الرئيسية » نقد » ادب » ليث الصندوق : هيمنة الغياب ، وتعدد أشكاله ومظاهره في “رجل يهزّ الشجرة و … يبتسم”(1)

ليث الصندوق : هيمنة الغياب ، وتعدد أشكاله ومظاهره في “رجل يهزّ الشجرة و … يبتسم”(1)

هيمنة الغياب ، وتعدد أشكاله ومظاهره في
” رجل يهزّ الشجرة و … يبتسم “(1)
ليث الصندوق

على مدى واحد وثلاثين مقطعاً قصيراً مرقماً هي مجموع المقاطع التي تشكّلت منها قصيدة ( رجل يهزّ الشجرة و … يبتسم ) وهي القصيدة الأخيرة في المجموعة الشعرية للشاعر طالب حسن والتي حملت ذات عنوان القصيدة ، بل على مدى القصائد السبع والعشرين التي تكونت منها المجموعة ظل ثمة إيحاء بوجود الرجل / الشبح الذي يهزّ الشجرة ثمّ يتوارى وراء ابتسامته الأكثر غموضاً والتباساً من وجوده المغيّب لتتشكّل من فعلي العنونة ضفيرة رباعية من الأسئلة :
– من هو الرجل ؟
– ما هي دواعي هزّه الشجرة ؟
– ما هي الدلالة المستترة وراء الفاعل والمفعول به والفعل ؟
– لمَاذا التبسّم ؟
وإن كان من حق الشاعر إلا يُعنى بتضمين نصوصه إجابات واضحة وصريحة عن ما تُثيره من الأسئلة ، بل ربما تستمدّ النصوص حيويتها من حيوية وعمق أسئلتها ومن عدم الرضوخ المجاني للقراءة السريعة الباحثة عن الإجابات الجاهزة ، إلا أن المعطيات الأولية المستحصلة والتي ستكون أولى مفاتيح ضفيرة الأسئلة الرباعية كانت تُشير إلى وقوع الرجل / الشبح تحت ضغط غيبتين :
ألغيبة الأولى : هي غيبة لغوية تجرّد فيها من كل مظاهر التعريف وصار مجرّد ( نكرة ) ، بينما ظلت الشجرة التي هزّها على عكسه محتفظة بخاصية حضورها اللغوي باعتبارها مُعرّفة . وتلك مفارقة أن يُغيّب أو يحتجب الفاعل وهو الأولى بالحضور إعتزازاً بفعلته التي أنهاها بالتبسم ، بصرف النظر عن دواعي ذلك التبسّم ، بينما حضر المفعول به الذي تحمّل وقع فعلين في وقت واحد ، فعل الهزّ ، وفعل التبسّم .
ألغيبة الثانية : وهي غيبة وجودية ظلّ خلالها الرجل / الشبح ، أو رجل الشجرة يتوارى وراء الإشارات والرموز دون أن يجرأ على الكشف عن هويته وموقعه تاركاً للقاريء الفطن تلمّس أثرَ أفعاله أو بالتحديد تلمس الأثر الذي يُحدثه هزّ الشجرة ، من دون أن يُعلن عن دوافعه من هزّها فغيبته هذه هي كغيبة ( كودو ) المزمنة في مسرحية صموئيل بيكت الشهيرة والذي له ميزة على رجل طالب حسن في كونه قد حظى بالأسم على الأقل ، بينما اشترك معه في الغيبة الدائمة .
حضور بصيغة الغياب :
على مدى نصوص المجموعة الشعرية تجلى الحضور الوحيد للرجل الذي أطلقنا عليه تسمية ( الرجل / الشبح ) ، وهو حضور مجازي يجمع في وقت واحد ما بين الغيبة والحضور ، تجلى كسيرورة لذات بشرية ما زالت تشكل عبر التاريخ السحيق وغير المحسوب بواحدات الزمن بل بتعاقب الطغاة / الأوثان ، وبالرغم من نضجها على نيران الزمن ظلت الذات / السيرورة أسيرة بأيادي الطغاة ( بيد ألف وثن ووثن ) محتفظة بأعمق مستويات حرمانها المقرون بصمتها المقدس ونكوصها عن التعاطي مع اللغة الشاكية والمتذمرة . وهذا الصموت شجع الصوت الوحيد على تولي المبادرة والتعبير نيابة عن الرجل / الشبح أو الذات / السيؤورة باستعارة ضمير الغائب من دون أن يفلح في تقديم صورة شاملة لأبعاد هذا الكائن الرمزي وحقيقة عذاباته البروميثيوسية التاريخية المزمنة ودواعي حرمانه من حق الشكاية والبوح ، بل زاد ضمير الغائب من تمويهه وغموضه وإيغاله في حالة الغياب :
أعرفه
أعرف حلمه الذبيح
بيد ألف وثن
ووثن
( ص / 12 )
