جميل حمداوي : المسرح السيميائي عند المخرج العراقي صلاح القصب (2/1) (ملف/4)

إشارة :
منذ بداية السبعينات، سعى الدكتور “صلاح القصب” عرّاب مسرح الصورة إلى تفجير الوعي المسرحي العراقي والعربي وفق رؤيا جديدة رسّخها عمليّاً عبر العديد من الأعمال المسرحية الفريدة: هاملت، العاصفة، الملك لير، ماكيث، عطيل (شكسبير)، طائر البحر، الشقيقات الثلاث، الخال فانيا (تشيخوف)، أحزان مهرج السيرك، الخليقة البابلية، الخادمات، ثورة الزنج، الحلاج وغيرها الكثير، ونظريّاً بتقعيدها على أسس علميّة عبر بياناته الخمسة وكتبه وبحوثه الكثيرة: مسرح الصورة بين النظرية والتطبيق، سيناريوهات صورية، كيمياء الصورة، التجريب في المسرح الصوري وفلسفة الكوانتم في مسرح الصورة وغيرها. تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الكتّاب والقرّاء إلى إثراء ملفها عنه بالمقالات والصور والوثائق.

المقالة : 

المسرح السيميائي عند المخرج العراقي صلاح القصب (2/1)

بقلم جميل حمداوي

يعتبر الفنان العراقي صلاح القصب من المخرجين العرب المتميزين في مجال الدراما والمسرح، وذلك إلى جانب الطيب الصديقي، وفاضل الجعايبي، وحبيب شبيل، والمنصف السويسي، ومنير مراد، ومحمد إدريس، ومحمد كوكة، وروجيه عساف، وتوفيق الجبالي، وحكيم حرب، وشفيق المهدي، وعز الدين قنون، وحمد الرميحي، وجواد الأسدي، وقاسم محمد، وعوني كرومي، وفاضل خليل، وكريم رشيد، وباسم قهار، وناجي عبد الأمير. ويعد أيضا من السباقين إلى بلورة المسرح السيميائي في العالم العربي، والتنظير لما يسمى بسيميائية الصورة المسرحية. وقد أصدر في هذا مجموعة من البيانات المسرحية (خمسة بيانات) 1، وألف عددا من الدراسات النظرية، والتي جمعها في كتابه:” مسرح الصورة بين النظرية والتطبيق”، والذي صدر بالدوحة في طبعته الأولى سنة 2003م، فضلا عن مجموعة من الأعمال والعروض المسرحية التطبيقية.

ويعني كل هذا أن الدكتور صلاح القصب من المخرجين الأوائل الذين أسسوا مسرح الصورة، وأرسوا دعائم المسرح السيميائي في العالم العربي، وذلك لكونه أعطى أهمية كبرى للعلامات والرموز والإشارات والأيقونات، واهتم اهتماما لافتا للانتباه بالصور البصرية والكوريغرافية التي تبوأت مكانة الصدارة، وذلك على حساب اللغة والحوارات الأدبية التي أصبحت لها مكانة ثانوية، فأضحت عنصرا متمما للحركة والصورة ليس إلا.

هذا، ويشارك صلاح قصب في مشروعه النظري ومختبره المسرحي المتعلق بمسرح الصورة كوكبة من المخرجين، مثل: كريم عبود، وشفيق المهدي، وكريم رشيد، وعواطف نعيم، وسامي عبد الحميد، وباسم قهار، وناجي عبد الأمير، ورضا ذياب، بالإضافة إلى مجموعة من النقاد كمحمد مبارك، وحسب الله يحيى، ونازك الأعرجي، ومعد فياض، وماجد الأميري، وعبد الخالق كيطان.

مفهـــوم مسرح الصورة:

يعرف مسرح الصورة بأنه حزم من الشعر والفلسفة والتشكيل. وبالتالي، فهو مسرح سيميائي حركي طقوسي شعائري سحري يعتمد على توليد مجموعة من المفردات البصرية، والتي تتحول بدورها إلى رموز وإشارات وأيقونات دالة تساهم في خلق المعنى حسب مقاماتها السياقية، ومستلزماتها التداولية، وذلك عن طريق خلخلة أفق انتظار الراصد، وتخييب توقعاته الجمالية. وبمعنى آخر، فمسرح الصورة هو مسرح تجريبي حداثي يستعمل الحركة والإيماءة والأيقون والإشارة والرمز، ويستعين بالرؤية البصرية، عوضا من استعمال الكلمة واللغة والحوار كما في المسرح الكلاسيكي. والمقصود من هذا أن المسرح الصوري:” يقوم على شبكة من التكوينات، والأنسجة المركبة الغامضة المصممة بقصدية، أو عفوية، وفق إيقاع صوري لعلاقات شكلية متغيرة لا يهدف إلى إيصال معنى محدد، كما في المسرح التقليدي، أو تثبيت ما يسمى بـ” التمركز المنطقي”، كما يقول الناقد البنيوي جاك دريدا، وإنما يقوم بإرسال مجموعة كبيرة من الإشارات، والعلاقات، والدالات إلى المتلقي عبر سياق وشفرة، لتولد في ذهنه مجموعة مدلولات. ويستبعد العرض في مسرح الصورة أي عنصر من العناصر البنائية التي تستخدم عادة في العرض المسرحي التقليدي، كما أنه يلغي قدر المستطاع أي شكل من أشكال الحوار، ويستعيض عنه بلغة الحركة، والتكوين، والإيماءة.”2

ومن هنا فمفهوم الصورة عند صلاح القصب بصفة عامة هو عبارة عن:” فضاءات جمالية، وأسطورية، وسحرية، وطقوسية، وماورائية، يبحث عنها مسرح الصورة ليشيد خطابه الفني.”3

وعليه، فبنية الخطاب المسرحي في مسرح الصورة يقوم على حد تعبير الناقد العراقي عواد علي على:” شبكة من التكوينات والأشكال والأنسجة المركبة الغامضة المصممة بقصدية أو عفوية على وفق مهرجان صوري لعلاقات شكلية متغيرة، ويستبعد الخطاب أي عنصر من عناصر البناء المنطقي التي تستخدم عادة في الحوار، ويستعيض عنه بخطاب الحركة، والتكوين، والإيماءة، والهمهمة، والصرخة، والتأوه.”4

وعلى أي، فلم يتم الاهتمام بمسرح الصورة في الغرب إلا مع المخرج الفرنسي أنطونان أرطو صاحب كتابي:” مسرح القسوة”، و” المسرح وقرينه”، ولم يتم هذا الاهتمام عربيا كذلك إلا مع المنظرين العراقيين: حميد محمد جواد وصلاح القصب، وفي هذا النطاق يعترف صلاح القصب قائلا:” هناك تجارب نظر لها أنطونان أرطو أراد فيها أن يحرر المسرح من الحوارات الأدبية الطويلة التي تعيي الرؤية، وتنتهك الزمن. لذلك، فإن طروحاته النظرية تؤكد على عظمة الصورة، وقد أطلقت على ذلك مسرح الصورة، وهو أسلوب ورؤية لم يسبقني إليها أحد من المخرجين، أو المنظرين سوى المخرج العراقي الكبير حميد محمد جواد الذي كان يبحث عن الصورة، وعن قاراتها، لتتجول فيها رؤيته وفلسفته، الصورة انطلقت من أرطو ومحمد جواد، وبعدهما جاءت البيانات المسرحية الأربعة التي ترجمت إلى اللغة الفرنسية، لتؤكد فلسفة هذا الأسلوب الجديد في المسرح الذي جاء في عمق العراق وثقافته العريقة.”5

وهكذا، نتوصل إلى أن مسرح الصورة هو مسرح سيميائي يركز كثيرا على البعد الحركي والبصري والتشكيلي والسينوغرافي، وذلك على حساب سلطة النص، وهيمنة اللغة والحوار الأدبي كما هو الشأن في المسرح التقليدي.

د. صلاح القصب والفنان د. فاضل خليل

الأعمال المسرحية المجسدة لمسرح الصورة:

أخرج صلاح القصب مجموعة من الأعمال والعروض المسرحية التي تندرج ضمن مسرح الصورة كمسرحية” عزلة في الكريستال”، ومسرحية” حفلة الماس”، وهما قصيدتان شعريتان طويلتان للشاعر العراقي خزعل الماجدي، ومسرحية” الحلم الضوئي”، ومسرحية” الخليقة البابلية”، ومسرحية ” الفردوس”، ومسرحية” أحزان مهرج السيرك”، وهو عبارة عن سيناريو سينمائي قصير للكاتب والشاعر الروماني ميهاي زانفير. كما أخرج بعض المسرحيات لشكسبير كمسرحية”هاملت”، ومسرحية” الملك لير”، ومسرحية ” العاصفة”، ومسرحية” ماكبث”، دون أن ننسي مسرحيات الكاتب الروسي تشيكوف كمسرحية ” بستان الكرز”، ومسرحية” الشقيقات الثلاث”،ومسرحية” الخال فانيا”، ومسرحية” طائر البحر أو النورس”.

وقد كتب صلاح القصب أيضا مجموعة من السيناريوهات الصورية الشاعرية في شكل مشاهد درامية مكثفة بالرموز البيرسية، والعلامات الأيقونية، والمفردات السيميائية، والطقوس الشعائرية السحرية.

مقـــومات مســـرح الصـــورة:

يعتمد مسرح الصورة عند المخرج صلاح القصب على مجموعة من المرتكزات والمقومات الضرورية، والتي يمكن حصرها في الشعر والتشكيل والسينما والدراما. وعلى الرغم من أن مسرح الصورة:” ينحدر من عائلة الدراما، إلا أن أصوله العميقة تكمن في ثلاثة جذور غير درامية بالمعنى المسرحي، أسهم كل منها بدور معين في تكوين مسرح الصورة – فالشعر كان الجذر الشامل الأول لمسرح الصورة، ومازال هذا الجذر محتشدا في جانبيه الصوري واللغوي بالكثير من الأغوار والخامات التي يمكن أن تطور مسرح الصورة، أما الرسم والفن التشكيلي عموما فهو الجذر الثاني لمسرح الصورة، وقد بلغ ذروة عطائه لمسح الصورة في الفن الفوتوغرافي، أما السينما فهي الجذر الذي يعطي للصورة حيويتها وصيرورتها، وإذا تأملنا في هذا المثلث أمكننا الاستعانة بهيغل لإعادة ترتيبه وفق الجدل الهيغلي، فالمثلث الجدلي الأول المكون من الشعر والرسم والدراما، أنتج دراما الصورة بحالتها الديناميكية، أما المثلث الجدلي الثاني، فيتألف من دراما الصورة (وهي الصيرورة) مع السينما لينتج مسرح الصورة. وهكذا، يتشكل مسرح الصورة جدليا بتضافر خلاق بين أربعة فنون إنسانية عريقة، هي: الشعر والرسم والدراما ثم السينما. إن مسرح الصورة يشبه شجرة وارفة تمد في هذه الفنون، وتأخذ منها.”6

فعلى مستوى الشعر، يتجاوز مسرح الصورة الحوار اللغوي المباشر وغير المباشر إلى استخدام الشعر الفضائي الحسي والبصري بكل مكوناته الباشلارية الدالة، وتشغيل جميع مفرداته الموضوعاتية البصرية التي تحمل دلالات شاعرية وأيقونية ورمزية:” إن الصورة تعتمد الشعر المركب، لهذا نرى أن الصورة تستبدل شعر الحوار بشعر الفضاء، الذي يجد بالذات حلا في مجال ما لا تملكه الكلمات فقط. إن شعر الفضاء قادر على خلق أنواع من الصور المادية تساوي صور الكلمات، فهو- أي شعر الفضاء- يوجد نتيجة لتركيبات من الخطوط، والأشكال، والألوان، والأشياء الخام، تلك التي توجد في الفنون كلها إلى جانب لغة الإشارات، والحركة، والوقفة كتلك التي توجد في البانتوميم.”7

ويعتمد مسرح الصورة إلى جانب الشعر على المرجع التشكيلي الذي يساهم في توليد الصورة البصرية، وتحويلها إلى إشعاعات ذهنية وفنية وجمالية. لذلك، ترى أن الحاجة:” لظهور المرجع التشكيلي ازدادت مع ازدياد أهمية هذا الفن في مسرح الحياة الثقافية والفنية للقرن العشرين، وبدأت القرائن تزداد بين تقنيات الرسم والشعر والمسرح…”8

كما أن السينما ساهمت في تطوير الصورة المسرحية، وإغنائها فنيا وجماليا، وذلك بسبب احتوائها للرموز التشكيلية والرموز الدرامية، وإثراء المسرح بالصور الفوتوغرافية توليفا وتقطيعا وتخصيبا وتوليدا.

ويستعين مسرح الصورة كذلك بالسحر والحلم والرموز السيميائية والطقوس والشعائر والميثولوجيا والأنتروبولوجيا:” تعتمد الصورة على طقسية العرض المسرحي، لهذا فإن التشكيل الذي تعتمده، وتوظفه هو سحر الطقوس، والميثولوجيا، والرموز. ذلك الكم اللوني والتشكيلي كله الذي يميل إلى بدائية الفنون هو الذي يفجر وحدة العرض الذي يملأ مكانية العرض، لذا فإن وحدة المشاركة ما بين وحدة العرض والجمهور هي كتلك الوحدة التي يؤكدها كروتوفسكي، وبروك، وري هارت، وساندا مانو ما بين الممارسة الطقسية للقبيلة وأبنائها.”9

ومن هنا، فالصورة المسرحية لها عدة مقومات ومكونات، ومن بين هذه المقومات نستحضر: الشعر، والدراما، والسينما، والتشكيل، والنحت، والسحر، والطقس الشعائري، والذي يحيلنا بدوره على العالم البدائي الفطري الذي كان يستعين بالحركة والرقصات المعبرة الدالة.
u مفهوم الممثل والمفردة والمكان في مسرح الصورة:

ينظر مسرح الصورة إلى الممثل على أنه صورة جسدية بلاستيكية، ولوحة تشكيلية إيمائية تملأ الفضاء، وتشغله سيميائيا ودلاليا:”الممثل طاقة تعبيرية… وهو الحروف التي يكتب بها المخرج ليشكل الجملة البصرية… جمل تحمل دلالات بلاغية، ونحوية، وفنية، يكون الممثل فيها هو العنصر المفسر، فالممثل في مسرح الصورة فكرة تشكيلية مهمتها إشغال المكان، فالتمثيل هنا يعني خلق أشكال بلاستيكية في الفضاء.

إذاً، خطاب الممثل في مسرح الصورة خطاب حركي إيمائي يفجر طاقات الجسد التعبيرية للوصول إلى التألق الصوفي، يبني رموزا وإشارات تتجاوز الحدود البيولوجية الساكنة، إنه منتج لعلامات مشهدية، فهو في بنية العرض كائن بشري يتلخص دوره داخل عمله في صنع العلامات، وتحويل ذاته إلى علامات، لكن هذا التحويل لا يمكن أن يكون تحويلا تاما، لأن هناك دائما جزءا يظل غير مكتسب المعنى، من هنا تصبح العملية المسرحية عملية تحويل الكائن البشري إلى نسق سيميائي.”10

وإذا كان المسرح التقليدي في تكوين الممثل يعتمد على الجوانب السيكولوجية كما لدى ستانسلافسكي ضمن ما يسمى بالواقعية النفسية، فإن تكوين الممثل عند صلاح القصب مرتبط بتأهيله فلسفيا وجماليا وصوريا وسيميائيا(التجربة السيميائية).

أما المفردة في مسرح الصورة عند صلاح القصب، فتشكل أهم عنصر معجمي وبصري، وتتخذ دلالات سيميائية ورمزية حسب سياقاتها المقامية والتداولية. ومن ثم، فمسرح الصورة يبحث عن:”مفردات صورية نختزل دلالتها- يقول صلاح القصب-، ونعمق فعلها العلاماتي داخل العرض لتأخذ المفردة معاني عديدة ضمن سياق العرض غير معناها التقليدي، إنه يؤسس على مفرداته المبتكرة صرح التشكيل الحركي(المظلة، والقماشة الكبيرة المتحركة، والآلات الموسيقية، وأشرطة السينما، والتوابيت، والنار الموقدة،…الخ). ففي مسرح الصورة تتداخل الأشياء(المفردات) في غير وظائفها، وعلاماتها، وأحجامها بشكل غريب وعجيب، مكونة علاقات سريالية بين المتلقي والمفردات، علاقات تبرأ مما هو كائن، وتسعى إلى ماهو ممكن أو محال.

إن بنية المفردة في عروض مسرح الصورة بنية غير ثابتة، ديناميكية، تحرك الفضاء بروح التناقض، والانفصال، والتشتت، واللانظام، وصولا إلى حالة التجمع، بمعنى اشتغال المفردة في الواقع، وتتم عملية إحلال دلالي لنظم المفردات الجديدة تلائم سياق العرض العام، من هنا فإن للمفردات تغيرات ظاهرية وباطنية على مستوى الوضع السياقي والدلالي والتشكيلي تعطي لتشكيلها قدرة فائقة على التبدل لاكتساب صفات علاماتية متعددة أفرزتها أجواء العرض الطقسية.”11

أما المكان في مسرح الصورة، فهو فضاء بصري طقوسي شعائري حلمي غير محدد في دلالاته. ويعني هذا أن المكان:”فضاء مطلق لا تحده حدود، أو تقف في بعث جغرافيته أي سمات للتقليدية الهندسية، فعملية إفراغ المكان من علاقاته ومكوناته التقليدية، وتوظيف مساحات بلغة رمزية حلمية طقسية هو ما يهدف مسرح الصورة للوصول إليه في توظيفه للمكان.

إن المكان المسرحي المعاصر لم يعد ينتمي إلى عالم المعطيات البديهية، بل أصبح اقتراحا يقدم للمتفرج، ويتعلق هذا الاقتراح بالمفهوم الجمالي للمكان، ونقد فكرة العرض في حد ذاتها، فالمكان المعاصر جعل لكي يتخلى المتفرج عن نظرته إلى العالم من خلال النظم الموروثة التي تلقاها، ولقنت له.” 12

ويعني هذا أن الفضاء في مسرح الصورة فضاء احتفالي طقوسي شعائري كفضاء مسرح القسوة لدى أنطونان أرطو، بل هو فضاء سيميائي مجرد:” وترتبط فضاءات مسرح الصورة للمخرج الدكتور صلاح القصب بتلك المناطق التي سعى السيميائيون لاكتشافها، إذ تستند رؤيته الإخراجية، في جانب كبير وحيوي منها، إلى كثافة العلامات التي يطرحها العرض، إذ تستند رؤيته الإخراجية، في جانب كبير وحيوي منها، إلى كثافة العلامات التي يطرحها العرض، وعلاقاتها المتداخلة فيما بينها… فالفعل العلاماتي يقوم عنده من خلال عدد لانهائي من التراكيب المحتملة باستشارة وتكرار واستبعاد، وتصحيح، ومعارضة، وتشكيل علامات أخرى بشكل متزامن ومتراتب.”13

وهكذا، ينطلق صلاح القصب في تنظيره للممثل والمفردة والمكان من خلال رؤية سيميائية تعطي الأولية للبصري على ماهو سمعي ولغوي.
u مضامين مسرح الصورة:

يتناول مسرح الصورة لدى صلاح القصب مجموعة من العوالم الممكنة المركبة من الواقع والخيال والحلم والطقوس الشعائرية. وبالتالي، ينبني هذا المسرح على مجموعة من التيمات الموضوعاتية كالأحلام، والعذابات، والفرح، والتأمل، والقلق، والظلمة، والغياب، والحضور، والفن، واللاوعي، والوحدة، والغربة، والموت، والحياة، والظاهر المغلق. ويعني هذا أن مسرح الصورة قائم بشكل جلي على سيميائية الأهواء في كل تناقضاتها الصارخة، ومفارقاتها الانفعالية والوجدانية شعوريا ولاشعوريا. ويصدر مسرح الصورة عن فلسفة مركبة غامضة قائمة على ثنائية الموت والحياة:” وبذلك، تحمل الصورة منطلقات فكرية وجمالية لمضامين فلسفية ضمن إشكالية الوعي، قائمة على البحث عن الروح المطلقة، أو سر الأسرار، إنها تتكلم لغة الجسد، والضوء، والخطوط، والمساحات الفارغة، والألوان، والكتل السحرية، لتشيد عالما طقوسيا احتفاليا تبدأ حركية الصورة التشكيلية فيه بإثارة المكبوت، وخلق فوضى المرئي، ولا تنتهي هذه الفوضى إلا بالقلق والموت، لتتحرك ذاكرة المشاهد المستهلكة، وتخلق من فعل اتصالها حركة لاشعورية تبحث عن تساؤل الوجود.

فالصورة تبني خطابا فنيا ماورائيا قانونه الهدم والبناء، وهي (رؤية الرؤى) تتوغل في عالم اللاجدوى، تكسر قوانين الظواهر الحياتية، وتبني لها قانونا فلسفيا جديدا يفجر معنى التساؤل ليبحث عن تساؤل كوني آخر مداره منطلق الأسرار ومتلقيه متعدد القراءات. لا تبحث الصورة عن قيم وأفكار ضمن حدود التسلسل المنطقي أو المعقولية، بقدر ما تكشف عن ثنائية الموت والحياة، واللذين يقف بينهما الكائن البشري بإزاء سحرية الصورة وبدائيتها ليستحضر باندهاش أسرار الكون الماورائية.

مسرح الصورة بحث جمالي في فلسفة الروح المطلقة، تشييد للإرادة البصرية المعبرة عن غموض العلاقات، ذاكرة مرئية تخاطب اللاوعي. أحلام مستوطنة في الذاكرة الجمعية تفجر الصورة مكنوناتها، ويتحرك هذا العالم السحري كله ليضفي الأجواء القدسية على العرض، ومن هنا تتشكل بنية النص وتحولاتها في تشكيل العرض المسرحي.”14

وعليه، فمسرح الصورة عند صلاح القصب على المستوى الدلالي يركز جل اهتماماته الموضوعاتية على ثابتين موضوعيين، وهما: ثابت الزمن، وثابت الموت، وهذا يذكرنا بشكل جلي بمسرح الموت عند المخرج الغربي تادوز كانتور T.Kantor.

*عن موقع ديوان العرب

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *