الرئيسية » نقد » سينما » محمد علوان جبر: “أندي غارسيا” .. صوت متأرجح ومشكلة قديمة في سياق جديد

محمد علوان جبر: “أندي غارسيا” .. صوت متأرجح ومشكلة قديمة في سياق جديد

حرية الاختيار وحماية الحياة البشرية ، عنصرا التضاد والتقاطع في المصائر ، العقدة في التضاد ، الأول يؤدي الي ارتكاب الجريمة والاخر يؤدي الي ممارسة القمع واستلاب حرية الاخر في اختياره يؤدي الي جريمة ولكن بشكل اخر . هذه ثيمة وعقدة فيلم صوت متأرجح حيث تناول السيناريو تقاطعات المصائر من القمة – المحكمة العليا للولايات المتحدة الامريكية – عبر القاضي – جوزيف كركلاند – الذي اداه ببراعة الممثل العملاق – اندي غارسيا – ليناقش مشكلة قديمة قدم الانسان ، سبق للاديان والميثولوجيات القديمة ان وضعت احكاما وحلولا لها ، يتصاعد ايقاع الفيلم بسرع متفاوتة وبطيئة منذ لحظة دخول القاضي الجديد غرفة مكتبه بعد تعيينه كعضو بديل عن عضو سابق عزل بسبب المرض ، ومرورا باعضاء المحكمة الذين تسلط عليهم الكاميرا بمشاهد – كلوز – مركزة ومتناغمة مع الاحداث خارج المحكمة رغم ندرتها ، اذ كانت اغلب مشاهد الفيلم داخلية تدور في بناية المحكمة العليا او المكاتب او داخل البيوت ، ونجد الزوجة في بيت القاضي التي جسدتها بدفء الممثلة – هاري بلامونت – تشارك زوجها محنة توقف اتخاذ القرار من قبل هيئة القضاة علي صوت واحد هو صوته وانقسام الهيئة في ايجاد حل ما لاسئلة كثيرة …. هل المرأة التي تجهض جنينها تحت طائلة ظروف قاهرة تعتبر مجرمة ؟ .. واذا كانت مجرمة وهذا بديهي برأي نصف هيئة القضاء فما هي العقوبة .. طالما ان الجريمة هي جريمة ؟ وفي الجانب الاخر هناك اصوات تطالب بانصاف الام التي تجهض جنينها مضطرة ، وتحت ضغوط اجتماعية واقتصادية ” لان الاكثرية تمتلك دخلا هو تحت خط الفقر ” وكذلك اصوات نسوة في مظاهرة تصرخ – نحن بشر – وحالما يرتدي القاضي الجديد رداء القضاة وبطقوس خاصة لانه – يحتوي علي الغبار السحري – كما يردد احد القضاة ، يواجه بخطبة رئيس المحكمة التي تؤكد ان ” الجريمة هي جريمة ” وان الاجهاض هو قتل للطبيعة وعمل ضد مشيئة الرب وان قانون ” الاباما ” يقر ان الاجهاض جريمة وحتي القادة الكبار الذين حكموا لاوقات مهمة من تاريخ البشرية مثل – ستالين وهتلر – منعا الاجهاض وحماية الحياة البشرية هي من مسؤولية القضاء ، وفي المقابل نجد اصواتا تدعو الي ان العقوبة التي تنالها الام قاسية ويجب النظر الي الظروف التي تجبر الام علي الاجهاض ، ازاء هذا الصراع يطلبون ان تكون هناك جلسة لاقرار تخفيف او زيادة العقوبة للمرأة التي تجري عملية الاجهاض وكذلك الاطباء الذين يجرون عمليات كهذه .
كان سيناريو الفيلم محكما وتناول الاحداث من خلال رؤية القاضي فنري الحدث يتصاعد حوله وفي مواجهات صامتة لكنها معبرة ومقنعة مع قضاة منحازين تتصاعد حمي التحكيم ، ويجري تصويت لتصبح النتيجة متساوية فهم يحتاجون الي صوت واحد .. وهو صوته ، ويقودنا المخرج عبر مشاهد حادة الي الحياة الشخصية للقاضي عبر حوارات محكمة مع زوجته ، فندرك انهما عاقران وقد قاما بتبني طفلة من الملجأ وان هناك موعدا شهريا تزور فيه الام الحقيقية ابنتها ، وكانت فترة الزيارة التي تمتد الي ساعات ثقيلة بالنسبة للقاضي المولع بابنته المتبناة ، فكان يتحاشاها ويتمني ان تنتهي بسرعة ، لكنه في لحظاته الحرجة التي تتطلب منه ان يدلي بصوته في المحكمة ، يصر علي حضور اللقاء ، فنجد ام الفتاة وهي تعانق ابنتها بالم ، وقبل ان تودعها يتحدث معها محاولا استدراجها لتحدثه عما تحس به فتصرخ في وجهه بسؤال ماالذي يجب ان تفعله حتي تحافظ علي الطفولة ، ولماذا وضعت ابنتي في الملجأ رغم معرفتي مافي هذا العمل من الم ومعاناة للطفله ولي كأم … تتحول هذه الاسئلة في ذهن القاضي الي فضاءات وحلول للعقدة ، بين جريمة الاجهاض ، وولادة اطفال يعيشون المعاناة في الملاجيء ، ولهذا يجب ان يكون هناك – خط فاصل . وفي جلسة المحكمة التي يعلق الجميع امالهم علي صوت القاضي ، ويقدم لنا المخرج اجمل المشاهد المؤثثة والممتلئة بالانفعالات في مشاهد – كلوز – كبيرة علي وجوه القضاة والجمهور ، ووجه الممثل المبدع – اندي غارسيا – وصوته العذب والمعذب في خطاب انساني يحدد فضاء الجريمتين مشددا علي اهمية – الحد الفاصل – ، أي تقسيم شهور الحمل الي قسمين ، تبدأ الاولي من اسبوع الحمل الاول الي الاسبوع العشرين ، يمكن ان يسمح للمرأة ان تجهض ولكن تحت رقابة وسيطرة الدولة والمستشفيات والمتخصصين في علم النفس والاجتماع ودراسة حالة المرأة الحامل بدقة ويمكن اعطاؤها مهلة للمراجعة ومساعدتها – ولاتمنح الموافقة علي الاجهاض الا بصعوبة ، اما بعد الاسبوع العشرين فيعد الاجهاض جريمة يعاقب عليها القانون بشدة ، وهذا الحد الفاصل بين الاجهاض المقبول والاجهاض جريمة يمكن ان نخفف من عبء ومعاناة وضع الاولاد في الملاجيء ولهذا يمكن ان نحافظ علي الطفولة …
بهذا الحل يتوصل الفيلم الي ايجاد المخرج لان منع الاجهاض تماما سيؤدي حتما وتحت طائلة الوضع الاقتصادي الي عدم توفير حياة لائقة للاطفال ولهذا يجب المحافظة علي الطفولة . هذه الفكرة العامة للاحداث التي قدمها المخرج – ديفيد السيا – من اختياره لسيناريست بارع استطاع ان يوحد المشاهد واخراجها من دوائر الملل الذي يصاحب نوعاً كهذا من الافلام التي تعتمد الافكار بعيدا عن الحركة وانحسار اغلب المشاهد في الداخل ، وتنوعت اللقطات بين الكلوز العام واللقطات السريعة بصيغة حوارات مصحوبة بشيء من الفلاش باك .. ومحاورات تعتمد الحكمة المستلة من ميثولوجيات عامة والقوانين التي وضعتها الاديان السماوية ، برع في تجسيدها ممثلون بارعون .
كان – الصوت المتأرجح – في عملية شد عامة عاشت صراعا بين ارادات وافرازات المجتمع الرأسمالي الذي لايبالي بالحالات الانسانية البسيطة ، وتحول الي مايشبه كرة فولاذية تسير الي الامام وتسحق كل ما امامها لكنها تأرجحت الي حين نحو كفة الطبيعة البشرية المقترنة بافرازات العقد الاجتماعية المهمة ،
وكانت كل المشاهد مؤثثة باحكام واعتماد الديكورات الخارقة والبسيطة كالابواب العالية وفضاءات المحكمة والمنصة التي يجلس خلفها القضاة وامامها جمهور مهتم يتابع بشغف وقد تم توظيف كل هذا في كسر الرتابة رغم ابتعاد الفيلم عن الحركة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *