حوار مع المبدع الكبير “طلال حسن” دَّجْ أدب الأطفال في العراق
حاوره : غانم البجّاري (8)

إشارة :
تتشرّف أسرة موقع “الناقد العراقي” بأن تبدأ بنشر هذا الكتاب ” حوار مع طلال حسن .. دَّجْ أدب الأطفال في العراق” لمؤلفه الأستاذ “غانم البجّاري” على حلقات تحيّةً للمبدع الكبير اختصاصي أدب الأطفال في العراق والوطن العربي “طلال حسن” ، ليطلع القرّاء على جانب من سيرته ورؤاه وآرائه خصوصاً فيما يتعلق بأدب الأطفال. تحية للمبدع الكبير “طلال حسن” الذي يكفي ربع منجزه لنقله إلى العالمية.

الحوار (8) :

س
الأطفال عادة تستهويهم أفلام كارتون .. وخاصة تلك الغارقة في أعمال العنف ..ألا ترى أن هذه المشاهد تؤثر على نفسية الأطفال ، وتشجعهم على أعمال العنف ؟
ج
الطفل يتأثر بما يسمع ، أو يقرأ ، أو يرى ، والأفلام عامةً ، وأفلام كارتون خاصةً ، تؤثر تأثيراً عميقاً على نفسية الأطفال ، إن سلباً أو إيجاباً ، فما كان يردنا من البلدان الرأسمالية ، أمريكا واليابان وغيرهما ، ولأن هدفها أساساً الربح ، فيقدمون للأطفال ما يستهويهم ، والعنف للأسف يستهوي الكثير من الأطفال ، فتنمي هذه الأفلام نزعة العنف عند الأطفال ، وتنتقل معهم هذه النزعة إلى المراحل العمرية التالية ، فيتحول بعضهم ، ونتيجة أيضاً لعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي إلى مجرمين وقتلة ، تحت أستار مختلفة دينية وغير دينية ، بينما كانت الدول الاشتراكية ، الاتحاد السوفيتي أو غيره من الدول الاشتراكية ، تنتج أفلاما كارتونية موجهة ، تحاول أن تقمع مشاعر العنف عند الأطفال ، وتنمي الروح الجمالية والإنسانية عندهم .

س
حتماً قد كتب عنك الكثير من النقاد .. فهل أغضبك أحدهم بنقده لك ، وكان محقاً ؟
ج
نعم ، كتب عني بعض النقّاد ، منهم باسم عبد الحميد حمودي وشفيق مهدي وشجاع العاني وأنور عبد العزيز وحسب الله يحيى والدكتور محمد صابر عبيد والدكتورة بشرى البستاني وجليل خزعل والدكتورة رائدة عباس ومروان ياسين وقاسم عبد الأمير عجّام وطلال عبد المجيد وآخرون ، ومعظم ما كتب عني كان ايجابياً ، وأشار بعض النقاد ومنهم شجاع العاني والدكتور عمر الطالب ، إلى جوانب سلبية ، لم أوافقهما عليها ، لكني لم أغضب ، ولم أرد عليهما ، فمن حق القارئ والناقد أن يكون له رأيه فيما يقرأ ، وأن يعبر عن رأيه هذا قولاً أو كتابة ، على أن يقتصر النقد على النص فقط ، وليس على شيءٍ آخر ، ومن الطريف أن الناقد باسم عبد الحميد حمودي كتب مقالة جميلة عن كتابي الأول ” الحمامة ” ، الذي صدر عام ” 1976 ” ، وعلى العكس كتب الدكتور شجاع العاني عن نفس الكتاب ، في العدد الخاص من مجلة الأقلام ، الذي صدر بمناسبة عام الطفل العالمي ، انتقد القصة ، وانتقد معها قصة للكاتب السوري الكبير زكريا تامر ، وأظن أن اسمها ” عندما صمت النهر ” ، هذه القصة نفسها ، أشاد بها ناقد

المؤلف الأستاذ غانم البجاري

كبير هو رئيس جامعة صنعاء وقتها ، الدكتور عبد العزيز مقالح ، ولدي تجربتان غريبتان مع كاتبين آخرين ، ربما تدللان على سعة صدري تجاه آراء الآخرين ، وكلتاهما كانتا في بداية السبعينيات ، فقد نشرت قصة قصيرة للكبار في مجلة ” الثقافة ” ، التي كان يرأس تحريرها الكاتب المعروف ” الدكتور صلاح خالص بعنوان ” الخلاص ” وكانت عن الاغتيالات في الموصل في بداية الستينيات ، فكتب عنها الأستاذ قاسم عبد الأمير عجّام مقالاً حاداً في نفس المجلة ، اتهم القصة بأنها تنتصر للرجعية ، كما اتهمني بأني من أنصار ” قتلة تموز ” ، وقد أجبته بأسلوب هادئ ، وأوضحت له القصة ، وآلية بنائها ، فكتب مقالة في نفس المجلة يعتذر فيها مني ، وكان هذا منه موقفاً ناضجاً وشجاعاً ، أما القاص طلال عبد المجيد فقد كتب في جريدة ” الرسالة ” الموصلية ” مقالة ” نارية ” ، عن قصة قصيرة للكبار نشرتها في نفس الجريدة عنوانها ” شتاء الأيام الآتية ” ولم يكتفِ بهذا ، وإنما ” نصحني ” أن أترك الكتابة ، لأني ـ بحسب رأيه ـ لا أملك أية موهبة ، لكني لم أرد عليه ، وأيضاً لم أعمل بنصيحته ، وواصلت الكتابة ، ولي الآن حوالي ” 35 ” كتاباً ، وأذكر في هذا المجال نصيحة لبرنادشو ، قال فيها : لا تسمع نصيحة أحد ، ومن ضمنها هذه النصيحة “.

س
كتبت قصة عنوانها ” الذئب المُجنّح ” ، وقد كتب عنها وقتها الناقد الدكتور حسين سرمك في جريدة الجمهورية ، مقالة عنوانها :” ما يدسه الكبار في أدب الصغار ” .. هل كنت ترمي في قصتك تلك إلى شيءٍ ما ، تخفيه بين سطورها ربما لا يفهمه الصغار ، كي يصل إلى الكبار ؟
ج
هذه القصة تتحدث عن أرنب يتسلل عبر المرتفعات هارباً من وطنه ، فيحط على مقربة منه نسر اسمه ” الذئب المجنّح ” لقوته وشراسته ، فيسأله لماذا تهاجر من وطنك ؟ فيجيبه قائلاً : أن وطني جميل وغني لكننا ابتلينا بذئبٍ شرس يضطهدنا ويفتك بنا ، قال له النسر : لا تهرب ، سأخلصكم من هذا الذئب ، وبالفعل قتل النسر الذئب الشرس ، لكن الأرنب تسلل بعد مدة هارباً ، لأن ” الذئب المجنّح ” الذي أنقذهم من الذئب ، كان أكثر شراسة وفتكاً منه ، وواضح المضمون السياسي الذي فيها ، لكن الدكتور حسين سرمك ، رغم عنوانه الصادم ، أشاد بالقصة ، وقال إنها تتضمن معنى عميقاً ، قد تجده في رواية الجريمة والعقاب للكاتب الروسي فيدور دستويفسكي ، وقد نشرت هذه القصة مرّة ثانية بعد التغيير في جريدة طريق الشعب ، وقد وصلتني على الأثر ، رسالة من الشاعر المعروف منذر عبد الحر ، أبدى فيها إعجابه بالقصة ، لكنه اعترض عليها قائلاً ” إن شعبنا العراقي ليس أرانب ” ، والحق أن أفراد شعبنا ليسوا أرانب ” لكن حكامنا ، ولعقود طويلة ، وأولي الأمر منّا ، مازالوا يحاولون أرنبتنا ، وهذا ما أدنته في قصتي ” الذئب المجنّح ” .

س
يتهمك البعض بأنك كثيراً ما تكتب للكبار عن طريق ما يسمى بأدب الصغار ، وخاصة على لسان الحيوانات ، لتصل إلى ما وراء ذلك ، خصوصاً نقد الواقع السياسي ، وحتى الاقتصادي والاجتماعي كدليلة ودمنة ومزرعة الحيوان لأريول ، في حين أن البعض الآخر ، يعتبر هذه التهمة تجنّي عليك ، إذ أن الهدف ، من كل ما تكتب هو بناء ثقافة حقيقية بنّاءة لفهم الأطفال ما يقرأون ، فما هو ردك ؟
ج
الكتابة للأطفال ليس كالكتابة للكبار ، فعندما نكتب للكبار، الذين تجاوزوا سن الرشد ، فلا نكتب لفئات عمرية مختلفة ، كأن نكتب لمن هم دون الثلاثين ، وللذين تجاوزوا مثلاً الستين ، أما عندما نكتب للأطفال ، فعلينا أن نراعي بدقة المراحل العمرية ، دون سن المدرسة ، والمرحلة الأولى من الابتدائية ، والمرحلة الثانية منها ، ثمّ للفتيان من سن ” 13 حتى 17 ” ، وقضية أخرى ، فإن القرّاء الصغار الذين نكتب لهم ، ليس في درجة واحدة من الذكاء والتحصيل الثقافي ، إضافة إلى أن أطفالنا للأسف ومنذ سنين عديدة ، يعانون من تراجع مستوى التعليم ، وهنا يقع كاتب الأطفال في حيرة ، هل يكتب ما يفهمه جميع الأطفال ، على اختلاف مستوياته الثقافية والاقتصادية والقدرة على الفهم ، أم ـ وهذا ما أفعله عادة ـ يعطي لموهبته وقدرته المدى الفني والفكري فيكتب ما يُرضيه كمبدع ، خالق لنصوص جديرة بالحياة والبقاء ، هناك نماذج عالية عربية وأجنبية أحذو حذوها ، منهم الكاتب اليوناني ايسوب ، والكاتب الروسي كرلوف والكاتبة البلغارية ليدا ملفيا ، والكاتب السوري زكريا تامر ، والكاتب الإيراني صمد بهرنجي ، الذي كتب رائعته للأطفال ” السمكة السوداء ” ، ولم يحتمله نظامه السياسي والاجتماعي ، فأغتيل ، ورميت جثته المغدورة في النهر .

س
هل كانت بداية كتاباتك على شكل خواطر ، أو قصة قصيرة ، وتحولت إلى قصص أطفال ، تميزتَ أنت بكتابتها ، وأبدعت ، خاصة ًعندما تناولتها على لسان الحيوان التي يحبها الأطفال ، فإذا كانت الإجابة نعم ، ما هو السبب ، هل هو العجز عن الكتابة للكبار ، أم لكونك أصلاً كنت تعمل في سلك التعليم ، وآمنت بأن تربية الأطفال بشكل صحيح ، لابد له من غرس بذور الثقافة عموماً ، والأدب ( خصوصاً أدب الأطفال ) في عقول الصغار منذ الطفولة ، لأنك .. أنت الذي قضيت ما يزيد على الأربعة عقود ، تفهم الطفل أكثر من غيرك .. فلهذا اخترت هذا الدرب الشائك ، بعدما عرفت صعوبة هذه المهنة ؟
ج
ربما لأني كنت أحب السينما ، وخاصة السينما الأجنبية ـ الأمريكية ، وخاصة الأفلام التاريخية ، فلم أكتب في بداياتي لا الخواطر ولا القصة القصيرة ، بل كتبت الرواية ، ولأن عالمي الذي كنت مستغرقاً فيه هو عالم السينما ، فكانت الروايات التي كتبتها في أواخر عام ” 1956 ” بعد الهجوم الثلاثي على مصر ” قريبة ليس من واقعنا العراقي الموصلي ، بل من عالم السينما المتخيل ، وبعدها كتبت عدة روايات من الواقع الموصلي لكني لم أحتفظ بها ، وبعدها كتبت عدة قصص قصيرة ، نضجت بعض الشيء ، فنشرت عدداً قليلاً منها في الستينيات ، وبداية السبعينيات ، حتى اكتشفت قدرتي على الكتابة للأطفال ، فتراجع اهتمامي بأدب الكبار ، مفسحاً المجال الواسع لأدب الصغار ، ومع هذا نشرت العديد من القصص القصيرة ، وأكثر من عشر مسرحيات للكبار .. في بداياتنا ، نجرب كلّ شيء ، القصة والرواية والمسرح والشعر وكذلك الرسم ، لكننا أخيراً نقف على الأغلب عند موضوع واحد ، وأنا رغم شعوري بأني أجد نفسي في أدب الأطفال ، إلا أنني لم أكتب لوناً واحداً من هذا الأدب ، فقد كتبت القصة والرواية والسيناريو والمسرحية ، إضافة إلى ما أكتبه للكبار ، ومن بينها القصة القصيرة جداً ، لقد حاول كاتب الأطفال العالمي هانز اندرسن أن يكتب الرواية ففشل ، وفشل أيضاً في كتابة القصة والشعر والمسرحية ، وعندما كتب للأطفال نجح نجاحاً باهراً ، حتى عدّ عن حق واحداً من أفضل كتاب الأطفال في العالم .

س
إذا كان أدب الأطفال أمانة ، ورسالة ، فهل وفيّت بتلك الأمانة ، وأوصلت تلك الرسالة للأطفال ؟
ج
من خلال كل ما كتبته للأطفال ، ولغير الأطفال ، طوال أكثر من أربعة عقود ، حاولت جهدي أن أقول ما أومن به ، وأوصله إلى القراء عامة وبالأخص الأطفال ، أما أن أكون قد استطعت أو لم أستطع ، فهذا متروك للقرّاء عامة ، وفي مقدمتهم النقاد .

س
كتبت القصة والرواية والسيناريو والمسرحية ..
لكنك لم تكتب الشعر .. لماذا ؟
ج
الشعر لا يقل أهمية عن أي لون أدبي ، وخاصة للأطفال، وبالأخص للمراحل الأولى للطفولة ، فالطفل في هذه المرحلة ، يحب الإيجاز والإيقاع في القصيدة الملحنة المغناة ، ولها تأثير عليه أكثر من الجمل النثرية للقصة أو للسيناريو أو المسرحية ، وقد تأكدت من ذلك ، حين حضرت عروضاً مسرحية للدمى من إعداد وإخراج الفنان المبدع الدكتور نذير العزاوي ، في حضانة جامعة الموصل ، وأطفال الحضانة ، كما هو معروف ، لا تزيد أعمارهم عن الأربع سنوات ، وأثناء العرض رحت أراقب الأطفال الصغار ، ولاحظت أن معظمهم يشرد عن المسرحية إثناء الحوار ، مهما كان جميلاً ، ولكن ما إن تبدأ الأغنية ، المصحوبة بموسيقى ملائمة ، حتى ينشدّون إلى العرض ، ويبدؤون بالمشاركة والتصفيق ، وقد غمرهم الفرح ، وقد أدركت من خلال كتابتي لمسرحيات الأطفال الحاجة الماسة والضرورية للشعر ، لكني لست شاعراً رغم حبي الشديد للشعر وقراءاتي له ، وخاصة الشعر المترجم ـ وإن كانت ترجمة الشعر خيانة كما يقولون ـ ولم أتعلم أوزان الشعر ، وفي بعض مسرحياتي ، استعرت قصائداً من شعراء عراقيين وعرب ، وعند الحاجة القصوى ، كنت أضع ” قصائد ” ملائمة للأحداث ، لكنها غير موزونة ، ولا ترقى إلى مستوى الشعر ، الذي أنشده ، وأتمناه لمسرحياتي .
س
أنت إنسان هادئ ، ومجامل ، وربما انعكس هذا على آرائك النقدية فيما يكتبه الآخرون .. فهل يعني هذا أنك لا تود إغضاب الآخرين ، حتى لو كان ذلك على حساب الموضوعية ؟
ج
ربما لا يعرف البعض ، أن أولى كتاباتي المنشورة كانت مقالات عن المسرح والقصة ، وأذكر أن أول مسرحية رأيتها في حياتي على المسرح ، عدا مسرحية طلابية رأيتها في المدرسة الإعدادية ، كانت مسرحية ” فلسطين ” من تأليف الأديب الراحل عبد الإله حسن وإخراج المخرج الراحل عز الدين ذنون ، فكتبت عنها مقالة نقدية ” صريحة ” ، ونشرتها في جريدة ” فتى العراق ” ، وردّ عليّ مؤلف المسرحية رداً غاضباً ، وقد أخبرني الأستاذ الراحل سامي الحافظ ، وكان محرراً في الجريدة ، بأن الردّ كان قاسياً ، وقد حُذفت منه بعض المقاطع غير اللائقة قبل نشره ، وبعد أشهر شاهدتُ مسرحية موصلية أخرى بعنوان ” عطس المرحوم ” من تأليف الفنان الراحل عبد الجبار جميل ، وكتبت عنها بنفس الروحية الصريحة ، التي كتبت بها عن مسرحية ” فلسطين ” ، وهذه المرّة لم يردّ المؤلف كتابة ، لكنه غضب غضباً شديداً ، وقال بأن ” أعداءه ” من الفنانين هم من حرضني على هذه الكتابة ، وراجعت نفسي ، وخاصة بعد أن ربطتني علاقات الصداقة بمعظم الأدباء والفنانين في الموصل ، وعرفت أمزجتهم وحساسياتهم وعدم تحمل الأغلبية الساحقة منهم للنقد ، فقررت أن لا أكتب إلا عن الأعمال التي أراها جيدة ، دون أن أغفل عما أراه فيها من جوانب سلبية ، على أن أعبر عنها بأسلوب رقيق يحترم مشاعر الآخرين ، وخاصة أننا كنا جميعاً في أول الطريق .

س
قرأت الكثير ، وشاهدت العديد من الأفلام السينمائية ..فهل أفدت منها في عمل من أعمالك ؟
ج
معظم ما كتبته ، من مسرحيات وروايات للفتيان ، مستمد أساساً من الميثالوجية الرافدينية القديمة ، ولا أظن أنني تركت أسطورة عراقية واحدة ، لم استفد منها في مسرحية من مسرحياتي للفتيان ، منها مسرحيات جلجامش ، وشيروكين ، وشمورامات ، واينانا ، وقمر نيبور ، وأحيقار ، وغيرها كثير ، إضافة إلى ما إستمديته من الأساطير العالمية ، وفي مقدمتها الأساطير اليابانية والصينية والهندية ، كما استفدت من كتابنا الخالد ” ألف ليلة وليلة ” فكتبت مثلاً أربع روايات للفتيان عن السندباد البحري ، وتعاملي مع هذه المواد ، لا يختلف عن تعامل الكتّاب العرب وغير العرب مع التراثين العربي والعالمي ، فتوفيق الحكيم مثلاً ، وهو من أبرز كتّاب المسرح العرب ، كتب شهرزاد ، وشمس النهار ، والسلطان الحائر ، من التراث العربي ، واوديب ، وبجماليون ، وبراكسا جورا ، والمسرحيات الأخيرة كلها مسرحيات يونانية قديمة معروفة ، ومهما أخذته من التراثين المحلي والعالمي ، فإنني أعطيه طابعي الخاص، وأضمنه أفكاري ، التي تنتمي إلى عصري وما أؤمن به من أفكار .

س
التاريخ .. البوابة التي نطل عليها ، حينما تعصف بنا الرياح ، وتكاد تقتلعنا من الجذور ..
فأي البوابات التي تغريك في البحث عن حقيقتنا ؟
ج
التاريخ إذا كان لا يخدم حاضر الإنسان ومستقبله ، فعلينا أن نكتفي بوضعه في المتحف ، نحن نعتز بتاريخنا ، الذي يمتد في عمق الزمان إلى أكثر من سبعة آلاف سنة، لكن لكي نكون أبناء هذا التاريخ بحق ، في أية مرحلة من مراحله ، مهما كانت زاهية وعظيمة ، فعلينا أن نبني المستقبل انطلاقاً من الحاضر ، ولكن ليس ” بلقى ” بعضها ، إن لم يكن أغلبها ، كاذب .
س
الواقعية ، الرمزية ، الأسطورة ، الفانتازيا .. هل تبعد الأطفال عمّا يكتب لهم ؟
ج
الكتابة للأطفال ليست كلها واقعية ، فكتّاب الأطفال يلجؤون إلى الخرافة والفانتازيا وحتى السحر ، ولعل أقرب مثال عالميّ هو سلسلة روايات ” هاري بوتر ” ، التي تحولت إلى أفلام سينمائية مبهرة ، هل كانت حكايات كليلة ودمنة واقعية ، صحيح إنها لم تكتب للأطفال ، لكن كتّاب الأطفال في العالم العربي أعدوها بنفس آلياتها ـ عدا اللغة ـ للأطفال ، وحققت نجاحاً طيباً في أشكالها الجديدة .

س
إذا كان أطفال فلسطين يُرمز إليهم بأطفال الحجارة ، فبماذا يُرمز لأطفال العراق اليوم ؟
ج
لنكن واقعيين ، وننظر إلى الحقيقة كما هي ، لا كما نتمنى ، فماذا يمكن أن نقول اليوم ، ليس فقط عن أطفال العراق ، وإنما عن الأطفال في سوريا أيضاً ولبنان واليمن وليبيا ، وحتى الجزائر وتونس ، إنهم ليسوا أبطالاً ، ولا نريد لهم أن يكونوا أبطالاً ، إنهم ضحايا التاريخ والجغرافية ، وحماقة ” الكبار ” الذين لعبوا بالنار ، نعم أطفال الحجارة أبطال ، وأنا شخصياً كتبت عنهم الكثير ، والمفارقة ، أن كتابي ” حكايات ليث ” ، الذي يمجد بطولاتهم والذي طبع في الأردن ، رفضت جميع مكتبات عمّان توزيعه ، لأنهم كانوا في حالة ” تطبيع ” مع إسرائيل .. أطفالنا ، أطفال العراق ، وأطفال الموصل بالذات ، ضحايا ، يموتون بالمجان في معركة وحشية ، بدل أن يعيشوا حياتهم الطبيعية ، ويكبروا في ظل التسامح والسلام والعدالة الاجتماعية .

س
كتبت قصة قصيرة جداً بعنوان ” طفل ” قلت فيها:
( منذ وعيتُ وظلي طفل ، يركض وراء الفراشات والكلمات والجمال ، وها أنا كبرت وشخت ، لكن ظلي مازال طفلاً يركض وراء الفراشات والكلمات والجمال ) .. ألا يعني هذا ، أن الإنسان يولد طفلاً ويموت طفلاً ، وحب الحياة والجمال مغروزان في أعماقه ؟ أم أن هناك رمزاً ما تحاول أن تخفيه ؟
ج
القصة القصيرة جداً ، كالقصيدة الجيّدة ، وكأي نص ، تقرأ قراءات عديدة ومتنوعة ، ومن حق القارئ أن يفهمها بالطريقة التي يريدها ، والتي توحيه له كلماتها وأجواؤها ، وصورها ، وما قلته عن هذه القصة القصيرة جداً ، وهي من قصصي التي أحبها ، توحي فعلاً بما قلته عنها .

س
ثقافة التطرف والعنف ، التي يزرعها بعض الكبار في عقول الصغار .. هل هي متأتية من الداخل أم من الخارج ، وما هي برأيك أنجع الوسائل لإبعاد الأطفال عن هذه المسارات ؟
ج
ثقافة التطرف والعنف ، يمكن أن تتسرب إلى الأطفال من البيت والمدرسة والأجواء السائدة في المجتمع ، كما يمكن أن يتشربوها من برامج التلفزيون الموجهة إليهم ، ومن الكتب والمجلات المكرسة لهم ، أجواء العنف والاحتراب ، التي سادت مجتمعنا خلال حروبه الكارثية، نقلت روح العنف إلى الأطفال ، وأصبحت جزءً من حياتهم اليومية ، نحتاج إلى تغييرات جذرية ، في البيت والمدرسة والمجتمع عامة ، لنأخذ بيد الطفل بعيداً عن التطرف والعنف وإلا مهدنا لظهور إرهابيين جدد ، أكثر عنفاً من الإرهابيين ، الذين دمروا العالم العربي .

س
ما معنى حرب ؟
هذا ما سألته البطة الصغيرة لأمها ، فأجابتها :
– إنسان يقتل إنساناً ..
كما جاء في قصة ” البطة الصغيرة ” التي كتبتها أنت ..
لماذا إنسان يقتل إنساناً ؟
ج
أنا أيضاً أتساءل مع بطتي الصغيرة ، لماذا ؟ قابيل في الكتب المقدسة قتل أخاه هابيل ، والعراقي يقتل أخاه العراقي ، والأوربي يقتل الآسيوي ، والآسيوي يقتل الأفريقي ، وكلهم بشر ، أهم بشر حقاً ؟! أليسوا حيوانات كاسرة ؟!
كتبت قصة قصيرة جداً ، قلت فيها أن البرية أصيبت بمجاعة ، فذهبت الحيوانات إلى الملك ، وقالوا له ، نحن نموت من الجوع ، فقال لهم الملك : فليأكل بعضكم بعضاً وفي لقاء أجري لي مرّة ، في إحدى الصحف قلت : الحياة مبنية على القسوة والافتراس وأسوأ القساة المفترسين هو الإنسان .

س
هل ثمّة مغايرة لما تقدمه أنت من نص درامي ، يعمل عليه كتّاب كبار للأطفال ؟
ج
مهما تقاربت النصوص المكتوبة للأطفال في العراق ، بل وفي العالم ، فهي مختلفة باختلاف كتّابها ، وأنا أرى أن هذا الاختلاف والتعدد أغنى مسرح الأطفال ، الذي أرى أنه رغم عمره غير القصير في العراق ، إلا أنه مازال متعثراً ، ولم يجد فرصته للتطور بعد ، وفي العراق كتّاب أطفال لهم بصمتهم من بينهم ، قاسم محمد وعزي الوهاب وحسن موسى وحسب الله يحيى وجليل خزعل وحسين علي هارف وهيثم بهنام بردى وعبد الله جدعان ، إضافة إلى ما كتبته أنا .. طلال حسن .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *