االدكتور قيس العطواني : ظواهر التشكيل والرؤيا السياسيّة في قصيدة (ثورة العراق) للجواهري (ملف/21)

إشارة:
مرّت ذكرى رحيل شاعر العرب الأكبر المُعجز محمد مهدي الجواهري يتيمة إلّا من لقطات صغيرة هنا وهناك. وقد تكون هذه هي الخطوة الأولى على طريق النسيان التام وفق ستراتيجية الحياة في هذه البلاد التي تأكل أبناءها. تتشرّف أسرة موقع الناقد العراقي بنشر هذا الملف عن الراحل الكبير متمنية على الأحبة الكتّاب والقرّاء إغناءه بالدراسات والبحوث والمخطوطات والصور والوثائق.
الدراسة :
ظواهر التشكيل والرؤيا السياسيّة
في قصيدة  (ثورة العراق ) للجواهري
تأليف الدكتور قيس العطواني
الجامعة المستنصرية – كلية التربية – قسم اللغة العربية
سنة 2011-   بغداد

مدخل               

وُلد مُحمّد مهدي الجواهري على مااّتفق عليه سنة 1900 للميلاد في مدينة النجف الأشرف ، وأنّ بعضا من معاصريه مثل الأديب عبد الكريم الدّجيلي ، صرّح أنّ الجواهري سبق هذا الميلاد بسنوات قلائل على الرّغم من أنّ الشاعر في أحايينَ كثيرة يقول إنّه وُلد سنة 1903للميلاد ([1]) .

والجواهري شخصيةٌ ذاتُ مستويات تنوّعت ، واختلفتْ باختلاف مراحل طفولته وصباه ، وُنضْجه وشيخوخته من جهة، واختلاف ثقافته الرّصينة وأحلامهِ وطموحاته وصداماته مع الواقع المَعيش من جهة أخرى. وتوزّعت اهتماماتُه بين الشّعر الذي أبدع فيه أيّما ابداع ، والسّياسة والصّحافة والحركاتِ الثورية ، فضلا عن مجريات حياته بصورة عامّة. هذه المناحي من حياة الجواهري تركتْ تأثيرها البالغ في تشكيل عناصر القصيدة عنده  فضلا عن تجسيد رؤاه الشعرية . 

والجواهري صاحبُ هدف سامٍ ٍفي الحياة، وصاحبُ رؤى حلُمية تمخّضت عن تجارب ذات مصادر وانفعالات ذاتية. ولكنّه أيضا  ))ثورةٌ على كلّ شيء: على الحكم، وعلى المجتمع وعلى نفسه هو. فلا يمكن أنْ يرضيه شيء، ولا يشبعهُ مال، ولا أنْ يهدّئه جاه، ولم يُعرف عنه أنّه استقرّ على وتيرة واحدة، أو رضي بالنّعمة المتوافرة، أوألفَ العيش الرّتيب لفترة ما، فهو جذوة ٌ من أعصاب متوترة، وفكر جوّاب، وروح هائمة وراء المكانة الأعلى، وقلق متواصل.)) ([2]) .

إنّ أثرَالبيئة والجوّ الأسريّ عاملان رئيسان في تحديد سلوك الجواهري، فالجوّ الأسري الذي احتضنه كان على مستوى عال ٍمن الرّقيّ الثقافيّ والعلميّ ،والحرص الشّديد على توعيته بوسائل شتّى ثقافيةٍ واجتماعية وسياسية([3]). إذ ْ كان يحضر المجالسَ والنّوادي العلمية التي يزدحمُ فيها هواة الأدب والعلم، وكانوا على مستوى رفيع ومنزلة عالية ، وكانتْ هذه المحافل بحدّ ذاتها تحفّز الناشئ في النجف على الاقتداء ، والتطلّع إلى الأدب لِما يَسمع من تلك القرائح من لِداته وأقرانه الذين يتبارون في هذه الأندية .

الرؤيا السياسية عند الجواهري :

إن كلمة (سياسة) عند العرب تعني تدبير شؤون الناس وتولّي أمورهم والرياسة عليهم ونفاذ الأمر ([4]). وهي أيضاً (( صلاح الموجودات وبقاؤها على أفضل الحالات و أتمّ الغايات.)) ([5]). أما عند المحدثين فهي تعني: حكمَ الأمم أو فنّ هذا الحكم، وهي كما تتصل بنظم الدولة في الداخل تصل أيضاً بنظمها والتزاماتها مع الدول الأخرى([6]). والشعر الذي يلامس السياسة ويعبّر عنها يسمى شعرا سياسياً سواءً تناول نظم الدولة الداخلية أو مسّ مكانتها الخارجية بين الدول والأقطار، وسواءٌ التزم جانبها ودافع عنها أم وقف مناوئاً لها ولأعمالها. وليس من الضروريّ في هذا الشعر أن يعبّر عن رأيّ ُيقرّه المجتمع فقد يكون الرأي خاصّاً بالشاعر أو بفئة قليلة ممن تنتظمهم تلك الدولة، كذلك ليس من الضروري في الشعر السياسي أن يلتزم البراهين والتفاصيل بل يكفيه أن ُيلمّح ويوجز ويترك التفاصيل والجزئيات للتاريخ وللناس لأنه وليد العاطفة والخيال، ومثل هذا الشعر الذي لايلتزم البرهان والاحتجاج يدخل فيه المدح والهجاء والحماسة والفخر والوصف والرثاء أيضاً  متى ما كانت هذه الفنون تتصل بحكم أو مذهب، وإن لم تعالج النظريات السياسية بالشرح والتفصيل([7]) . هذا هو الأصل في الشعر بوصفه فنا يقاس بغايته التي يرمي الشاعرإليها ، غير أنه لم يهمل الناحية التفصيلية في كل صورة بل عالجها فاحتجّ وساق البراهين وتناول المعاني الجزئية مع احتفاظه بخصائصه الفنية. ((وليس من الضروري في الشعر السياسي أيضا أن يكون تعبيره عن السياسة- سلبا أو إيجابا- ناشئا عن عقيدة يؤمن بها الشاعر ويدين بها بل قد يكون ذلك ناشئا عن طمع في مال أو منصب أو خوف من شر أو عن صلة خاصة بين الشاعر والحاكم ومثل هذا ُيعدّ تأييدا سياسيا غير مباشر)) ([8]) .

لقد عاش الجواهريّ ثلاثة عواملَ سياسية طبعت بها بداية القرن العشرين هي: الاحساس بالهويّة أو القومية العربية المستلَبة ،وثورة العشرين التحرّرية، والحركة الدستورية ومفهومها تحت تأثيرات جمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي وغيرهما ، وقد عاش أيضاً حياةً عاصفةً اختلطتْ فيها عوالمُ بعوالم أخرى : الفقْهُ بالشّعر، والشّعر بالسّياسة ،والسّياسة بالصّحافة ، والصّحافة بالحبّ ، والتّوطين بالتّرحل، والبؤس بالنعيم ، والطّفولة بالرّجولة ([9]) .

وكتبَ الجواهريّ في بواكير حياته الأولى ، وهو في البلاط الملكي، قصائدَ عنيفة عبّرت عن نزْعته المتمرّدة مثل قصيدته (أيّها المتمرّدون) و(احتجاج الوجدان)،و(في سبيل الجماهير) وغيرها.هذا التحوّل في حياة الشّاعر لدليلٌ على بداية تشكّل وعْيه للذات والواقع ونموّ طموحاته.

إذ ((تـُشكّل علاقةُ الجواهريّ بالوطن والحاكم والشعب نسيجَ حياته الواقعية، والفنيّة منذ ميلاده الشعري وحتى رحيله عنّا.)) ([10]) .

وبقراءتنا قصيدة الجواهري (ثورةُ العراق)، نراها تمثل واحدة من قصائد فورة الشباب التي تتعاطى الهمّ الوطنيّ السياسيّ ، ممزوجا بفيض الذّات وحرارة التمرّد الذي عُرف به الجواهريّ اجتماعيا وسياسيا .

                                    المبحث الأوّل

                    التشكيل في البنية اللغويّة

إنّ تجربة الشاعر في نصّه الشعري – في أي عصْر خُلق فيه هذا الشاعر- ترتكزعلى عامل بارز جداً من بين مجموعة عوامل تتضافر معاً لتجسيد هذه التجربة، وهو قوّة توظيف ظواهرالتشكيل اللغوي والإيقاعي في هذا النصّ وصولا إلى تحقيق القدْر الأكبر من التأثير في روحية المتلقي. وتقف الروح التحديثيّة في الّلغة التي يوظّفها الشعراء في شعرهم مقياسا مهما لديمومة هذا التأثير وانتاج نصوص تواكب حاجات المتلقي في كلّ عصر جديد . وبعد ظهورالتدوين: تجميعاً، وتأليفاً، وتصنيفاً، لاسيّما في القرن الثاني من الهجرة صارالتجريب اللفظيّ والتفنّن المعنوي والعناية بالصّياغة ،وخلق الصّور الشعريّة من الخصائص التي ميّزت الأفكار والمشاعر التي تجسّدت في القصيدة العربية .

إنّ ظواهرالشكيل في الشّعر ترتكز على اللغة بصورة رئيسة ، فلغة الشّعر هي الجسد الذي تتبلورمن توهجه كلّ رؤيا شعرية رفيعة ((فالّلغة في الشعرتعتمد على شفّافية حدْسية وعلى لمعان خاطف يتموّج خلف الكلمات ليضيءَ عالمها المغلق حيث تستكنّ التجربة بمشاعرها المختلفة مختبئةً وراءَ كنْهها))([11]).

 والعمل الشعريّ نستطيع أنْ نصفه بأنّه عَقْد حوار يقوم بين رؤيا الشاعر وأدواته التعبيرية المتمثّلة بلغة نصّه الشعري.

يقول الجواهري في قصيدة نظمها عام 1921 تحت عنوان :

                              

                            (ثورة العراق)([12])

 

 

  المقطع الأول([13])  

 

1- إنْ كان طال الأمدُ
2- ما آن أنْ تجلوَ القذى
3- أسياُفُكم مرهفة
4- هُبّوا كفتكمُ عبرةً
5- هُبّوا فعنْ عرينهِ
6- وثورة ٌبل جمرةٌ
7- أجّجها إباؤهم
8- لا تنثني عن بلدٍ
9- خَفّوا إلى الدّاعي
10- واستبشروا بعزمهمْ
11- وأقسَموا إلى العدى
12- يأبى لكمْ أنْ تـُقهروا
13- إنْ كان أعيا مورد ٌ
14- أو كان لا يُجديكمُ
15- كمْ جلبَ الذلّ على
16- زِيدوا لِقاحاً حربَكمْ
17- إيّاكمُ والذلّ إنّ
18- وللفرات نهضةٌ
19- هاجوا بها لا لَعِبٌ
20- غطارفٌ من الظّبا
21- وفتية على المنى
22ناديهمُ الحرب وصهوةُ
23- لو أوردوا على ظماً
24- مِنْ كلّ مشتدّ الحصَا
25- ناشدْ بذاك َعوجة
26- هل اشتفتْ من العدى
27- وهلْ درتْ أبناؤها
28- همْ عمّروها خطة
29- خالدةٌ ما ضرّهمْ
 
  فبعد ذا اليومِ غدُ
عنها العُيون الرَّمدُ
وعَزمٌكم متّقدُ
أخبار مّنْ قد رقدوا
كيف ينام الأسدُ
ليعْرُبٍ لا تُخمدُ
والحّرّ لا يُسْتعْبدُ
حتّى يشبّ البلدُ
وفي الحرب جبالاً ركَدوا
فهلْهلوا وغرّدوا
أنْ لا يلينَ المِقودُ
عزمُكم والمَحتدُ
غيرُ الأذى لا تَرِدوا
قربى لهمْ فأبتعِدوا
المرء حسامٌ مُغمَدُ
لعلّ عِزّاً تلدُ
جرحَه لا يُضمَدُ
مشهودة ٌلا تُـجْحدُ
فيما أتَوا أودَدُ
صرْحٌ لهمْ مُمرّدُ
أو المنايا احتشدوا
الجياد المَقعَدُ
ذِلّة ما وَردوا
ة ِرأيهُ مُستحْصَدُ
ومثلُها يُستنشدُ
أمْ بعدُ فيها كَمدُ؟
أنّ الثنا مُخلّدُ
يصْلى بها وتُحمَدُ
أنّهم ما خُلّدوا
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

  المقطع الثاني  
1- وللقطار وقعة
2- ما تركوا حتى الحديد
3- مر وقد تحاشدت
4- كأنما لسانه
5- كأنه آلى على
6- تكاد من هيبته
7- تحتثه النار كما
8- لم يلف إلا موعدا
9- حتى إذا ما أجل
10- لم ينجه من الردى
11- هيهات يغني عن
12- من بعد ما قد
13- هناك لو قد وجدوا
14- واستنجد وأين من
15- ملحمة تشكر مصليها
 
  منها تفز الكبدُ
سلسلوا وقيدوا
عديده والعددُ
خطيب جمع مزبدُ
أن لا يطول المددُ
صم الجبال تسجدُ
بالروح سار الجسد
فمبرق ومرعدُ
دنا وحان الموعدُ
حديده الموطدُ
قضاء زبر مصفدُ
أبرم الأمر قدير أوحدُ
سم خياط نفدوا
حين النفوس المنجدُ
الوحوش الشرّدُ
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

  المقطع الثالث  
1- ودعوة مشهودة
2- قام بها مقلد
3- ” محمّد ” ومعجز
4- ألقحتها شعواء لا
5- يرون أقصى مطمع
6- كأنما ليست لهم
7- حتى إذا ما ويلسن
8- ولم يجد ليناً بهم
9- وما رأى ذنباً سوى
10- وأنهم أولى بما
11- سواعد مفتولة
12- وهمة شماء لا
13- مال إلى الحق ولم
14- وقال : هذا عاصف
15- وجذوة تلهم من
16- ولست أقوى حمل ما
 
  تدعو ليوم يشهدُ
بعزمه مجتهدُ
مثلك يا ” محمّد ُ”
يطاع فيها السّيدُ
في الحرب ان يستشهدوا
نفوسهم والولدُ
ضاقت بها منه اليدُ
وهل يلين الجلمدثُ
أن حقوقا تنشدُ
قد زرعوا أن يحصدوا
بعزمها تعتضدُ
ينال منها الفرقدُ
يكن لحق يرشدُ
هب وبحر مزبدُ
أطرافها ما تجدُ
تنوء عنه الكتدُ
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

  المقطع الرابع  
1- يا ثورة العرب انهضي
2- لا عاش شعب أهله
3- سيان عندي مقول
4- أفدي رجالاً أخلصوا
5- كم خطبة نفاثة
6- ومقول قصر عن
7- هذا لساني شاهد
8- أن لا تزال أضلعي
9- عهداً أكيداً فثقوا
10- صبراً وما طاب لكم
11- صبراً وما عودتموا
12- إن رفعت رواقها
13- وأنتم إذا الوغى
14- نيران حرب يصطلي
15- مواطني شقت وأبناء
16- يا أخوتي كل الذي
17- نصيبكم من كل ما
18- تتركوا ، تـأرمنوا
19- أولا فان عرضكم
20- قد أكلت نتاج     21أخــــــــــــــــو الشعـــور في العرا
22- يحت من فؤاده
 
  لا تخلقي ما جددوا
لسانهم مقيدُ
أو مرهف مجردُ
لشعبهم واجتهدوا
فيها تحل العقدُ
تأثيره المهندُ
عدل متى تستشهدوا
تطوى على ما تجدُ
أني على ما أعهدُ
مرعاكم والموردُ
من قبل أن تضطهدوا
الحرب فأنتم عمدُ
أعوزه من يوقدُ
الأدنى بها والأبعدُ
السقوط ” سعدوا
أملتموه بددُ
شيدتموه النكدُ
تنكلزوا ، تهندوا
ومالكم مهدّدُ
أقوامي أناس جددُ
ق ضـاـئع مضطـهـــــــــــــــــــــــــــــــدُ
ما لا يحت المبردُ

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

أولا: حركيّة الأفعال

 الأفعال المتباينة في أزمنتها من خلال أدائها الحركي على نسيج القصيدة دائما ماتخلق تموّجات زمنية متحركة تغني دلالة القصيدة وتعمّق رؤياها ، فضلا عن قدرتها في التأثير وتوليد المعاني .ونلاحظ  في هذا التشكيل اللغوي أنّ الشاعر الجواهري قد وظّف حركية الأفعال بصورة جليّة في قصيدته. إذ إنّه حرّك رؤياه السياسية، وجعلها تنبض بالحيويّة ،والدّلالات التصويرية المختلفة، والجدول الاتي الذي نظمتهُ يبيّن هذا الأمر بوضوح تامّ.

         الجدول (1) حركية الأفعال في قصيدة ثورة العراق :

                                            المقطع الأول

رقم البيت الفعل ونوعه عدد مرّات وروده في المقطع
1 الماضي 2
2 الماضي + المضارع 1+1
3
4 الأمر + الماضي 1+2
5 الأمر+ المضارع 1+1
6 الفعل المضارع(مبني للمجهول) 1

 

7 الماضي + المضارع(مبني للمجهول) 1+1
8 المضارع 2
9 الماضي 2
10 الماضي 3
11 الماضي+ المضارع 1+1
12 المضارع 2
13 الماضي + المضارع 2+1
14 الماضي + المضارع + الأمر 1+1+1
15 الماضي 1
16 الأمر + المضارع 1+1
17 المضارع 1
18 المضارع (مبني للمجهول) 1  
19 الماضي 2  
20              –  
 21 الماضي 1  
 22         –  
23 الماضي (الأول مبني للمجهول) 2  
24                     –  
25   الأمر + المضارع(مبني للمجهول) 1 + 1  
 26 الماضي 1  
27 الماضي 1  
28  الماضي + المضارع(مبني للمجهول)        1 + 2  
29        الماضي (الثاني مبني للمجهول)   2  
           

 

مجموع الأفعال الماضية = 27

مجموع الأفعال المضارعة = 17

مجموع أفعال الأمر =  5

المجموع الكلّي للأفعال = 49 فعلا

 

                                        المقطع الثاني

رقم البيت الفعل ونوعه عدد مرّات وروده في المقطع
1 المضارع (مبني للمجهول) 1
2 الماضي 3
3 الماضي 2
4
5 الماضي + المضارع          1+ 1
6 الفعل المضارع 2
7         المضارع + الماضي         1 +  1
8 الماضي (نجم عن دخول – لمْ – على المضارع فقلب زمنه) 1
9 الماضي 2
10 الماضي (نجم عن دخول – لمْ – على المضارع فقلب زمنه) 1
11 المضارع 1
12 الماضي 1
13 الماضي 1
14 الماضي 1
15 المضارع          1

 

مجموع الأفعال الماضية = 14

مجموع الأفعال المضارعة  = 7

مجموع الأفعال في هذا المقطع 21 فعلا .

 

                                        المقطع الثالث

رقم البيت الفعل ونوعه عدد مرّات وروده في المقطع
1 المضارع(الثاني مبني للمجهول) 2
2 الماضي 1
3
4 الماضي +المضارع (مبنى للمجهول) 1+1
5 المضارع (الثاني مبني للمجهول) 2
6 الفعل الماضي الناقص 1
7 الماضي 1
9 الماضي + المضارع(مبني للمجهول) 1+1
10 الماضي + المضارع 1+1
11 المضارع 1
12                 المضارع 1

 

13 الماضي (الثاني نجم عن دخول – لمْ ــ) 2 +1
14 الماضي 2
15 المضارع 2
16 الماضي (ناقص) + المضارع 1+1

 

 

مجموع الأفعال الماضية = 12 فعلا .

مجموع الأفعال المضارعة =  14 فعلا .

مجموع الأفعال في هذا المقطع = 26 فعلا .

 

                                  المقطع الرّابع

رقم البيت الفعل ونوعه عدد مرّات وروده في المقطع  
1 الأمر + المضارع + الماضي 1+1+1  
2 الماضي 1  
3  
4 المضارع + الماضي 1+2  
5 المضارع (مبني للمجهول) 1  
6 الماضي 1  
7 المضارع 1  
8     المضارع الناقص والثالث مبني  للمجهول                    3  
9 الأمر + المضارع 1+1  
10 الماضي 1  
11 الماضي (مبني للمجهول) + المضارع (مبني للمجهول) 1+1  
12 الماضي 1  
13 الماضي  + المضارع 1+1  
14 المضارع 1  
15    الماضي (الأول مبني للمجهول)          2
16                 الماضي          1
17                 الماضي          1
18                 الماضي           4
19                      –            –
20                 الماضي          1
21                      –              –
22    المضارع (الأول مبني للمجهول)           2
           

 

مجموع الأفعال الماضية = 18 فعلا .

مجموع الأفعال المضارعة = 13 فعلا .

مجموع أفعال الأمر = 2 فعلان فقط .

مجموع الأفعال في المقطع = 33 فعلا .

في هذا الجدول الإحصائي الذي نظمتُهُ لمعرفة مسار حركية الأفعال في قصيدة الجواهري (ثورة العراق) نرى مايأتي :

1 ) أنّ الفعل في زمنه الماضي هيمن على المقطعين الأوّل والثاني:  ففي المقطع الأوّل كان عدد الأفعال الماضية (27 فعلا) مقارنة مع عدد الأفعال المضارعة (17 فعلا) . وفي المقطع الثاني هيمن الفعل الماضي بـ (14 فعلا) مقارنة مع الفعل المضارع وعدده (7 أفعال).

وهذان المقطعان يؤشران تفعيل الشاعر رؤياه السياسية بقوّة .

ففي المقطع الأوّل بدأ الشاعرُ مطلعَه فيه بما يُشبهُ الوعيد الموجّه إلى المحتلين:

1–  إنْ كانَ طالَ الأمَــدُ         فبعـدَ ذا اليومِ غــَـدُ

ونرى الدّعوة إلى الصّبر في يومه الحالي الوارث لعصورٍ من الصّمت وقبول الظلم: 

2- ما آنَ أنْ تجلوَ القــذى      عنها العُيونُ الرَّمـّـدُ

 فهنا يُقرّر حقيقة بقاء الظلم (دوام الرّمد في العيون). لكنّ هذا اليوم سينتهي في الغد القريب جداً، فسيوفُ أهل العراق ما زالتْ على حدّتها ورهافتها، وعزمُ هذا اليوم لا يزال يشتعل اشتعالا .

ونلمسُ توظّيفَ الشاعر أفعالَ الأمر في الأبيات الآتية: 

4– هُبّــــــوا كفـتـكــمْ عبــــــــرةً         أخبــارُ مَـنْ قـد رقــــــــــــــــــــدوا                                 
5- هُبـّـــــوا فعــنْ عرينــــــــــه ِ        كيـف ينــام الأســـــــــــــــــــــــــــدُ 

14- أو كان لا يُجديـــــــــــــكمُ          قـــُــربى لهـــــم فأبتعــــــــــــــــِـدوا

16- زِيـدوا لـــِقاحاً حربــــــَـكمْ         لعــــــلّ عــــــــــِــزّاً تــلـــــــــــــــــِـدُ

  للحضّ على استمرار فتيل ثورة العشرين بالاتقاد والتفجّر.

في حاضر الشاعر ومستقبله المقبل. لذا نرى أنّ ((الأفعالَ في صيغة الماضي قد تكاملتْ معَ أساليب نحوية وصرْفية وبلاغية أخرى لإثبات ظواهر الماضي المخيّمة على حاضر الشاعر.))([14]) .

2) نرى الشاعر في المقطع الثاني وكان في امتزاج الفعل الماضي مع الفعل المضارع بشدّة في المقطع الأول (27فعل ماضٍِ – 17فعل مضارع) ما يشير إلى أنّ الماضي المستدْعَى من تراث العراق في البطولة ،والتضحية له تواصُلٌ واستمرارٌ قد انهمك في وصف إحدى وقائع النضال والمقاومة في هذه الثورة ، من خلال وصف ما دار في المعركة التي قام بها الثائرون المتمثلة في ضرب قطار كبير للمحتلّ، وتفجيره  :

1- وللقطــــار وقعــة ٌ     منها تـُفـزُّ الكَبــِــــدُ

وقد تعمّق الشاعر في وصف هذا القطار الكبير (المثير للدهشة والانبهار في زمانه)، فاستغرق في وصفُهِ  من البيت الثالث إلى البيت العاشر.

مثل قوله :   3- مـرّ وقد تحاشدَتْ      عـديــدُهُ والعـــــَـــددُ

               4 – كأنـّما لسانــُـــــهُ        خطيبُ جمْعٍ مُزبِـِدُ

               6- تكادُ مِن هيبتـــــهِ        صُمُّ الجبال سُجّــدُ

  إلى أن يقول :  10 – لمْ يـُنجهِ من الرّدى     حَديدهُ الموطّـــــــدُ

هذا المنحى من التصوير الواقعي والمباشر لواقعة حربيّة ، نراهُ قد أرغمَ الشاعرَ على توظيف الفعل الماضي بقّـوة وهو (14) فعلا مقارنة بالفعل المضارع وعدده (7) أفعال.

ونلحظ هنا أنّ الشاعر في المقطع الثاني في موقع السّرد ،والخطاب القصصيّ لحالة من الزمن الماضي في اطار واقعة حربيّة، لذا نرى هيمنة هذا الزمن بوضوح. على الرّغم من أنّ الخطاب الواقعي المباشر يميل إلى توظيف الفعل المضارع عادة كونهُ َيدلّ ((على حدثٍ ما مُقترنٍ بزمنٍ معيّن، فإنّه يتّخذ له مجالا أوسعَ للانتقال من زمن إلى آخر بحسَب السّياق الذي يرِِد فيه .))[15]

لكنّ الشاعر في هذه القصيدة لبس ثوب الفعل الماضي ، لأنّه مسكون بوحي الأجداد وتراثهم الثرّ لفرْط قنوطهِ من الحاضر المتخلّف السقيم.

كقوله :   2- ما ترَكوا حتى الحديـــــــــــــــــــــد َ سَلسَلـوا وقيـّـدوا

3) في المقطعين الثالث والرّابع نلحظ انقلابا في حركية الأفعال تمثـّل بتوظيف الفعل المضارع بصورة أكبرَ من توظيف الفعل الماضي – وإنْ كان بنسبة محدودة في المقطع الثالث(12فعلا ماضيا مقابل 14 فعلا مضارعا) – في حين نلحظ في المقطع الرّابع توظيفا أكبر للفعل الماضي مقارنة بالفعل المضارع ، وإنْ كان بفارق ضئيل نسبيا ( 18فعلا ماضيا مقابل 13فعلا مضارعا). إنّ هذا الظهور للفعل المضارع  قدْ أعطى المقطعين الشعريين من خلال التوزيع المتنوّع  له مع الماضي، أعطى الدّفق والحيويّة لهما، ومن المؤكد أنّ وفرة الفعل المضارع  في الجمل الشعرية تؤدي إلى تفجّر الحركة الزمنية ، والتدفـّق المطّرد للصّور الشعرية في القصيدة .

ففي المقطع الثالث يبدأ الشاعر بمدح الشيخ (محمد تقي الشيرازي) الذي دعا إلى الثورة ضدّ المحتلّ ، ومن خلاله يستمرّ في الحضّ على الجهاد ضد المحتلّ الذي عجزعن إيقاف مدّ الثورة في زخمها ،وأخذ يخاطبه بصورة مباشرة:

3- محمـّــدٌ ومُعْجـِــزٌ         مِثـلـُـك يا مـُحمّّــــدُ

ومن البدهي أنّ زمن المخاطبة يميل بقوة إلى توظيف الفعل المضارع الذي يَدلّ على الحال والاستقبال والاستمرارية، ممّا أسهم في اظهار المكنونات الداخلية المستنفرة للشاعر ، لاسيّما أنّه في سنـّي شبابه الأولى ، حيثُ العزمُ والتحدّي يطغيَان بقوّة عموما على الرجل في مثل سنـّه. مثلما نلاحظ في الأفعال (تدعو – لا يُطاع – يحَْْصدوا- تعتضدُ- لا ينالُ – تـُلـهمُ –  تنوءُ- …..) فكلّها أفعالٌ تضجُّ بالحركة المستمرّة. 

يقول الشاعر :

       1- ودعـــوةٌ مشهــــودة ٌ       تدعــو ليــومٍ يـُشهــــــدُ

       5 – يرون أقصى مطْمـَــعٍ      في الحرب أنْ يُستشهدوا

       8- ولمْ يجـدْ ليناً بهـــــــمْ       وهـلْ يليــــنُ الجلمــــُـدُ

      11- ســــواعدٌ مفتولــــة ٌ       بـعزمـــها تـُعتضـــــــَـدُ

      12- وهـِمّــة شمّـــــاءُ لا        ينـالُ منـها الفرقــــــَـــدُ

      15- وجـذوة ٌ تـَلهـمُ مـنْ        أطــرافــها ما تجـــــــــدُ

      16-ولستُ أقوى حملَ ما        تـنــوءُ عنــهُ الكـتــَــــدُ

وكذا الحالُ في المقطع الرّابع الذي وظّف فيه الشاعر الفعل المضارع بوفرة بيّنة ، وإنْ كان بعدد أقلّ من توظيفه الفعل الماضي (18 – 13) فعلا.  وبدأ الشاعر في هذا المقطع  بمحاباة الثورة ، وعقد حوار مباشر معها ملؤهُ الحضّ على استمرارهذه الثورة في التوقد لتستمرّ في توهّجها وتألـّقها..

وأعان فعلُ الأمر والفعلُ المضارع المسبوق بالطلب (لا) الناهية ،والمفعولُ المطلق ، واسلوبُ الاستفهام، أعانَ الشاعرَ في خلق المخاطبة التي بدأها الشاعر في المقطع الثالث. كما نلحظ في هذه الأفعال:

 (لا تخلقي – أُفدي – لا  تزالُ – أعهدُ – يوقدُ – يصطلي……..) ُ، فهي لا تني في رسم افاق التوثب والتجدّد والاستمرارية في حركة القصيدة ،وربط الحدث الماضي بالحاضر. لأنّ الشاعرَ دائما في موضع الحِراك السياسيّ الذي يحتاج إلى استدعاء الماضي، وربطه بالحاضر والمستقبل حتى يُحقـّق الهدف ،وهو اقناع المخاطب بطرحه السياسي.

يقول الشاعر :

1– يا ثورة َالعُرب انهضي         لا تُخلقي مـا جــــدّدوا

4- أُفـدي رجالاً أخلصــوا          لشعبهــــمْ واجتهــدوا

8- أنْ لا تزالَ أضلــُــعي           تـُطوى على ما تجـِــدُ

9- عهــداً أكيــداً فثــــِـقوا         أنـّي على ما أعْهـــــدُ

13- وأنــْتمُ إذا الــــوَغى          أعــوزَهُ من يـُوقـــِــدُ  

14- نيرانَ حربٍ يصطلي         الأدنـى بها والأبعـــَــدُ

ولايخفى ما للفعل من دلالة على ((التغيّر والتحوّل نظرا لطاقته الحركية زمنيا وصرفيا ،وتأتي هذه الحركة أيضا من تلوّن الفعل تعدّيا ولزوما  وتماما ونقصانا ، وتجرّدا وزيادة ،فضلا عن بنائه للمعلوم أو المجهول.)) ([16]).

 

   ثانيا :  التشكيل الخطابي  :

في قصيدة (ثورة العراق) للجواهري  نلحظ استلهاما واضحا للتشكيل الخطابي فيها ، فالشاعر قدّم لنا ملامحَ واضحة من الجوّ الخطابي المستند إلى أساليب تمتزج مع وهج الذات ،على وفق الطرح الآتي:

 1) في المقطع الأوّل قدّم لنا الشاعر مشهدا حِواريا من خلال مخاطبة الاخر، يقول:

3– أسيافكُمْ مرهفــةٌ       وعزمكُمْ متـّقـــِـدُ

 ومن ثمّ يُفعّل هذا الخطاب بتوظيفه فعل الأمر (هـُبّـوا) مُكرّرا في البيتين الآتيين : 

4– هُـبّوا كفتكُـمْ عبـرةًٌ        أخبارُ مَنْ قدْ رقدوا

5- هُـبّوا فعنْ عرينــهِ        كيف ينام الأســَـــدُ

ثمّ ينتقل الشاعر إلى  ذاكرة وصفية يعرض فيها للمتلقي جوانب تاريخية لأبطاله، مثلما نلحظ في الأبيات الاتية :

6– وثورةٌ بلْ جمرةٌ           ليعْرُبٍ لا تُـخـْمَـدُ
7- أجّجهَا أباؤهـُــــــــــمْ           والحُرُُّ لا يُسْتـَعْـبـَـدُ
8- لا تنثني عنْ بلــــدٍ           حتّى يَشِبّ البلَدُ
9- خـَفـّوا إلى الدّاعي وفي الـــــــــــــــــــــــــــــحرب جبالاً ركَدوا

10– واستبْشروا بعزمهمْ              فـَهـَلْهَلوا وغَرّدوا
11- وأقسَمــــوا إلـى العـــــــــِـدى             أنْ لا يليـــــــنَ المِقـْـــــــــــــــــــــــوَدُ
  

 وبعدها يرجع الشاعر إلى الموضع الأوّل (خطاب الاخر)، ومرّة أخرى يوظّف أفعال الأمر، وأدوات النّهي ليُديم زخم خطابه مع الاخر، مثل الأفعال (لا تردّوا – فابتعِدوا – زِِيدوا) واسم التحذير (إيّاكم) في  الأبيات (13-14-16-17) .

2) في المقطع الثاني أجّجَ الشاعر تشكيله الخطابي من خلال تحشيده مرحلة (الصّراع)، أو ذروة الحدث في قـَصّهِ لواقعة (ضرب القطار واحراقه) المشهورة. وقد استغرقت هذه المرحلةُ كلّ أبيات المقطع من البيت الأوّل إلى البيت الثاني عشر، وفيه ينقل لنا الشاعر تداعياتٍ من هذه الواقعة ، من خلال وصف الشاعر هول المعركة التي فجّرها ثوّار العراق في وثبتهم على قطار المحتلّ بعدّته وعدده، وسوقِه إلى أجلهِ المحتوم من خلال انشائه السّردي الذي بلغ به إلى أن (يُؤنْسِنَ) القطار المصنوع من الحديد. فبعد أنْ كان يرعدُ ويزبدُ أصبح جثة هامدة ، وكأنّه يصف رحلة صيد قام بها شاعر جاهليّ وهو يصف طريدتَه وصراعَها مع أدوات صيده من كلاب، ونـَبْلٍ وشباك، يقول :

                1– وللـــقطـارِ وقعــَـة ٌ      منـها تـُفــَزُّ الكَبــــِدُ

وقوله:        3- مــرّ وقـدْ تحاشدَتْ      عـديــدهُ والعــــــــَددُ

               4- كأنــّما لسانـــــــــُـهُ       خطيبُ جمْعٍ مُزبـدُ

إلى أنْ يقول:      9- حتـّى إذا ما أجــّــلٌ       دنــا وحـانَ الموعــدُ

                   10- لمْ يُنـْجهِ من الرّدى       حديــــدهُ الموطـــّــدُ

3) في المقطع الثالث شخـّص الجواهري بطله في القصيدة (محمد تقي الشيرازي) ودوره في ثورة العشرين يقول: 

                 3- محمــّدٌ ومُعْجـِــــزٌ       مثـــْـــلـُكَ يا محمـــّــد ُ

                 4- ألـْقحْتها شـعْواءَ لا       يـُطـــاعُ فيـْها السّيـــّدُ

ذاكرا الخصم والعدد الذي يقابل بطله (ويلسُن) ([17])

مقيما حِوارا أخر على لسان الشخصية المقابلة لبطله ابتدأتْ من البيت السابع حتى البيت السادس عشر .

واصفا تبرّم (ويلسُن) من شدّة عريكة الثورة ، وعدمِ لينهم ، فهمْ لاينشدون إلا حقوقهم ،ولهمْ سواعدُ قوية تعينهم على نيل مالايناله الفرقد في السّماء معلنا ضعفه إزاء مدّ الثورة الجارف .

4) يأتي المقطع الرّابع ليُنهي الشاعرُ قصّته فيه ، من خلال العودة إلى الجمهور في سياق  خطابيّ ، (مثلما رأينا في المقطع الأوّل) وتوضيفه اسلوب النّداء وأفعال الأمر ، وأسلوب الاستفهام والدعاء لحثّه على التمثّل بأبطال ثورته وعنفوانه((فللجواهري اسلوب خاصّ ولغة خاصّة ،ولعلّ ذلك راجع إلى الطريقة التي أخذ بها نفسه في أيّام صباه ،وكيف أنّه نجح في الإفادة مما قرأ وحفظ مضيفا إلى ذلك تجاربه في الحياة التي اهتدى إليها بسعة ادراكه وحدّة ذكائه. ))([18]).

 يقول :    1- ياثورةَ العُرْبِ انهضِي         لاتـَخلـقـي ماجــــــــدّدوا

            2- لاعاشَ شعبٌ أهلــــُـهُ          لِسـانـــــُهمْ مقيـــــــــّـــدُ

والإعجاب يتملّكنا هنا من كون الجواهري يضع نفسه ناطقا رسميّا للثورة وداعية لها بشكل واضح لاغبار عليه يقول :

           7- هذا لِسانــي شاهـــــدٌ            عـَـدْلٌ متى تستشهــِدوا

ثم يتعالى صوته المحرّض على الثورة والقتال من جديد بتوظيفه الاستفهام الإنكاري بقوله:      10- صَبــْراً وما طاب لكـمْ         مرعاكــمُ والمـــــَــــوردُ ؟

             11- صَبـْرا وما عُوّدتُمـُـوا        مِنْ قبلُ أنْ تـُضطهـَـــدوا

 

 

                      المبحث الثاني

                التشكيل في البنية الإيقاعيّة                          

أولا : التشكيل العروضي

قصيدة الجواهري (ثورةُ العراق) تتخذ من بحر (الرّجز) المجزوء تشكيلا عروضيا لها ، ولايخفى موقف يعض العروضيين والنقاد من هذا البحر ، من الذين عدّوه لايصلح إلا لأغراض الرؤيا الحربية أو الخطابية السياسية . أنا أتفق مع من يرى في هذا البحر ميزة ًغنائية ً واضحة المعالم واتصافـَهُ بالإيقاع السريع ، ولعلّ صفة تكرار التفعيلة الواحدة (مُسْتـَفْعِلـُنْ) التي يقوم عليها هذا البحر في شطريه يسهم في تحقيق هاتين الصفتين ، أي الغنائية والإيقاع السريع ، فمابالك في إيراده مجزوءً ومملوءً بالزّحافات ([19]) في معظم تفعيلات القصيدة – كما سيمرّ علينا .

فمن المؤكد أنّ هذا الامرَ يزيدُ من غنائية القصيدة وعلوّ انشادها وإيقاعها السريع  . فحينما تكون القصيدة تعبيرا عن رؤيا شعرية صادقة، وتجربة حيّة يمرّ بها الشاعر لابدّ أنْ تفرض إيقاعا خاصّا بها يخرجها من شرنقة الإيقاع العامّ ألا وهو الوزنُ العروضي .

((فنَشَاط السّياق في القصيدة هو جدلٌ بين عناصر النشاط اللغوي من ناحية، وعناصرِ الموقف النفسي والاجتماعي من ناحية أخرى.))([20]).

هذه القصيدة ُمن خلال توظيفها بحر الرّجز في تشكيلها العروضي تصل في تدفـّقها إلى وصف عنف المعركة ووِقفة الثائر الشـّجاع ، فالجواهريّ هنا في موضع خِطابيّ واضح ، وموقعُ الشعر الخطابيّ التقريريّ يميل دائما إلى التفخيم والسّرعة وفي التحليل العروضي لأبيات مقاطع القصيدة نلحظ دخول الزّحاف المتمثل بـ(الخَبـْن) في تفعيلات الشطرين ،وأفصّل القولَ فيه على وفق الاتي:

  • في المقطع الأول :دخل هذا الزحاف في (12) تفعيلة . إذ وظّـفهُ الشاعر خمس مرات في الشطر الأول من الأبيات ( 5- 6- 10 -11 ) :

5- هُبّوا فعن عرينـــــــــهِ ………….6 – وثورة بلْ جمـــــــْــــرة ٌ ………….

10- واستبشروا بعزمهـِــمْ ………..11  – وأقسموا إلى العـــدى  ………….

ووظـّفهُ سبع مرات في الشطر الثاني من الأبيات ( 1 – 3 – 6 – 10 – 16 – 17) :

 1- …………… فبعدَ ذا اليومِ غـــد     ُ3 -………….. وعـَــزمٌكم متـّقِـــدُ

6-…………….. ليَعْـربٍ لا تـُخْمــدُ    10-…………… فهلهلوا وغـــرّدوا

16-………….. لعـــَلّ عـِزاً تـلــِــدُ     17-…………. جرحـــُهُ لا يـُضمـدُ

هنا نلحظ ورود زحاف (الخَبْن) في شطري البيتين السادس والعاشر معا ، ونلاحظ أيضا وروده في كلا تفعيلتي الشطر الثاني من البيت العاشر، والشطر الأوّل من البيت الحادي عشر .. وسآتي إلى دلالات هذه الظاهرة التشكيلية لاحقا.

2) في المقطع الثاني: دخل زحاف الخبن في تسع عشرة تفعيلة . إذ حلّ ثماني مرّات في الشطر الأول من الأبيات ( 1- 3 – 4- 5- 6- 10- ):

1- وللقِطار وقـــــــعة ٌ………..        3- مرّ وقد تحاشــدتْ …………

4- كأنّما لسانــــــــــه ُ…………        5- كأنــّه آلى علــــى …………

6- تكادُ من هيبتـــــه ِ…………       10- لمْ ينجهِ من الرّدى ………

وحلّ إحدى عشرة مرّة في الشطر الثاني من الأبيات

( 2-3-4-6-8-9-10-11) .

2-…………..  سلسلـــوا  وقيّــدوا      3-………….. عديدهُ والعـــــــــدد ُ

4-………….. خطيبُ جمْعٍ مُزبـِد ُ      6-………….. صُمّ الجبال تسْجُــد ُ

8-…………… فمُبرقٌ ومــُرْعـــِدُ        9-…………… دنا وحانَ الموعِـدُ

10-…………. حديدهُ المـوطـّـــدُ    11- …………. قضاء زبرمصفّدُ

وبيّنٌ هذا الزخم في موسيقى هذه الأبيات الذي حققه الشاعر من خلال توظيفه زحاف الخبن مقارنة بالمقطع الأول ،على الرغم من انّ أبيات هذا المقطع أقلّ من أبيات المقطع الأول (17- 12) بيتا ،((فالشّعورُ بالوزن الموسيقي وانسجام المقاطع ميلٌ فطْري، والبحور وإنْ اختلفت في تفعيلاتها لكنها لم تختلفْ في نوع العواطف التي تصلح لها.))([21]).

3) في تمحيصنا المقطع الثالث نجد أنّ زحاف الخبن قد وقع في تفعيلاته ثلاثا وعشرين مرّة . إذ ورد أربع عشرة مرّة في تفعيلتي الشطر الأول من الأبيات (1-2-3-5-6-8-9-10-11-12-14-15-16) . وورد تسع مرّات في الشطر الثاني من الأبيات (2-3-4-6-8-11-12-13-16) . هنا نلاحظ تصاعدَ وتيرة توظيف زحاف الخبن عمّا كان عليه في المقطع الأوّل ،ومنسجما مع تصاعده في المقطع الثاني مع لفت النظر  إلى الفارق في عدد الأبيات في المقطعين (12 – 16) بيتا .

4) في المقطع الرابع نلحظ عودة توظيف زحاف الخبن إلى وتيرته الأولى التي فصّلتها في المقطع الأوّل ،فوقع في عشر تفعيلات موزّعة بالتساوي بين شطري أبيات المقطع .

هذا المقطع يُجسّد من أول أبياته النهاية المقرّرة لرؤيا الشاعر السياسية ،لذا فقد بدأ الشاعر قصيدته بتوظيف واضح لزحاف الخبن لكنّه أقّلّ حِِدّة عمّا هو عليه الحال في المقطعين الثاني والثالث اللذين يمثلان متنَ القصيدة ،وبؤرة تأجّجها الانفعالي الحماسي الذي ينسجمُ مع نفَـَس الشاعر المتصاعد والخفّاق ،ثم يأخذ هذا النـّفَس بالهدوء رويدا رويدا ليعود إلى طبيعته الأولى التي ابتدأ الشاعر بها قصيدته.

  لقد حقـّق الزحاف أساسا جماليا تناسب مع التشكيل العروضي والبنية اللفظية والدلالية للقصيدة  فنجاح العملية الشعرية يكمن في التعبيرعن((جمل ٍدلالية مختلفة بجمل صوتية متماثلة.)) ([22]).

ويلتقي زحاف الطيّ ([23]) الموظّف في تفعيلات القصيدة مع زحاف الخبن في زيادة مساحة التدفّق النغمي في القصيدة .

وبامعاننا النظر في طبيعة البناء العروضي الذي وظـّف فيه الشاعر زحاف الطيّ إلى جانب زحاف الخبن نرى المعطيات الاتية :

1) نرى زحاف الطيّ قد دخل في تفعيلات المقطع الأول تسع عشرة مرّة، بواقع سبع مرّات في الشطر الأول من الأبيات (1-3-7-8-13-15) ، واثنتي عشرة مرة في الشطر الثاني من الأبيات (1-3-4-5-8-9-12-14-15-16).

 ومثلما نلحظ أنّ الأبيات (1-3-8-15) قد وظّف فيها الشاعر زحاف الطيّ في شطرَيها ، ولاسيما في التفعيلة الثانية على الوجه الغالب :

1– إنْ كان طال الأمدُ        فبعد ذا اليومِ غـدُ

3- أسياُفُكم مرهفــــة        وعزمٌكم متقــــــد ُ

8- لا تنثني عن بلــدٍ        حتى يشبّ البلـــدُ

15- كمْ جلب الذلّ على    المرء حُسامٌ مغمـد ُ

2) في المقطع الثاني دخل زحاف الطي ّفي إحدى عشرة تفعيلة بواقع خمس تفعيلات في الشطر الأول من الأبيات (2-3-6-7-9) وست تفعيلات في الشطر الثاني من الأبيات (1-3-5-7-11-12). ونلحظ هنا أنّ الشاعر وظّف هذا الزّحاف في كلا شطري البيتين (3-7) :  3–  مرّ وقد تحاشدتْ      عَديــــــدهُ والعـّـدد ُ

                                    7 – تحتثه النارُ كمــا       بالروح سار الجسدُ

وأيضا تمتاز التفعيلة الثانية من هذه الأبيات بوفرة دخول الطيّ فيها مقارنة مع التفعيلة الأولى ، في حين نلاحظ انعدام هذه الوفرة لزحاف الخبن في التفعيلة الثانية .إذ لم يكن لزحاف الخبن فيها من وجود مميّـز.

3) في المقطع الثالث دخل زحاف الطيّ في ثلاث عشرة تفعيلة بواقع أربع تفعيلات في الشطر الأول من الأبيات (2-13-15) وتسع تفعيلات في  الشطر الثاني من الأبيات (2-3-6-9-10-11-14-15-16) .

وبَيّنٌ ذلك الفارق في توظيف زحاف الطي ّ في هذا المقطع مقارنة بالمقطع الأول الذي يساويه تقريبا في عدد أبياته (19-13) مرّة. وفي المقطع الثاني الذي يقل عن المقطع الثالث في عدد الأبيات تقارب عديد مرّات وقوع هذا الزحاف  .

4) يستمرّ زحاف الطيّ في وتيرته الخافتة في المقطع الرّابع موازية لحركته في المقطع الثالث. إذ دخل في إحدى عشرة تفعيلة أربع منها في الشطر الأول من الأبيات (6-9-10-12) وسبعٌ في الشطر الثاني من الأبيات (4-5-8-11-12-13).

ويستوقفنا هنا هذا التوازي أو التماثل بين المقطعين الثالث والرابع فكلاهما تقاربا في عدد أبياتهما (16-14) وكلاهما خفتتْ فيه وتيرة توظيف زحاف الخَبن والطيّ ، وكلاهما تميّز بوفرة دخول الطيّ على التفعيلة الثانية من الشطر الثاني.

ويبدو أنّ صوغ القافية في هذه القصيدة قد اضطرّ الشاعر إلى ادخال زحاف الطيّ في التفعيلة الثانية بوفرة .

وحافظ الشاعر على رتابة توظيفه زحاف الطيّ في المقطعين الثالث والرابع  ليترك المجال للخبن في اضطرامه وتوهّجه. ومردّ ذلك برأيي هو محاولة الجواهري أنْ لايفلت عنان القصيدة من يده فيجعلها تنطلق من دون هداية . فالشاعرُ في موقف الثائر الشجاع ،وفي موقف يتفجّر غنائية بذاته من خلال رؤياه السياسية ،وهو في أكثر من موقع يميل إلى الهجاء والتهجّم ، لاسيما أنّ الشعر السياسي يقوم عموما على تصوير موقف الشاعر من قضايا  أمّته ووطنه، فهو اللسان الناطق باسمها، وهو الضمير الحيّ لها ،فهو في وطنه وأمّته يفعل الدور نفسه الذي كان يؤديه الشاعر في قبيلته([24]).   

إذ إنّ أجواء الرؤيا السياسية التي جسّدتها قصيدته ( ثوّارُ العراق ) تأخذه من حيث لايدري إلى مجالات موسيقية متدفـّقة ومتواصلة . ولو وظّف زحاف الطيّ بذات القوّة التي وظّف بها زحاف الخبن في القصيدة لما أدرك جريَ أنفاسه وهو ينشد القصيدة،أو حتى لو قرأها مع نفسه صامتا.مما يمكن أنْ أسمّيه بـ(الاندفاع الإيقاعي) وهو التدفـّق النغميّ المتواتر وتواصل الأبيات، أو الأسطر الشعرية في توهّجها داخل مجال نغمي متسق عند الإنشاد .

 

ثانيا : تشكيل القافية

القافية عنصر رئيس في البناء العروضي للشعر العمودي وقد وصفها حازم القرطاجني بأنّها((حوافرالشعر،عليها جريانه،واطّراده، فإنْ صحّت استقامتْ جرْيتهُ وحَسُنَتْ موافقتُهُ ونهاياتُهُ.)) ([25]) .

واتخذت قصيدة (ثورة العراق) للشاعر محمد مهدي الجواهري في بناء قافيتها قافية مطلقة مجرّدة من الرّدف والتأسيس موصولة بالمدّ هو (الواو). ([26])

 هذه القافية([27]) أتت على نوعين من حيث الحركات  :

أمّا الأوّل فهو من النوع (المتراكِب) ([28]) ، والنوع الاخر هو من النوع (المتدارَك) .هذا التنوع في حركات القافية منح الخطاب الخارجي بين الشاعر ، وثوّار العراق قوّة وتأثيرا في المجرى الموسيقي ، ومن ثمّ في سمع المتلقيّ  لتتابع الحركات فيها وتنوّعها .

واتخذت القصيدة من حرف الدّال روّيا لها، وهنا نلاحظ الصّورة الصوتية التي يُفَعّلها حرف الرّوي (الدّال) وهو من ((أصلح الحروف للتعبير عن معاني الشدّة والفعالية الماديتين. ))([29]).

ونعلم أنّ جرْس القافية هو((تكييفٌ لرنّة الوزن المجرّد المبنيّ عليه عروض البيت ، ومتى كان هذا الجرْس منبعثا من رويّ واحد في القصيدة الواحدة كان أدعى إلى احكام موسيقاها واتقانها.)). ([30])

ومن حيث الفاعلية الأسلوبية لهذه القافية في تكوين التركيب الشعريّ وصياغة جمله نلحظ الاتي

1) في المقطع الأول نرى شيوع علاقات التوشيح ([31]) .

ففي البيتين الأول والثاني :

1– إنْ كان طال الأمَدُ       فبعدَ ذا اليومِ غدُ
2- ما آنَ أنْ تجلـــــو القـــــــَذى            عنـــها العُـــــيـونُ الرَّمــــــــــــــــــــــــدُ

نرى اشتراك كلمة (غَدُ) مع اللفظة المجاورة لها (اليوم) في الدّلالة الزمانية (……….. اليوم غدُ) ، والعلاقة الواضحة بين صفة (الرّمد) والموصوف (العيون) من حيث الدّلالة على العاهة أو المرض.

وفي البيت الخامس:   5- هبــّوا فعنْ عرينـــــهِ         كيف ينــامُ الأســـــدُ       

 نجد كلمة (الأسدُ) في اخر البيت استجابة واضحة لكلمة (عرينه) الواردة في نهاية الشطر الأول من حيث دلالتها على البيت الذي يسكنه الأسد، وفي البيت السادس نجد العلاقة واضحة بين كلمة (وجمْرة) في اخر صدر البيت، وبين كلمة (تـُخْمدُ) في اخر عجزه:       6- وثورةٌ بلْ جمْرةٌ          ليعْرُبٍ لا تُـخـْمَـدُ

ونرى التكرار الذي ساهم في تكوين قافية البيت الثامن (البلدُ) والارتباط المعنوي بين كلمة القافية (غرّدوا) واللفظة المجاورة (فهلهلوا) في البيت العاشر ،والاشتراك في الجذر اللغوي بين كلمة القافية (لا ترِدوا) مع لفظة (موردٌ) الواردة في اخر صدر البيت الثالث عشر ، ونرى الارتباط المعنوي بين (مُغمدُ) ، وكلمة (حُسام) المجاورة لها في البيت الخامس عشر:

          15– كـمْ جلـب الذلّ على      المرء حُسامٌ مُغمـــــــدُ         

 ومثله بين (تلدُ) في اخر البيت السادس عشر ولفظة (لقاحا) في صدره ، ومثله بين (لا يُضمَـدُ) في اخر البيت السابع عشر واللفظة المجاورة لها (جرحهُ):

         17– إيّاكمُ والـــذلّ إنّ       جرحَه لا يُضمَــدُ    

  ونلحظ علاقة التضادّ التي ساهمت في تكوين قافية البيت التاسع : 

          9– خـَفـّوا إلى الداعي      وفي الحرب جبالاً ركَدوا

            بين (خفّوا) و(وركَدوا).

ونلحظ أيضا الترايط المعنوي بين الكلمتين ( الحرّ) و (لا يُستعبدُ) التي أدت الى تكوين قافية البيت السابع:     7- …………………     والحــرٌ لا يُستعبـدُ

2)  في المقطع الثاني : نرى قافية البيت الثاني (وقيّدوا) قد لمّح لها الشاعر في نهاية الشطر الأوّل بكلمة (الحديد) ،فالقيدُ يرافق غالبا الحديد:

              2- ما تركوا حتى الحديـــــــــــــــــــــــد ِ سلسلــوا وقـيـّدوا 

وفي البيت الثالث  كانت لفظة (عديدُه) المجاورة قد انتجت قافيته (العددُ)، وفي البيت السابع نجد صلة واضحة بين قافيته (الجَسدُ)، وكلمة (بالرّوح) في أوّل شطره الثاني.

ومن علاقة المجاورة أيضا ما نراه في التواشج بين كلمة (مُبرق) المجاورة لقافية البيت الثامن (مُرْعدُ):     8- ……………          فمُبـْرقٌ ، ومُرْعـِدُ

ونجد أنّ كلمة (أجَلٌ) في نهاية الشطر الأوّل من البيت التاسع قد فـَعلّتْ من وجود قافيته (الموعِدُ) من حيث الدّلالة على الزمن.

ومن علاقة الإيغال ، ما نجده في البيت الثاني عشر. حيث المعنى قد تمّ  فيه عند كلمة (قديرٌ) في الدّلالة على ربّ الخلق القادر سبحانه وتعالى، قبل الوصول الى قافيته (أوحدُ) التي أتى بها الشاعر لإكمال قوافي القصيدة أوّلا، ومن ثمّ لترسيخ المعنى في ذهن المتلقي:     12-  مِنْ بعدِ مـا قــدْ        أَبْرمَ الأمرَ قديرٌ أوحَـدُ

3) وفي المقطع الثالث : نرى في البيت الأوّل اشتراك القافية (يُشْهـَدُ) مع لفظة (مشهودة) في نهاية الشطر الأول في الجذر اللغوي (شِهدَ) فيما يُسمّى بـ(ردّ الاعجاز على الصدور) :   1- ودعــوة ٌمشهــودة ٌ     تدعـو ليوم يُـشهِـدُ  

وفي البيت الثاني تعلـّقتْ القافية (الجلمُدُ) الفاعل بالفعل المضارع (يلينُ) في المعنى والإشارة فأنتجتها.  ونرى أنّ تكرار اللفظة ينتج القافية في البيت الثالث بتكرار الاسم (مُحمّد) :     3- ” مُحــمّد ” ومُـعْـجـزٌ          مثـلـُك يا ” مُـحـمّـد ُ”

 ونرى الارتباط المعنوي في انتاج القافية (يستشهدوا) بكلمة (الحرب ) في البيت الخامس:         5- يرونَ أقصى مطمع ٍ       في الحرب أنْ يُستشهدوا            

ونرى انتاج قافية البيت العاشر (يحصِدوا) قد تمّ بالفعل الماضي (زرَعوا) من خلال العلاقة السببيّة:    10-  وأنـّهــم أولـى بمــا       قد زرَعوا أنْ يحصِدوا

 4) وفي انتقالنا إلى المقطع الرّابع: نجد أنّ عملية تكوين القافية استمرّت في هيئتها ونظامها فلم تأتِ شاردة من دون هداية على الأغلب، ففي  البيت الأوّل نجد علاقة التضادّ قد أنتجت قافيته (جدّدوا) في تضادّها مع كلمة (تخلقي) المجاورة :

              1- يا ثورة العُرب ِ انهضي     لا تـُخـْـلِقي ما جـَـدّدوا

 ونجد تعلّق القافية (العُقَدُ) (الفاعل) بفعله المضارع المبني للمجهول (تـُحلّ) في المعنى والإشارة في البيت الخامس.

 

                                الخاتمة

من خلال التنقيب عن القدرة التشكيلية لشاعر العرب الأكبر الجواهريّ على نسج رؤياه السياسية في البنيتين اللغوية والإيقاعية في قصيدته (ثورة العراق)، ومن خلال التكثيف في البحث  الأسلوبي للقصيدة ، وبعد هذه الرّحلة في بحثي الموسوم بـ(ظواهر التشكيل والرؤيا السياسية، في قصيدة (ثورة العراق ) للجواهري) وصلت إلى جني ثمار عملي مُشخـّصاً ومكتشفاً العديد من المعطيات والنتائج أُجملها بالآتي:

1- إنّ أول مظهر تشكيلي يلفت النظر في قصيدة الجواهري ظاهرة (حركية الأفعال) التي أدّتْ دورها الفعّال في بناء رؤياه السياسية ، فالشاعر قد فعـّل قصيدته بأبعاد زمنية متباينة من خلال جمالية خاصة حقـّقتها الانتقالات بين الأزمنة .. ووجدتُ أنّ الشاعر قد ربط بصورة واضحة بين الزمنين الماضي والمضارع مما مكنه من منح الدّفق والفاعلية للحراك السياسي في قصيدته .

  • إن الشاعر قد حرّك فضاء قصيدته (ثورة العراق) من خلال استدعاء الفعل في زمنه الماضي وفرضه بقوة ليسترجع تراث الأجداد ،وتكوين صورة مثيرة ومحرّضة ضد الواقع الأليم ليستنهض الهمم في مقارعة المستعمر البريطاني في ثورة العشرين.

3- الجواهريّ في حركية الأفعال في المقطع الأوّل من القصيدة كان يمهّد أو يوطّئ لعرض رؤياه السياسية من خلال خلجات (الأنا) المتفجرة فيهما .

4- وظف الجواهري فعل الأمر بصورة واضحة في قصيدته هذا الزمن يخدم رؤيا القصيدة  بفاعلية أسلوبية مؤثرة فيها ، ولعل صوت الثورة والرغبة في استحضارها بعمق في المتلقي أثر في هذا التكوين .        

 5- إنّ قافية الجواهري قد نتجت من مجموعة من العلاقات التي أحدثتها طبيعة التواشج بين ألفاظ القصيدتين فلم تأت قوافيها في أغلب الأبيات الشعرية، شاردة من دون هداية بل أخذت طابع الفاعلية والإبداع.

6-  إنّ زحافي الخبن والطيّ اللذين دخلا تفعيلات قصيدة  (ثورة العراق) قد توزعا بنسبة متماهية بين أشطرها ، ولعل الرغبة بالانتظام والتوازن في موسيقى القصيدة قد تحكم بإيقاع داخلي شبه منتظم .

9- القصيدة من خلال توظيفها بحر الرّجزالمجزوء في تشكيلها العروضي تصل في تدفـّقها إلى وصف عنف المعركة ووِقفة الثائر الشـّجاع ، فالجواهري هنا في موضع خطابي واضح ، وموقع الشعر الخطابي التقريري يميل دائما إلى التفخيم والسّرعة. ومن المؤكد أنّ هذا الامرَ يزيد من غنائية القصيدة وعلوّ انشادها وإيقاعها السريع  . فحينما تكون القصيدة تعبيرا عن رؤيا شعرية صادقة، وتجربة حيّة يمرّ بها الشاعر لابدّ أنْ تفرض إيقاعا خاصّا بها.

10- في قصيدة (ثورة العراق) للجواهري  نلحظ استلهاما واضحا للتشكيل الخطابي ، فالشاعر قدّم لنا ملامح واضحة من الخطابية التي تتواءم وغرض القصيدة التعبوي والثوري . إذ شخّصت عددا من الأساليب الانشائية التي بلورت هذا التشكيل وعمقته في القصيدة .

 

 

 

 

 

 

 

         

                                     فهرس المصادر

 

ـ  أزمة المواطنة في شعرالجواهري ، فرحان اليحيى– دراسة تحليلية في ضوء المنهج التكاملي- من منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق 2001 .

– البنية الموسيقية لشعر المتنبي ، محمد حسين الطريحي ، رسالة ماجستير، مقدمة إلى مجلس كلية التربية –ابن رشد- جامعة بغداد ، 1990.

– البنيات الاسلوبية في لغة الشعر العربي الحديث ، الدكتور مصطفى السعدني ، منشورات منشأة المعارف بالاسكندرية ، مصر ، 1987

–  بنية اللغة الشعرية ، جان كوهين ، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري ط1، دار بوتقال للنشر ، المغرب ، 1986 .

ـ الجواهري: سمفونية الرحيل ، (مجموعة مقالات لكتاب عرب) ، اعداد الدكتورة خيال الجواهري ، منشورات وزارة الثقافة – دمشق ، 1999  .

– خصائص الحروف العربية ومعانيها ، حسن عباس ، منشورات اتحاد    الكتاب العرب – دمشق ، 1998 .

–  ديوان الجواهري ، الأعمال الكاملة ، ط2 ، دار الحرية للطباعة والنشر- بغداد – 2001 .

– ذكرياتي ، محمد مهدي الجواهري ، دار الرافدين، دمشق 1988 ، ج 1.  

– شعراء العرب ، علي الخاقاني، ج1، مطبعة العرب، النجف 1954.

– الشعر السياسي في القرن التاسع عشر ، ابراهيم الوائلي، ط2، مطبعة العاني ، بغداد ، 1961 .

  عضوية الموسيقى في النص الشعري ، الدكتور عبد الفتاح صالح نافع ، مكتبة الأنبار – الأردن ، ط1 ، 1985 .

– فضاء البيت الشعري ، عبد الجبار داود البصري ، دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد ، 1996 .

ماضي النجف وحاضرها،محمد جعفر محبوبة ،ج2 -دار الأضواء ، بيروت – ط1 ، 1986.

– محمد مهدي الجواهري-سليم طه التكريتي– دار رياض الريس ، بيروت  .

– محمد مهدي الجواهري ،دراسات نقدية ،أعدّها فريق من الكتاب العراقيين ،اشراف هادي العلوي ،بغداد،1969.

 -ـ معجم المصطلحات العربية في اللغة والادب، مجدي وهبة كامل المهندس ، مكتبة لبنان ،    ط1، . 1974

– منهاج البلغاء وسراج الأدباء، حازم القرطاجني (ت 684هـ)، تقديم وتحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة ، دار الكتب الشرقية ، تونس ، 1966.

– موسيقى الشعر العربي ، أوزانه- قوافيه ، الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي ، دار ابن زيدون ، بيروت ، مكتبة الكليات الأزهرية – القاهرة ، ط1،(د ت).

– موسيقى الشعر ، الدكتور ابراهيم أنيس ، مكتبة الأنجلو المصرية ،ط4، 1972.

 

 هوامش :

([1] )  ينظر: ماضي النجف وحاضرها،محمد جعفر محبوبة ،ج2/ص136 -دار الأضواء ، بيروت – ط1 ، 1986.وينظر كذلك (شعراء العرب )، علي الخاقاني، ج1/ص134، مطبعة العرب، النجف 1954.  

([2] )  محمد مهدي الجواهري-سليم طه التكريتي– دار رياض الريس ، بيروت  : ص 16 .  

([3]) ينظر: الجواهري: سمفونية الرحيل ، (مجموعة مقالات لكتاب عرب) ، اعداد الدكتورة خيال الجواهري ، منشورات وزارة الثقافة – دمشق ، 1999 : ص 119  .

([4] ) ينظر لسان العرب ، وكدلك القاموس في مادة (سَوَس).

([5])  رسائل اخوان الصفا وخلان الوفا، اخوان الصفا ،ج1،دار صادر، بيروت 1957 : 1/ص314  .

([6]) ينظر: تاريخ الشعر السياسي لاحمد الشايب ، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع ، ط2، (د. ت): ص3-4 

([7]) تاريخ الشعر السياسي لاحمد الشايب  : ص11-12

([8] )  الشعر السياسي في القرن التاسع عشر ، ابراهيم الوائلي، ط2، مطبعة المعارف، بغداد ، 1978 : ص123 .

([9] )ينظر: ذكرياتي – محمد مهدي الجواهري ، دار الرافدين، دمشق 1988، ج1/ص138.  

([10] )  أزمة المواطنة في شعرالجواهري ، فرحان اليحيى– دراسة تحليلية في ضوء المنهج التكاملي- من منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق 2001 : ص24  .

(1)  دراسة في لغة الشعر – رؤية نقدية ، الدكتور رجاء عيد : ص 20 . منشأة المعارف في الاسكندرية ، مطبعة أطلس ، القاهرة ، 1979.

([12]) ديوان الجواهري ، الأعمال الكاملة ، ط2 ، دار الحرية للطباعة والنشر- بغداد – 2001 ، ص :  59 .

([13]) تقسيم القصيدة على مقاطع من وضع الباحث لغرض تسهيل الدراسة ومعطياتها.

([14] )  أزمة المواطنة في شعر الجواهري : ص 308 .

([15])  البنيات الاسلوبية في لغة الشعر العربي الحديث ، الدكتور مصطفى السعدني ، منشورات منشأة المعارف بالاسكندرية ، مصر ، 1987.  : ص 158.

([16] )   أزمة المواطنة في شعر الجواهري ص 158

([17]) (ويلسن هو الحاكم العسكري البريطاني في العراق إبّان ثورة العشرين) . ينظر الديوان، ص:  61.

([18]) محمد مهدي الجواهري ،دراسات نقدية ،أعدّها فريق من الكتاب العراقيين ،اشراف هادي العلوي ،بغداد،1969. ص: 46  .

([19]) الزحاف هو تغييرات تصيب التفعيلة العروضية نقصا أو زيادة في الأسباب بحذف بعض سواكنها وتسكين متحركاتها ،وكذلك في الأوتاد بتسكين أول متحركاتها ، ينظر: منهاج البلغاء وسراج الأدباء، حازم القرطاجني (ت 684هـ)، تقديـم  وتحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة ، دار الكتب الشرقية ، تونس ، 1966.:ص260 .  

([20])   عضوية الموسيقى في النص الشعري ، الدكتور عبد الفتاح صالح نافع ، مكتبة الأنبار – الأردن ، ط1 ، 1985.  : ص 61 .

([21])البنية الموسيقية لشعر المتنبي ، محمد حسين الطريحي ، رسالة ماجستير، مقدمة إلى مجلس كلية التربية –ابن رشد- جامعة بغداد ، 1990: ص 91 .

([22]) بنية اللغة الشعرية ، جان كوهين ، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري ط1، دار بوتقال للنشر ، المغرب ، 1986: ص 86 .

([23]) الطي ّهو زحاف يتمثل بحذف الحرف الرابع الساكن من التفعيلة العروضية . ينظر : موسيقى الشعر العربي ، أوزانه وقوافيه- الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي ، بيروت والقاهرة،ط1، ص: 31.

([24]) ينظر : الشعر السياسي في القرن التاسع عشر ، ابراهيم الوائلي، ط2، مطبعة العاني ، بغداد ، 1961: ص 117- 118 .

([25]) منهاج البلغاء وسراج الأدباء، حازم القرطاجني : ص 127.

([26]) ((القافية المطلقة هي التي يكون الرّوي فيها متحركا ، والقافية المقيّدة هي التي يكون الرويّ فيها ساكنا.)) موسيقى الشعر العربي ، أوزانه- قوافيه ، الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي ، دار ابن زيدون ، بيروت ، مكتبة الكليات الأزهرية – القاهرة ، ط1،(د ت). ص : 155 .

أ- الرّدف :هو حرف لين قبيل الروي وهو إمّا (الف) أو (واو) أو (ياء) ، ينظر المصدر نفسه ، ص : 146.

ب-  التأسيس: ((وهو ألف يفصل بينها وبين الرّويّ حرف متحرك)) المصدر نفسه ، ص : 14.

([27]) لغرض تيسير الدراسة في هذا البحث سآخذ برأي الأخفش في تحديده القافية بكونها آخر كلمة في البيت الشعري  .. ينظر: موسيقى الشعر،الدكتور ابراهيم أنيس ، مكتبة الأنجلو المصرية،ط4، 1972: ص: 36 .

([28])..أمّا المتدارك فهو نوع من القافية يمتاز بوقوع حرفين متحركين بين المتراكب : نوع من القافية يتميز بوقوع ثلاثة حروف متحركة بين ساكنيها ساكنيها .

([29])خصائص الحروف العربية ومعانيها ، حسن عباس ، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق ، 1998: ص 67 .

([30]) المصدر نفسه : ج3/ ص834.

([31]) التوشيح هو((وجود علامات وعلاقات في حشو البيت تدلّ على قافيته)) فضاء البيت الشعري ، عبد الجبار داود البصري ، دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد ، 1996.  ص : 126- 127.

 

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *