الدّكتور علي القاسميّ سيرة ومسيرة مجموعة بحوث ودراسات مهداة إليه بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسّبعين
إعداد د. منتصر أمين عبد الرّحيم (17)

سادساًـ القاسمي قصاصاً
عندما أخذ القاسمي ينشر قصصه القصيرة في الملحق الثقافي لجريدة العلم المغربية في التسعينيات من القرن العشرين، كان معظم القصاصين العرب قد مالوا إلى التجريب في كتابة القصة القصيرة وفي مقدمته التخلص من الحكاية وعدم العناية بشعرية السرد. فأعادت قصص القاسمي الاعتبار إلى الحكاية بوصفها العمود الفقري للقصة، ووجد فيها الأساتذة والمدرسون القصة التربوية التي تعنى بتقديم القيم الأخلاقية بأسلوب زاخر بالتشويق ولغة نقية راقية. فلقيت قصصه عناية بالغة من النقاد والباحثين الذين تناولوها قصة قصة ومجموعة مجموعة، كما يقول الأستاذ إدريس الكريوي.
وهنا بعض المقالات النقدية التي تناولت جماليات القصة القصيرة لدى القاسمي.

1
الدكتور محمد صابر عبيد، شيخ النقاد العراقيين
عُرِف القاسمي قصاصاً في المغرب أول الأمر، حيث يقيم وحيث نُشرت قصصه ثم مجاميعه القصصية، ولم يُكتَب عنه شيء يُذكر في العراق، حتى ربط بينه وبين الدكتور محمد صابر عبيد، أستاذ النقد الأدبي، تعارف بالمراسلة. وسرعان ما أصبحا صديقين حميمين. ومما استذكره الدكتور القاسمي دليلًا على هذه الصداقة الصادقة أنه عندما اشتد شوقهما للقاء، اقترح الدكتور عبيد أن يسافر براً إلى دمشق للقاء القاسمي الذي كان سيشارك في مؤتمر مجمع اللغة العربية بدمشق. رفض القاسمي الفكرة رفضاً تاماً، لأن الطرق البرية بين العراق وسوريا كانت غير آمنة، بيدَ أن الدكتور صابر أصر على المجيء، واستقل سيارة من الموصل إلى حلب ومنها إلى دمشق وهو محمل بهداياه اللذيذة كالمن والسلوى التي تتوافر في شمال العراق. وكان اللقاء أخوياً مؤثراً. ولم يفترقا معظم الوقت، حتى عندما أقام الدكتور محمود أحمد السيد وزير الثقافة ونائب رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق مأدبة منزلية لصديقه القاسمي حضرها الدكتور عبيد.
وقد أطلع الدكتور عبيد على بعض مجاميع القاسمي القصصية، فكتب إليه يقول:
“. . . . ليس كل مبدع له فكر يستحق الدراسة مع نصه الإبداعي، ربما أنت تتفرّد مع قليلين في ذلك وتنطوي تجربتك على مشروع ثقافي تنويري طليعي، لا يمكن فهمه إلا باستيعاب جناحيه المعرفيين، جناح المعرفة الثقافية والرؤيوية، وجناح المعرفة الأدبية، لأنّ كلّ جناح منهما يغذي الآخر ويسنده ويموّنه بالمعطيات، لذا فإن مشروعك أكبر من مجرد كتابة قصص، وعلى هذا الأساس ينبغي مقاربة مشروعك كاملاً كي تتمكّن القراءة من إنتاج معرفة نقدية تعكس عمق هذه التجربة وثراءها وخصبها، . . . “”

د. منتصر أمين عبد الرّحيم معدّ الكتاب

وفي إحدى رسائل القاسمي، شكا إلى صديقه الدكتور عبيد من أن إنتاجه الأدبي غير معروف في العراق لبعد الشقة بينه وبين وطنه. فأجاب الدكتور عبيد، بشهامة نادرة وكرم أصيل بأنه سيعيده أدبياً إلى العراق. فاضطلع بتأليف كتاب كامل عنوانه “التجربة والعلامة القصصية” عن مجموعة القاسمي “أوان الرحيل “، ثم ندب اثنين من طلابه القدامى، هما الأديبان الدكتور فيصل غازي النعيمي أستاذ النقد الأدبي في جامعة الموصل، والدكتورة سوسن البياتي أستاذة النقد الأدبي في جامعة تكريت، لقراءة إنتاج القاسمي القصصي. فألّف الأول كتاباً كاملاً عن مجموعة القاسمي “حياة سابقة” بعنوان “حساسية النص القصصي”، وكتبت الثانية كتاباً كاملاً عن مجموعة القاسمي “دوائر الأحزان” بعنوان “بنية النص القصصي”.

غلاف الكتاب من تصميم د. منتصر أمين عبد الرحيم وصدر عن دار الوفاء، الاسكندرية، 2017

يقول الدكتور محمد صابر عبيد في مقدمة كتابه “التجربة والعلامة القصصية”:
“. . . وبما أن قصص علي القاسمي في هذه المجموعة تشتغل على رؤية ذات نزعة إنسانية واضحة، تطرح قيم الحرية والعدل والمساواة وترتكز على مستوى فعال في بناء منطلقاتها، فلا بد من تناول هذه الرؤية وتحليلها عبر مبحث عنوانه ” المقولة القصصية والرؤية السردية.
سعت القراءة فيه إلى فيه إلى رصد حركة الفكر وتحولاته المتنوعة والمتعددة داخل حركة السرد القصصي، والكشف عن جوهر المنظور الإنساني العالي والعميق الذي يتحكم ي حساسية الصيرورة القصصية في القصص، ويعبّر عن موقف ناضج ومسؤول وحضاري من العالم والأشياء من خلال رؤية فلسفية تتحرك تحركاً سردياً رشيقاً في طبقات القص.
ذهبت القراءة في سياق آخر لا يقل أهمية وجدوى نحو الكشف عن “جماليات الخطاب القصصي”، التي يجب أن تحظى بأهمية توازي أهمية المقولة والرؤية في جانبها الفكري والفلسفي، لأنه من دون حضور الجماليات التي تؤكد شعرية الخطاب السردي فإن الكتابة تغادر الفن لتصبح نوعاً آخر من الكتابة، وعندها يبطل الحديث عن فن.
وفي هذا السياق ذاته، اجتهدت قراءتنا في البحث داخل منطقة المهارات القصصية التي تنتج جماليات هذا الخطاب، فقاربت “الصنعة القصصية وسحر الحكي” على وفق المنظور التقاني الذي يكشف عن المعرفة النوعية بعمل الآلات والتقانات القصصية، ودرجة استجابتها للرؤية الفكرية والمقولة الفلسفية التي يسعى القاص إلى تجسيدها في نصه. . . “
وجاء في خاتمة الكتاب ما يأتي:
“. . . إن هذه المظاهر الإسلوبية التي اشتغل عليها السرد القصصي في قصص ” أوان الرحيل”، والآليات والتقانات والرؤيات والأجواء والمناخات والصيغ والفضاءات المتنوعة والمتعددة، أسهمت على نحو كبير في جلاء حيوية الصنعة القصصية، وأنتجت طرازاً خاصاً من الحكي تميّز بالسحر والإدهاش والحيوية، على الرغم من الطابع الواقعي السيرذاتي المرافق للطابع الفني التخييلي الذي يحيل على التجربة في أكثر من مستوى، على النحو الذي تؤسس فيه التجربة الثرة المتكاملة ركيزة مموّلة للكتابة القصصية (النصيّة)، تنهض في الكثير من سياقاتها وتشكيلاتها على الواقع الموضوعي، لكنها تنأى به على مستوى الإيهام، فتخرج من تصويريته الفوتوغرافية إلى تصويرية حركية تتحوّل فيها الحكاية إلى قصة”.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.