ولا يقتصر ضمير الغائب على الرجل / الشبح فحسب ، بل هناك موقع آخر يتوجه إليه الصوت الوحيد بذات آلية الخطاب ، وفي ذلك الموقع ثمة إمرة غائبة بالرغم من موقعها الذي يتوجه إليه الصوت الوحيد بالنداء . وعلى غرار الرجل الذي عكسنا غيبته على تسميته سنطلق على المرأة المغيبة تسمية ( ألمرأة / الشبح ) ، أنها المرأة التي تتوارى دائماً خلف حنين الصوت المنادي واشتياقه من دون أن تحضى بالفرصة التي مُنحت للرجل بهز الشجرة ، ولا بفرصته للتبسّم . ولكن حرمان المرأة من أداء الفعلين تمّ تعويضه بعشرات الأفعال المؤثرة الأخرى بما عزّز من دورها وأبرز تأثيرها الحسّي والعاطفي ، وجعل منها مركز الإشعاع الرؤيوي الأساس ، وبذلك تكون قد حظيت بعناصر القوة الضرورية لإزاحة الرجل / الشبح عن موقع الصدارة ، وتهميش دوره والاستحواذ على سلطاته الشعرية وعلى مهاراته في الاستئثار بعناية واهتمام الصوت الوحيد ، فصارت هي محور دلالات النصوص ومصدر الضوء الوحيد فيها ، بعد أن أوشكت مفاقس الغياب وفي طليعتها الموت والحروب أن تُطفيء مصادر الإضاءة الأخرى :
أللؤلؤ النائم
في محارة فمها
جعل النوارس تغار
من شدّة بياضه
( ص / 130 )
وفي موازاة ضمير الغائب المخصص ل ( ألرجل / الشبح ) خطاب منافس آخر ولكنه بضمير المخاطب . وفي هذا النمط يتوجه الصوت بالحديث مع الصمت ، صوت الشاعر المنادي ، مع المخاطَب المنادى الذي يقتصر دوره على الإصغاء فحسب دون أن يُمنح حق الردّ أو المشاركة في إنضاج حوار حتى لو اقتصر على طرفين فحسب . ولأن المنادى يتخفى وراء صمته دائماً ، فهو يبدو في موقع قرين لموقع المعني بضمير الغائب ، فكلاهما يستقبلان النداء ولا يردان عليه ، والفرق الوحيد ما بين الأثنين هو فرق موقعي يجعل من الأول متوارياً عن نظر من يُخاطبه ، بينما يضع الثاني في مواجهته عيانياً :
كلّ صباح
أستيقظ على هدير صمتك
صمتك الباحث عن
أمكنة لا يصل إليها
رصاص الكلام
( ص / 18 )
وماذا يمكن أن يكون ردّ المخاطبة ( إن كانت هناك إمكانية للردّ ) وقد حصر الصوت الوحيد في ذاته كل ما يمكن أن يُقال من كلام ، ثمّ راح يبوح لها بما اختزنه من أسرار وجودهما وارتباطهما الجدليين على الأرض عبر قدرية الخطيئة الأولى غير المحسومة لحد الآن أو ( غير المقترفة ) وتلك مفارقة من عشرات المفارقات التي ستواجهنا بها النصوص ، وبنية المفارقة هنا مبنية على أساس أن ثنائية الخاطيء والخطيئة ما زالت في حكم الغيب ، وأن العلاقة الجدلية بينهما ما زالت في طور التعطيل أو الإرجاء لسبب ما ، ومع ذلك ما زال الفعل المُرجأ يعدّ في عرف الشعرية فعل اقتراف ، ويُلقي بتبعيته على طرفيها اللذين ما زالا بريئين بفعل الإرجاء ، بل إن أحد الطرفين ( المرأة ) تحمل كامل وزر الخطيئة المرجأة فألصقت به إلصاق التسمية ( أنتِ الخطيئة الوحيدة ) . وربما تكون تلك ( الخطيئة الوحيدة ) هي إحالة إلى الأصل الميثولوجي ( الخطيئة الأولى ) التي اكتسبت طابع التقديس من الشخصيات المتعالية التي تؤدي فيها الأدوار والأحداث الخارقة والمستحيلة ، أدوار الخلق وتقدير المصائر والتوريط في الخطايا . وبهذه القداسة الحاكمة والجائرة ألصقت تلك الشخصيات الخطيئة إلصاقَ الحتم والضرورة بالشخصيتين الأضعفين ( ألرجل والمرأة ) أو ( أدم وحواء ) أو ( الشاعر والمرأة / الشبح ) سواء إدى كل شخص من أولئك الدور المرسوم له أم لم يؤدِه ، فهم محكومون بما لا قدرة لهم على رفضه أو التبرؤ منه . هذا الحكم الفوقي سيلاحق الخليقة جيلاً بعد جيل منذ يوم نشوئها الأول حتى يوم زوالها . وقد ارتضى الشاعر أن يتورط ، ويورّط معه المرأة / الشبح في تلك الخطيئة الوحيدة التي لم يقترفها هو ، وهذا يعني بالضرورة أنها لم تكن الطرف الآخر فيها أبداً نزولاً عند قرار الميثولوجيا المقدسة التي ثبتت أركان الخطيئة الأولى ، وأصدرت الأحكام القاطعة فيها من دون اضطرار لتقديم أدلة كافية تسند حيثيات الحكم :
أنت
الخطيئة الوحيدة التي
لم أقترفها
بعد
( ص / 63 )
ثمّ ماذا يمكن أن يكون ردّ المخاطبة ( المرأة / الشبح ) وقد جعل من ردّها الذي يأتي بصيغة التذكير مجلبة للنسيان ، ولكنه النسيان المأمول الذي لا تملك أن تتمحّكَ فيه المرأة باللجاجة والردّ لاسيما أن الصوت الوحيد نفسه قد خولها صلاحية ممارسة قواها السرية الفاعلة والمؤثرة عليه لإعادة بناء وتشكيل ذاكرته الجديدة ( ذاكرة النسيان ) ، هذا من جهة ، أما من الجهة الأخرى فالنسيان المأمول هو ما يسعى إليه الصوت الوحيد من أجل إلغاء العالم من حوله ، والإكتفاء منه بمصدر التذكير أو المرأة / الشبح (ذكّريني ) . وسواء تحسبنا للأمر من هذه الجهة أو من تلك فأنها لمفارقة حقاً أن يطلب الطرف الحاضر وذو الصوت المسموع من الطرف المُغيّب والصامت أن يُمارس عليه سلطة التذكير :
ذكّريني
لكي
أنسى
( ص / 77 )
ألصوت والصدى :
ويبدو هذا النمط من الخطابات أشبه بالصدى المرتدّ في وديان الذات ، فكأنّ الشاعر نفسه هو المنادي ، والشاعر نفسه هو المنادى ، وكأن الصوت الوحيد المسموع هو حواره الداخلي ( مونولوجه ) يستعيد عبره صرخة ألمه المكبوتة . ولأن الشاعر قد صاغ خطابه إلى الآخر بالشكل الذي يضمن عدم احتمال صدور أية ردود ، ثمّ وجهه بالدرجة الأساس إلى المرأة / الشبح ( التي همّشتها العنونة وأنصفتها النصوص ، بعكس الرجل / الشبح الذي أنصفته العنونة وهمّشته النصوص ) ثمّ من بعد المرأة / الشبح ، والرجل / الشبح وجه خطابه بدرجة أقل إلى الراوي ( ص / 44 ) وإلى الشاعر ( ص 116 ) وهؤلاء الأربعة يمثلون أطراف الحوار الذين يُحتمل اجتراؤهم على الرد على قلة إمكانية تحقق هذا الإحتمال . لذلك صار من الضروري استثمار الصيغة الأحادية للخطاب بتوجيهه إضافة لهؤلاء الأربعة – بعد أن ضمن عدم ردّهم – إلى كيانات أخرى معنوية أو إعتبارية أو ذات وجود حسّي أو هُلامي أو افتراضي غير قادرة أصلاً على الكلام ليضمن تفرده ، واستمراره في فرض أحادية الخطاب . وتلك الكيانات المخصوصة بخطابات الصوت الوحيد هي بحسب الجدولة :
– مخاطبة الموت ( ص / 13 )
– مخاطبة الحرب ( ص / 21 ، 43 )
– مخاطبة الليل ( ص / 26 )
– مخاطبة البلاد ( ص / 45 ، 65 ، 67 ، 84 ، 120 )
– مخاطبة الألم ( ( ص / 57 ، 69 ، 76 )
– مخاطبة الشِعر ( ص / 97 )
– مخاطبة الملاك ( ص / 101 )
من داخل المجال الدلالي للغياب :
والغياب الوجودي الذي فُرض على الرجل / الشبح أو الرجل الذي هز الشجرة تسرّب منه حتى صار الهاجس المحرك لأغلب النصوص مع تعدد وتنوّع مفرداته ودلالاته والفاظه ومظاهره بما يشكّل ما يُسمى بالمعجم الفني – حسب الدكتور عبد الملك مرتاض – أو بمعنى آخر ( المعجم الفني للغياب ) . ولعلنا نلجأ إلى هذه التقنية لرصد تكرارات بعض مفردات ذلك المعجم بما يمكننا من تحديد البؤر النشطة والمنتجة للتوترات والتناقضات داخل النص . ولا غرابة أن مفردة الموت – باعتباره أحد مظاهر الغياب – ووحدات مجاله الدلالي تكررت في قصيدة واحدة هي ( استفاقة حلم ) عشر مرات ، وأنها تكررت في المجموعة ثماني وخمسين مرّة ، وأن بعض تلك المفردات تكررت مرتين أو ثلاث مرات في الصفحة الواحدة ، وفيما يلي جدول بتكرارات مفردات المجال الدلالي للموت :
– ألقبر / ألمقابر / ألمقبرة : ص ( 42 ، 51 ، 12 ، 34 ، 35 ، 74 ، 123 ، 133 )
– ألأموات / ألموتى / ألموت / ميت / يموت / مات : ص ( 45 ، 46 ، 47 ، 49 ، 57 ، 12 – مكرر مرتين – ، 16 ، 18 ، 67 ، 71 ، 73 ، 74 – مكرر مرتين – ، 75 – مكرر ثلاث مرات – ، 85 – مكرر مرتين – ، 86 ، 90 ، 94 ، 96 ، 117 ، 118 ، 125 ، 134 )
– ألمراثي : ص ( 49 ، 125 )
– كفن / أكفان / أكفّن : ص ( 11 ، 12 ، 53 ، 91 )
– جثة / ألجثث : ص ( 21 ، 54 ، 63 ، 75 ، 116 ، 127 )
– تابوت / ألتوابيت : ص ( 11 ، 83 ، 108 )
– جنازة / ألجنائز : ص ( 74 ، 118 )
– بينما تكررت مرة واحدة مفردات : ( حتف : ص / 36 ) ، (المشانق : ص / 36 ) ، ( النعوش : ص / 51 ) ، ( مأتم : ص / 67 ) ، ( محتضرة : ص / 68 ) ، ( الأشلاء : ص / 71 ) ، ( يتيمان : ص / 95 ) .
وخارج المجال الدلالي للموت يُلاحظ أن مفردة الغياب بصيغها المختلفة قد تكررت ( 31 ) مرة ، وما يميز تلك التكرارات أنها – في أغلبها – جاءت مرتبطة بضميري الغائب أو المخاطب المخصوصين بالمرأة / الشبح ، أو أنها جاءت صفة لموصوفات متعلقة بالمرأة الشبح ( صباحها الغائب ) أو ( طيفكِ الغائب ) أو أنها طرف في استعارة متعلقة بالمرأة / الشبح ( جدار غيابك ) أو ( عطر غيابك ) .
أما مفردة النسيان – والنسيان مظهر آخر للغياب سنأتي عليه فيما بعد – فقد تكررت ( 9 ) مرات . وتكررت مفردة الحرب او الحروب ، وهي من دون مواربة المسبب الرئيس للغياب فقد تكررت ( 22 ) مرّة . ووفق التصورات التي تتمخض عنها قراءة هذه التكرارات الإحصائية لا عجب أن يكون الغياب هو محور دلالة السطر الإفتتاحي الأول في المجموعة ( وراء تابوت فارغ ) ( ص / 11 ) وأنه محور دلالة سطرها الأخير ( تُسكرني خمرة غيابك ) ( ص / 134 ) وما بين السطرين تنفتح كل النصوص على قاموس الغياب ومظاهره .
إحصائيات رقمية ودلالات رمزية :
وفي الحرب ربما لا تسعف الفروق اللغوية ما بين صيغتي المفرد والجمع في تجسيد عِظم الكوارث والأهوال واقعياً ، فربما تكون نتائج حرب واحدة أقسى من نتائج حروب عدّة ، لكن الشاعر تلاعب بالصيغتين لا ليرسم صورة للخراب فحسب ، ولا ليجسّد عظم ذلك الخراب وشموليته ، ولكن ليحدد صلابة موقفه وثباته ، فهو في موقع الندّ إزاء الحرب المفردة ، وبإمكانه مجاورتها وعقد صفقة من نوع ما معها :
أيتها الحرب
لا تُحدثي الكثير من الضجيج
( ص / 43 )
أو :
على حافة الحرب
أجلس الآن
( ص / 90 )
ووفق هذا التعاطي شبه المتكافيء تكررت مفردة الحرب بصيغة المفرد تسع مرات في الصفحات ( 11 / 43 ( مكرر مرتين ) / 83 / 90 / 108 / 116 / 119 / 120 ) . ولكن موقف الشاعر التفاوضي إزاء الكثرة ( صيغة الجمع ) سرعان ما يتخلخل إحساساً بهزال الفرد في مواجهة سيول متدفقة من القوى المتتابعة فيتحوّل المفاوض الندّ أمام مفاوضيه / الحروب إلى متوسل مهزوم :
خذلتني ميادين الحروب
( ص / 112 )
أو :
أقرأ للفراشات الهاربات من
ضجيج الحروب
ألقليل من قصيدة
غيابك
( ص / 129 )
وهذا الموقف المهزوز هو بالتأكيد الموقف الطبيعي والمتوقع الذي يتمخض عن أي نزال غير متكافيء ما بين شاعر آمن ومسالم وأعزل ، وما بين أعدائه / الحروب ( بصيغة الجمع ) مدججين بكل أسلحة الإبادة والدمار ، وما أكثر النزالات المماثلة ، وما أكثر ما أنتجته من مواقف مختلة ، لذلك تضاعفت التكرارات بصيغة الجمع ( ألحروب ) أثنتي عشرة مّرة في الصفحات ( 28 / 35 / 39 / 63 / 89 / 112 / 118 ( مكرر مرتين ) / 123 / 124 / 129 / 134 ) .
وكما ورد سابقاً فقد تكررت الحرب بصيغة المنادى مرتين في الصفحتين ( 21 / 43 ) وهذا الاقتصاد يدل على الرغبة بتجنب الإلحاح في الاحتكاك المباشر مع مفترس لا يؤتمن وقصر مناداته في أضيق الحدود ، كما يدلّ على أنْ لا فرق في الخراب المرتجى من ذلك المفترس سواء جاء منفرداً أو بصحبة قطيعه ، ولذلك توزع النداء بالتساوي مرة واحدة بصيغة الجمع ( أيتها الحروب – ص / 21 ) ومرة واحدة بصيغة المفرد ( أيتها الحرب – ص / 43 ) .
ولم يشأ الشاعر أن يتحدّث حديث خبير عن الحرب / الحروب وهي بصيغة النكرة ، لأنه يكون كمن يسهب في الحديث عن أهوال البحر من دون أن يراه بَلْه من دون أن يركب أمواجه ، لذلك تعمّد أن يضفي على الحرب / الحروب التعريف أينما ذكرت من دون استثناء ، بل أنه جعل من تعريفها واسطة لتعريف نكراتها بالإضافة ( سريرها / حافتها / داؤها / طاعونها / ضجيجها … ألخ ) في الصفحات ( 28 / 39 / 43 / 63 / 83 / 90 / 112 / 116 / 118 / 124 / 129 ) .
أما المفارقة الرقمية التي انطوت على دلالات رمزية فقد جسدتها حالة عدم التوافق ما بين الحرب / الحروب كفاعلة أو منتجة دمار واقعياً وما بين شحة التأكيد على تلك الفاعلية من خلال ورودها بصيغة الفاعل ، فقد وردت أربع مرات بهذه الصيغة في الصفحات ( 11 / 108 / 118 / 120 ) وربما يعكس تحاشي الإكثار من هذا التكرار موقف اليائس الذي يواجه مصيره أعزلاً وقد تبدّت له النهاية فغادرته الخشية وزايله التهيب ومضى بخطوات ثابتة مغضياً لا ينظر إلى ميتته بعينيها . ودليلنا على صحة هذه المفارقة الرقمية يمكن ملاحظته في النصوص التي وردت فيها الحرب / الحروب في موقع الفاعل ، فهي في تلك المواقع لم تكن هي ذاتها بكل عنفوانها التدميري في النصوص التي شغلت فيها مواقع إعرابية أخرى ، فلا غروَ أنها في مواقع الفاعل الأربعة وحش بلا أنياب ولا أظفار ، أنها فاعل بلا فعل أو بفعل أوكلته – لعجز فيها – إلى سواها ، إلى ( أكفانها ) كما في :
لم تكسرني الحرب
ألذي كسرني
أكفانها المرمية
على الطرقات
( ص / 11 )
وهي فاعل لفعل مخبوء تحت سطح التأويل ، ولذلك فهو فعل مجمّد ، ولم يُحسم بعد ، وفي كل الأحوال فهو خاضع لتعدد التأويلات وتعدد المؤولين كما في :
حين تكون الحروب
ألأحذية تمشي
والأقدام
واقفة
( ص / 118 )
وهي فاعل مُرجأ وفي مرحلة التمهيد والإعداد لفعل منتظر ، فعل الولادة ( ستلد ) كما في :
حين بدأت الحرب
لم نكن نعلم أنها
ستلد الكثير من التوابيت
( ص / 108 )
والفعل المنتظر الذي لم يتحقق بعد ولم يرقَ إلى مستوى التأثير هو فعل مذخور للتخويف والترهيب فحسب :
يداً بيد
كنا هاربين
هو من دمية محشوّة بالرصاص
وأنا من عود ثقاب
لوّحت به الحرب
ذات حلم
( ص / 120 )
أحلامٌ وكوابيس :
وقد يتجلى الغياب في صورة الأحلام ، أو الأحلام القتيلة ، أو الأحلام الرثة ، أو الأحلام العارية ( عري أحلامي ) ، أو الأحلام اليتيمة ، أو الأحلام باهظة الخسران أو الأحلام المتشظية ، أو الأحلام المسحوقة ، أو الأحلام مكسورة الجناح ، أو سواها من صور ومظاهر الأحلام التي تكررت في المجموعة ست وأربعين مرّة ، ولا غرابة في هذا التجلي الذي يعكس القطيعة المؤقته مع الواقع ، فالأحلام هي فاصلة الوهم الكامنة في المسافة ما بين منطقتي اليقظة / الحضور ، والنوم / الغياب . ولكن الدخول إلى منطقة الأحلام لا يتم إلا بمغادرة المنطقة الأولى والابتعاد التدريجي عنها وصولاً إلى المنطقة الثانية التي لا يتم النفاذ إلى عالم الأحلام إلا عبر بوابتها ، حيث يتحلل النشاط النفسي ( من سلطان الإرادة ورقابة العقل المنطقي ) (2) وبهذ التحلل يتخفف العقل من الضغوط الخارجية و ( يتراجع ملكوت الضرورة ويُخلي مكانه لملكوت الحرية ) (3) . ومن هذه الحرية المستجلبة بقوة هشّة هي قوة الأحلام يستمدّ الصوت الوحيد قوته ، كما يستمدّ قوة الجماعة التي ينطق عنها مستعيراً ضمير المتكلم ( أحلامنا السميكة ) . وبالرغم من هشاشة تلك القوّة الطارئة وقصيرة العمر والمعرّضة للنقض والانقصاف من قبل سلطان اليقظة / الحضور في أية لحظة ، إلا أنها مع ذلك قوّة تغري الطغاة بأن يضعوها في حسبانهم ، وأن يحجّموها ، ويُذلوها دوساً بأقدامهم :
من جلود أحلامنا السميكة
صنع الطغاة أحذيتهم
( ص / 19 )
وليست الأحلام هي مظهر الغياب الوحيد الكامن في منطقة اللاوعي ، فهناك الكوابيس أيضاً ، ومع الكوابيس يكون الغياب قد استقرّ في سياقه المنطقي ، فكلاهما ( الكوابيس والغياب ) لا يحتملان التجميل والتزويق اللغويين اللذين ربما تكون قد حظيت بهما دلالة الأحلام . ولكن الشاعر ككل الشعراء لا يستسيغ وضع الأمور في سياقها المنطقي دائماً ، فيسحب الكوابيس من عالم الغيب المعطّل واقعياً ، إلى عالم اليقظة المفعّل واقعياً من أجل أن يتحقق جراء هذا السحب ما هو أقلّ الكوابيس فداحة :
كثيرة هي الكوابيس
أقلها فداحة أن تستيقظ في الصباح
ولا تجد رأسكَ فوق كتفيك
( ص / 25 )
وقد تكون الأحلام ، أو بصيغة المفرد الموصوف ( الحلم المكسور الجناح ) هي الخلاص ، والواسطة لرأب الهوّة ما بين الغياب والحضور الوجوديين ، أو ربما تكون الفجيعة هي التي قد أوهمت المفجوعين أن يثقوا بطريق الخلاص المقطوع هذا حالهم كالغريق الذي يتشبث بقشّة :
ما من وسيلة للطيران
ما من حاجة أن نكتب رسائل
( نعرف أنها لن تصل )
وهانحن معلقون
بظلال فجيعتنا
نحتمي وراء الرغبات
وننتظر الحلم المكسور الجناح
( ص / 26 )
وإن كان النسيان هو أحد مظاهر الغياب ، فأن نقيضه التذكر هو ( كما يُفترض منطقياً ) مظهر من مظاهر الحضور . ولكن الشاعر لا يقرّ بهذه الثنائية الضدية ، ولا يرضخ لموازنة النقائض المنطقية هذه ويضع الحلم في مقابل النسيان باعتبار الأحلام هي مصدر حريته كما ورد سابقاً إضافة إلى كونها أداته الفاعلة في صراعه مع كوابيس الواقع . وكما كانت الأحلام – كما تبيّن سابقاً – مظهراً من مظاهر الغياب ، إلا أن الشاعر أعاد تشكيل محمولاتها الدلالية لتؤدي دوراً معاكساً يعينه على إيجاد الحلول لتجاوز معضلة الغياب ، أو يملأ فجوات النسيان :
عندي من الأحلام
ما يملأ كلّ
فجوات
النسيان
( ص / 32 )
تفاعلات البياض والسواد :
والنسيان هو نقطة اللاعودة التي عندها يفترق زمن الماضي عن الحاضر تمهيداً لتشكّل زمن المستقبل ، أو زمن البياض الذي لم تلوثه بعد أدران الزمنين السابقين ، ذلك البياض الذي لا يكفّ أن يكون ميزة لنقاء الزمن المقبل ، بل يتسرّب من الصيغ اللغوية ليتحوّل إلى صيغة تشكيلية منظورة ، حيث تتهشّم وتتفكك فيها الجمل المترابطة ، أو على العكس تترابط وتتصل فيها الجمل المقطوعة ، وفي الحالين تتشكل ما بين الجمل والكلمات إلتي أعيد تركيبها علاقات دلالية مختلفة استمدت طاقتها الإيحائية من مواقعها الجديدة ، ومن العلاقة التحاورية ما بين كتلتي البياض والسواد في موقعيهما الجديدين ضمن البنية التشكيلية الجديدة . ولا غرابة أن الرسم بهذه الطريقة المزدوجة ( اللغوية – التشكيلية ) يخوّل الشاعر صلاحية فصل شبه الجملة وتوزيع وحدتيهما المترابطتين على سطرين ( … إلى / ساعة يدي ) حيث ثمّ التعاطي والتفاعل تشكيلياً ودلالياً ما بين كتلتي البياض والسواد وفق ثلاث حركات :
ألحركة الأولى : يمثلها اندفاع كتلة البياض المتسعة والضاغطة من إتجاه ( اليسار إلى اليمين ) ، وقد تسبب ذلك بدفع كتلة السواد يميناً في خانق تعبر عنه دلالياً الرغبة اليائسة في كره وتحاشي الزمن ( ساعة اليد ) .
ألحركة الثانية : بحركة إرتدادية معاكسة ينفسح المجال لكتلة السواد بالاندفاع من إتجاه ( اليمين إلى اليسار ) لتتسع وتتضخّم على حساب كتلة البياض التي تضيق إلى أقصى حدّ . ويأتي اتساع كتلة السواد مسنوداً بفعل القوة الدلالية المتولدة عن الحروب وتذكر مآسيها وكوارثها ( أنها تُذكّرني دائماً بالحروب ) .
ألحركة الثالثة : تعود كتلة البياض ثانية للاندفاع والاتساع التدريجي من إتجاه ( اليسار إلى اليمين ) متسببة بالتضييق على كتلة السواد وحشرها في خانق ضيق على شكل عمود يحيل دلالياً إلى ضيق المصائر التي انتهى إليها الأصدقاء ( الموت ) بينما تحيل كتلة البياض المتسعة إلى الفراغ المعرفي الذي يصم جهل الضحايا بأسباب ما حدث لهم ، أو لنقل أن كتلتي البياض والسواد تتبادلان في اتساعهما وضيقهما مع بعضهما توليد الدلالات :
لا أحبّ النظر إلى
ساعة يدي
أنها تُذكّرني دائماً بالحروب
وبأصدقائي الذين ماتوا
ولم يفهموا
لماذا
( ص / 134 )
والنسيان الذي تمظهر في مظاهر الغياب ، ثم أعيد تشكيله دلالياً ورمزياً ليؤدي دوراً معاكساً في التمهيد لمرحلة المستقبل / البياض ، لا يكف أن يضخّ دلالات البياض في رحلة الانتقال ما بين الأزمان الثلاثة ليستقرّ متحولاً إلى أنقاض أمل ، بل هو الأمل الوحيد الممكن لمن بلغ حافة اليأس القصوى فصار يُخادع نفسه بإمكانية تحقق المستحيل ، إنه الأمل الذي يحقق الحضور في مظهره الزائف والمخادع :
هاديء هذا النهر
مثل قلب أم تنتظر على
حافة النسيان
وليدها الغريق
( ص / 21 )
وبالعودة إلى الموازنة المنطقية ما بين النسيان باعتباره مظهراً من مظاهر الغياب ، والذكرى باعتبارها مظهراً من مظاهر الحضور يمكن ملاحظة الطبيعة الهشّة للمظهر الثاني هذا ، فالذكرى ذات وجود قلق ومعرض للإزاحة الإجبارية عن مسرح الحضور ، وهذه الإزاحة تتم على مرحلتين بفعل الضغط المسلط عليها من قوة خارجية ( أقدام الغرباء ) التي تُحيّدها ( تدوسها ) في مرحلة أولى ، ثمّ تلغيها ( تمحوا الأثر ) في مرحلة ثانية وأخيرة ، ليتحول بالتالي هذا الحضور إلى مظهر آخر من مظاهر الغياب :
غداً نكون مجرّد ذكرى
تدوسها أقدام الغرباء
ثمّ تأتي الريح
لتمحو الأثر
( ص / 92 )
وفي كل مظاهر الغياب تلك كان على الشاعر أن يؤدي دور الضحية أمام القدر وهو اللاعب الأقوى الفارض سطوته في تراجيديا الغياب ، وقد جاء الوقت ليتجاوز الشاعر هذا الدور ، ويتمرّد على حتمية ما رسم القدر له من الأدوار ، بل أن يستعير من القدر قدرته على الهيمنة ورسم الأدوار ، ويكون عندئذ بمقدوره أن يفرض على من يريد الغياب الذي ظل يتهيبه ، ويتهرّب منه ، ومن الطبيعي أن تكون طبيعة الغياب الذي يفرضه الشاعر – في دوره الجديد – على من يحب تختلف عن طبيعة الغياب الذي تفرضه الأقدار على الجميع ، وأن يكون هدفه مختلف كذلك في الحالين . فالشاعر يريد للغياب أو التغييب الذي يدلّ عليه الفعل ( أخبّيء ) أن يكون دريئة وحماية لمن يحب من ( أشواك الليل ) وبهذا المظهر الجديد أزيح الغياب عن موقعه السلبي التقليدي القديم ليؤدي دوراً إيجابياً منقذاً :
كيف لي
أن أخبّيء قلبك العاري
وهذا الليل
غابة من الأشواك
( ص / 14 )
جدلية الغياب والحضور :
ومن الملاحظ أن الغياب والحضور الوجوديين يشكلان معاً الوجه الآخر لجدلية الغياب والحضور الإيحائيين أو الرمزيين . فكلا الصنفين يتداخلان معاً في افق المعنى الدال الذي يعكس مدلولاً حياتياً ملتبساً يُرى من وراء ضبابة كثيفة ، ويبدو المشهد الجامع للشاعر الذي فارق منذ زمن بعيد اللغة المعيارية مشهداً متغيراً باستمرار ويعاني من إنزياحات مركبة . فمفهوم ( السلام ) وهذا مجرّد افتراض ، هو ما أراد ان يزيحه الشاعر عن معيارية المعنى جاعلاً من الرمز ( عازف الناي ) مظهره الآخر المرئي والمقروء ، وربما كان ( الباحثون عن السلام ) هم من أراد الشاعر إزاحتهم بلاغياً عن معيارية المعنى والاستعاضة عنهم برمز ( العصافير ) وهذا أيضاً مجرد افتراض . وفي حالتي الإزاحة الرمزية تمّ تجاوز الحضور / المعنى المعياري ، واستجلاب الغياب / المعنى الرمزي أو الإيحائي ، ولأن العلاقة ما بين ( عازف الناي ) و ( العصافير ) هي علاقة تلازم / حضور وجودي ، لذلك فمن المنطقي أنّ فصل وتغييب ( السلام ) عن ( الباحثين عنه ) فصلاً أو تغييباً وجودياً سيوجب في المقابل فصل وتغييب ( عازف الناي ) عن ( العصافير ) غياباً إيحائياً أو رمزياً ، وإن تلازم وحضور الأولين يوجب تلازم وحضور الآخرين ، بينما بقيت جنازة عازف الناي هي الموقع الذي شهد تحقق جدلية الحضور والغياب في مظهريها :
يوم مات عازف الناي
حلقت فوق جنازته
مئات العصافير
( ص / 18 )
سرّ التبسّم ، أم سرّ هزّ الشجرة :
ولكن لماذا يبتسم الرجل الذي هزّ الشجرة ؟ وهو يأتي فعلاً مجهداً يوجب الترويح وليس الابتسام . هذا هو السؤال الأول الذي تُثيرهُ العنونة لدى القاريء ، وتوقعهُ في حيرة البحث عن مسوّغات ، بينما تظلّ هي ( العنونة ) محتفظة بكامل هدوء لغتها التقريرية الخالية من أية علامات استفهام أو موجهات تعين على الوصول إلى جواب مقنع ، ثمّ تزيد الأمر إرباكاً وغموضاً بفصل ( واو العطف ) عن الفعل ( يبتسم ) بصفّ دال من النقاط التي توحي من جهة بوجود غموض من نوع ما في الربط ما بين فعلي العنونة ، ولكنها من جهة أخرى تتقصّد إخفاء طبيعة ذلك الغموض . ولعل الإضاءة الخافتة التي تسلطها العنونة ويعضّدها النصان الحافان ( مقطع إفتتاحي من قصيدة لكافافي ) والمقطع المختار في الغلاف الأخير بالتعاضد مع الإشارات المبثوثة في النصوص تعين على تحديد بعض الموجهات الأولية في حلّ لغز الربط ما بين فعلي ( هزّ الشجرة ) و ( التبسّم ) ومن تلك الموجهات المقطع التالي :
على قارعة الحزن
يتعثّر السؤال
ثمّة خطأ ما
ينتظر من يقترفه
وهو – يبتسم
( ص / 33 )
فالإزاحة التي قطعت على ( الطريق ) إحتمالية الإقتران ب ( القارعة ) واستعاضت عنه ب ( الحزن ) كانت قد مهّدت لربط ( الخطأ ) ب ( الجريمة / المشبه به ) ، من دون التصريح بذلك باعتباره استعارة مكنية يدل عليها فعل الإقتراف . ولكنها من جانب آخر قد استعاضت عن ( الرجل الذي يهز الشجرة ) كما هي في العنونة ب ( الخطأ / الجريمة ) كما هي في المقبوس السابق ، فكلاهما ( الرجل والخطأ ) قد اعتادا على إتيان الأفعال المبهمة التي لا نجد لها في عالمنا الأرضي الحسي غير الشعري تفسيراً ، يأتيان تلك الأفعال وهما يبتسمان . ومن الغريب أن دوافع تبسمهما تبدو قرينة أفعالهما عصيّة على الفهم . أما الشجرة ، فهي من دون وجود ( الرجل ) الذي أوكلت إليه العنونة مهمة هزّها ستكون سكناً للغربان ، وتلك علامة من علامات دنو الخراب الذي لا يملك إزاءه الشاعر سوى التأمل وحيداً :
وحدي
أتأمل الخراب الذي يدنو
ألغربان التي تسكن الشجرة
( ص / 54 )
والخراب الذي يدنو ، ليس خراباً مفاجئاً ، بل هو متوقع بالنسبة للصوت الوحيد الذي يترقب قدومه ، ويسمع ( أحياناً ) طرقاته ( أو حفيفه ) ليلاً على الباب :
أحياناً
في الليل أسمع حفيفاً على الباب
أخرج لأرى شجرة تنزف بانتظاري
( ص / 117 )
وهذا المقطع مشرع لقراءتين ، الأولى عبر التحيين الإبتدائي الذي يلغي أي احتمال بالمفاجأة أو المباغتة ، ويعدّ علاقة الطارق بصاحب البيت علاقة قديمة تتعمق بالتكرار والاستمرارية . والقراءة الثانية تتيحها استعارة أو استبدال ال ( طَرْق ) ب ( ألحفيف ) وتمهّد لتصوّر وجود طارق يجمع في كينونته مواصفات جنسين حيّين ، الأول جنس من عالم النبات تم التصريح به بكونه ( شجرة ) وزيد على التصريح التدليل بممارسته الحفيف ، والجنس الآخر هو جنس البشر ، ويدل عليه فعلي النزف والانتظار ، فالفعل االأول يمثل خاصية بيولوجية للدم الذي يميز المخلوقات الحيوانية بصورة عامة ، ولكن بربط هذا الفعل مع فعل الإنتظار ( الفعل الثاني ) وهو يمثل مزية حصرية تنظيمية للعقل البشري الواعي ، يكون قد حدّد بشرية الفعل الأول من دون مواربة ولا لبس .
والوحدة ، ثمّ الخراب ، ثمّ الغربان هي ثلاثة مقتربات تؤدي إلى دلالة واحدة غير معلنة لفظاً ولكن ربما يشي بها فعل مماثل للفعل الذي أداه الرجل وهو يبتسم وأعني به ( هزّ الشجرة ) ، ولكنه ( الرجل / الشبح ) ربما يُتوقع منه أن يؤدي ذات الفعل مع شجرة مختلفة ، أنها ( شجرة الأسى ) . وإن كان ( الرجل ) قد أدى الفعل ( حسب العنونة ) تحت ضغط غيبتين ، غيبة معرفية لغوية ، وغيبة وجودية ( كما ورد سابقاً ) فإنه سيؤدي ذات الفعل مع شجرة الأسى ، ولكنه سيتخلى هذه المرّة ليس عن أدوات التعريف اللغوية فحسب ، بل حتى عن هويته الجنسية كرجل متوارياً خلف الأسم الموصول ( مَن ) ولكن هذا الأسم بالرغم من كونه – حسب توصيف النحويين – نكرة واصفة إلا أن ذلك لم يشفع له أن يُخرج الرجل / الشبح من غيبته اللغوية ، بل زاده تغييباً ، وحرمه من أي احتمال بالتجلي والحضور :
تعاليت أيها الألم
كلما هدأت عاصفة الظنون
جاء من يهزّ
شجرة الأسى
( ص / 96 )
(1) رجل يهزّ الشجرة و … يبتسم / طالب حسن / شعر – مطبعة السيماء / 2017
(2) تفسير الأحلام – سيغموند فرويد – تبسيط وتلخيص الدكتور نظمي لوقا – دار الهلال – القاهرة – 1963 – ص / 21
(3) اللغة المنسية – أريك فروم – ترجمة حسن قبيسي – ألمركز الثقافي العربي / الدار البيضاء – 1995 – ص / 31

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *