أ.د. نادية هناوي سعدون : اسلوبية التعريب الشعري دراسة في منظومة البستان لسعدي الشيرازي

اسلوبية التعريب الشعري
دراسة في منظومة البستان لسعدي الشيرازي

أ.د. نادية هناوي سعدون

ملخص البحث
سعدي الشيرازي شاعر فارسي عاش في القرن السابع للهجرة (ت690هـ او694هـ) ولقب بكوكب الغزل الفارسي وقد عرف بكتابة الشعر منظوما باللغتين العربية والفارسية . وتعد منظومته المسماة البستان أول تأليف له ، وقد قام الأستاذ محمد الفراتي بترجمة هذه المنظومة الى اللغة العربية شعرا .
وقد وجد المنظومة تقدم صورة صادقة عن الشاعر الصوفي الكبير وعن نظرة عصره الأخلاقية إلى الوجود . وقد حافظ المعرب في ترجمته الشعرية للبستان على اعتماد القصة الشعرية وسيلة فنية لتوصيل المعاني الأخلاقية والتربوية عن الإنسان والحياة والكون بالشكل الذي كان الشيرازي قد حرص عليه في شعره مستثمرا المستويين الصوتي والموضوعي..
وقد اعتمد على المستوى الصوتي للقصيدة وحدة البيت وتعدد القوافي .،أما على المستوى الموضوعي فان المترجم حاول أن يحافظ على الطابع القصصي للحكايات الوعظية التي تنطوي على حكم أخلاقية وتربوية مصاغة شعرا.

Critical study in Arabization poetic of (AL-Bustan) Sa’di AL-Shirazi
prof .Dr. Nadia Hanawi Saadoon
college of Education / University of al- Mustansiriyah

Abstract
Sa’di Shirazi Persian poet who lived in the seventh century of al-hijra (d. 690 AH or 694 AH) and he was named the planet of Persian romantic poetry, has been known both in Arabic and Persian. And his system which is called Al –Bustan is the first authored and the Professor Mohamed Fourati translated this system into Arabic poetry.
He found the system offers a true picture of the great mystic poet and on ethical look his age into existence. Has maintained expressed in poetic translation of the grove on the adoption of the poetic story and technical means for communicating the ethical and educational meanings for human life and the universe as it was Shirazi had taken care of his poetry both audio and objective levels.
As for the audio level of the poem, he adopted home unit and multiple rhymes., On a substantive level, the translator tried to keep the fictional character of the didactic tales involving moral judgment, and educational worded poetry.

تقديم
سعدي الشيرازي (ت 690 هـ أو 694هـ) هو الشيخ شرف الدين بن مصلح الدين شاعر فارسي ” ولد من اسرة متدينة في شيراز .. وكان والده في خدمة الاتابك سعد بن زنكي واليه نسب بلقب شهرته سعدي ” .
وحياة هذا الشاعر متنوعة بسبب كثرة الأسفار التي قام بها والحوادث التي مر بها بدءا بالمرحلة الأولى ” حين مات أبوه وبقي الطفل في رعاية ملك شيراز سعد بن زنكي وحين شب الطفل أوفده الملك سعد إلى بغداد لدراسة العلم في المدرسة النظامية هناك .. ” ، وكان التحاقه في” المدارس العلمية.. كالعضدية والنظامية والمستنصرية وكذا البيئات العربية التي جابها كالعراق ومصر والشام والحجاز قد تكاتفت واشتركت معا في تشكيل حصيلته العربية كما كان لها بالغ الأثر في بلورة شخصيته الأدبية ” .
والدور الثاني من حياته حين ” خرج الشاعر من شيراز للتجول في البلاد وبلغ شرقا إلى الهند وغربا إلى سوريا والحجاز ” ، أما الدور الثالث من حياته فهو ” دور الكتابة والتأليف .. فألف سعدي أول ما ألف منظومته المسماة بوستان أو سعدي نامه .. وبعد سنة من إتمام بوستان ألف كتابه الآخر كلستان نثرا وأهداه إلى الملك أو إلى ابنه .. ويتلو هذين الكتابين ديوان كبير.. من القصائد والغزليات والرباعيات والأشعار الفكاهية ” .
وقد اشتهر سعدي الشيرازي ” بشعره وأدبه في حياته ، شهرة طبقت الآفاق وشهد الأدب الفارسي ببراعته جيلا بعد جيل ولا يقارن به في الغزل إلا مواطنه الحافظ ” ، وكان يجيد كتابة الشعر منظوما باللغتين العربية والفارسية بعد أن شهدت اللغة العربية وآدابها اهتماما كبيرا عند الكتاب في إيران الذين كانوا ” يعتمدون على الكتابة لا على الرواية الشفوية وكانوا ينقلون من وثائق مدونة ” . وصار الاهتمام بالعربية قد ” تجاوز حدود تلك التاثيرات بنفوذه الى خصائص التراكيب اللغوية في التعبيرات الفارسية مما يوشك ان يكون استثناء في صلات اللغات بعضها ببعض ” .
وقد غلب على شعر سعدي ” الأسلوب الفني الصناعي الذي كان شائعا قبله اسقط منه ما كان متكلفا وجعل السهولة واللطف المبدأ الوحيد في تناول الصناعات اللفظية واستخدامها ” ” ولشهرة سعدي كثرت ترجماته والتعريف به بالعربية واللغات العالمية ”
وإذا كان سعدي الشيرازي قد لقب بكوكب الغزل الفارسي فانه وبعد ترحاله إلى بغداد ولقائه بالشيخين الصوفيين شهاب الدين السهروردي والشيخ شمس الدين أبي الفرج ابن الجوزي قد صار شاعرا زاهدا متأثرا بمبادئ التصوف.
وكان الطابع الصوفي الزاهد حاضرا دائما في أشعار سعدي وحكاياته الوعظية والإرشادية وضمن سياق قصصي شيق متأثرا في ذلك بالأدب العربي والهندي مستخدما التناصات التاريخية والأسطورية والدينية والشعبية في الحكايات والأمثال والأقوال والقصص الدينية كقصة يوسف وزليخا .. أو قصص الغزل كقصة ليلى والمجنون .
وتعد منظومته المسماة البوستان أو البستان أو سعدي نامه التي ألفها سعدي الشيرازي لملك شيراز الاتابك أول تأليف له في حياته بعد أن عكف على التأليف والكتابة وطوى تلك المراحل من حياته التي قضاها في السفر والتنقل في الأمصار شرقا وغربا .. وقد تناولتْ شعر سعدي الشيرازي دراسات عربية كثيرة ، قام الأستاذ جاسم عثمان مرعي بجمعها وهي :
1. العالم المنشود في بستان سعدي الشيرازي، الدكتور يوسف بكار ، مجلة البيان ، العدد 49 و96 ، الكويت ، 1974 .
2. سعدي الشيرازي شاعر الإنسانية ، الدكتور محمد موسى هنداوي ، القاهرة ، 1951.
3. سعدي الشيرازي خريج بغداد في العصر العباسي الأخير ، الدكتور حسين علي محفوظ ، بغداد 1963.
4. كلستان سعدي ، ترجمه الخواجا جبرائيل بن يوسف مخلع الدمشقي عن الفارسية، مزاوجاً فيه بين الشعر والنثر وطبعه في مصر عام 1864م ـ 1263هـ
5. كلستان سعدي روضة الورد ، ترجمة محمد الفراتي ، المطبعة الهاشمية ، دمشق 1961
6. البستان ترجمه شعرا ، محمد الفراتي ، دمشق 1969
7. بوستان سعدي الشيرازي ، ترجمة الدكتور محمد موسى هنداوي ،مكتبة الانجلو المصرية ، القاهرة ، الجزء الأول 1954والثاني 1961.
8. روائع من الشعر الفارسي مختارات من سعدي وحافظ وجلال الدين الرومي ، ترجمه محمد الفراتي ، دمشق ، 1963 .
9. الشيخ سعدي الشيرازي (شعره العربي)،عبد الوهاب عزام ،كلية الآداب ، القاهرة العدد الثامن ، المجلد الأول ص1ـ ص 12.
10. سعدي الشيرازي في بلاد الشام ، محمد الفراتي ، مجلة المجمع العلمي ، دمشق ، مجلة المجمع العلمي ، العدد 36 ص200ـ 211
11. متنبئ إيران في الشام سعدي الشيرازي، حسين علي محفوظ، مجلة المجمع العلمي، دمشق العدد 35ص253ـ 269.
تعريب شعر الشيرازي
على الرغم من اختلاف الآراء حول تحديد القرن الذي ظهر فيه الشعر الفارسي ؛ إلا إن نهاية القرن الثاني للهجرة تشهد ” أن أبا العباس المروزي هو أول من انشد شعرا فارسيا استقبل به المأمون العباسي عند مجيئه إلى مرو وهذا القول يرد عند محمد عوفي في كتابه لباب الألباب ” .
ويبدو أن هذا الشعر ــــــــ وفي غضون نصف قرن ــــــــ قد ” بلغ أشده وصار شعرا ناضجا كاملا متنوعا في أساليبه آخذا بناصية المعاني والألفاظ ” …
وقد انتهج الشعر الفارسي شأنه شأن الشعر في مختلف الأمم والحضارات أساليب قولية وفنية مختلفة وكانت له أغراضه وأنواعه فهناك الشعر الغزلي والشعر الملحمي والقصصي ومن أهم الشعراء الفارسيين خواجو الكرماني والجامي ومكتبي شيرازي ووحشي البافقي وسعدي الشيرازي.
اما في مجال النثر فقد تأثر الادب الفارسي بالأدب العربي فيما يخص جنس المقامات بسبب ” أن الترجمة من العربية إلى الفارسية كانت أعمق أثرا في أدب الفرس بعد الفتح فبفضلها وجد النثر الفارسي وتطور واتبع في تطوره نفس المراحل التي مر بها النثر العربي. ” .
وتوصف فاعلية الترجمة في بعديهما الفني والتقني بأنها عملية إنشاء المحددات الشكلية وعملية نقل فعلي لا لفظي للمحددات المضمونية . وأساس الترجمة وجوهرها هو كفاءة المترجم في اللغة وأمانته في التحري الدقيق للألفاظ وأساليبها تشبيها أو استعارة أو كناية .
وقد تترادف كلمة الترجمة مع كلمة التعريب وهو ما ذهب إليه بعض القدماء والمحدثين من ان (التعريب) بمعنى (الترجمة) لا يبتعد كثيراً عن معنى الإبانة والإفصاح وهو الرأي الذي نوافقه فالترجمة ترادف التعريب ، لكن هناك من يرى ان التعريب هو أن تلفظ الكلمة الأعجمية في اللغة العربية بذاتها دون ترجمة وان (التعريب اللفظي) هو وسيلة اللغة العربية في احتواء الكلمة الأعجمية عندما تعجز وسائل التوليد اللغوي أو محترفوها عن إيجاد المعادل اللغوي العربي للكلمة الأعجمية. .
وتعد محاولة ترجمة الشعر بالشعر نمطا فنيا غايته أن يجعل الترجمة من اللغة الأصل إلى اللغة الأخرى أمينة لا تخون النص الأصلي ولا تنتقص منه وهذا ما يستدعي من المترجم كفاءة عالية وحسا فنيا مرهفا حتى يتمكن من نقل الكلمات والجمل والصور بدقة وبأقل ما يمكن من التفريط بالأمانة.
وتعد ترجمة الأستاذ محمد الفراتي لمنظومة (البستان ) عن الأصل الفارسي شعرا هي الأولى فكان متقناً اللغتين المنقول عنها والمنقول اليها، عارفاً بأسلوب المؤلف وإنشائه وألفاظه وتصوراته ومتقيدا بالأصل من ناحية انطباق المعنى ونقل الحكم والنصائح والحكايات التي نظمها سعدي الشيرازي بأسلوب شعري فني يقوم على أساس تنوع القافية او وحدتها ، لاسيما اذا علمنا ان “مصطلحات الشعر الفارسي في لغة الادب الاسلامية ماخوذة كلها عن اللغة العربية من حيث قياس الايقاع والوزن في الشعر على حسب المقاطع الطويلة والقصيرة قياسا كميا لا كيفيا بالتفاعل والبحور مع التزام القوافي في كل ابيات القصيدة او في بعضها ” .
واذا كانت الترجمة تجعل المترجم يعيش داخل نصه.. وهو يحاول أن يصوغ على منوال ما يستشفه بذاته كأديب عربي .. ، فان المعرب كان قد حدد سبب ترجمة المنظومة في انها ” تقدم صورة صادقة عن الشاعر الصوفي الكبير وعن نظرة عصره الأخلاقية إلى الوجود ” .
وكان الشيرازي قد ذكر الاسباب التي حملته على تأليف المنظومة وهي : الإحساس بالاغتراب والشعور بالانتماء للوطن والرغبة في العطاء الشعري ومحاولة نشر الحكمة والتعقل وبذلك تتوزع الاسباب كالاتي :
( الاغتراب ) ( الانتماء )
طوافه في أقطار الأرض وحيازته خبرة كبيرة حبه لوطنه إذ لم يجد أرضا تؤويه مثل ارض شيراز
( العطاء ) ( التعقل)
عذب البيان والامتلاء بالعلم مخاطبته لأرباب المعاني والأفكار
وسعى المعرب الأستاذ محمد الفراتي الى استغلال المستويين الصوتي والموضوعي ، فأما على المستوى الصوتي فانه اتخذ الشعر وسيلة اتصالية تسهم في عملية استيعاب المعاني الأخلاقية والتوجيهية وتوصيل الدلالات القيمية والروحية واعتمد في الاغلب الاعم على بحور المتقارب والرجز والهزج والرمل وباستخدم نظام القافية المزدوج او المثنوي ” اي توافق كل مصرعين في قافية او روي واحد وغالبا ما يكون موضوع المثنوي القصص الشعري والملاحم ”
أما على المستوى الموضوعي فان المترجم حاول ان يحافظ على اسلوب القصة بوصفها وسيلة فنية لتوصيل المعاني عن الإنسان والحياة والكون مما كان الشيرازي حريصا في منظومته البستان على استغلاله .
وتضم المنظومة قسمين اشتمل الأول على ثلاثة أبواب ، والثاني تضمن سبعة أبواب مع مقدمة في الثناء على الخالق جل جلاله ومدح سيد الكائنات عليه أفضل الصلوات .
واغلب القصائد التي حواها البستان ذات حكايات تصب في باب الوعظ والإرشاد وهذه الحكايات ذات طابع قصصي او تاريخي او ديني او أسطوري.
وحاول المعرب ان يحقق للأشعار الأبعاد عينها التي حملتها الاشعار باللغة الاصل وهي أبعاد تندرج في خانة أدب الحكمة الموجه إلى الملوك أو ما كان يسمى أدب التوقيعات التي كانت من تقاليد الأدب الفارسي المؤثرة في الأدب العربي في العصر العباسي … .
وبغية الوقوف على اسلوبية التعريب الشعري لمنظومة البستان وماهيته وظيفيا ؛ فإننا سنتناول المحاور الثلاثة الآتية :
المحور الاول / أنماط القصيدة المعربة .
المحور الثاني / الاتجاهات الموضوعية في القصيدة المعربة .
المحور الثالث / السمات الفنية في القصيدة المعربة .
المحور الأول / أنماط القصيدة المعربة
دارت نصوص البستان الشعرية في الجزء الأول حول موضوعات عدل الملوك وسياسة الحكمة والإحسان والعشق ، وكانت موضوعات الجزء الثاني من البستان تدور حول التواضع والرضاء بما حكم القضاء والقناعة والتربية والسكر والتوبة والمناجاة ، وهذا الجدول يوضح المساحة الشعرية التي شغلتها هذه الموضوعات داخل المنظومة :

الباب الموضوع عدد القصائد
الأول عدل الملوك 51 قصيدة
الثاني في الإحسان 31 قصيدة
الثالث في العشق 22 قصيدة
الرابع التواضع 27 قصيدة
الخامس في الرضاء بالحكم القضاء 15 حكاية
السادس في القناعة 16 حكاية
السابع في التربية 34 حكاية
الثامن في الشعر 15 حكاية
التاسع في التوبة 24 حكاية
العاشر في المناجاة 5 حكاية
وتبعا لما تقدم فان انماط بناء القصيدة عند الشيرازي اشتملت على ما يأتي :
أ) القصيدة الصوفية /
لقد كان العرفان العملي في عصر الشيرازي قد اقتصر” على توضيح الوظائف العملية للتصوف ونقل أقوال المشائخ وذكر مقالاتهم ومقاماتهم وكراماتهم تشويقا وترغيبا للمبتدئين من المريدين والسالكين .. فكانت مصنفات القوم ومدوناتهم بمثابة الرسائل العلمية التي ينبغي على السالك التقيد بتطبيق ما ورد فيها من وظائف عملية في سعيه إلى بلاغ المقامات العالية ” .
ولما كان الشعر عند سعدي الشيرازي عبارة عن تجلٍ ذاتي أو حضور صوفي له غايات مجازية ، فانه في الوقت نفسه خلا عنده من الايغالات النظرية ..
وتأسيسا على هذا النهج سعى الشيرازي الى اتخاذ القرآن الكريم بآياته الكريمة وقصصه بالمباركة معينا مهما في قصيدته الصوفية أمده بالصور والمعاني والألفاظ فاغترف منه ما شاء من وسائل وتعابير وأدوات .
وكان الأستاذ محمد الفراتي على دراية بان ” عيون الأدب الفارسي قاطبة من إنتاج أقطاب الصوفية ومن اقتفى أثرهم ” ؛ لذلك اولى القصيدة الصوفية اهتماما خاصا موظفا الأساليب البلاغية مما اختزنته ذاكرته من مخزون شعري أمده بالمرجعيات المعرفية ورفده بالشواهد القولية التي تعينه على تعريب الصورة الشعرية نفسها التي أراد الشاعر الشيرازي توصيلها إلى قرائه او نقلها الى سامعيه ..
فنقل مناجاة الشاعر للبارئ عز وجل ( يا راحم العفاة وذا العزة وباسط الأرض ورافع السما وذا اللطف والجود والازلي والرحيم والحكيم والساتر والبصير والحافظ ومدير الافلاك ) ولم يتوان عن نقل المخاطبات على لسان سعدي حين يخاطب نفسه آمرا إياها بالطاعة وناهيا لها عن ارتكاب المعاصي والموبقات لاسيما في الخواتيم ومن ذلك قوله :
باسـمك يا بارئَ روحٍ في البدن بَرءا وفي اللسان مبدعَ اللسنْ
يا راحم العفاة يا ذا المـقدره يا قابلا من الجناةِ الـــمعذره
ذو عزةٍ فكل من عن عزتِهْ أدار وجهه قـــــــضى بذلَّته
فباسط الأرض ورافع السما لم يحبس الأرزاقَ عمن أجرما
قريبة من العفاة رحمتـــــــهْ وكل مضطر تجاب دعوتُه
مخترع ومبدع منذ القدم مصور الجـــــــــــنين داخل الرَّحِم
مدير افلاك السما إلى أمد وباسط الأرض على ماء جمد
قد حارت العقول في صفاتهِ اجـــلْ ولم تبصر جمالَ ذاته
احــــــاط علمه بكل الــــعالم فــــــــهل به يحيط وهم الواهم
لا ترجُ يا سعدي الوصول للصفا ان رمت نهجا غير نهج المصطفى
وقد منح هذا النفس الديني مقدمة البستان توجها إصلاحيا ، وكد رسالة الشاعر الأخلاقية التي حاول تبليغها للأجيال .

ب) قصيدة المديح /
” انتقلت تقاليد القصيدة العربية الى القصائد الفارسية بملابساتها وخصائصها فكانت قصائد المدح الفارسية تفتتح بالغزل والتشبيب ” . وقد شغل المديح النبوي قسما مهما من المقدمة التي امتلأت بالنفس الصوفي فكثرت نعوت سيد الكائنات باجمل الدلالات الإسلامية عن خلقه عليه أفضل الصلوات ومكانته عند الله عز وجل ،وقد ادرك الشاعر انه مهما احسن في مدحه صلى الله عليه وسلم ، فانه يبقى مقصرا بحقه :
ومن يكـــــــــــــن بشرع طه ملحدا فلن يـــــــــرى بعينه نور الهدى
في المدح سعدي لم يزل مُقصِّرا فاقبل سلاما منه يا خير الورى
وقال في قصيدة أخرى :
زينُ السجايا وجميل الشيم ِ هادي البرايا وشفيع الأمــــــــــــــــــــــم
هادٍ إلى الخير إمام الانبيا مــــــــهبط جبريلَ الأمين المجتبى
……….
لقدرك الرفيع طأطأ الفلَك ولم يزل ادم طـــــــــينا ما احتبك ْ
أصل الوجود أنت كنت أولا وكـــــــــــــــــــــــــل موجود ففرعٌ قد تلا
باي نعت لست ادري انعتك يا من على النجم تسامى منبتُك
يكفي بان كنتَ الاعزَّ الاكرما ( لولاك ما ادرتُ افلاك السما )
وكذلك خص الشاعر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم بالمديح ناعتا صفاتهم ومبينا طيب خلقهم :
فأول الصحب أبو بكر الأغرْ يتلوه معلي الدين بالعدل عمر
يليه ذو النورين عثمانُ الولي وحيدرُ راكبُ ( شاه دُلدِل )
بحق أبناء البتول فاطمه اجعل على التوحيد ربِّ الخاتمه
وعلى الرغم من ان الشيرازي قد اقرَّ بانه لا يسعى الى مدح الملوك ؛ الا ان رغبته بالتعريف بالقيم الأخلاقية والصفات النفسية التي ينبغي أن يتحلى بها الملك مع الرعية هي التي حملته على ذلك .. قال :
ما ذاك من طبعي ومالي مطلبُ ولست في مدح الملوكِ ارغب
لكن نظمتُ باسم من هو الرجا لعل يوما أن يقــول ذو حــجا
وبدأ بذكر محامد الاتابك أبي بكر بن سعد بن زنكي وعدّد صفات الملك وانه عالي الجناب ومأمن الهاربين وان أمواله مبذولة للسائل وانه طالب لخير الثواب وتاجه فوق الثريا ومتواضع عظيم وزين شريف وصاحب جود وصاحب أصل وإمام الحق وبحر السخاء وظهير العالم .. الخ
ومدح أيضا ابن ملك الإسلام سعد بن أبي بكر بن سعد ذاكرا نعوته وسجاياه ومنها الهمة العالية والجود .. ، خاتما مدائحه بالحكمة والنصيحة كنصيحة كسرى لهرمز أو خسرو لشيرويه أو سابور وكسرى ، وغالبا ما يتحول غرض المديح عنده إلى الحكمة والنصح باستعمال أفعال الأمر مثل قوله :
قل له ضع على التراب المُحيا لا تكن للاله عبدا عصيَّا
أو بالنهي :
فلا تلُم من فاته شــــــــــــــــــــــبابهُ وحالفتــــــــه بعدَ ذا اوصابُهُ
ومثل ذلك ايضا ( قل ، احن هامتك ، اخلع لباس الملوك ، قل له ربك العلي القدير ، قل له لا يقل لي الأمر وحدي ـ وليقل : إنني أذل عبيدك ـ اعني على القيام بشكرك ـ قم له خاضعا يزد من ثوابك ) .

ج ) الشعر القصصي الطويل /
على الرغم من الأثرَّ الكبير للأدب العربي في الأدب الفارسي ؛ الا ان الشعر القصصي كان له حظ وفير في الادب الفارسي حتى ” انفردت به الفارسية بوصفه جنسا أدبيا مستقلا ولكن الأدب العربي اثر فيه في موضوعاته الدينية .. أو موضوعاته الفلسفية .. أو في التيارات الفكرية الفلسفية التي غزته بتأثير الدين الإسلامي .. ” .
وبعض القصص الشعرية في البستان هي عبارة عن حكايات دينية في أخلاق الأنبياء وبعضها الآخر حكايات شعبية ذات طابع خلقي مثل قصة اعتلاء اردشير العرش ، وحكاية خسرو لشيرويه وحكاية الأب المقتر والولد المبذر وحكاية نصيحة ألام لابنتها وحكاية شكاية امرأة لزوجها وحكاية الشيخ الذي يكثر الصلاة في السفر وحكاية عن امرأة طلبت من زوجها أن يعمل ويأتي بالرزق وحكاية الرجل والكلب والفقير والبخيل وحكاية طلب الإحسان والغلام والكبش وحكاية الرجل الذي صار ثعلبا وحكاية جمشيد المبارك .
وحكاية العالم والقاضي المتكبر وحكاية عن شاعر قدم من بحر عمان وخالط العرب وعاشر العجم وتعلم العلوم وعرف الأخبار واقبل على ملك ، فأعجب الملك بعلمه وحكمته فأراد امتحانه قبل أن يوليه القضاء حتى لا يخدع فيه وعقله ضاربا المثل بقصة العزيز يوسف فقال :
تقوى على السهم فكن أخا نظرْ ما دام بعدُ لم يجاوز الوترْ
يوسف مع تقواهُ لو لم يمتحنْ سنينَ ما صار عزيزا مؤتمن ْ
وحكاية في توبة ابن ملك كنجه وقد اشتهر بالظلم والفجور فأتى إلى المسجد يوما وهو مخمور فراه عابد معتكف وله خلق كثير جلسوا للهدى والرشد ، فامتعض منه العابد فدعا الله عليه رافعا اكفه فوقع الأثر على ابن الملك فمرض وعرف أن الغلطة لا تنفع وان المداراة وحسن الخلق هي سمات القول المحترم وختم القصيدة قائلا :
خذ الحديثَ العذبَ من سعدي إذن وذو الكلام المرِّ دعه يُمتهنْ
وحكاية عن قائد جند اسمه دارا وكان مولعا بالصيد فابتعد عن جنده ، ووجد راعيا فقال له : اين انت ذاهب في هذه البيداء ؟ ، فقال له دارا : ان هناك عدوا لا بد ان ارديه قتيلا وقصد بذلك الراعي نفسه فخاف الراعي وصاح لست عدوا لا تعجل ، فقال له : لو لم تكن محظوظا لكنت في عداد الموتى .. فقال الراعي: ان الصفح شيمة الملوك الذين يفرقون بين الظالم والمظلوم وانتهى بحكمة قال :
فالملك عرشه الى انصداع ِ ان يُمسِ بالتدبير دونَ الراعي
وحكاية عن جمجمة بنهر دجلة قالت لعابد بقصد العظة وسماع النصيحة من ميت وحكاية في معنى العمل الحسن والعمل القبيح وعاقبة كل منهما ، وحكاية قزل ارسلان والجوَّاب العارف وكان متعجبا بقصره ، فجاءه يوما رجل نبيل فسأله ارسلان هل رأيت مثل هذا الملك فقال : إن الملوك بنوا صروح العلى فأقاموا فيها حقبة من الزمن ثم هبت عليهم رياح المحن وهكذا فالقدر يخبئ ما لا يعرفه المرء .
وحكاية عن قحط في دمشق بسبب الجراد وحكاية عن ملك في المغرب له غلامان بطلان فصار لك واحد جنود وبعد موت الملك كان احدهما عادلا والآخر كان ظالما فالأول مضى بسيرة حسنة والآخر راح بلعنة الأبد . وحكاية عن الحاكم الظالم الذي نشر الشر وعادى الخير . وحكاية عن الرأي الذي يأتي عن فتى والرأي الذي يأتي عن شيخ مسن جرب الحياة . وحكاية عن الحبر من الروم الذي قابله سعدي ورأى فيه الجود واللطف وحكاية عن الثري الذي أغلق بابه بوجه السائل وحكاية الرجل الذي أضاع طفله . وحكاية الملك الذي ضاعت منه ياقوتته بين الحصا . وحكاية عن ذي الثروة . وحكاية الشيخ والفتى . وحكاية الرجل الذي رأى في نومه المحشر . وحكاية عن زنبور عشش بسقف دار لرجل . ومقال في هيبة الملوك وسياسة الملك . وقد تكون الحكايات موضوعة على لسان الحيوان كحكاية النسر والباشق وحكاية الحمار وحكاية الناقة الذلول . وهذا الجدول يبين الحكايات ومواضعها في البستان :
موضوع الحكاية الموقع
في الاعتراف بالمعروف 1/ 53
مجافاة العدو لأجل الصديق 1/ 63
في صبر الكرماء على جفاء اللؤماء 1/ 68
في الصبر والرضا والتسليم بحكم القضا 1/ 79
في الإخلاص وبركته والرياء وافته 1/ 99
مذلة كثرة الأكل ، 1/ 116
في فضيلة السكوت ، 1/ 135
في حفظ السر ، 1/ 137
في ان سلامة الجاهل بسكوته ، 1/ 139
بالصمت نجاة ، 1/ 143
في تربية الأولاد ، 1/ 173
حكاية الأب وابنته 1/ 251
من احرق بيدره لسكره 1 / 264
حكاية الغني الأسير 1/ 39
الراعي ودارا 1/ 70
حكاية المختار المؤذي 1/ 108
الفقير الصادق مع الملك 1/ 139
العارف والكذاب الوقح 1/ 180
شكاية امرأة لزوجها 1/ 189
الأب المقتر مع الولد المبذر 1/ 183
الأب وابنه 1/187
الشيخ الذي يكثر الصلاة 1 /191
الملك الصالح مع الدرويشيين 2/48
حكاية العابد وسماعه للعابر النابح 2/ 55 ـ 56
حكاية حاتم الأصم وسيرته في التواضع 2/ 57
حكاية الزاهد مع السارق 2/ 59
العابد والعارف على البربط 2/ 68
الشاطر الأصفهاني 2/ 81ـ 78
الفتى الفارس 2/ 88ـ 89
الطبيب مع الكردي 2/ 90
حكاية بختيار 2/ 93
الطفل الصائم 2/ 103
المرء الذي أصيب بالحمى 2/ 114
حكاية بطن الصوفي 2/ 117
بائع قصب السكر والعارف 2/ 118
الظائي والمخمور 2/ 149
حكاية بائع العسل المتجول 2/ 32ـ33
في معنى تواضع الخيرين 2/ 43
في معنى عزة النفس 2/ 35
في الصبر على المكاره 2/ 236
في معنى سفاهة اللؤماء وتحمل الكرماء 2/ 44
وفي عاقبة العجب بالنفس 2/ 52
حكاية شيخ شيراز 2/ 130
حكاية الصوفي والرجل 2 / 163
الزاهد 2/ 181 ـ183
الشيخ الفاني وتحسره على أيام الشباب 2/ 231ـ 234
الطبيب والمعمر 2/ 235
وقعت بين عدوين 2/ 248
حكاية العاكف على الصنم 2/ 284
حكاية المعربد في المسجد 2/ 286

واتبع التعريب الشعري اسلوب السرد الموضوعي الذي يكون الراوي فيه عارفا بكل شيء فحكاية الغني الأسير يسوقها بلسان الغائب عن تاجر باغتته اللصوص وهو سائر فاستلبوا مال القافلة وكان الحرس عنهم غافلون لينتهي الى ان المملكة التي ليس لها حرس مصيرها الفناء وقد أخذ في النصح والإرشاد فالملك لا يهين الغرباء ويراعي الجود في استقبال الضيوف .
وعادة ما يفتتح الحكاية بالفعل سمع او حكي او اخبر ( اسمع حديثا ص 66، سمعت عن دارا ص70 ، حكى امرؤ لي عبرة من العبر ص75، سمعت ان قيصر الروم شكا ص80 ، مضى عن الشام حصيف فاعتزل ص83 ، سمعت ان ملكا ص96 ، واسمع حكاية الغلام العادل ص98 ، انبئت عن جمجمة بدجلة ص105 ، قال اب لطفله ص 113، سمعت عن ملك كبير ذي حشم ص139 ، حكوا لنا عن ظالم ص 145 حكوا بطرق الحج ص 191 ، شكا فقير امس ضعف حاله ص 202 في الدرب صادفت غلاما عاديا ص209 كان لحاتم جواد ادهم ص 216 ) وعادة ما ينهي سرده باستخلاص العبرة والحكمة .
وكان الحوار وسيلة فنية تسمح بالمناظرة وقد ادت الأمثال في خواتيم القصص الشعرية دورا جوهريا نظرا لألفاظها القليلة ومعانيها الكثيرة ولما تتضمنه من قيم إنسانية مثل الخوف من الله تعالى والتقوى والبعد عن الطمع والظلم والإساءة والإفادة من تجارب السابقين والاجتهاد في اصلاح حال الرعايا وعدم الحياد عن هدى العقل والتمسك بالرأي السديد وإنصاف العباد والفعال الجميل والبعد عن الأشرار والحزم مع المسيئين.
ومثلما ” كان للعرب حكم وأمثال وجمل قصيرة تصاغ صوغ الأمثال وحكايات تنقل أخبار الملوك والوزراء والوعاظ والحكام .. وكان لها اثر كبير من الأخلاق الإسلامية والآداب العربية وكان للفرس ذخيرة كبيرة من هذه الحكم والأمثال ” ، فكذلك كان الشاعر مهتما بالحكمة إلى درجة تغليبها على المديح وساق كثيرا من الحكايات في النصح والدعوة إلى طاعة الله ناصحا نفسه قبل غيره :
سعدي يناجيك: استمع نصيحتي لا تــــــــــسلمُ الجـــــــرة كلَّ مـــــــــرة
ما دمت يا سعددي جسورا في الكلِم فافتح بسيف النصح آفاق الحِكمْ
وله نصائح عن التدبير والإحسان والرأي السديد والبعد عن الغضب والقوة والدعوة إلى الإصلاح والمروءة والتفكر..الخ.
ومن الشطور التي تصلح ان تكون حكما وعظات على سبيل التمثيل لا الحصر ( اجبر الكسير وتفقد حال الفقير ، لا ترم راحة نفسك وحدك ،لا تنم وأنت راعي ، احرس البائسين ، لا تجرح شعبك ، أن تكون عبدا تقيا أن لا تكن فظا غليظا ) .

المحور الثاني / الاتجاهات الموضوعية في القصيدة المعربة
بقيت الغاية الخلقية السامية هي خلاصة ما عكف الشاعر سعدي الشيرازي على تحقيقه في (البستان) . وقد دأب على توكيد اتجاهات موضوعية محددة انبثت في اغلب نصوصه الشعرية ، ، ويمكن ان نحدد تلك الاتجاهات كالآتي :
1. الاتجاه الغزلي/
يشير د. محمد غنيمي هلال إلى ” إن القصيدة الغنائية في الفارسية سارت على نظام تطورها في العربية فكان الغزل فيها تابعا للمدح ثم صار الغزل جنسا أدبيا مستقلا ثم وجد الغزل الصوفي وان كان الغزل الصوفي أكثر تنوعا وأعمق معاني في الفارسية منه في العربية ” .
وكان الشعراء الرومانسيون ينظرون ” إلى المعاناة في الحب على أنها نوع من جهاد النفس الذي هو الجهاد الأكبر وهو اشد وأقسى على النفس من الجهاد في الحرب ” ؛ وقد شكلت النزعة الرومانسية مكانا خصبا في منظومة البستان فمال الشاعر إلى حكايات العشق واستعذاب الم الحبيب ، قال :
شَهْدٌ بذكرى من أحب العلقمُ والسمُّ من يد الحــــــبيب بلسمُ
يبغي الحبيبَ وهو معه دائـــــــــــــما كالعيسِ في البيداءِ يقتلها الظما
ومن شدة وجده لم يبق في قلبه مكان للحقد بعد ان ملكت الحبيبة قلبه ، قال :
غَريرٌ كسعدي ليس يعرف ما الحقدُ سبته كعاب ، في مراشفها الشهد
فؤادي مكانٌ للحبيب ، فهل تــــــــــــــرى من الحق عندي ان يحل به الحقدُ
وتناول حكاية مجنون ليلى ـــــ التي شكلت ” في الأدب الفارسي.. العمل الأدبي المتكامل منذ انتقلت إلى إيران ” ــــ وان قيسا لما راى ليلى أعجب بجمالها فلامه الناس على ذلك .. فأجهش بالبكاء وقال : لا تلوموني فلومكم أنفذ في أحشائي من السهام :
رأى قيسَ ليلى مُعجبٌ بجمالها وباللؤلؤِ المكنون في صَدَفِ النظمِ
فقال : أيا زينَ الطباع الا ترى لليلاكَ حقا أن تعوجَ على الرسمِ
….
وإذ سمع التقريع أجهشَ بالبكا وقالَ : الا ابعدْ عن أذاي وعن ظلمي
كفاني ما بي فابتعدْ عن مَلامتي فلومُك في احشايَ أنفذُ من سهمِ
وصور في غرض الغزل العذري شدة معاناته ومقدار كلفه بالمحبوب وقلة صبره في انتظار اللقاء به حتى شبه ذلك كله بحب يعقوب لابنه يوسف عليهما السلام قوله :
عليَّ لا تعتبْ إذا لم اصطبرْ فليس للصبر لدى العِشق اثرْ
من يوسفٍ يعقوبُ ما بتَّ الأملْ وقد عَمي من حزنه ولم يَمَلْ
ومن الغزل الصوفي حكاية الشمعة مع الفراشة التي عشقت النار التي فيها هلاكها فكانت دلالة على من اتلف نفسه في حب الحبيب وهو لا يرى في ذلك إرهاقا ولا نصبا:
قالت : انا عاشقةٌ لاغروَ ان القيتُ نفسي في اللهيب المحرقِ
فلستِ مثلي فعلامَ ذا البـــــــــــــكا وحرقـــُكِ النفسَ ولما تعشقي
قالت لها الشمعة :يا بنةَ الهوى غاب حبيبي الشهدُ عني فارفقي
فمذ نأى الكرى عن مقلتي واشتعلتُ نار الاسى بمفرقي
على بهار الخد من دمعي جرى سيلٌ لسيلٍ صاخب من حُرَقي

وقفتُ والنيرانُ ترعى جسدي فان شجاكِ مصرعي فأشفقي
لا تحسبي أني سراجُ مجلسي وفي الحشا نارُ هوى لم تُطَقِ
أنرتُ للناس ولم اعطف على قلبي ولم اعبأ بجسمي المرهَقِ
وقد ترجمها الناقد د.محمد غنيمي نثرا تحت عنوان (الفراشة والشمع) ووجد ان الشاعر سعدي قد اضفى” على هذا الغزل الصوفي الفلسفي طابعا خلقيا تغلب عليه نزعة عملية عرف بها سعدي ” . وقد ترد في القصيدة الغزلية أوصاف الحبيبة المتغزل بها :
لها جسد كالوردِ يُصيبك عَرْفُهُ ومعسولُ لفظٍ بالمشاعرِ يلعبُ
يريك دمَ العشاقِ لونُ بنانِها إذا هي بالعُنَابِ للحسنِ تُخضبُ
وحاجبُها قوسُ السحاب ، او انه لعابدِها المحرابُ ان رامَ ينصِبُ
وكذلك قد تضفي اوصاف الورد والخمر والشهد والسكر لمحة وجدانية على الحبيبة :
بلا خمارٍ أيُّ خمر تُحتسى وأيُّ وردٍ دون شوكٍ يُجتنى
عبدٌ له يلذُّ دومـــــــــــــــــــا قيدُه من فخه يأبى الخــــلاصَ صيدُه
يحتملُ اللومَ من الخلق اجلْ بالصبر من سُكرِ الغرام كالجَمَل
وهو لا ينسى أن للحب معاناة تنزع الحبيب عن راحته وتطيح بهنائه فتتركه عاجزا متحيرا :
إن كان ذا حبا أساسهُ الهَوس ْ لرغــــبة مبنيةٍ على الدنَسْ
فكيف حالُ سالكٍ به عَلِقْ وفي خِضمِّ بحر معناه غَرِق
عن نفسه بحب من يهوى شُغِلْ وعن جميع ما سواهُ قد ذَهِل
وهو لا يتوانى أن يصرح بمروره بهذه التجربة وانه اكتوى بنار الحب وقد لفحه لظى العشق المستعر :
لا تُعطِ في حربِ الغرام ظهركا فقد هوى سعدي شهيدا قبلكا
فـــــــــباذرُ الحب كثيرا يتعبُ لكنه بعد الحصاد يلعب
بمجلس العشقِ من احتسى الطلا يلقَ غدا من حبه ما أمَّــلا
ولا يتردد من أن يلبس قناع فتاة عاشقة قائلا على لسانها :
واسمع هنا ردَّ بنتِ الروض قائلةً خِلِّي هو النورُ لا أخشى به العَطَبَا
أشعلةٌ هذه أم وردةٌ فلقد طارت بعقلي ولُبي في الهوى سُلبا
اني احس بها بردا على كبدي نار الخليل اماطت للهوى الحجبا
الم يكن حبه كالطوق في عنقي يهوي به للهيب الشوقِ منجذبا
سر انجذابي إليه لستُ أدركه فكيف اطلب في بُعدي إذن سببا
فلا يعبني امرؤ في حبه فانا بالطوع راضٍ بقتلي كلما طلبا
….
والموت ما دام محتوما فليس سوى وجه الحبيب إليه ابتغي الهربا
وعلى عادة الشعر العربي العباسي الذي عرف فيه تغزل الشعراء بالمذكر وردت لديه أبيات في هذا الصدد كحكاية محمود الغزنوي وسبب اختصاصه ايازا بمحبته وكان ايازا جميلا وحسن الطبع ؛ فعشقه الغزنوي وصادف أن ذهب في رحلة للهند فطاح بعيره وتحطم صندوق الدرر والجواهر فذهب الجند وشغلوا بالجواهر أما ايازا فاتبع الغزنوي ولم تشغله الجواهر ، فكان مخلصا له وللاحسان ونكران الذات قال :
لقد عابَ محمودا أناسٌ لحبه “ايازا” وغالوا بالتعجبِ والنقد

وفي سمع محمود ترامى حديثُهم ففكرَ والتفكير يهدي إلى الرشدِ
فقال : لحسن الطبع فيه عشقتُه ولم يكُ عشقي للرشاقةِ والقدِّ

2. الاتجاه الوعظي /
هذا الاتجاه طبع شعر سعدي بنزعة صوفية وخلقية فأورد كثيرا من القيم الخلقية الايجابية الرفيعة بغية زرعها في نفوس المتلقين ، انطلاقا من اسلوب الترغيب والترهيب فاما الترغيب فانه يزرع في النفوس القيم المعنوية والصفات الخلقية الرفيعة كالتواضع والتعبد وشكر النعمة وحسن السلوك :
• التواضع حين يتذكر الانسان من اي شيء خلق وفي معنى نظر رجال الله لأنفسهم بحقارة قال :
بالكبر تهوي للحضيض الأسفلِ وان تواضعتَ فحتما تعتــــلي
من الترب سواك الذي برأ الورى فيا عبدُ كـــــــن بين الأنام ترابا
فما أنت من نار خُلقت فلا تكن غضوبا سفيها أن أردتَ صوابا
تواضعْ ، ففي طبع التراب تواضعٌ وفي الكبْرِ نار قد تحورُ شِهابا
من النار إبليسٌ فكان وقودَها وادمُ من تــــــــــربٍ فنال ثوابا
• التعبد والتوكل/ صفة من صفات الأيمان بالله تعالى فهو سبحانه الرزاق :
فمنذ ان كان جنينا في الرحِم فعمـــــــــــــــــره ورزقـــــــــــه له قُسِمْ
لا يهملُ المملوكَ يوما سيدُه فهل ترى يهمل عبــــدا موجدُه
فكن على الله اذن معتمدا ولا تكن كالعبد يرضى السيدا
ولخص الشروط الواجب اتباعها في أداء فريضة الصلاة :
أحببت ان اصوم في عهد الصغر وان اطيع الله فيما قد امرْ
وعابدٌ في الحــــــــــــــي قد علمني فرض الوضــــــــوء واتباع السنن
فقال : انوِ قبل بدء العملِ وبعدها بالماء وجهَك اغسلِ
واغسل يدا بعد يدٍ للمرفق والبدء باليمنى شعارُ المتقي
والرأس فامسح بعضه على الاثرْ والفرضُ ان تمسحَ ظاهر الشَعْر
واغسل الى الكعبين رجليك معا وذا هو المطلوب ممن قد وعى
• الشكر للنعمة / فالعبد الشكور هو المقر بنعم الله تعالى عليه وان العاقل من نظر الى سبب الاسباب لا الى الاسباب :
فالشكر وحده لمن مِنَ العدم قد برأ الانسانَ من لحم ودم
لقوة منك تراه رزقك فاشكر له الفضل على ما وفــــــــــــــــقك
• حسن السلوك / اذ ان المؤمن من تحلى بالسلوك القويم كالشجاعة والسماحة والخلق الرفيع :
فالليث في الهيجاء لا ينهزمُ ولا يـــــــخيفه الحسامُ اللهذم
باللين تجعل العدو صاحبا وان حـَــــــــــقَرتَ صاحبا تنكَّبا
من لم تؤدبْه العوادي المحرقهْ يظل كالسندان تحت المطرقهْ
كنْ حسنَ الاخلاق محمودَ الشيم مـــــــع الضعيف والقوي تُحترم
• فضيلة السكوت / فمن شيم العبد المؤمن البعد عن الثرثرة وحفظ اللسان والصمت :
بالمنطق المحكَمِ تبدي قوتكْ فاحذر من الهراء يُنقصْ قيمتك
عن صحبة الثرثار فابتعد تُجل وأحــــــــــــسن الكلام ما قلَّ ودلْ
في القلب منك السر قد تحجبا لا تـــــــــــــــــــــــفتح البابَ له فيهرُبا
فالشمعُ من لسانه يحتـــــــــرقُ وكم يــــــــــــــــجرُّ للبلاء المنطق
……..
احكم الرأي ثم قل ما تشاءُ أو دعِ القول فالسكوتُ دواءُ
• التوبة / فهذا الشيخ الفاني يتحسر على أيام الشباب وانه ليس أمامه الا التوبة :
لم يبق لي بعد المشيب من أمل وفي الشباب قد عداني العمل
وا أسفاَ عمري العزيزُ قد ذهبْ وما تبقى قد يُلحُّ في الطـــــــــــــلب

واما اسلوب الترهيب فانه ناجع في درء القيم الذميمة ومجانبة التخلق بها والتحذير من مآل من يتمسك بها ويتخذها سلوكا في حياته مثل الحسد وشرب الخمر ، والتكبر والجشع والثرثرة والسرقة والاحتيال

3. اتجاه الفخر بالشاعرية /
وردت في البستان أبيات كثيرة تغنى فيها الشاعر بموهبته الشاعرية مذكرا بالمعاني الأخلاقية التي يسعى اليها من وراء نظم الشعر وقد صرح بذكر اسمه كثيرا وهو النهج الذي التزمه المترجم ايضا في التعريب للأبيات :
خذ الحديث العذب من سعدي إذنْ وذو الكلام المرِّ دعـــــــــــــْـــــه يمتهن
إن خالك الحـــظ ولم توفـــــــــــــــــــــــــق فكن كسعدي أنت عذبَ المنطقِ
وقال مخاطبا المتلقين مفتخرا بشاعريته ومكانته في عالم الشعر وان حروفه وان كانت مكتوبة بحبر اسود فانها تبقى نيرة كالبدر :
في كل سطر من كتيبي حجبْ مجلوةُ المعنى لعشاق الأدبْ
خلف الحروف السود معنى نيرُ والبدر بالغيم الكثيف يُستر
فشعر سعدي في الزمان لا يُملْ وكم وراء الستر تُلقى ذاتُ كل
في شعر سعدي خصلتان تظهرُ كالنار ، إحراق وضوء يَبهَرُ
لم يؤذني نقد الحسود الخانس ان قال : نارا لا ترُم من فارسي
…….
بشعر سعدي ليس تنظر العدى الا الى العيب متى لهم بدا
بالف بيت جيد لم يشعروا وان يروا فيها (زحافا) زمجروا
وساق في إطار قصصي حكاية شويعر ناظر سعدي واخذ عليه انه لا يقول شعرا في وصف الحرب ، فدعاه سعدي إلى المناظرة في وصف الحرب ، فكان مصير الغريم ان خسر الرهان فقال:
في ليلة أنرتُ زيت فكرتي ولاح نور من سنا بلاغتي
وكان في مجلســـــــــــــــــــــــــنا شويعرُ منه سوى أحسنت لستُ أبصرُ
فقد اظهر الخبثَ لدى استحسانه وبانَ نـــــــوع الطعنِ من لسانه
يقول : سعدي شاعر البلاغةِ في الزهد والطامات ذو ملاحةِ
لكنَّ وصف الحرب لا يجيدُه ومن ســـــــــــــــــواه نُظمتْ عقودُه
ما الحربُ من شغلي ولا اهوالُها ولو اردت لم يضِق مجالُها
تعال نعلن وصــــــــــــــفها فننظر ُ من الذي في ذا الجـــــــــــــــــــــدال يُقهَرُ

المحور الثالث / السمات الفنية في القصيدة المعربة
جاء البناء الأسلوبي للنصوص الشعرية المعربة مبنيا على وفق المعاني التي اراد سعدي الشيرازي ايصالها الى المتلقين وعلى المستويين البلاغي والصوتي وكالاتي :
أولا / المستوى البلاغي : الذي اشتمل على الاساليب الإنشائية كالاستفهام والامر والنهي والنداء والتمني والتقديم والتأخير والفصل والوصل والقصر فاما الاستفهام فانه لا يراد به الاستفهام الحقيقي وانما يراد به التحسر وتصوير هول المصاب مثل قوله :
فقالت : وما وزني الى جنب وزنه ؟ وما هو قدري بين امواجه الخضر ؟
ومن القصر قوله :
فلم تكن يقظى بذاك المجلسِ من سكرها الا عيونُ النرجس
ومن النداء:
فاسقِ أيا ربِّ بغيث رحمتك ثرى أبي بكر بفضل منتك .
ومن النهي :
لا تفكر بغير جبر الكسيرِ وتفقد ما اسطعتَ حال الفقيرِ
ومن الامر :
اعمل لاخراك وهيئ العُدد لا امراة مشفقة ولا ولد
ومن الاساليب البيانية توظيفه للتشبيه والاستعارة والكناية والرمز والمفارقة ناهيك عن استخدمه حسن التخلص وحسن الابتداء فاما التشبيه فقد ورد في عدة وجوه كالتشبيه المفرد والمركب والمرسل والمفصل والبليغ والضمني والتمثيلي والغاية منه ايجاد علاقات جديدة ، بغية الافهام والتعليم فمن المفصل قوله :
وخاطب النفس خطابا قاسيا كوعظ من يرتكبُ المعاصيا
اذ ذكر وجه الشبه بين المشبه الخطاب والمشبه به الوعظ . ومن التشبيه المرسل الذي يمكن فيه حذف اداة التشبيه قوله :
فانت ان جريتَ في مضمارهِ حُقرتَ بين الناس كاحتقارهِ
ومن التشبيه البليغ الذي يكون اصل المشبه والمشبه به مبتدأً وخبراً :
كأنما الغبار ليل مظلمُ به السيوف اذ تهاوى انجمُ
ومن التشبيه التمثيلي :
كالسنة الجدباء عنه يهرب مبصرُهُ وكالهلالِ يُــــــــــــــــرقب
ومن التشبيه الضمني:
ومن يكن بالذكر حي النفسِ يضيء كنور الشمع وسط المجلسِ

كانه عصـــــا الكليـــــــــــــم يلقفُ ما في يـــــد الانام وهو مُرهَف
ووظف الشاعر الاستعارات بانواعها والغاية منها توكيد المعنى والمبالغة فيه والايجاز وتحسين المعنى عن طريق التوليد والتجديد . وهي اما تصريحية حذف المشبه منها مثل :
فلا تُرق ماء المحيا بالرِّيا من آسن لا ترج غرسا ناميا
فالمرء الذي لا ينفع معه عمل كالماء الاسن الذي لا يرجى منه نبات، واما الاستعارة المكنية فمثل تشبيه نور الشمس بالماء الذي يذهب النعاس من العين :
نام الى ان غسلت شمسُ الضحى بنورها عن اعين الناس الكرى
ومن الاستعارات التمثيلية التي تفيد تشبيه صورتين منتزعتين من امرين او امور اخرى قوله :
في الدرع يمضي السهم ان حم الاجل ودونه لا يخرق الثوبَ الاسل
ومن الكنايات التي تلمِّح الى المعنى ايحاء لا تصريحا بقصد نسبة معنى لازم قوله : فارغ القلب ، فارغ اليد ، يده مغلولة ، شمس عمره :
فكن مثل سعدي فارغ القلب تمتلي بمعرفة ترضي المكارمَ، والرَّبا
وما تجد هناك فاحمل وعُد خير من ان تعود فارغَ اليد
عدتْ على قوَّتة يد الفلَك ْ ويدُه مغلولة انىَّ سلك
ذو شوكة بين ملوك عصره ِ دنتْ من الافولِ شمسُ عمرِهِ
اما استدعاء الشاعر سعدي للتناص القرآني والشعري واستغلال إمكانات السرد والحوار والمفارقة والأسطرة والميثولوجيا ، فان المعرب سعى الى توظيف ذلك كله بنائيا ، ومن التناص الجزئي قوله :
لا تكن يا بني فظا غليظا محنقا ترغب الأداة مغيظا
وهو تناص محوّر عن الآية الكريمة ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) وكذلك قوله:
فالحرب بين اثنين نارٌ تلتهبْ وانما النمَّام حمَّال الحطبْ
مع الاية الكريمة ( وامرأته حمالة الحطب ) ووظف الشاعر لفظة وردت في الآية الكريمة ( دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ) بشكل جزئي فقال :
فأرى الموت قاب قوسين مني فاروِ خير الحديث ما عشتَ عني
واخذ الشاعر قوله تعالى ( فسخرنا له الريح تجري بامره رخاء حيث أصاب ) بشكل محور قائلا :
الم يجر فوق الريح في كل شارق بقدرة باريه سرير سليمانِ
ومن التناصات الكلية والجزئية ما اخذه الشاعر من الآيات الكريمات ( كل امرئ رهينة بما كسب ) و(سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) و ( طوبى لهم وحسن مآب ) و( يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) و ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ) في بناء هذه الأبيات على التوالي :
كل امرئ رهن غدا بما كسب قل للظلوم بالسوء المنقلب
لم يجن من (طوبى) غدا أشهى الثمر من لم يكن يغرس خيرا للبشر
( هل من مزيد ) في غدٍ جهنمُ تقول والمعدةُ منها اظــــــــــلمُ
كم حارت العقول في خلق الإبل ْ حيرتها بالحسن في ( جينو جيكل )
وتقوم طريقة المعرب الأستاذ محمد الفراتي على توظيف تناصات الشاعر القرآنية عبر التعالق مع الآية أما باللفظة أو اللفظتين أو بالألفاظ كلها او أية بكاملها مثل (اقتربت الساعة وانشق القمر ) ، فقال :
إذا سل سيف العزم والحق ظهر اقتربت الساعة وانشق القمر
أو بالتعالق مع قصة قرآنية كقصة يوسف عليه السلام في قوله تعالى ( واوحينا اليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ) :
ما قد جرى ليوسف في محنته إذ كان طفلا كله من إخوته
وحين أمسى قادرا عنهم عفا لحسن خلق منه يدعو للصفا
فلم يزجهم بسجن مطبق بل ردهم رد عزيز مشفق
ونحن يا رب عبيد رحمتك فلا تـــــــــــذلنا بحق عزتك
ووظف الشاعر القصة في الاية الكريمة (قال اتوني زبر الحديد حتى اذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا ) في تناص جزئي فقال :
بالقطر والحديد قد نجى البشر من شر يأجوج (سكندر) الاغرْ
وأنت بالعسجد جـــــُـــــــــــــــــــدت بعده ان كان بالحديد أعلى سدَّه
ويكون التناص مع الحديث النبوي الشريف أيضا تاما غير محور او جزئيا محورا فمن الاول قول الشاعر :
فان ملكت الأمر والنهي معا فلا يليق ان تكون امعا
وان عداك اليد واللسانُ فاغضب بقلب ملؤه الايمانُ
وقد جمع الحديثين الشريفين ” لا يكن أحدكم إمعة يقول أنا مع الناس ” و” من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ” ومن التناص الجزئي مع الحديث الشريف ( ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ):
فما أنت من نار خلقت فلا تكن غضوبا سفيها إن أردت صوابا
من النار إبليسٌ فكان وقودَها وادم من تُرب فنال ثــوابا
اما التناصات الشعرية مع شعراء جاهليين وإسلاميين وعباسيين فكثيرة منها قول سعدي :
فالسيلُ ينحط سريعا من عَلِ بـــــــقوة وهيـــــــــــــــبة للأسفلِ
وهذا تناص جزئي مع قول امرئ القيس :
مكر ، مفر مقبل ، مدبر ، معا كجلمود صخر حطه السيل من علِ
وبالتناص مع قول الامام الشافعي :
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
قال الشاعر :
اسمع ْ من العدو نقدا لاهبا عين ُ الصديق لا ترى المعايبا
واما قوله :
قال الفتى للضيف كاشفني اذن ْ فنحن روحانِ حللنا في بَدَن ْ
فانه اخذه من بيت الحلاج :
انا من اهوى ومن اهوى انا نحن روحان حللنا بدنا
فاذا ابصرتني ابصرته واذا ابصـــــــــــرته ابصرتنا
واورد تناصا جزئيا مع قول المتنبي :
تريدين لقيان المعالي رخيصة ولا بد دون الشهد من ابر النحل
فقال سعدي :
فالورد محفوف بشوك فاصبرِ ودون جني الشهد وخزُ الإبر
ومن التناص مع الامثال قوله :
عن صحبة الثرثار فابتعد تُجل وأحسن الكلام ما قل ودل
قد قيل “من مأمنه يؤتى الحذر ” هيا عن التقصير بادرْ واعتذر
وباستخدام الاسلوب القصصي وتوظيف الحوار يقوم التناص التاريخي على التعالق مع الوقائع والاخبار كخبر ملك مصر والمختار المؤذي والحجاج الذي نقل عنه انه قد ناصره احد الأحبار ، فغضب عليه الحجاج وأمر بقتله فدار بينهما هذا الحوار الشعري :
قال له الحجاجُ مم تضحك ُ وممَّ تبكي وقريبا تهلكُ
فقال لم ابكِ لموت يُفزعُ لكن ورائي بائساتٌ اربعُ
وهناك تناصات تاريخية عن سابور بعد ان عزله كسرى فأصابه الفقر والبؤس وكذلك التناص مع خبر ملك الروم الذي شكا تقدم السن ، وكذلك تعالقاته مع خبر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يحكي عن سيرته في التواضع :
أتى عليا رجلٌ بمشكل ِ لعله على يديه ينجلي
فجاوب الإمام ( باب العلم ) بقدر ما الهمه من فهمِ
وكان في المجلس ذو رأي فطن فقال : ما اصبتَ يا أبا الحسنْ
فما طغى حيدرةٌ ولا عَلا وقال : ان تعلم فحلَّ المشكلا
فقال *: لما سمع الجوابا نعم لقد اخطأتُ اذ أصابا
قد يخطئ المرءُ وقد يصيب والله وحده هو المجيب
وكذلك تناصه مع خبر عن عمر بن الخطاب :
داس على رجل امرئ يوما عمرْ من غير قصد اذ به ضاق الممر
فما درى المسكبنُ مـــــــــن آلمهُ واشـــــــــــتد في تأنيبه ، ولامَــــــــــهُ
قال : ا أعمى انت ؟ وهو مضطربْ فجاوبَ المسكين اعدلُ العرب
ما انا اعمى ، لا عداك النجحُ اخطاتُ يا اخي ومنك الصفحُ
ما احسنَ الرفــــــــق من الحكام بكل ذي ضعــــــف من الانام
تواضعُ الهداة من مثل عـــــــــــــمر كالغصن يُحنى اذ يغص بالثمرْ
وروى خبرا تاريخيا عن ذي النون المصري وتواضعه :
واخبروا ذا النون عما قـــــــــــــــــــــــد ألم ْ بالناس من جوع ويأس وألمْ
قالوا : ادع من اجل الجياع لا البلد حيث دعاءُ الصالحين لا يُردْ
وقد وظف الشاعر الشخصيات التاريخية مثل حاتم الطائي الذي عرف بكرمه وجوده :
لا غرو ان بالجود حاتمُ اشتهرْ ما دام خُبــْرُه يطابق الخبرْ
وعن معروف الكرخي ساق أخبارا وروايات عن حبه للمعروف موظفا اسلوب المفارقة الفنية ومن ذلك قوله :
في الكرخ كم قبر هنالك اندثرْ وقبرُ معروف ينير كالقمر .
والمغزى من وراء تناصاته التاريخية التذكير بما مضى لأجل اخذ العبرة والعظة ومن ذلك خبر عن عمر بن عبد العزيز الذي كان له خاتم ذو جوهرة حسنة مشعة مشرقة ومر عام فيه قحط وجفاف فلم يهنأ بحاله لذا قرر بيع جوهرة الخاتم ووزع ريعه على البائسين وقد لامه بعض الناس على بيع الجوهرة فقال :
فقال : ما أقبح ان اُزينا والشَّعبُ بالبؤس يُعانى المِحنا
اجل يليقُ ان يكون خاتمي من غير فصٍ ان اجدْ كحاتم ِ
وتتعاقب التناصات التاريخية عند الشاعر سعدي مع شخصيات كثيرة مثل حاكم اليمن ولقمان الحكيم وبهلول والجنيد البغدادي وسيرته في التواضع والوزير افريدون والسلطان طغرل ومليك دامغان الخ .
ثانيا / المستوى الصوتي: وظف المعرب مختلف التزيينات اللفظية البديعية مثل الجناسات والطباقات والتكرارات في بناء الاشعار وكالاتي :
1. الجناس : هو الاشتراك اللفظي الذي فيه تتجانس الحروف في كلمتين او اكثر في البيت الواحد فمن الجناس الناقص نذكر على سبيل التمثيل لا الحصر التقارب الصوتي الذي جاء بين حروف كلمتي المواضع والتواضع والفردوس والفردوسي فقال :
فليست العزةُ بالمــــــــــــــــــــــــــــــــواضعِ وإنــــــــــما العزةُ بالتواضع
أحسن بيتٍ قاله الفردوسي ربِّ اسقه الكوثر في الفردوسِ
ومن الجناس التام الذي تتماثل فيها اللفظتان صوتيا وتختلفان معنويا هذا البيت الذي ودت فيه لفظة ذهب بمعنيين الاول الاسم (المعدن الثمين) والثاني الفعل الماضي بمعنى( المغادرة )::
زكِّ وهب ما دام في اليد الذهب ْ فالأمر لم يبقَ بأيدي من ذهب
2 ) الطباق / وهو تضاد في اللفظتين او الجمع بين الضدين مثل هذا التناظر بين لفظتي الضعيف والقوي ويضيء وقاتم مثل :
كن حسن الاخلاق محمودَ الشيم مـــــــع الضعيف والقوي تحترم
وان يضيىء نجمُك العوالما ونجمُ أعداك يعودُ قاتــــــــما
3) المقابلة / وذلك بان يؤتى بمعنيين متوافقين ثم بما يقابلهما على الترتيب كأن يوظف الشاعر معنى العصيان والخدمة في البيت الاول ثم يعكس ذلك المعنى بالاشارة الى صفتي الذل والعز مدعما المغزى بحقيقة ان من يطير لابد ان يقع:
ومن عصى أميرَه ولازمَك لا ترجُ يوما ان يكون خادمَك
فالذل بعد العز عقبى من رتعْ قالوا : ومن طار فلا بد يقعْ
وقد تاتي المقابلة بقصد السخرية والتهكم والتحقير كقول الشاعر مقابلا بين حال من كان عرقه اسود فلا يزيل لونه الغسل وبين الصفصاف كشجرة لا يرجى منها ثمر:
بالغسل لا الزنجي يمسي اشقرا ولا من الصفصاف تجني الثمرا
لم ترَ في الطاووس حسن شكله فرحت مشغولا بقبح رجله

الخاتمة/
شكل الإسلام العظيم منظومة عقائدية ثقافية تجلت فيها أشكال الانتماء وتباينت فيها المقاربات الحضارية فتحقق الاندماج المعرفي داخل الهوية الأدبية لتمتد في تكونها إلى الشعوب الإسلامية الناطقة بالعربية وغير العربية .
وقد أسهمت الترجمات في التعريف بآداب الشعوب الإسلامية غير الناطقة باللغة العربية فتعالقت الآداب معا في تواصل فني وموضوعي. وصار الأدب وسيلة من وسائل التاثير الحضاري والإصلاح الأخلاقي في التربية والتعليم ، وظل الشعر ميدانا رحبا في نشدان العدل وزع القيم المثالية في المجتمع .
وقد ذاع صيت الشاعر الفارسي سعدي الشيرازي بعد ان انشأ منظومته البستان ليودع فيها جل خبراته وحكمته عن الحياة والسلوك والإنسان ، وقد نقل الأستاذ محمد الفراتي هذا الإرث الإنساني إلى اللغة العربية شعرا لأول مرة عن الأصل الفارسي .. وقد امتاز تعريبه لابيات سعدي بميزات نجملها على النحو الاتي :
1. اغلب القصائد تقوم على وحدة البيت على طريقة المزدوج او المصرع وهناك كم قليل من الاشعار جاءت على بنية عضوية موحدة القافية .
2. توزعت موضوعات النصوص الشعرية بين التصوف والمديح والشعر القصصي الطويل مما يدخل في عدل الملوك ، في الاحسان ، في العشق ، في التواضع ، في الرضاء بما حكم القضاء ، في القناعة ، في التربية ، في السكر ، في التوبة ، في المناجاة .
3. امتازت القصيدة المعربة أسلوبيا بالكثير من التراكيب والصيغ البلاغية واللفظية وقد تراوحت اتجاهات الشعر بين المغزى الاخلاقي والتوجه الصوفي والنفس الاجتماعي الواقعي وعادة ما تختم النصوص ببيت يمدح فيه الشاعر نفسه او يحث القارئ على اتباع نصائحه .
4. وضعت الاسماء الفارسية التي وردت بين اقواس كبيرة مثل انوشروان وزالاورستما وقزل ارسلان ورودبار وكرمان واسفنديار وصدر خجند .
5. تتعاقب التناصات القرانية والشعرية والنثرية والتاريخية في اشعاره لتوكد غزارة المرجعيات المعرفية وتوافرها عند الاثنين الشاعر والمعرب معا .

فهرس المصادر والمراجع /
القران الكريم
1. الأثر العربي في أدب سعدي الشيرازي دراسة أدبية نقدية ، الدكتورة أمل إبراهيم محمد ، الدار الثقافية للنشر ، القاهرة ، الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة ، 2000.
2. الأدب العربي المعاصر في إيران ، جاسم عثمان مرعي ، مؤسسة البلاغ بيروت لبنان طبعة اولى 1993
3. الأدب المقارن، د. محمد غنيمي هلال ، ، دار نهضة مصر ، القاهرة د.ت .
4. الادب المقارن دراسات تطبيقية في الادبين العربي والفارسي ، د. محمد السعيد جمال الدين ، ط2، 1996
5. البستان ، الشاعر سعدي الشيرازي ت، رجمه شعرا محمد الفراتي القسم الاول والثاني ، منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي دمشق 1969 .
6. الترجمة في خدمة الثقافة الجماهيرية ، سالم العيس ، من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 1999نسخة الكترونية
7. دراسات في الأدب واللغة مهداة من أعضاء التدريس بقسم اللغة العربية وآدابها إلى جامعة الكويت إعداد وتقديم عبد الله احمد المهنا ، 1977.
8. الشعر المترجم وحركة التجديد في الشعر الحديث ، د. حلمي بدير ، طبعة ثانية ، دار المعارف ، القاهرة ،1991
9. مجلة الحياة الثقافية تصدر عن وزارة الثقافة والمحافظة على التراث ، تونس ،ابن عربي والثقافة الصوفية الفارسية ، فريد قطاط ، العدد 199 ، جانفي ، 2009 .
10. مختارات من الشعر الفارسي، اختارها وترجمها ودرسها وقدم لها الدكتور محمد غنيمي هلال ، الدار القومية للطباعة والنشر ، القاهرة ، 1965
11. محاضرات عن الشعر الفارسي والحضارة في ايران ، د. علي اكبر فياض ، مطابع الإصلاح الإسكندرية 1950.
12. النقد الحديث والادب المقارن ، تأليف د. رامي فواز احمد المحمودي ، دار الحامد للنشر والتوزيع ، عمان ـ الاردن ، طبعة اولى ، 2008.

 

 

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *