عبد الهادي الزعر : القاص حنون مجيد الرائى الذى لا يزال حياً (ملف/5)

إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر ملفها عن الروائي والقاص المبدع الأستاذ “حنّون مجيد” الذي أثرى المكتبة السرديّة العراقية والعربية بالأعمال الروائية والمجموعات القصصية المميزة التي مثّلت إضافة نوعية وكبيرة إلى الفن السردي العراقي والعربي. تدعو أسرة الموقع الأحبّة الكتّاب والقرّاء إلى إغناء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من مقالات وصور ووثائق.

المقالة : 

القاص حنون مجيد
الرائى الذى لا يزال حياً
————————–
أسلوب برقى خاطف ؛ عزوف عن الاسترسال ؛ وضوح بالمعنى والقصدية
لايكتب هذا الجنس الادبى إلا الشاعر بالألم والمتحسس للأزمة ؟
فالقصه أو الروايه تعتمد الصيرورة والامتداد اللامحدود و تستغور اللحظات وأن بعدت ؛ وتستقصى التوصيف وتلاحق الحدث ؟ تتنامى كينوناتها وفق ثيماتها السرديه وهى تتمدد ضمن زمن ومكان معينيين ؟ وأحيانا تتجه للعالم الافتراضى تنتهل منه توثيقا وتعزيزا لهدفها المرجو-
أما القصه القصيره جدا أو مايعرف أختصاراً ( ق ق ج ) أوالومضه فأنها من نسيج خاص كونها تتحصن بالتكثيف والاختزال والمفارقه وتلوذ بالبلاغة والاضمار – – لذا هى بارقه خاطفه وعلى رأى البلاغيين القدامى : ( تجوع اللفظ وتشبع المعنى )
أخترت خمس قصص قصار من مجموعة ( السّلم ) للقاص حنون مجبد الساعدى لكونها تتمتع بالكثافه وتفى بالمعنى – – بأقل الكلمات :
1- (أبحث فى اوراق قديمة لعلنى اجد فيها شيئا ؟ اجد قصة قصيره جدا كتبتها قبل عشر سنوات ونسيتها ؛ أفرح واقول : حتى وانت تبحث فى التراب تجد خرزة ما )
2- ( يفكر — ربما من اسباب عشق النساء له : لون عينيه ؛ طوله ؛ جمال انفه ؛ اناقته وجمال ملبسه ؛ ولربما ثقافته وحفظه الشعر — ربما — ربما ولربما مايتوسمونه فيه وهو ليس فيه — ربما )
3- ( يفرح السّلم حينما يحس وقع اقدام مترفه جديده ترتقيه ؛ ويسمع مثل كل مره لفح لهفة عارمه تنتظر فى اعلاه )
4- ( العقده : كانت معى منذ ثلاثين او اربعين فأن حاولت ان احلها التّفت على عنقى )
5- ( المؤذن : ارتفع صوت المؤذن ينادى على صلاة الظهرفى المطار ؛ الطائرات العملاقه تغير وتحط والمسافرون غادون ورائحون – – والرجل لايكف يؤذن للصلاه )
**********
لاتتقبل القصه القصيره جدا : الحذف ولا الأستزادة ولا الأسترجاع ؛ فحين تختمر فى ذهن وخيال السارد تدون !! لأنها تمثل اللحظه الانية فهى مقدار جمالى وليس كمى ؟
العارفين والسابرين (كنه) اللعبه كصديقنا حنون مجيد له القدره على كتابة عشر قصص أو تزيد فى صفحة واحدة !
ومن معالم القصيرة جدا انها بلا بدايات ( مدخل ) وهى راكضة للنهايه دائما ورغم سرعتها لاتخلومن عمق وثراء وتميل للأيماء بدل التصريح ولكنها تتميز بالقفلة اللافتة –
وهنا لابد من التساؤل :
أتعتبر الومضة السردية أو– ق ق ج — أرتداد أو ثورة على القصة و الرواية ؟
وهل حقا صانعوا هذا النمط متمسكون بالبلاغة والمجاز ؟
أذا كانت كذلك كيف حوت متونها الشذرية اللامعة : المفارقة والظرافة والإيقاع والتهكم بأقل الجرعات السرديه ورأس مالها لايتعدى – – الكلمة دون الجملة ؟!
حقا أنها فن بديع –
فالصيرورة السردية وممكناتها فى قصص الومضة ماهى الا – صور- ورغم قصرها المتناهى لاتتعدى جزئيات \ دوال \علامات \ رموز \ شفرات – – فالنصوص أما تكون منحازة أو محايدة ولو أن منظروا ونقاد اليوم أعتمدوا الثنائية تجنباً للخطأ
أما فى قصة المنعطف – – يضعنا السارد امام دلالات مفتوحة وعلى افق جم من الرموز والتاباوات والشفرات بغية الوصول الى معنى (*) والقصه تستمد ثيمتها من واقعية حلمية وتركز على فترة زمنية عصيبة مرت على واقعنا المأزوم ؟ فالسائق ومساعده يهيمنان على العربه والمتن سواء بسواء يبغيان الوصول الى ( سرمارا) وهو الحلم المنشود ؛ فالزمن هنا متعدد ومتعرج خوفا من الرقيب ؟ لكونها انتجت قبل 4 \ 9
فى نصوص حنون مجيد يشعر المتلقى بالتحليق وتعتريه الدهشه وكأنه يسبح بالفضاء خفيفا لسببين :
-1- معظم النصوص مزادنه بالشعرية المحببه ذات الوقع الخفيف معنى ومبنى
-2- قصر النص وثرائه المعنوى واللفضى يوحى للقارىء أنه لم يخلق من عدم ؟
فالقصه القصيره موهبة وادراك عميق للمعنى المتوارى خصوصا اذا تمكن فارسها من ضبط ادواته ومستلزماته ورؤاه الكتابيه ؟
ورغم قصرها فأنها تشى بالمسكوت عنه واول من اشتهر بها عالميا ناتولى ساروت فى كتابها ( انفعالات ) ومن أوائل العرب الذين أجادوا هذه الصنعة محمود شقيرالفلسطينى الذى ترأس الجامعه العربيه ! وزكريا تامر ومحمود عيتانى وفى العراق ظهرت كوكبة مائزة مارست هذا النوع من القص ك جليل القيسى — احمد خلف — عبد الستار ناصر — هيثم بهنام بردى — حسين رشيد – – – وانى أعجب من يستسهل هذا الضرب ويقلل شأنه جزافا ولايعلم انه صعب المرام لايرتقيه الا المتمكنين –
فالقصة القصيرة جدا كلوحة رسام حاذق فى جنباتها الضاحك المستبشر والغائم العبوس والمحملق الذى لايبدى حراكاً !
(*) (السّلم مجموعة قصص قصيره جدا\ طباعة ضفاف 2015 والمنعطف روايه )

عبدالهادي الزعر

شاهد أيضاً

سلام إبراهيم: وجهة نظر (17) أفكار حول الرواية العراقية للنقاش -2- (ملف/131)

حافظة للوحدة الوطنية في ظل ظروف الدكتاتورية والحروب المتواصلة التي أدت إلى أحتلال أمريكي عمل …

ثامر الحاج امين: الإنسانية المنتهكة في رواية (حياة ثقيلة) (ملف/130)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (31) (ملف/129)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *