علي لفتة سعيد : مواسم الاسطرلاب (10)

( 10 )
لم تزل المحكمة قائمة.. ومازال التحقيق مستمراً.. هكذا رأت نفسها المتخاذلة بعد ان استأصلت كل حالة تقودها الى راحة البال على الأقل. لذلك بقيت في كدر مستمر.. في داخلها تتلألأ النيران اشتعالا، تأكل غلّة اخضراها مثل ذئاب هائجة، دون أن تترك لها أية فجوة يمكن من خلالها أن يسقط مطر يسقي عطش أرضها المتشّققة. كانت كما لو إنها ولدت هكذا، تترنّم مع المكيدة. وعدتْها الحياة باقتصاص سعادتها في أول خطأ ترتكبه. ولم يظهر بعد ما يغير هذه القناعة التي ترسخت أكثر.. فكلما سكنت نيرانها وتحولت مواقدها الى رماد اشتعلت مرة أخرى في أول نفخة تأتيها من مصادر لا تريد الالتفات إليها. لتبقى مستعرة داخل تنور مسجور دوماً.. كأن الله لا يريد لها راحة البال أو يمنحها فرصة للتفكير عن خطئها فيبقيها تتكبد عواقبها، لتتحول الى امرأة ساذجة لا ترى من أبواب الحياة أي شئ. كمن أطلق سهماً في لحظة ضياع نحو قلبها، وتركه يسيل دماً بلا توقف. وهاهي النفخات تتوالى عليها. لتعيد تسجير التنور.. إنها لا تريد أن تصدق الحقائق الجديدة، رغم تحلّق الأخبار حولها. وهي سجينة.. بإرادتها.. تصارع فيض حمّى تنتابها في فترات متقاربة.. رامية كل حاجة الى الحب مثلا، حتى لو كان حبّ والديها. ولأن السجين يتوق الى الحرية .. إلى أمنية يسمع فيها صوت إطلاق السراح.. الى انتهاء محكوميته.. إلاّ هي.. كلما حاولت الانتصار على خيبتها.. أو تقرر مع نفسها على إنها يجب أن تعطى فرصة أخرى لأن تطلق عينيها نحو رؤية الشمس بدلاً من الوقوف أمام المرآة المكسورة والتحديق في وجه المرأة المشوّه. عادت الى قاعدتها في زاوية السجن آمرة بإلغاء فكرة التمني . لتقف مرغمة أمام مرآتها. لا تتذكر في أية لحظة كوّرت كفها وضربت المرآة. لكن الذي تعرفه إنها هي من شرختها في لحظة غضب.. ليكون شرخاً نازلاً من أعلى الزاوية اليمنى الى أسفل الزاوية اليسرى. ترى الآن وهي تقف حائرة التصرف، صورتها.. أنفها يشطره الزجاج، فتتوحد العينان كعين واحدة. ونصف أنف، أو يستطيل جزء من وجهها ليبدو وكأنه من عصر الخرافة.. وجدتها لعبة أن تمارس تغيير ملامحها. مرة لاكتشاف قشور غلّتها.. ومرة لقتل الوقت. لكنها، من الاثنين لم تحقق شيئاً.. كانت تزداد اشمئزازاً. هاهي تقف الآن في منتصف الشرخ. عينها اليسرى في جبهتها. تتحرك قليلاً باتجاه اليسار فتسارع عينها اليمنى لتنقسم قسمين غير متساويين.. فتذوي ألماً.. وتتبطن آهات خارجة من جوف ساخن.. لم تأتها فرصة الوقوف أمام فسحة تطل منها على قرص الفرح. أو دغدغة الراحة. بل إنها كلما حاولت ان تضع عيناً في كوة تصنعها بنفسها في جدار الحزن.. كما هي فاعلة الآن. محاولة أن تنسى.. أن تثور على حالتها.. أن تستقبل الابتهاج بشيء من الإصرار.. تأتيها كلمات الناس. تضرب جبهتها.. هكذا أنا.. تثلم أشيائي في أول الطريق.. عند الانحناءة الأولى.. بطريقة ماكرة، محرضة لذاتها لتبقى مشتعلة ومستعرة .. تأتيها الكلمات دائماً.. كلمات مسوسة.. يعشّش فيها فيروس التوبيخ.. مثيرة ركود الجمرات.. ليس لها موعد. مع صياح الديكة.. في نشوة إغفاءة الهواء العليل.. الكلمات تدور في الأفلاك.. تتأرجح في مساحة رحبة.. لا يصدها مانع عدم الإصغاء. كأنها تعاقر العقول. وتجعلها في حالة انتظار الاستماع.. وهي تبقى في حالتين متضادتين.. النفور من الاستماع والرغبة في المزيد من الأخبار.. أمها لم تعد تجلس معها.. أو تناديها لمساعدتها في إعداد الطعام مثلا.. حتى ملابسها.. لا تغسلها بنفسها. فقد أهملت كل شيء. جسدها لا يلمسه الماء. وإن ذهبت الى الحمام تعاقب جسدها وأنوثتها.. وتخرج غير مبالية بتسريحة شعرها. والناس لا تمل من نقل الكلمات. يبثون تقاريرهم كل ساعة. مع كل قادم من المدن التي أصابها الاسترخاء. استطاع المهووس أن يحول العقول الخاملة أصلاً والمقوقعة في الصمت.. أن تكون عدساتها ومجاستها واتجاهات الأفكار باتجاه إسطرلابه أينما يكون. هل يكفي أن أسميه بالمهووس؟ هل هو ساحر أم مجنون؟ لا تعلم.. فمرآته صارت مركز توحيد التأييد لسلطته الجديدة ومدينته التي يبنونها له ليكون مدارها حول الشمس. متطوعون كثيرون شمروا عن سواعدهم ليبنوا له المدينة.. بلا أجور.. إسهاما منهم لإعلاء شأنهم. لقد تمكن من إدارة الرؤوس والحناجر لتهتف له بأشجع الكلمات وأعذبها، مضحّين له بالروح والدم. تنهدت لهذه الأخبار ونزلت دموعها. كيف تعمل هذه المرآة؟ أطلقت سؤالها.. بعد أن تناهى الى سمعها الوصف.. إنها تأخذ من الشمس وهجها، ومن القمر صفائها، ومن النجوم لمعانها، ومن النسيم عطرها، ومن الورود ألوانها، ومن الحكمة قوتها، ومن زجاجها تخرج سلطته.. عجباً لهذه المرآة. إنه والله لساحر ماكر. كفر بدنياه وكفروا معه. إنهم يصبغون أفعاله صدقاً ورونقاً وتعظيماً.. وكان الرجل الحكيم يحاول قدر استطاعته السيطرة على عواطف أهل مدينته. لئلا ينساقوا في تحليلاتهم. إنه كافر.. ملحد.. صدقوني إنه شيطان على شكل بشر وإلا.. أتصدقون أفعاله؟ وكان القادم يرمقه بنظرات.. فيقول له متوسلاً.. راجياً، أن يكف عن هذا الكلام. لأنه ربما يسمع. فيقهقه الرجل الحكيم.. ويدور رأسه حول المتحلقين.
– أتسمعون ما يقوله هذا المصدق الفقير. من الذي يسمع على بعد هذه المسافات.. غير الشياطين.
– أصمت أرجوك. إن لم تخف على حياتك.. على الأقل على حياة الآخرين.
– لو كان حقيقة ما تقول. ها أنا بانتظاره. لا يقترب للرجال إلا الرجال.
– لماذا أتكلم معكم ؟.
– قل له. إن وصلت إليه. عليه أن لا يقترب من هذه المدينة.. فكل أناسها أذكياء ويعرفون إن الطريق الموصل إليه.. مهلك في الدنيا والآخرة.
لا تدري ماذا تقول عن هذا الرجل الذي يصدّ كل الأقاويل بالحجج الواضحة.. ولكن.. لماذا صدقوا المعتوه في المدن الأخرى. وأخذوا يبايعونه.. ويقتربون منه حتى صار سيد الموقف.؟
خرجت من غرفتها.. لا تدري ما تفعله.. اشتعلت نيران أخرى تختلف عما في داخلها. عليها أن تمارس دورها الحقيقي.. وأن لا تبقى في البيت تلوك الألسن سيرتها وسر صمتها. وقفت أمها قبالتها وعيناها تدمعان من البصل.
– إلى أين ؟
– الناس يصدقون كل شيء.
– وما أنت فاعلة ؟
– نحن المسؤولون عن زيادة مأساتنا.
– لا تخافي على أهل مدينتك.
– عليّ أن أخبرهم بأني مازلت صافية ولن أسير خلفه.
– وما دخلك أنت.. بأمور الرجال ؟.
– لأنهم ربما يصفقون للكذب على إنه حقيقة.
– ومن قال إنه كاذب؟.
– هذا ديدن المسيطرين على العقول والرقاب.
– تقولين هذا لأنك تحملين جرحك تحت إبطك.
– بل لأنني أعرفه جيداً.
– وأين كنت عندما بدأت سيرته بالسطوع وسيرتك في الشكوك.؟
– كنت نائمة على حزني.
– لا نفع لهذه الكلمات. وعليك الانتباه إلى نفسك.. فإن لم تغيري ما بداخلك فلن تتمكني من تغيير الآخرين.
لقد صدمتها الأم.. هل حقاً إنها تعرفه ؟ تبعثرت خطواتها.. وعاد الاصفرار إلى وجهها وتركت يدها تمسك أكرة الباب. بينما توارت الأم في مطبخها. تاركة عينيها تراقب خلسة ابنتها الدائخة الممسكة بطرف ثوبها، تفكر. إن كان ما بداخلها غيرة أم كراهية.. والاثنان كانا يتسلقان أغصان وحدتها. عادت أدراجها لتدخل غرفتها.. ذاهلة.. كيف تستطيع إقناع الناس بعدم اللهاث. إن هذه المهمة تحتاج إلى امرأة قوية.. ناضجة العقل والعاطفة. وقفت أمام المرآة. عادتها في الحوار وفي الضياع. لم تجد إلا صورتها المشطورة. هل حقاً إن هذا الرجل الثرثار هو الوحيد الذي يحذر الناس من عواقب التمرغ بالتفاهات ؟ هل حقاً إنه مازال غير مصدق لما آلت إليه أمور بعلي المجنون ؟. إذا كانت الأمور في السابق مصدرها الغيرة القاتلة لأنه تزوجني وتركني حقلاً من رماد. فلا وجود لها الآن. وهذا الثرثار لم يعد كما أتصوره مصدر إزعاج. عليّ الاغتسال من وهمي أولاً. أن أفجر دمامل الحزن والكآبة. أن أسبح جيداً وأزيل قذارة الرماد. كوّرت يدها وبحركة مشدودة طوحت بالمرآة.. فتناثرت الشظايا.. وسقطت قطرات الدم.وعرّش عناء جديد في داخلها.. له غيمة حبلى قادمة مع نسمة سريعة.. ستمطر.. لابد من المطر للاغتسال. أخذت تراقب الدم النازف من حافة كفها اليمنى. لطخت على ما تبقى من الزجاج.. وغطت صورتها نهائياً. ولم تعد ترى شيئاً من ملامحها القديمة.
سمعت طرقات الباب. وسمعت أمها تناديها أن تفتحه. وسمعت أباها كذلك. تقدمت بخطوات وجلة.. تمسح ما تبقى من الدم في ثوبها المتسخ. وتمد يداً أخرى لإزالة العرق المتصبب من صدغيها. تنظر إلى الباب.. قد تكون المرة الأولى التي لا تنظر فيها إلى الأرض. وثمة وجيب في قلبها يعلمها من الطارق حالما همّت بفتح الباب. ومع حركة المصراع اصطدمت عيناها لمرأى القادم. صعقت للحظات. وأحمر وجهها.. وارتعشت كما العصفور. وتلعثمت في حلقها الحروف. أخفت يدها المجروحة بسرعة خلف ظهرها. لم تدرك ما تفعله لشعرها المنفوش ووجهها الأصفر الذي اختلطت فيه ألوان الخجل والخوف. ثوبها المجعّد كان أكثر قذارة مما تصورته. أما هو.. فلم يكن يتوقع أن يراها أمامه هكذا.. تطيل الوقوف ولا تهرب من أمامه، ولا تغض الطرف عابسة.. كانت خجلة مكشوفة الحزن. فأخذته الارتعاشة الباردة الصاعدة من أخمصيه إلى يافوخه.. تلعثم في إلقاء التحية.. بل إن التحية وحدها لن تكفي. فهذا الوجه يحمل تعابير أخرى. ودّ لو غنى.. طار.. صرخ.. فها هي أمامه تحاول أن ترسم ابتسامة الترحيب. بلع ريقه.
– كيف حالك.؟
بالكاد خرجت هذه الحروف. ولم يستطع بعدها من رمي الأحجار في بركة حنجرته لتحريكها.. وهو المعروف بسلاسة اللسان وطلاقته وقدرته على إقناع الآخرين بآرائه. ظل متسمراً في مكانه بانتظار إسعافه من مرض الصمت. وهي الطبيبة التي تعطي الدواء والماء. حين ترد على سلامه ليشعر بوجوده، بعدها ليكن ما يكون. من إجابتها يعرف إن ما هو حاصل أمامه ليس وهماً.. فزمن السراب قد انتشر وأصبحت له الأيام والشهور وله الناس. أما انتظاره لكلماتها فستجعله ينام ليلة تحت جنح شمس سعادته. وسيشم عطر ورد أهداه إليه القدر. وسيبرز نوراً، يهديه طريقاً يوصله إلى معنى المواصلة والإصرارعلى الحب. لم تزل واقفة.. الصمت والزمن تصالحا للانتظار. والمسافة بينهما على حالها لا تتعدى مسافة ثلاثة أذرع. وتجرأ يسحب الكلمتين من بئر عميقة.
– كيف حالك.. يا …
قطع لسانه عن إكمال ما يريد قوله.. بقيت عيناه لا ترمشان.. تنظران بتوق إليها. وهي لا تعرف كيف تعالج هذا الموقف. أحقيقة بدأت تلتفت إليه هذا الذي نعتته بالثرثرة؟ أتسلم عواطفها بطريقة مباشرة..؟ أين أنت أيتها الأم المشغولة بطعام الأب. أين أنت أيها الأب المشغول بمرضه.؟
– من ؟.
جاءها سؤال أمها المنقذ حيت تناهى اليها.
– أهلاً يا ولدي تفضل.
وتقدمت إلى ابنتها.
– أذهبي..كان الأجدر بك أن تدخليه إلى غرفة الضيوف لا أن تبقيه خلف الباب.
لم تدرك الأم. بأن ابنتها فقدت لسانها، فسارعت تحث خطاها إلى الحمام.. لتغسل يدها من الدم المتخثر.. وعجبت أن لا ألم في الجرح. وقفت أمام المرآة. لم تجد إلا شيئاً أحمر. ضحكت في سرها. سارعت إلى درجها وأخرجت مرآة صغيرة. مسحتها من الغبار. وراحت تعدل من خصلات شعرها. قرصت خديها. هل بدأ الحب يسري من جديد؟. أطلقت زفيراً حاراً. كيف يجرؤ الحب على الاقتراب من امرأة حولتها النيران إلى رماد. ومثل طفلة.. نفضت ملابسها متخذة ستر الباب لتسمع ما يدور من حديث.. تناهى إلى سمعها صوته يحدث والدها المشغول بسعاله.
– لقد قلت سابقاً إن هذا ليس ببشر.إنه يعرف من أين تؤكل الكتف. جاءهم بالشفاء ليمنحهم بعد ذلك الموت.
أخذت تسترق السمع لتسمع تحليلات الرجل المعقبة على الأخبار التي تسمعها للمرة الأولى. مما ولّد لديها رد فعل تحتاجه في هذا الوقت بالذات. لن أكلم نفسي الآن. أوصدت باب الحوار. ووجهت أذنيها إلى مصدر الصوت. كان الرجل الحكيم يجلس إلى جانب الأب ليتكلم بصوت مسموع . جاعلاً حديثه ذا رنين خاص.. لقد بدأ موتاه بالظهور.. موتاه الذين خالفوا تعاليمه وطقوسه. موتاه الذين أيدوه أول مرة ثم أرادوا الاستفسار عن مصدر قوته. موتاه من معارضيه الذين بدأت حناجرهم تزيل الصمغ عنها.. فكان يقتلهم بطريقته ليعطي درساً للآخرين. بضرورة الخوف والطاعة معاً. وفرض الولاء بالقوة. وكان كلما مات رجل معروف يخطب بالناس.. إن مثل هؤلاء مفسدون في الأرض.. خونة. يريدون قتل إنجازاتي الرائعة في توفير الراحة لكم. يريدون تفتيت وحدتنا العظيمة. يريدون بث الفرقة بيننا لينصبوا أنفسهم في خدمة مآربهم. وعليه.. يجب أن نحارب جميع الذين ينهشون كالوحوش. إنهم في الظلام دوماً.. فبئساً لهم. إذن لابد باسمكم أن نقطع دابرهم. لابد من قطع رؤوس القلة لإسعاد الأغلبية. هذا هو شعاره الملعون. وكان الناس مسحورين.. خائفين. ينزعون خواتمهم ليبايعونه علانية.
يا له من شيطان. قالت في دخيلة نفسها.. أكل هذا يخرج منك يا ضائع الأصل. انتبهت إلى أمها وهي تحمل صينية فيها ثلاثة أقداح من الشاي. كانت الأم تراقب ابنتها فرحة. لقد أحست بأن تطوراً حدث في حياتها. نظرت إلى الصينية في يد أمها وعرفت مغزى الأقداح الثلاثة.
– لن أذهب وأجلس هناك.
هزّت الأم رأسها.
– أسمعتِ.
– …
– صار الخائف يأمر وينهي.. يشفي ويميت.. أستغفر الله.
– الناس غرقى. أوهمهم إنه القشة بل السفينة.
– هذا ما قاله.
– من هو ؟
– أنت تعرفينه.. الناس تسميه الرجل الحكيم.. شاب وسيم يحبه كل الناس إلا أنت.
– أنا أكره نفسي.. ليس في داخلي ما تفكرين به. المهم ماذا قال؟
– المهم يا ابنتي أنت تعرفين.. وهو يعرف انك تعرفين.
– إذهبي .. لقد برد الشاي.
عضت طرف إصبعها، والهمس يدور في لهاتها. حقاً إنه رجل حكيم. ثمة خيط جاذب ثابت في منتصف روحها يحث الكلمات المنطلقة من غرفة الضيوف لتتمغنط وتتجه صوب أذنيها. فتذوب قدرتها. على التحكم بقراراتها. أخذتها شطحات التفكير لطول الحوار مستغربة تمسكها بخشب الباب الموارب .لماذا هذه الرغبة في الاستماع. لحكاية رجل جعلني امرأة لا فتاة. وفتاة لا امرأة.؟ أهو انقلاب في موازين حياتها. آه .. متى أصل إليك لأرى حقيقة الأقاويل. كلا لن أذهب.. لأنني لا أريد أن أكون لعبة. ثم من قال إنه بحاجة أليًّ ؟ إنه الآن يكرهني حتماً. كانت كلماته بأن أغادر البيت في تلك الليلة المشؤومة هي العلامة الفارقة التي برزت فيها كراهيته لي.
أقفلت باب غرفتها. شاعرة بضيق.. من نتانة ماضٍ،له رائحة زنخة.. تعشّش في الأماكن الحارة. سارعت الى فتح النافذة. لمرور هواء مدينتها.. ليكنس ما تبقى من ذكريات عالقة بين خيوط بناها عنكبوت الحزن. بقيت دقائق طويلة.. ألهت نفسها في استنباط طرق للتخلص نهائياً من موقد الرماد. ولم تنتبه الى الضيف..إن كان قد غادر أم مازال في غرفة الضيوف. لكن الذي كان يزعجها أكثرهوالتفكير بأن الناس سلموا بـحقيقة المجنون. وجعلوه رمزهم وقائدهم الأوحد الذي لولاه لما كانت الحياة سعيدة .رفعت ذراعيها الى الأعلى ليمر الهواء المنساب من النافذة، وينشف العرق تحت إبطيها.شعرت بألم شديد..تخيّلت مشهد الكرنفال وتصاعد الغبار من دبكات المتجمهرين .. يتوسطهم بقامته المربوعة ، ذراعه الممدودة ترتفع كتحية ظاهرة . تقلصت الصورة وانحصرت بكفه المفتوحة الأصابع .. وجدتها كمن تحصد غلتها بحركتها البطيئة.. وثمة قطرات دم متواترة تسقط على رقاب المحتشدين .. وفي مشهد آخر رأت الكف توحي لمن كانوا أسفل منه ، إنهم صغار ،وإنه العظيم الذي يجب حمده على مكارمه . كأن دبيباً سريعاً يحاول التخلص من مضايقات الألم.. فيخرج من أناملها. يا لها من مدن.. تسري فيها الأقاويل أسرع من رائحة المجاري.الناس ليس لهم حكاية غير حكايته.. يطلقون حسناته في العلن ويطلقون النكات حوله في السر. إلاّ في مدينتها.. فالنكات هنا تأخذ حريتها في التنقل من فم الى آخر. قاسمها المشترك هو الموت الذي يتكلم عنه. هل يستطيع أن يوقف ساعة الموت؟ إنه لهاث الوهم. فحيح التسلط. ضحكت بأعلى صوتها. حتى شرقت. تنبهت أمها إلى ضحكات ابنتها الطويلة النابعة بلا خجل. أبحرت بسفينة الجنون. داخل أمواج متلاطمة من الأفكار. كأن حرباً شبت داخل أعصابها ففلت زمام السيطرة على انفعالاتها. تبادلت الأم النظرات مع الأب المشغول بسعاله وبضيفه الذي أصابه العجب لأول مرة.
– دعوها تفعل ما تشاء. هذه بداية الطريق نحو الصحو. إنها تغسل الحزن بماء الضحك.
كأنه منحها العذر من غضب الأب. لابد أن يعطي العذر. إنه الحب الذي لا مفر من ملاحقته. فالصبر الطويل علمه أشياء ما كانت توجد لولا الصدق الذي عرف به.
خرجت من غرفتها. لم تعد تخاف أو تخجل. نفخت رمادها فتطاير حولها كأن ناراً جديدة بدأت تتوقد في داخلها.. وبدأت تنزّ عرقاً.. وقفت عند باب غرفة الضيوف. أرسلت نظرات مستقيمة الى الوجوه. والى وجه الرجل الحكيم خاصة. الذي أصيب بالخرس والفرح معاً. صفّق قلبه بترنيمة أنسته نفسه. ها هي ذي تحمل ملامح جديدة ذكرته بوجهها الطفولي الأول الذي تسلق ارتعاشته قبل أعوام وجعلته في حالة أرق طويلة وتفكير عميق في كيفية الظفر بها. كاد يقف لملاقاتها. نظر الاثنان الى الأب. فأصابتها موجه صخب وأطلقت دموعها المحصورة. لم تكن تعي تصرفها. كأنها في بداية التجربة الجديدة والتي هي بحاجة الى بلورة قبل الخروج بالنتائج الأخيرة. لابد لها من عذر تمنحه للآخرين. وإلاّ لماذا وقفت عند الباب.
– هل سمعت بآخر الأخبار؟
انقذها من صمت الحروف وغياب الأعذار.
– كنت الوحيد الذي عرف نواياه.. سيكون ألعن من عرفته البلاد .
– ….
– دائماً يشفي الناس؟
– ….
– نحن من نعطي الفرص للوقوف على رقابنا. لنكون أدواتهم. هذا ديدن التسلط.

قال الأب.
– أنه الكفر بعينه.
– بربك يا عم.
قالها وعيناه مثبتتان على وجهه الأصفر.
– أليست هذه أضحوكة ؟إنه يطالبهم بضرورة التوجه الى الإرجاء، لضمها إليه. كل مدينة لا تسلم مفتاحها .عليه أن يأخذها بالقوة. يرسل جواسيسه أول الأمر. لبثّ كلماته. لقد أدخل الجميع في الفلاة .. فلا الخراب إلا بالإذعان.
– وهل يأتي الدور على مدينتنا.؟
سأله الأب
– كلا يا عم. هنا يختلف الأمر. نحن واعون مادمنا مؤمنين. نحن لا نخاف الموت. إذ بدونه لا طعم للحياة.
ودب في داخلها هيجان حرك سواكنها الخجلة. واجتاحت ساحة المعقول لتلج بكلماتها سرّ وقوفها.
– لابد من اقتراب نهايته. إنه الآن أشبه بكلب مبتور الذنب ، يحاصره من أسند قامته.
بهت الرجلان وأحنى والدها رأسه وسارعت الأم الى قرصها. تصوّرا إن ابنتهما فقدت حياءها. فربما الرجل الحكيم يعرف السر أيضاً. ويعرف ما تقصده في بتر الذنب.
– لا عليك.. أنا أعرف ما تقولينه. قبل أن أفهم معنى الكلمات. لكني أفهم تأويلك. قلت سابقاً.. إنه ليس برجل. وهذا يشمل حتى جسده.
تراقصت الدموع في مآقيها. وسارعت للاختفاء في غرفتها. لم تزل بحاجة الى وقت لتلم أطراف لسانها وتتحكم بأعصابها. لم تسمع خطوات الأم. حتى احتضنتها .
– إنك تعذبين نفسك. كأنك سفينة غرقت في قاع بلا قرار.
شعرت بطبطبات على ظهرها. بكفين حانيين يسحبان رأسها، وتعدلان من خصلات شعرها
– لماذا مثل هذا الكلام.؟
– لأنني لم أعد أحتمل. على الناس أن يفهموا حقيقته قبل أن تأتي النار الى مدينتنا وتحرق كل شئ.
– لا تخافي على مدينتنا. المدينة التي فيها مثل هذا الرجل لا يخاف عليها.
– عليّ إذن أن أسانده.
– يا ابنتي العزيزة؟
واحتضنتا بعضيهما وتبادلتا البكاء وسارتا في نحيب متصل لدقائق حارقة. كأن الأم أرادتها فرصة لتبكي. وعادت لتمسح على رأس ابنتها.
– يا ابنتي.. هذا الرجل يشتريك بحب صادق. ويبيع نفسه لك بحكمة الرجال.
سحبت نفساً عميقاً. ومرّرت باطن كفها على أنفها، باحثة عن تفصيل لكلمات تستطيع من خلالها أن تبقى في لحظات ودودة.. لا تخرج منها بعذر مشّوه.
– ليس الآن وقت التفكير.
– متى.
– عندما تنتهي غمامتي. وارمي رمادي خارج جسدي.
– متى ؟
– كل شئ في حينه. غضبي الآن أقوى من قلبي.
وغطت وجهها في صدر أمها. المكان الوحيد الذي تستريح فيه.. لكنه لا يزيل رماد النسيان او. يشجع على ركود النار الجديدة في اشتعال واحد دون هيجانها. فجذوة النسيان باقية تحت الرماد. أنى تولي وجهها تأتيها ريح تنفخ ألسنتها المسحورة، ليبقى الحجر يضرب رأسها وأعماقها. وحضن أمها العائدة اليه.. تشعر معه بألفة جديدة.. وقناعة ترسخت حديثاً بضرورة التوجه إلى قتل كل ما يتصل بمأساتها.. تنهدت بعمق،طالبة من أمها أن تكوّرها في حضنها كطفلة صغيرة.. تفلي لها شعرها وتولول لها بأغنية طالما شعرت معها بالأمان. وقبل أن تستجيب الأم لصوت كادت تنساه في زحمة اللوعة على إبنتها الوحيدة التي لم ترزق غيرها. فرضيت مع الأب بمولودتهما. وقبل أن تنام الطفلة هانئةً سمعتا صوت الرجل الضيف. سارعتا وقلباهما سقطا قبل خطواتهما. وقد وجدتا الأب لا حراك فيه.. لقد أسبل جفنيه في مكانه ومات.
يا للعنة الحياة.. ها إنك تفرضين حزناً جديداً وتظيفين وصباً آخر ..تكوّرها الأيام السبع المتعاقبة ، تلعق فراق الأب ، وتثبّت في رأسها مسؤولية رحيله على عاتقها.. وبسبي ستموت الأم. هاهي ذي خائرة القوى والعظام.. طريحة الفراش.. تحاول إقناع البنت.. بأن الموت حق.. لم تستطع من كبت دموعها.. تصورت ان عينيها نشفتا دمعاً. حتى انبثـقـتا من جديد تنهمران. فقد لحقت الأم بأبيها.. تاركة ابتسامة فاترة. وعينين مفتوحتين، وصدراً مخسوفاً.
ماتت الأم حزناً على الفراغ، وحسرة على البنت. تاركة إياها تصارع وحشة الجدران.. الحاملة لكل تأريخ المأساة. تهذي في سرداب روحها المبتلاة بالرطوبة والرماد. فيخرج صوتها مبحوحاً.. معطوباً. تباً لي من حياة أعيشها. كأن الله أراد معاقبتها بقدرأسود. فيُسمِعُها العذاب رنّات الحزن الضاغطة على صدرها المكتوم. لا شئ يحيطها غير الفراغ الذي صار حزيناً هو الآخر. وخيالات الرجل الثرثار الذي لم يقو على الاقتراب.. حتى لا تحسب خطوته إليها على إنها شفقة. لم يمهله قلبه أان يصبر أطول زمناً. فتقدم إلى بابها، ليسألها حاجتها.. كانت عيناها حمراوين تقطران غضباً احمر. قالت له.. إنه هو الذي قتلهما.. ستبحث عن سبيل لقتل ذلك الوغد. قالت له.. إنها لا تشعر بالراحة أو بالنفس الصاعد أو بالدمع الساكب. إلاّ بقتله. لا تفل ضفيرة.. ولا تلبس ثوباً جديداً إلاّ بقتله. سأبتر رأسه بذات السكين التي امسكها بأصابعه. آه على بلواي.
أصابه نوع من الفرح الصغير. لهذا التغيير. لقد اطمأن قلبه تماما.. تركها ليراقص خطواته , فالقادم من الأيام ستشي بسعادته حتما.
صار سجنها البيت كله.كيف السبيل للوصول اليه؟.لا نفع للبقاء والتوسل بالغضب أان يحل مشاكلها. خرجت صباحا تتقصى الأخبار. قالوا لها..انهم يسمعون، وهم غير معنيين به. فهذه المدينة محرمة عليه وهو يعرف ذلك. وقفت تسأل القادمين في مفترق الطرق. أخبروها أنه الآن في الأقاصي الشمالية .. لكن القادمين لتوّهم أخبروها إنه في الجنوب. إنه في كل الاتجاهات. موجود وغير موجود. لا أحد يعرف مكانه. إنه يختفي بلمح البصر.. ليظهر في مكان آخر. حتى مدينته الجديدة التي لا تغرب عنها الشمس.. ذات القصر الكبير والحدائق الواسعة،.يكون فيها ولا يكون. عجيب.. كيف يصل الأقاصي؟ أيستطيل جسده.. أم يتحول إلى نسمة؟. لابد إن روحه مزروعة بالشياطين . لم تستطع الحصول على جواب، فغرقت في سؤالها.. كيف تذهب اليه لو عرفت مكانه ؟. ماذا ستفعل ؟.
فاجأها بوجوده.. توقفت أمامه مثل طفلة خجلة.أتقول عنه الآن إنه رجل ثرثار؟. بادلته النظرات. وسألها.
– أراك تسألين عنه.
– لأشفي غليلي.
– فقط!!.
– أعرف ما تفكر به.. لابد من تخليص العالم من شروره.. لن يكون هذا ثأراً.. فكلماتك غرست في داخلي معنى آخر لحب الحياة والناس.
– وأنا معك.
– لم يحن وقتك بعد. سأكون معك في مهمتك.
طوت خطواتها مبتعدة عنه.قبل أن يأخذ الحوار صيغة أخرى. عصرت أصابعها حتى لا تزداد اتساعا في ارتباكها. لكنها وجدت نفسها تحدثها. لماذا لا تتقربين اليه؟ إنه الكوُة التي تستطيعين من خلالها استقبال نسمات قد تحمل في طياتها الربيع. ولكن قد يكون هذا انعكاساً لما سيأتي.. لا يهم كيف يكون العلاج.. المهم أن تطرقي باب الصواب ونسيان الخطأ.. تباً لي.. لماذا لم أفكر بهذا.. آه.. كيف أفكر.. علّي أن أستعين بشيء آخر.
لم تعد الجدران تكفي لاحتواء حواراتها. أو تكفي للاستماع إلى خيوط الأحاديث.فما سمعته من ناسها الذين عرفوا غاياتها وفكرها الجديد الذي سموه نضالها. جعلها تلعن تلك الشهور المريرة التي اكتفت فيها بالتقاط ذيل الأحاديث. وإن الفضاعة التي سورت الناس في المدن الأخرى بعد أن سيطر عليها نهائياً.. قد تحول إلى طاغية من رحم شيطان. فراحت تخرج للناس..وقد رمت خلفها كل شيء.تساند الرجل الحكيم في أحاديثه. تحث الرجال على الوئام والوحدة.لم تكن في منآى عن منغصات في بعض ما تواجهه. لم يزل من يظن فيها الظنون. سمعت.
– هذه زوجه.
– ربما هي تعرف كل شيء..
– إنها تريد أن تعرف كيف الطريق اليه.فان الذي وصله لابد ان وراءه امرأة.
– زوجي يقول. إن مدينته الجديدة فيها من الغرائب ما لا تصدقه العين.
– كلا.. زوجي قال.. له في كل مدينة تمثال من الأجساد.. تتلاصق كما المرآة.
– مرآته تهبه ما يشاء حتى النساء.
أعوذ بالله. أسمع ولا أتكلم. أكتم صراخي و بكائي.. أحطم آواني نسياني وألوذ بثلج خذلاني. حتى النساء صرن يتداولن سيرته. لابد إنه يملك من النساء الجميلات الكثير. في كل قصر امرأة. ولكن كيف يضاجعهن؟ ربما بأصابعه. وربما منحه الشيطان رجولة جديدة.
وتبكي بين الجدران. لاشيء يمنحها الأمان. وحدها في صراع من أجل القضاء على الفراغ. ولان اليوم لا ينتهي بالنوم. فان الاستيقاظ لا يمنحها إلا التفكير. وبعض التفكير ذكريات مؤلمة. تدور في البيت. تخرج من غرفة إالى أخرى. يبرز لها وجه الأب الصافن. يرميها نظرات يمتزج فيها الحنان بالخوف. تهرب.. تمسك رأسها.. تشرب ماء فتشعر باكتواء أحشائها. يخرج جسد أمها.. يدور مع الظل، ليفرش لها حضناً يأويها.. لا مرآة كبيرة تقف أمامها. لم يعد للمرآة حقيقة.. هل وجد امرأة أجمل مني. تحبه كما أحببته أنا؟ اللعنة على أفكاري. ما زلت جميلة رغم انفك. وتعرت.. خلعت ملابسها قطعة قطعة.. نظرت الى جسدها. دارت حول نفسها وعيناها مثبتتان على تضاريس جسدها. رفعت ذراعيها الى الأعلى. ضغطت صدرها ألى الداخل. تكور نهداها الى الأمام كرمانتين ناضجتين. إنه جميل.. مازال طرياً.. إذن ما زلت جميلة. داعبت نهديها.. متى يلتهم طفل هاتين الحلمتين؟ لعنك الله. أشعر إن الحليب إذا ما خرج سيكون رماداً. وخزها الضجر. ما فائدة ذلك والعمر يجري..ارتدت ملابسها. وقررت ألاّ تفكر بهذه الأشياء.. لماذا أجعل قلبي يستسيغ الرجل الثرثار.. لن أقول عنه ثرثاراً. فهو وحده الذي يمسك عصا التوازن. بين عقله وعاطفته. بين أخلاقه وإيمانه. هو الذي لا تسكنه الأرواح.. بشر مؤمن بحتمية الموت والحياة والحرية. حقاً إنه الصادق الذي يجب أن تعلق المدن الأخرى كل آمالها عليه.. لعنة الله عليك. ها إنك جعلتني أهذي في كل شيء حتى مع قلبي. وسعت حدقتا عينيها. رأت نفسها وقد تسلقت سلم الغضب.. هوت بكل قواها على شبح قد خرج من أتون قذاراته. تراءت لها قطرات من دم وهي تسيل من أصابعها. لابد أن يكون قتلك على يدي. وإلا فلن أغادر رمادي.

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *