رشا السيد أحمد : راهب القلعة الشاعر الشريف أسامة مختار المفتي

راهب القلعة
الشاعر الشريف أسامة مختار المفتي
بقلم رشا السيد أحمد
ومن قال الشعراء يموتون ياراهب القلعة
راهب القلعة هي أحد الألقاب التي لقلب بها الشاعر أسامة المفتي نسبة إلى قلعة الكرك العريقة التي أحبها كثيرا وقد كتب الشاعر أسامة عنها كثيرا من الأبحاث والمقالات ولقب بابن شيحان نسبة إلى جبل شيحان
وبمناسبة التكريم الذي تقيمه مؤسسة المرحوم الشريف الشاعر أسامة المفتي لنخبة من مبدعي عالمنا العربي وبعض شعراء أوربا يسرني أن يكون الشاعر الكبير بضيافتنا
فالأستاذ أسامة قامة شعرية يُعتز بها الوطن وأهله لمواقفه الوطنية الثابتة من قضايا أمته العادلة كافة وخاصة احتلال فلسطين وجهاده الذي دام طوال حياته
ولادة المفتي ونشأته
ففي 4 . 7 من عام 1930 تحتضن مدينة الكرك في الأردن ولادة الشاعر أسامة المفتي بحب كبير , حيث كان والده الطبيب الشريف مختار المفتي من الرائدين الأوئل في مجال الطب في الأردن
ونسل يمتد لسيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما ، وكانت لوالده الطبيب ” مختار المفتي ” شهرة واسعة جدا فقد كان يُكتفى بذكر المختار حتى يُعرف من هو المقصود . فهذا النجم الذي سطع بروحه في الكرك ما هو إلا متابعة لمسيرة العائلة الجهادية التي امتدت عبر أجيال طويلة ضد كل أنواع الاحتلال للأوطان العربية , نعم في هذا الجو المشبع بقيم الجهاد والعلم والخلق الرفيع ولد الشريف أسامة , فنشأت معه روح الثقافة و الجهاد وطيب الخلق وسماحته وسقاها الموروث الضخم الجهادي والعلمي والديني للعائلة
فقد كان رحمه الله عاشقا للأدب منذ صغره , فقرأ لكبار الشعراء العرب من عصر الجاهلية حتى العصر الحديث وتأثر بهم , ورعى والده موهبته منذ حداثة سنه فكان يقول والده الطبيب مختار سيكون أسامة كلمة حق لا تعرف الخوف فقد رأى فيه وجه المجاهد الفاضل
وهكذا شب شاعرنا بروح تجمع في ذاتها فضائل الأرض وموهبة أستقت من ديوان العرب رحيق الشعر
موقفه السياسي المبكر ونفيه يافعاً
وقد أبدى موقفه السياسي الحر مما يجري في البلاد بسن مبكرة فعمره العقلي كان يستبق عمره الزمني , مما أتاح له أن يبدي رأيه السياسي الواعي الحر والمسؤول الرافض لكل أنواع التطبيع والأستعمار في سن مبكرة , أنه تأثير الفكر الذي أحاطه به والده المختار , فها هي الحمية تهبَّت في نفسه بقصيدة كانت السبب في نفيه يافعا من مدينته الكرك عام 1946 قبل الاحتلال الأسرائيلي لفلسطين 1947 حيث أنه لم يتجاوز السادسة عشرة ليكمل دراسته الثانوية في مصر ولا أعلم كيف يمكن أن ينفى يافعاً
فكانت هذه الفترة من أقسى فترات حياته كونه ما زال شاباً يافعاً فلم يتركه والده من رعايته في هذه الفترة الحرجة فدبر له شؤون السكن هناك والدراسة وعاد ليتركه في رعاية بعض الأصدقاء
ليعود بعد ذلك بعفو خاص عام 1949 ويلتحق بالفرسان لكن النفي يلاحقه فروح الشاعر الثائرة لم تهدأ فها هو ينفى من جديد إلى مصر ويكمل دراسته الجامعية هناك بعيدا عن أرضه وأهله و بعد إتمام دراسته الجامعية يعود ليلتحق بالجيش الأردني في القدس بحب وبسالة إنها روح المجاهد التي تحمله منذ نشأته الأولى ليكون حرا بوطن حر
وتجمعه رحاب الجامعة بالشاب ياسر عرفات
فها هو يلتقي بالمجاهد الشاب ياسر عرفات ليكونا صديقين في مصر ومن جديد روحه الوهاجة تكون أول من يطالب بأتحاد للطلبة الفلسطينين بعد النكبة في مصر , علما أنه من الكرك في الأردن لكن روحه العربية لا ترى الوطن العربي إلا وطنا واحدا موحدا
ويستمر المفتي بمواقفه النضالية ضد كل أشكال الاستعمار وعلى أثر ذلك لمواقفه الوطنية يزج بالسجن مرة تلو مرة لينتهي من جديد بالنفي عام 1956 أثر سجنه بعد قيام حركة الضباط الأحرار ليقضي مدة نفيه بين دير الزور في سوريا و العراق كلاجىء سياسي
حرب الأيام الستة
أن قدره الجهادي يلازمه حباً منه في الوطن وإعلاء لكلمة الحق , فمن الصعب جدا أن يخلع المجاهد عنه درع الجهاد فيما جزء من الوطن يرزح تحت الاحتلال الصهويني ها هو يعود من جديد لوطنه الأردن , ويشارك بحرب الأيام الستة بكل ما أوتي من حماس وإقدام , وتشاء الأقدار أن تقع القدس في يد الصهاينة , ويكون هو شاهدا على ذلك عن قرب
معركة الكرامة
ويستمر نضاله دون كلل ويشارك من جديد في معركة الكرامة ويجرح فيها قدر الأبطال في الحروب , لكنه ينجو ويستمر بمواقفه البطولية المعلنة ضد المواقف السياسية العربية التي تخلت عن القدس لأعداء الأمة , فيما كان يرى هو أن يمكن تحرير فلسطين من قبل المقاومة الفلسطينية و الجنود الأردنين وجنود العرب , وهم قادرين على ذلك كقوة تؤمن بالحق والوطن بالتصدي للصهاينة بعيدا عن الآراء السياسية العربية المتواجدة
تسريح المفتي من الجيش
كان رأيه السابق الذي أعلنه السبب في تسريحه , فقد ناضل على مر السنين بنفسه وبكلمته الحرة المسؤولة , إلى أن وصل يوما تم به تسريحه من الجيش وهو المناضل العاشق للذود عن حمى أرضه وأرض فلسطين , كان وقع التسريح في نفسه كالمجاهد المسافر العطش يمنع من شرب ماء بئره المتواجد في حياض بيته
فالوطن أمانة في أعناق الرجال كما كان يقول دائماً وكلنا سنسأل عما قدمنا للوطن , والوطن ترعاه عين الله التي لا تنام وعزه الذي لا يضام وأشراف الأمة .. هذه كانت دائما كلماته حتى انتقل لجوار ربه عام 2004
أما قصيدة الشاعر أسامة المفتي التي قالها قبل تسريحه في عام 1968
فهي
قم ناشد القدس
قُمْ نَاشِد القُدْسَ يَا شَعْبِيْ وَ عَانِقَهَا
وَ مَنْ سِوَى القُدْسَ قَدْ يَحْتَاجُ نُشْدَانَا؟.
وَ غَيْرَهَا الْيَوْمَ مَنْ رَثَّتْ صَحَائِفُهَا
وَ غَيْرَ قُدْسِيَ مَنْ هَانَتْ وَ مَنْ هَانَا؟.
لَيْسَ المُهِمُّ بِأَنْ كَانَتْ وَ كَانَ لَهَا
دَوْرٌ سَأَلْتُكَ قُلْ مَنْ غَيْرَهَا الآنَا ؟.
وَ اللهُ أَكْبَرُ مَا انْفَكَت كَعَادَتِهَا
دِيْنَاً وَ مَا زَالَ فِي الآذَانِ آذَانَا.
تَبَارَكَ اللهُ لَمْ أُشْرِكْ بِهِ أَحَدَاً
سُبْحَانَ رَبِّيْ وَ طُهْرَ القُدْسِ سُبْحَانَا.
خُذْنِيْ إِلَى القُدْسِ حَيْثُ العُمرَ أَكْتُبُهُ
وَ الشِّعْرُ يَكْتُبُنِيْ فِيْ العُمْرِ دِيْوَانَا.
وَ الشِّعْرُ كَالقُدْسِ إِلَّا أَنَّهَا رُسِفَتْ
مِنَ القُيُوْدِ فَعَانَى الشِّعْرُ مَا عَانَا.
فِيْهَا النَّعِيْمُ وَ مَسْرَى طٰ-;-هَ مُرْتَهَنٌ
فِيْ رِبْقَةِ الأَسْرِ يَشْكُوْ الذُّلَّ أَلْوَانَا.
لَمْ يَبْقَ مِنْ تَتَرِ الدُّنْيَا بَرَابِرَةٍ
إِلَّا وَ صَبُّوْا عَلَيْهَا المَوْتَ طُوْفَانَا
سَلْ الفِرَنْجَةَ هَلْ شَادُوا بِهَا حَجَرَاً
لِلْمَجْدِ أَمْ تَرَكُوْا فِي القُدْسِ حِيْطَانَا.
وَ القُدْسُ نَازِفَةٌ طَوْرَاً وَ آوِنَةً
تُلَمْلِمُ الجُرْحَ أَوْ تَكْوِيْهِ أَحْيَانَا.
رَاحَتْ تُقِيْمُ مَتَارِيْسَاً مَآذِنُهَا
تُقَارِعُ الغَزْوَ أَجْيَالَاً وَ أَزْمَانَا
هَيَّا مَعِيْ لِرِحَابِ القُدْسِ حَيْثُ تَرَى
فِيْ القُدْسِ أَهْلِيْ وَ فِيْ السَّاحَاتِ إِخْوَانَا.
عُدْ بِي إِلَى القُدْسِ غَيْرِيْ مَنْ يَرُوْقَ لَهُ
حُوْرَاً كَوَاشِفَ عَنْ سَاقٍ وَ أَخْدَانَا.
أَمَّا أَنَا فَالهَوَى عِنْدِيْ مُكَابَدَةٌ
لَا يَعْرِفُ الشَّوْقَ إِلَّا كُلُّ مَنْ هَانَا
طَالَ الغِيَابُ عَنِ الأَقْصَى كَمَا اسْتَعَرَتْ
بِالخُلْدِ نَارُ وَ فِيْ الوِجْدَانِ نِيْرَانَا.
وَ اللَّيْلُ مَا زَالَ مَوْصُوْدَاً عَلَى وَطَنِيْ
وَ فِيْ الخَلِيْلِ أَقَامَ الغَدْرُ أَوْطَانَا
يَا قُدْسُ أَنْتِ رَبِيْعٌ مُفْعَمٌ أَمَلَاً
مِنْ أَجْلِ عَيْنَيْكِ صَاغَ اللهُ نِيْسَانَا.
اللهُ أَكْبَرُ مَا خَانَتْ مآذِنُهَا
يَوْمَاً هُدَاهَا وَ لَا زَيْتُونُهَا خَانَا.
مَا جِئْتُ لِلْقُدْسِ وَ اسْتَمَعْتُ إِلى
صَوْتِ المُؤَذِّنِ إِلَّا ازْدَدْتُ إِيْمَانَا.
وَ لَا اسْتَفَقْتُ بِفَجْرٍ مِنْ مَنَابِرِهَا
إِلَّا وَ عِشْتُ بَقَايَا اللَّيْلِ نَشْوَانَا
قُرْآنُهَا صَانِعٌ لِلنَّاسِ مَغْفِرَةً
عَدْلَاً وَ تَنْزِيْلُهَا مَا ضَاقَ غُفْرَانَا
قُدْسِيَّةُ الدِّيْنِ هٰ-;-ذِيْ أَنْجَبَتْ وَطَنَاً
مَنْ خَانَ تُرْبَتَهُ لِلَّهِ مَا دَانَا
تَفَيَّأَ الوَهْنَ هَذَا الوَطَنُ فَانْتَصَرَت
عَلَى الأَعَادِيَ مُذْ كَانَتْ وَ مُذْ كَانَا
فَالدَّيْنُ وَ القُدْسُ صِنْوَانٌ بِهِ نَزَلَتْ
كُلُّ الرِّسَالَاتِ مَضْمُوْنَاً وَ عِنْوَانَا
أَعْطَتْهُمَا الشَّمْسُ بِالأَسْحَارِ مِنْ دَمِهَا
سَرَّ النَّبِيِيِّنَ فَاشْتَدَّا كَمَا لَانَا
قَدْ حَوَّرُوْا الحَقَّ دُسْتُوْرَاً مُقَايَضَةً
فَلْتَهْنَأَ القُدْسُ تَنْزِيْلَاً وَ قُرْآنَا
وَ هَكَذَا الشَّمْسُ مَا أَرْخَتْ ذَوَائِبَهَا
إِلَّا لِتَنْشُرَ أَذْيَالَاً وَ أَرْدَانَا
يَا كَلِمَةَ الحَقِّ وَقْفَاً فَوْقَ أَلْسِنَةٍ
لِنَاذِرِ عُمْرِهِ لِلْقُدْسِ رَهْبَانَا.
أَغْنَى الزَّمانُ حَكَايَانَا فَحَاكَ لَهَا
بِالحُكْمِ مَلِكٌ لَا يَحْكِيْ حَكَايَانَا
لِحَقِّ قُدْسِيْ لَمْ تَنْبِسْ بِبِنْتِ شَفٍ
جَهْرّاً وَ سِرَّاً

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| شكيب كاظم : هل كان للعرب نثر فني في أيام الجاهلية؟.

قرأت منذ سنوات (٢٠١٦) كتاب ( النثر الفني في القرن الرابع) لمؤلفه الباحث المصري الدكتور …

| أحمد الشطري : (آلهة من دخان) بين عمق المدلول ونسقية البناء السردي.

توحي لنا رواية (آلهة من دخان) للروائي أحمد الجنديل الصادرة عن دار مداد الكربلائية للوهلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *