباً غير طبيعي». وفي مثل هذه العلاقة العاطفية التي تربطه بها يكون «الذوبان» في شخصية المحبوب من «كليشيهات» الرسائل الغرامية بين الحبيبين، لكن (عارف) يعلن لها وبقوة. «أعترف لك ثانياً أن نساء كثيراً ما يصادفني عرضاً في الشارع أو السينما، فتهفو نفسي إليهن كما تهفو إليك، فأين الذوبان في شخصية المحبوب؟ وهل غير من المحبين مثل في هذا الشأن؟ ثم يجيب على سؤاله بنفسه مباشرة بقوله: «إني لأستبعد ذلك». ثم يعترف لها ثالثاً بأنه يطفئ لهيب شوقه الجنسي في محلات البغاء وإنه لا يعد ذلك خيانة لها أبداً كما أن هذه الممارسات لم تسبب فتوراً في حبه لها. أي أن (عارف) ليس عاجزاً جنسياً في صلته بالمرأة موضوع الحب. ويمكن أن يفسر سلوكه الغريب هذا تفسيرات عدة لا تقلل من دقة المنهج، في التحليل النفسي يمكن أن ينتج المظهر السلوكي الواحد عن عدة أسباب، مثلما يمكن أن يؤدي السبب النفسي الواحد إلى عدة مظاهر سلوكية، إن المعصوبين المثبتين يفصلون دائماً بين عاطفة الحب وبين الغريزة الجنسية المصاحبة لهذا، يمكنهم أن يحبوا إحدى النساء حباً جنونياً أحياناً ولكنه لا يستطيع أداء واجباته الجنسية بنجاح إلا مع نسوة أخريات ملوثات. وهم قد يمارسون «لعبة إنقاذ مزدوجة» في الواقع فمن ناحية هو – حسب تصوره المزروع في الذاكرة الطفلية، ومن ناحية ثانية نجده يسعى أحياناً إلى نقل موضوع الغريزة الملوث (البغي) إلى عالم الطهر و(إنقاذه) كما يقول معلم فيينا…. و(عارف) من هذا النمط المعصوب المثبت. وهو يعترف لها رابعاً أنه لا يتباهى بها وخامساً لا يغار عليها. وسادساً أنه رغب في إنهاء العلاقات بينهما عدة مرات، وهذا ما يكرره في رسائله عشرات المرات حيث يدعوها مراراً إلى تركه حتى بعد أن تزوج منها: «لا تغالطي ولا تصري على اعتقادك بأني أحبك، وخير لك أن تعترفي بالواقع. إني أحطم قيد الزواج عنك. كوني فتاة عاقلة وحازمة، وتأكدي بأن هذه فرصتك الأخيرة للنجاة بنفسك».
إن ما لا يعلنه (عارف)، وقد لا يكون مدركاً له بصورة واعية هو أنه يعيش حالة طوارئ دائمة تتمثل في خوفه المتأصل من أنه قد يقع في أية لحظة. في شرك المرأة المسحور، ولذلك نجده يحاول دائماً، (عقلنة) حياته العاطفية وارتباطاته بإعلانه عن ترفعه على الأنثى وعلى الجنس، في حين أنه يحاول مداراة عجزه عن الحب والعطاء الحقيقيين في أي علاقة متوازنة. إنه يصور ارتباطه بالمرأة قيداً يوضع في يديه ورباطاً لوجوده لا تكاملاً سويا. «… أردت أن أبين لك بأنه ليس في استطاعة امرأة أن تحقق حلمها الذي هو حلم كل بنات جنسها في وضع النير في عنقي كما تفعل مع أي رجل وتتباهى أمام بنات جنسها بالأسير الذي تمتلك وبالخروف الذي لا عقل له ولا إرادة».
إن خوفاً ذا طابع (ميدوزي) – إذا جاز التعبير – يتلبسه ويستولي عليه، فهو يخشى (الالتهام) من قبل الجنس الآخر. ولذلك نراه يميل إلى علاقات البغاء الطارئة العابرة حيث لا قيود ولا ارتباطات ولا عطاء متبادل بصورة حميمية. إن استقرار (عارف) العاطفي يجده في اللااستقراره» أي أنه يجد العلاقة الأنموذجية مع المرأة في عدم بناء علاقة دائمة مع امرأة محددة، لذا نجده يخرب ويدمر علاقته مع “سها” وفراره منها ثم من زوجته الثانية. ويبدو أنه غير مدرك القوة اللاشعورية الخفية التي تسوقه مثلما ساقت «إبراهيم الكاتب» قبله وكلاهما لم يكن يستطيع تحديد سبب ابتعاده عن العلاقات العاطفية الثابتة. وفوق ذلك فإن (عارف) – بطل (ذنون أيوب) – تسوقه قوى متناقضة تضع غشاوة على بصيرته فلا تجعله يدرك التناقض  السافر في ما يعلنه على صفحة الرسالة الواحدة. فحين يعلن لسها في إحدى رسائله: «..ولا أنكر بأنني كنت مخلصاً لك وحدك، فقد كان إلى جانبك نساء كثيرات شاركنك فيّ بصورة شرعية وغير شرعية، وقد كان ذلك يثير أساك وحقدك، ولكنك لو علمت نوع علاقتي بكل هاتيك النسوة لأدركت بأنك كنت وحدك في القمة، وما سواك غير طيف بل سراب». يعود، وفي الرسالة نفسها، ويبدو أنه لا (يعي) ذلك، ليناقض ما قاله: «النساء في حياتي، كما تعلمين جيداً، قليلات بالقياس إلى النساء في حياة أغلب الناس، وإنني لم أعثر على المرأة التي أستطيع أن أستكين إليها، حتى ولا أنت». وهذا التناقض هو جزء من تضارب أشد ضراوة يعصف عادة بحياة المعصوبين النفسية ويتمثل في «التضاد العاطفي» الذي يجعل الفرد في حالة صراع وتأرجح متعب بين الإقبال والإدبار، بين الحب والكره وبين اللذة والألم. وبعد جفوة شديدة عن سها وإعلان صارخ بأنه لا يحبها ولا يميل إليها يعود (عارف) يعلن تعلقه بها وعشقه لها بالدرجة نفسها، بعدها ندخل جولة جديدة من الإنكار واعترافه القاسي بأنه قد ضاق بتلك العلاقة وأن لا مجال لعودة المياه إلى مجاريها. (عارف) يضع هذا الأمر في معادلة غريبة قد تحير القارئ حيث يقول لها: «أكذب عليك لو قلت بأني أكرهك، وتكذبين على نفسك حين تتوهمي بأني أحبك. إنك وكل النساء في نظري سيان لا تفضل إحداكن الأخرى إلا بما تملك من عقل ومن صفات أخرى جسمية وعاطفية. إن من الرجال من يعجبه التافه من هذه الصفات فتأسره وتعمي بصيرته، ومنهم من يعجبه العالي منها وقد يضيع رشده أيضاً». (عارف) في حوار وصراع بين كبريائه وغريزة الحب التي تبغي الإشباع، فالحب والدافع الجنسي المعطل لدى (عارف) تجاه سها «يصف الكبرياء، بالخبيثة ويرى أنها ستحيل حياة (عارف) إلى جحيم مستعر من خلال اختلاق التهم والتلفيقات التي تستهدف إبعاده عن سها، ولا تتورع الكبرياء (الخبيثة) عن خلط الأوراق والقيام بشتى أشكال الإسقاطات (الظالمة) التي يلصق بها (عارف) ميوله المنحرفة بسها وهي منها براء، إنها – أي الكبرياء وحسب “نيتشه”– مستعدة لإرباكنا وإشاعة الاضطراب في مسار تحليلاتنا وخلق أكثر الاستنتاجات تلغيزاً وإيهاماً ودفعاً إلى التساؤلات وهذا ما يحير عقل القارئ (البريء) حين يقرأ ما يكتبه (عارف) في رسالة إلى سها بعد أن تركت دار الزوجية شهرا كاملاً:«بيننا الآن رابطة شرعية، أي إننا مرخصون من قبل الله والناس في ممارسة العلاقات الجنسية مهما كان نوعها – ولينتبه القارئ إلى الوصف (مهما كان نوعها) – فالشرع والله والناس لا يفرقون كما تعلمين بين العلاقات الجنسية الطبيعية الاختيارية المرغوبة المحبوبة التي تكون برغبة كلا الطرفين وبين تلك التي يُقسر أحد الطرفين عليها قسراً، تلك التي هي أشد ضرراً على الجسم والنفس والأخلاق من البغاء والعادات السرية. وتعلمين أيضاً بأن العلاقات بيننا هي من النوع الأول، ولعل هذا ما حدى بك إلى الشروع في خططك النسائية، ولما قطعت عليك الطريق بذلك لأبعاد غير المتوقع، البعاد الفكري والجسمي، رحت تزعمين وتذيعين زعمك هذا على الملأ بأني رجل مجنون». ولكن إذا كانت للكبرياء (الخبيثة) ألعابها ومؤامراتها. فإن للغريزة مخططاتها الماكرة أيضاً. ففي نهاية رسائله، يتساءل (عارف): «إذن ما العمل؟ وكيف الخلاص من براثن هذه الحرب بين دوافع الإقبال والإدبار والتي جعلته فريسة ممزقة الروح والإرادة؟ وتحت غطاء الحاجة الصارخة إلى حل يتلمظ اللاشعور وتتمطق الغريزة ويجترح (عارف) حلاً، يعلم مسبقاً أنه لا يتحقق في مجتمع يعيب على الرجل الاتصال بالمرأة اتصالاً حراً غير خاضع لعرف الزواج والشريعة والقانون. إنه يقترح على سها إقامة علاقة حرة. أي الهبوط فيها، في الواقع، إلى مرتبة الموضوع الجنسي العابر أو (البغي) إذا جاز الوصف، فهو هنا يستطيع التنصل من أي التزام ومغادرة أي صلة في أي لحظة. موضوع الحب غير (معرّف) بالنسبة لما هو مختزن في الذاكرة الطفلية. وبما أن هذا الحل مستحيل في مجتمع تحكمه مثل تلك الضوابط والنواهي، فإن (عارف) سيبقى ممتحناً بين سندان (الغريزة) ومطرقة (الكبرياء) إذا جاز التعبير، وسيحيا ممزق النفس والإرادة، ومدغوماً بطابع الشذوذ والغرابة، إلى الأبد، ولن تفي “رسائله المنسية” في تقديم ما يفسر سلوكه الغامض، حتى وإن وقعت بين يدي مؤلف (مولع بشواذ الدنيا وغرائب أنواع بين البشر) مثل المبدع العراقي المظلوم (ذنون أيوب).  
 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. عاطف الدرابسة : رؤىً نقديَّةٌ في ديواني : (شرفتي محطُّ العصافير) ، وديوان (الأوغادُ لا يسمعون الموسيقى) للشاعرة المصرية (فاطمة ناعوت) .

رؤىً نقديَّةٌ في ديواني : (شرفتي محطُّ العصافير) ، وديوان (الأوغادُ لا يسمعون الموسيقى) للشاعرة …

| كريم عبدالله : القناع في القصيدة السرديّة التعبيريّة قراءة في قصيدة الشاعرة : سلوى علي – العراق ( بلقيسٌ أنا ) .

تبقى القصيدة هي المرآة التي من خلالها نتمكن من رؤية العوالم الداخلية للذات الشاعرة , …

تعليق واحد

  1. رُلى أيوب

    شكراً جزيلا أستاذ حسين , عجبني المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *