كريم الثوري: الرقم 6 إذا غضَب ….؟

حشرتنا الشاعرة خلود المطلبي في زاويةٍ حرجة حينما وضعت عنواناً لقصيدتها: الرقم 6 ، وانساقت بعدها في مشغلها اللفضي والدلالي مبينة آثر الرقم -الكريم – وإن كان بعكس الاتجاه في سبر طقوس الحكاية لنتعرف في النهاية بان الرقم 6 كان هو السبب.
من دون اكتشاف المراقبين
بأن الرقم 6
كان هو السبب

يقول علماء البصر: ان العين الصحيحة ترى على بعد 6 امتار الارقام والاشارات لذلك يقولون لصحيح البصر نضرك 6/6 كما يصفه البعض في مجال أخر بانه يرمز الى العطف والسلام ويُعير عن الانسجام ويرمز الى التجديد والارتباط بالكــــــون .

… أقدامي التي تجيد الترحال
إنحرفت كثيراً نحـــو الشمال
ولذلك اصطحب الحبيب امرأة أخرى تجيد الرقص
ولكنني برغم ذلك
سأتألق دون عناء الليلة

عناصر الموضوع (الفتاة المفعمة بالحيوية والتلقائية ) وخامتها البكر المحبة والوآم قبل ان تنحرف كثيراً جهة الشمال والانجرارعن خط الترحال، سواء كان لجـــهة الشمال او اليمين فهو مقرونا بالفعل الماضي -انحرف- واعتقادنا ان اللاوعي الانثوي هو الذي دفع بتاء التانيث الساكنه – انحرفت- والمقصود كما نراه من خلال سيرورة القصيدة الانعطاف بزاوية حادة وبقصرية باتجاه بلاد الثلوج والضباب -اوربا- تقاطعا مع بلد الدفىء والضياء- العراق- لاحظ هناك بلاد وهنا بلد فكيف لا يكون انحراف !لذلك جاء بمعنى المُغايرة الكُلية عن خط سير الحياة ‘موفقة هذه التخريجة القوية والقاسية وذات الشعرية الكبيرة-لذا استبدلهـا الحبيب بثانية تجيد الرقص – والرقص له مدلولات كثيرة واغلب الظن المراد بــه اللعب على ايقاع موسيقى الحبيب بعد هجرة الحبــيبة التي كانـــت تجــيد الترحال- المرح والحيوية- وهي من مقومات الراقص الماهر.
.
العنصر الثاني هو الحبيب وهو اساسي مُغيـّب تجاوزته اللعبة بعـد – لكنني برغـم ذلك- فتسارعـت الاحداث على بناءات اتخذت منها لغـة العيون التي اتقنت اللعـبة شمالاً منحىً تصاعديا ارتكابيا ًبعد التخلص من قيد الحبيب-ساتألق دون عناء الليلة-لتأخذ شكل الاكسسوارات-زهيرات الجريس فــوق راسي يكفي- اخرجــت الدراما المحبوكة بايد عارفة منذ الابيات الاولى قادها وحبكها الرقم 6، لنرجع الان حيثيات المسرح:

تاج من زهيرات الجريس فوق راسي يكفي
ليظن الرجل الذي راح يراقبني طوال الليل
ويبدي إعجابه بابتسامات وقحـة
بأنني ابنة احدى الممالك السالفة
وأن الأحتفال الذي أقيم
كان على شرف سلالتي البهية
ولذلك تسابق الجميع لأرضائي

التتويج في المقطع الاول ب-زهيرات الجريس- وفوق الراس له خصوبة الملكــة المتوجة ولكنه تلبيس قصدي ارادت الشاعرة من ورائه جذب وايهام وتركيع العقل الذكوري الذي تغاضى عنها وباكورته الحبيب، ولكن فيما بعـــد-الرجل الذي راح يراقبني- اي رجل -بالرغم من ال التعريف ويبدي اعجابه باتسامة وقحــة معادلها الموضوعي ظنياً يرمزالى حالة اختصارالملكة والانوثة واجتماعهما في امرأة واحدة فتحت كل نوافذها وحشدت كل طاقاتها ، فمــن يستطيع التغافـل عــن ملكــة امتلكــت كل مواصفات الانثى-ابنة احــد الممالك السالفة- لذلك – تسابق الجميع لأرضائي-

ربما أن الحلم الذي طالما راودني
بدأ يتحقق الآن
إذْ تاكدتُ وأنا أنظر إلى السيدات والسادة
بأن سر حركاتهم يكمن في نظراتي
وأن قوانين الأتصالات التلباثية التي اكتشفت في باديء الأمر
عند ذوات العيون الواسعـة

العنصر الثالث( الحلم) وتبعاته فالامنية المكبوته في داخل الانثى باخضاع جنس ادم من خلال الايهام وحالة التشكيك التي لم تفارقها ،بكون كل الرجال سواســـية طلاب حاجة، لكن السوال هل هو حلم يقضة او منام؟

فدلالة -تاكدت- لدى الشاعرة حولهُ الى حقيقة مقروناً- بدأ يتحقق – إننا بالنتيجـة امام احد الاسرار الكبرى التي تمتلكها حواء من خلال لغة العيون فالانثى تعرف سر ضعف هذا الكون الذكوري من خلال قوتها الكامنة في سحر عيونها، امـّا اتساع العيون فهــو من الدهشة والانشداه تجاه الاغراءات والنتيجة المتوقعة هـو وقوع الجميع في فخ المصيدة كما يتحكم المغناطيس الجاذب ببرادة الحديد المتناثر حوله :
صرت أتحكم بها بمهارة
ها أنا أعرقل حركات الراقصين
وأحوّل حلبة الرقص الرومانسية إلى ساحة تصادم السيارات

اذن المسالة لا تبدو اكثر من مبارزة للتحقيق من المهارات الحقـيقـة الكامـنة للانثى التي تخلى عنها حبيبها بحجة عدم اجادتها الرقص الى اخرى تجيد الرقص فمنحت طاقاتها التي كانت مقيدة الى اقصاها لتُثبت أن بامكان عقارب الساعة السير بعكس الاتجاه كما في البيت الاخير اعلاه
.

كان ذلك حدس أمي منذ ولادتي
ولذلك كان أكثر ما يخيــفها
هي أن تتغير التوازنات في العالم
من دون اكتشاف المراقبين
بأن الرقم 6
كان هو السبب

العنصر االرابع هو( الاُم) العارفـة بسوء طالع وليدتها وهي تحمل جَسّ نبضها- حدس امي- و(منذ ولادتي) لا نجد له مقاربة سوى المشترك مابين الآم وابنتها في ما يُعرف ب-الفال- وهي مفردة مختصة باهل العراق لتراكم الطقوس الموجعة عُرفاً لذالك لم يُخيّب حدسها المُخيف لدرجة -اكثر- ولعبة التوازنات في العالم ‘ والعالم هنا دلالة للكثرة ولكنها قصدية ومتكورة بابنتها -منذ ولادتي-التي بمقدورها تغيير التوازنات ويبقى سوال من هم ال -مراقبين- الدائرة الضيقة في مسرح الاحداث ام الحياة بأسرها باعتبار أن الرقم 6 لا يحده حد؟

الرقم6 :هو المحور اذن وما نراه بعد كل ما اسلفنا الا دائرة معقوفة تجاه الاعلى في حركة اغرائية تعود بنا الى واحدة من اسرار الخلق العظمى المعبودة في الازمــــان السابقة واللاحقة. انها الانثى بكل تجلياتها الجسدية والمعنوية ولا يسعنا في الختام الا التنوية من ان القصيدة قد حبكت بقوة العارف، وهي تمثل معزوفـــة لايـقاع منفـــرد تضطرب له الافئدة بكل اجناسها والوانها.
شكراً خلود ….لقد اثريتي الرقم6 بما عزَ وطاب كانت قصيدة رائعة استمتعنا بها وانارات لنا وهو نَيِِر كيف بمقدور الرقم 6 قلب الموازين راساً على عقب حينما يغضب ويهتاج بقسوتنا عليه احياناً اوبقسوته علينا احيانا اخرى.

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

تعليق واحد

  1. حياك الله الاستاذ كريم الثوري على هذا النقد الرائع لقصيدة الشاعرة المتألقة خلود المطلبي فقد استمتعت بقراءة النقد وتناوله للقصيدة الجميلة التي تشد القاريء وتجعله يقرأها مرارا ولا يمل وكذلك النقد الخاص بها فشكرا للشاعرة وللناقد وتحياتي لهما

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *