قصي الشيخ عسكر : ربيكا “بطاقة نعي” – قصة طويلة (2)

“اعتدنا أن نعايش أمراضا نألفها صديقة سماها أجدادنا القريبون والبعيدون… الكوليرا..أو الطاعون..وربما تقتحم علينا عوالمنا مع مايستجد من أحداث شبه أمراض تفتك بالناس قد تكون أمراضا مساعدة . منها الحنطة المسمومة..لعل طبيبا غيري مر به داء الحنطة المستوردة المسمومة أما أنا فقد بقيت مع الكوليرا والمرض القديم الجرب”
ذلك المساء الهاديء حدث شيء غير مألوف..
كاد عبد الكريم يغلق العيادة حالما خرج آخر المرضى حين اندفع شخص ما .. رجل في الثلاثين من عمره أبيض السحنة طويل القامة والوجه ذو شارب خفيف وجبهة ناتئة.. مد يده مصافحا وجلس وهو يسحب نفسا عميقا. قلت:
– خيرا إن شاء الله
قال وهو يبتسم:
– دكتور كنت أراقب المرضى وعرفت أن الرجل العجوز الذي خرج كان آخر مراجع لذلك أسرعت كي ألحق قبل أن يغلق السكرتير العيادة!
لعل في قوله مايثير استغرابي.. ينتظر حتى يتأكد من مغادرة آخر مريض.. اليوم بالذات كاد يمر كأي يوم عادي سوى حالة شاب شخصت أنه مصاب بالكوليرا فأحلته إلى المشفى الجمهوري.كوليرا . أم قصة الحنطة المسمومة . أحداث عابرة تمر بأي طبيب ذو سمعة مثلي.. لكن المريض الجالس أمامي قد يكون..
– كل مايهمني أن تكون بخير..
– ياسيدي لست مريضا بل ادعيت ذلك أمام السكرتير حتى لايشك فيّ!
تأملت في وجهه وازدادت ابتسامتي كي أتحاشى أي شيء يصدر عنه:
– مثلما تحب أنا في خدمتك!
– دكتورنا العزيز أنا من الأمن العامة أرسلني إليك مدير الأمن لتأتي معي بعض الوقت!
ماذا يقول ؟ ولم أنا بالذات وهل هناك علامة استفهام حول جاري الدكتور العراقي الذي يعمل في الكويت أم حول زميل عمل لي في طبابة الجامعة معي قدم من المانيا الشرقية ، ثم ماذا لو استبقوني في الدائرة عندهم .زوجتي حامل في الشهر الأول .كيف تتلقى الخبر….
– خير إن شاء الله!
– قلت لك اطمئن!
– هل هناك أشياء أصحبها معي!
– مدير الأمن يقول ستبقى أقل من ساعة نحن بحاجة إليك!
– هل من الممكن أن أتصل بالعائلة.
فرد بلطف غير معهود:
– يفضل أن تقول لهم إنك ستعود هذه الليلة بعد إنهاء شغلك ومن الضروريّ أن تصحب معك أجهزة الفحص.
– على أية حال سيارتي حاضرة.
– سيارة المديرية تقف في الشارع الفرعي المطل على شارع دينار يمكنك أن تتبعني بسيارتك ثم تعود بها وإذا أحببت أن تتركها هنا فسترجع إليها ثانية لكن ذلك قد يثير فضول السكرتير!
– حسنا سأتدبر الأمر معه.
وخرجت معه وأنا أقول لعبد الكريم:
السيد أخوه طبيب كان زميلا لي في كلية الطب والده ساءت حالته ولابد من أن أراه الآن يمكنك أن تغلق العيادة!
قلت عبارتي هذه ولم يعرف عبد الكريم حتى هذه الساعة التي نتواجه فيها قصة ذلك المريض، كنت طوال الطريق الذي تبعت عبره سيارة الأمن الفيات الزرقاء أفكر بذلك الأمر الذي دعيت من أجله..أول ما بدأت بمرضى العيادة الذين زاروني هذا اليوم.عشرة..ست رجال وأربع نساء واحدة مع أخيها، وأخرى في الثلاثين تصحبها جدتها..والباقيات برفقة ة أزواجهن.هل فيهم من وضعت الدولة عينها عليه؟ أولهم كان مصابا بالكوليرا ..وفي ذهني أن الإذاعة لن تعلن الحالة..باقي المرضى يشكون من التهابات معدية وضيق تنفس ومشاكل في مسالك البول، ذات الثاثين تشكو من اضطرابات في المعدة وجدتني على يقين أن الامر لا يتعلق بأي مرض هل أن أنصحها أن تذهب لزميل نفساني..ل المرضى لا يرغبون فيهذه الكلمة يظنونه الجنون .تحولت إلى طبيعتي الساخرة وقلت لجدتها لماذا لا تتزوج حفيدتك فتفرحي بها …متاكد أن الزواج يشفيها ..لا أرغب أن أستغلها هو عالمنا الظاهر والباطن، ولعلني أجد في دائرة الأمن من يسألني عن اسرار مرضاي..خوف خيم على صدري وانقباض ثم سرعان ماتبدد بعضه حين تذكرت كلمة الزائر الغريب الذي بدأت اتبعه بسيارتي: الأمر لايخصني وإنّ عليّ أن أصحب أدوات الفحص..حين وصلت قادني ذلك الرجل إلى غرفة عن يمين ممر معتم وخلال اجتيازي الممر حفني شخص ما ملثم بقناع أسود وحالما دخلت الغرفة وقع بصري على منضدة عريضة وكرسيّ فخم وثمة ملفات على المنضدة وخزانة من المعدن عند نهاية الغرفة يمين المكتب .. ليس هناك من شباك.. أشار الرجل إلى كرسيًّ بموازاة المنضدة الفخمة وبسط يده قائلا:
تفضل دكتورسيأتي المدير بعد قليل!
سرعان ماغادر الرجل المكان.. حامت عيناي حول الجدران والخزانة والملفات على المكتب .. ربما ضجرت من الدقائق الأولى وطال ضجري وَبَرَمي بمرور عشر دقائق ثم اعرضت عن أن أنظر إلى ساعتي خشية من أن تكون هناك آلات تصوير مخفية.. لكن شيئا ما عكَّر ذلك الهدوء المفتعل… اندفع شخص بديع في الخمسين من عمره نحوي.. كان الشرر يتطاير من عينيه ويداه تقوستا للكم أو الصفع .. راح يزعق:
– أين هذا الكلب سألقنه درسا قاسيا ” وتوجه يخاطبي” أنت هنا أيها القذر!
نهضت والدهشة ترتسم على وجهي.كدت أتراجع للوراء متفاديا هجومه ، لكن صوتا ما صارما انبثق من عمق إحدى الغرف جعله يتوقف متشنجا كما لو كان تمثالا من ثلج:
– أيها الغبي ليس هو هذا ضيفنا!
قال الرجل وهو ينحني:
– سيدي الملازم قال لي هناك في الغرفة أحد …
ازدادت حده المدير:
– هيا إذهب لي حساب معك فيما بعد .
والتفت إلي:
– أنا آسف هناك لَبْس!
كدت أشكّ في أن الأمر مفتعل تمثيلية سمجة افتعلوها.. صدمةخفيفة تجعلني أحسّ من دون أن يبين على ملامحي أنهؤلاء يمكن بيسرٍ أن يسيؤوا لأي أحدٍ مهما كان،فتلافيت الموقف:
– شيء طبيعي اللبس والغلط والرجل اعتذر !
وأنا أكرر اعتذاري! ” عقب وهو يجلس” من صفات رجل الأمن أن يكون ذكيا لماحا من الإشارة الأولى ” وأردف”:
– هل ضيفوك!
– شكرا لاداعي فوقتكم ثمين!
– الحقيقة قلت لهم اعرفوا بالضبط متى يتفرّغ الدكتور من علاج المرضى في عيادته ولا تزعجوه وأرسلت الضابط عندي أن يخبرك منذ البدء أنك لست معنيا بأية قضية ذات طابع سياسيّ.
ابتسامة ميتة لا حياة فيها وكلمات باردة من مسؤول تطرد الخوف عنّي لكنها تظل باردة في كل الفصول ومازالت برودتها إلى الآن تلسع أذنيّ فتثير فيّ التقزز والاشمئزاز:
– وضغط على زر فقدم آذن فالتفت إلي قائلا شاي أم قهوة:
– القهوة تسبب لي أرقا في الليل والشاي أيضا إن كان ولابد من الضيافة فكاس ماء يكفي!
– ياسيدي أنتم الأطباء أكثر من أي منا قدرة في التحكم بالطعام والشراب!
وخرج الآذن ليعود بفنجان قهوة للمدير ، وكأس ماء ثم غادر،وقال الضابط :
– نسيت أن أعرفك بنفسي أنا المدير مطلق .
كنت قد سمعت عن نقيب أسمه مطلق يتولى مسؤلية أمن البصرة، كان في الأربعين من عمره ذا نظرات ثاقبة حادة وإذ يتحدث ينطق عن لهجة خشنة يحاول إخفاءها بحركة ما من يده أو هزة من رأسه وربما ابتسامة سريعة خاطفة سرعان مايعود بعدها إلى هيئته الجادة الوقور. قال من دون مقدمات:
– دكتور نحن نقدر جهدك وإخلاصك في عملك سواء العيادة أم شغلك في الجامعة لذلك استدعيتك كوني على ثقة تامة أنك أهل لهذا العمل؟
قلت مندهشا:
– هل هناك من أمر؟
– تعرف أن الكتمان وحفظ السر هو جوهر عملنا وثقتنا فيك إضافة لكفاءتك في العمل..
قلت مقاطعا:
– إذا كان الموضوع قضية حفظ سر ما فانا أقسمت قسم أبقراط ألا أفشي سرا وكل طبيب لابد أنه أقسم أما موضوع الكفاءة فهناك من الأطباء من هو أكثر كفاءة مني…
– هذا تواضع منك.
من خلال لهجته وابتسامته السريعة شككت في أنه يشكو من علة ما.. قد يكون الخجل.. ولعله يشعر بإحرج في الذهاب إلى طبيب ومن سوء حظي أنه اختارني لكنه قطع عليّ جل هواجسي:
– دكتور هناك سجين عندنا بدأ يتقيأ ويصرخ. ربما تمثيل وأظنه يشكو من شيء المطلوب معرفة سبب المرض إن كانت هناك من علة.
– اين هو الآن؟
– سيصحبك موظف إلى مكانه.
ضغط على زر أسفل مكتبه فغادرت أقتفي في دهليز معتم أثر عنصر كهل حتى توقف عند زنزانة صغيرة تفوح منها رائحة كريهة . لم يدخل معي غير أنه زعق بالمريض الراقد في الداخل:
– أيها الحيوان سيبين صدقك من كذبك وستعرف حينئذ ماالذي أفعل بك..!
وتراجع الحارس فتقدم رجل ملثم أظنه الذي حف بي عند دخولي الممر:
– أنا حاضر لو كنت كاذبا يعني تكون شغلتَنا وشغِلتَ الدكتور ليس من السهل الضحك علينا تعرفني جيدا!
كانت الغرفة شبه مظلمة لاحت لعيني أكثر عتمة من الدهليز.ولفحت أنفي رائحة كريهة تشبه رائحة السمك المتعفن.مزبلة.. مبولة أي شيء نتن.. سمعت شخصا يئن ويصرخ.. يسعل . وفمه يتحشرج كأنه يدفع شيئا من معدته. قلت للحارس هل يمكن بعض الضوء. سمعت حركة ما ، لحظة وانتشر نور ساطع بدد الظلام فتبينت عيناي رجلاشبحا ذابلا .. قطعة صفراء تسبح في بركة من القيء حتّى خُيّلَ إليّ أن رئتاي تتمزقان من رائحة الغرفة وأنّي أصبت بالتدرن منذ لحظات.. كانت يداا المريض السجين متورمتين ينتشر عليهما قيح. تمعنت في يديه ولمست جبينه براحة كفي وتساءلت: مافائدة من أن أضع السماعة على صدره فكل شيء واضح في هذه الغرفة الصغيرة وضوح الشمس..كان يضع يده أسفل بطنه من الناحية اليمنى ويندفع في قيء متقطع.. وعلى الرغم من ضعفه إلا أنه يقدر على الصراخ من ألم يعانيه.ركعت فلامست ركبتاي أرضا صلبة خشنة،السماعة فوق أذنيّ ولا أسمع شيئا.. صمت ..وتأوه.. وحشرجة.. وكما لو قلت إني في العيادة فحصت مريضا يحمل بوادر الكوليرا، غير أن قيأ السجين ورائحته يختلفان. وسألت :
– متى شعرت بالألم وراودك القيء؟
فردّ عليّ الحارس الجاثم عند الباب!
ولم يجب حيث تلاقت عيناه بسقف الغرفة ثم التفت باوجهه إلى الحائط يتلافى إجابتي وجدت أن من العبث أن أضيع الوقت فأفحص نبضه وعن لاوعي سألت الحارس كأنني في تلك اللحظة أظنه قريبا للمريض:
– منذ متى بدأ يصرخ؟
فأجاب بلهجة غير واضحة:
– لا أدري دكتور!
خرجت من الغرفة باتجاه غرفة الضابط الذي بادر بالسؤال :
– نعم دكتور ماتظن؟
– متى بدأ يصرخ؟
– قبل ست أو سبع ساعات .
– إنه التهاب الزائدة الدودية يجب نقله إلى المشفى وإلا ستنفجر بالتالي يتسمم كل جسده !
– أليس هناك من حلّ آخر؟
– لا علاج إلا عملية جراحية.
– فتمتم وهو يتأمل لحظات!
كأنّه أصيب بخيبة، فترددت الكلمات بين شفتيه قبل أن تطلقاها:
– اللعين من حسن حظِّه.
وأضفت باهتمام:
– لاتنس سيادة المدير أن جلده مصاب بالجرب!
فقال وهو يهز رأسه:
– أجرب مصاب بالمصران الأعور.
– لا أظن سوى العمليةّ وإلا سيموت الليلة.
قلتها بحماس بعيد عن الانفعال:
– سنرسله إلى المشفى ” قال عبارته ببرود وأكد لي بعبارة رزنة فيها بعض الصرامة”:دكتور المريض هذا سجين مهم علينا أن نرحِّله للعاصمة .
وأضفت كأني أحث على نقله للعلاج شفقة عليه لكي يعيش وليكن بعد ذلك الطوفان غير أني أفصحت عن رغبتي بصفتي أؤدي واجبي من دون أن أظهر تعاطفي مع السجين:
– آمل أن ينقل للعلاج قبل أن يصيب بالعدوى الحراس والسجناء.
فهز رأسه مما أوحى لي أنه يرد بملل:
– سنسارع بعلاجه لكن كما قلت لك لاأريد أحدا يعرف بالموضوع .هناك قضايا تخص أمن البلد،وتلك هي ثقتنا فيك!
– قلت إني أقسمت!
سحب جرارا ما ، وقبض على حفنة دنانير:
– أجرك دكتور!
فسارعت إلى رد يده:
– لا والله ! أقسم!
– هذه أتعابك.
– ياسيادة المدير معاينتي كلها نصف دينار مع ذلك فهذه هي المرة الأولى التي التقيك فيها ..
فقال مقاطعا:
– نصف دينار أجرتك في العيادة لكن المبلغ يكون أكثر حين تستدعى إلى بيت المريض.
– مع ذلك فدع مبلغ الأجرة هذه المرة على حسابي إكراما لمعرفتي بك!
– كما تحب ” وهز رأسه مضيفا” لكن إحسب حسابك نحن سوف نضطر لاستدعائك أكثر من مرة وعليك أن تاخذ أجرك في المرات القادمة.
– أعدك بذلك!
تنفست الصعداء إذ غادرت دائرة الأمن.. خلت أن رئتيّ نفثت الرطوبة.. الهواء المشبع بالعفونة والكوليرا. والقتام.. هربت من سلّ مفاجيء..ولما تزل- على الرغم من سعة الفضاء أمامي – رائحة الغبار والنتانة تخدش رئتي.تركت نافذة السيارة مفتوحة كأني أخشى ألا أجد الهواء ثانية .. هاهو يروم أن يستدعيني مرة أخرى،إن أفلت من أن أصبح جاسوسا.. مخبرا من نوع ما، هذه المرّة، فلا بدّ أن تحلّ مواسم أخرى،سوف يلحق بي لقب طبيب الأمن العام..ليس من غريب المصادفات أن أبدأ يومي في العيادة بمريض اجتاحته بوادر كوليرا فأختم الساعات الأخيرة من عملي بمريض خارج العيادة يعاني من الزائدة الدودية.. الكوليرا والزائدة وبينهما غرفة ضيقة أوغلت في العفونة والوخامة حتى لتكاد تبتلع كلّ هواء الأرض من دون أن تتغيّر.. وتساءلت كم سأحتقر نفسي لو أخذت أجرا من مدير الأمن.. لكن ماذا عن الأيام القادمة..هذا أسلوب من الأساليب التي يتبعونها فيجعلونك تشتغل معهم من حيث لاتقدر أن تمتنع.. مجرد ممانعة.. هل أكون شرطيا أو مخبرا وطبيبا في الوقت نفسه. نحن في العشار مجموعة أطباء مشهورين .. كلنا يعمل نهارا في الوظيفة الحكومية وينهمك بعيادته بعد الظهر. حالما تخرجت فضلت العمل في جامعة البصرة… هكذا حدث الأمر … لقد وقع اختيار هؤلاء علي.. طبيب الأمن.. أُصْبِحُ طبيبا للأمن.. للسجناء وظيفتي أرقى بقليل ممن ينفذ حكم الإعدام .. أعالج مرضى ليذهبوا فيما بعد إليه يلفّ الحبل على أعناقهم..وليس هناك من ملاذ سوى صديقي زميل الدراسة .. طول الطريق من البصرة حيث دائرة الأمن إلى البيت استبدت بي أفكار وهواجس.. وتذكرت أني نسيت أن أغسل يديّ شأني كلما لمست مريضا..بل خشيت أن أسأل عن المغسلة والماء حيث كنت هناك..الرفاق لديهم أطباء معرفون .. حزبيون بعضهم انضم للحزب قبل الانقلاب… وهناك من سارعوا لأمر ما وانضموا للحزب بعد الانقلاب ألا يمكن أن يثقوا بواحد من هؤلاء؟لِمَ أنا، إن لم يكن هناك غرض ما.في العمل وأنا استقبل الطلاب في عيادة الجامعة لم يفلت لساني..أعرف بعضهم ممن لا أرتاح له.. كان معي الطبيب الآخر. الدكتور أحمد الدوغجي متخرج في إحدى جامعات ألمانيا الشرقية.. من خلال حديثه المقتضب معنا في العيادة عرفت أنه بدأ يلين ويثني على الوضع الراهن قد يكون بسببه وقع اختيار الأمن علي ليروضوني معهم فيعرفوا المزيد عنه من خلالي.. أو لعلهم استدعوه ذات يوم من عيادته لأمر ما كما حدث معي.. لابد أن يكون هناك موضوع يخص عملك ومهنتك.. استشارة طبية .. سؤال عن حالة صحية.. دورة طبية لكوادر دائرة الأمن ثم تصبح واحدا منهم …احتمال .كل شيء ممكن في هذا الوقت ،مع ذلك فَلَدَيّ متسع من الوقت ولا بدّ أن أتحاشى أي شيء يزعج زوجتي التي رأيت التعب والإرهاق باديين على وجهها .. لكن شحوبها لم يخف عني ابتسامة صافية اعتادت أن تستقبلني بها كلما عدت مساء من العيادة..وكانت إذ أدخل تقرأ قسماتي جيدا فتدرك بحاستها أني هذا المساء الذي تستقبلني فيه لم أكن مرتاحا في عملي قالت:
– يبدو أن حال والد صديقك سيئة للغاية. لاتقل كلا. أدرك ذلك من عينيك.
قلت مؤكدا بهزة من رأسي:
– نعم إنه يعاني.
– كان الله في عونه!
وبعد فترة صمت:
إسمعي خطرت لي فكرة هائلة وأنا أقود السيارة هذه الليلة إلى البيت.
– خير إن شاء الله.
– سأتصل بالدكتور لأعرف ما إذا كان يأتي هذا الخميس للمنزل.
– ألا تتعشى أولا .
على الرغم من أني عشت أحيانا مع الغثيان والدم ولون المرض الباهت الشاحب سواء في كلية الطب أم العمل إلا أن مشهد المريض في زنزانة الأمن ويديّ اللتين لما أغسلهما بعد .صورة الزنزانة القفص والصديد على الأرض جعلني أقرف من الأكل لولا أني لابد من أن أسايرها لتأكل شأنها كل ليلة تنتظرني على مائدة الطعام.
– حسنا ماذا تريد منه؟
– تعرفين فكرت في كلامه بدأت أقتنع إذا اشتغلت معه في الكويت .. هي فرصة هناك ربح مادي.
– لكن العيادة ربحها لابأس به.
– مهما يكن هناك الراتب الضخم والفرص أفضل ثم لاتنسين راحة البال.
– الدكتورنجم .. دائما يعرض عليك العمل معه في المشفى وأنت ترفض!
لكني اقتنعت.
– اختر ما تجده مناسبا لك ولمولودنا المرتقب.
– لن أشرح له ذلك في الهاتف أريد أن أعرف فقط هل يأتي عطلة نهاية الأسبوع إلى منزله!
وذهب فكري بعيدا قليلا إلى الولايات المتحدة وزجتي الحامل ..لقد كنت حقا أنتظر مجيئه مساء هذا الخميس لانني اقتنعت تماما أنني لابد أن أغادر!

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *