قراءه متأنيه ل (أزهار الحديقه السريه) للقاص باقر جاسم محمد قراءة وتحليل : عبد الهادى الزعر

قراءه متأنيه ل ( أزهار الحديقه السريه ) للقاص باقر جاسم محمد – – قصص قصيره
المركز الثقافى للطباعه والنشر 2016 عدد الصفحات 172 من الحجم المتوسط
قراءة وتحليل : عبد الهادى الزعر
———————————-
عندما يكون حدث السرد كفوءاً متماسكا يتحتم على القارىء التماهى مع الشخوص صانعى الاحداث وكأنه معهم ؟ تلك أبجديات تعلمناها منذ عقود مضت فجماليات الخطاب تحفز المتلقى على أن يكون ناقداً !
ربما أسفرت الثورات النقدية المستحدثه وسياقاتها عن حقيقة مفادها < ان الركيزة الاساسيه للأستيعاب والتذوق تكمن بين المنشأ والقارىء حسب >
فكلما أزدانت المتون بالبساطه وأبتعد الخطاب عن الحذلقه اللغويه وتجنب النمطيه والتكرار دخلت تلك ( السرود ) القلب بلا أستئذان –
وكلما تنامى الوعى أدرك القارىء كنه الدلالة وماهياتها (*) وسهل عبور الرؤيا لما وراء السطور وهو ماتعارف عليه ب (بالميتافكشن ) بل يذهب الى الابعد ؛ وهو البحث عن المقاربات ولوازم التناص –
وكل قراءة جادةٍ هى بمثابة بث روح جديدةٍ للنص ؟
عند قرائتى لهذه المجموعه من القصص القصار أتضح لى ان هيكليتها البنائيه تنتمى الى ثلاث مسارات حسب التوصيف البنيوى :
الاول : السرد المسطح وهو الذى خلا من الحركه والزمن : كقصص المناره \ السوق \قصة تافهه جدا –
الثانى : الاسلوب الهرمى وقد أعتمد الحركة وتخلى عن الزمن : كقصص الزهرة البريه \ أزهار الحديقة السرية \ أطار النظارة \ ترانزيت عربى \ أقنعة المسرح \ ذكرى الاتى –
الثالث : الذى أعتمد الحركه المقترنه بالزمن كقصص : ألمدونات السومريه \ على الطريقه الاسلاميه \ اللعبة المزدوجة
عموما فالناقد ليس عرافا والحقيقه الاكثر مثاراً تعود على الكاتب الحاذق فهو الناقد الاول لمنجزه قبل غيره ؟ فتوصيفات اليوم أكثر مما تعد وسببها كثرة المدارس التحليليه وشفراتها
والنقد العربى يحيا منذ خمسين سنة على أشكالية لا زالت تتربع الصدارة وهى ( تشتت المنهج النقدى ) ذاك اولا ولكون الخطاب الادبى ليس موجها الى فئة بعينها مما سبب أرباكا إن لم نقل أستعصاءاً لازلنا ننوء تحت أرزاءه –
فالحداثه النقديه الوافده توسعت مراميها وتعددت مسالكها وكلما قرأنا كتابا جديدا أحتجنا لاّخر ليعيننا على فك رموز وطلاسم الكتاب الأول الاول ؛ والنقد برمته حقل معرفى يبدأ قارءاً وينتهى محللاً ؟
أعز مايسعد القاص ان يرى منجزه بين يدى قارىء رصين فنظرية ( الميتانقد ) مشروطةً بالعنونة وهى العتبه الاولى ثم تتابع الأثر وحصر العلائق على مستوى الثيمه ومسك خيط القص حتى النهايه خصوصا ونحن أمام ثمانية وعشرين نصا أختلفت فى رؤاها ومعالجاتها الدراميه وبنائاتها التكوينية ولعل أهم مافيها يكمن فى ممكنات السرد ومرجعياته ؟. لكون المؤلف عرف ومارس لعبة الحكى ومضمراته منذ أربعة عقود مضت –
ان منهج التحليل النقدى المبنى على التأويل والتقصى أستوجب علىّ قراءة النصوص أكثر من مره لعلى أحظى بالقرائن والمقاربات المناسبه وأستخلصت وأنا على بصيره من أمرى أن الادب القصصى العراقى من أوفر الاّداب العربيه رسوخا واعلاها يدا !! وأكثرها أهتماما بالاصلاح الاجتماعى وأمور الحياة منذ بواكيره الاولى مطلع القرن العشرين حين كانت القصص الايقاضيه اللاممنهجة هى السائدة –
فتيار الوعى الذى أتكأ عليه باقر جاسم وهو عباره عن جريان الافكار وسيولتها بسهولة ويسر أضافه للمنلوجات الصامته والصادحه وأحلام اليقضه ومتاهاتها ! كما لبعض التداعى الحر (*) وشىء من عالم الافتراض جعل مسرى السرد سلسا مقنعا ! ومرد هذا برأيى المتواضع يرجع لكونه تدريسيا مخضرما لمادة اللغه الانكليزيه واّدابها فى جامعة بابل أضافة لفطنته بالترجمة –
وهذه اللغه — الانكليزية — ثرية وموحية ويكفيها مجداً أنها لغة حوارات شكسبير التى لاتنتهى ومسرحياته التى لازالت حيه نابضه منذ القرون الوسطى –
ومن الطريف أن أحد الصحفيين قال لوزير الثقافه البريطانى والحرب العالميه الثانيه مستعرة الأوار :
لو خيروك بين أستمرار الحرب المدمرة أو شكسبيرفماذا تختار؟ فأجاب فوراً شكسبير ؟!
ربما أستقرأ المؤلف فرجينا وولف التى كانت تكتب بأسلوب ( عين الكامره ) وهى توجه عدسة وهمية على عقل الشخوص الفاعلين لتمنح قارءها معنى ولو رمزيا لمعظم مايدور فى الخفاء أو كما سماها صديقنا ( الحديقة السرية )
وهذا ما أكده صمويل بكت فى بعض قصصه أوليس ( بكت ومسرحيته فى أنتظار غودو وجيمس جويس صاحب يولسيس ) هما أيرلنديين أنتهلا وأستقيا ثقافتهما الاوليه من الادب الانكليزى قبل أن يتوزعا فى المنافى –
وقد يكون كتاب الكنز الذهبى ل فرانسيس بلجريف وهو مادة أولية للأدب الغربى تدرس إلزاما كحافزٍ للتلقى والإيثار !
كما لفوكنر وأليوت ووايتمان و الاكسندرديماس الذى أشتهر بالكونت دى مونت كريستو ؟ ناهيك عن ذهب ولم يعد ومرتفعات وذرنك وشطحات كافكا ودانيال ديفو وما تركه الفن الحديث من اّثار فى رحلته الطويلة كالساعة الخامسة والعشرون وكتابات الارجنتينى بورخس الثرية –
كما للأدب الروسى الرصين الذى شغفنا به جميعا ولا زلنا نردد بعضاً من مقاطعه على ظهر قلب كقصص غوغول وتتشيخوف وتورجنيف ودستو فسكى وتولستوى ولويس باسترناك باعث حى لدوافع الكتابه القصصيه ؟
ربما أستثمر تلك الرحله القرائية رغم مشقتها فأستخلص منها جمالياتها –
صحيح ان فن كتابة القصه القصيره من اصعب الفنون لما تتطلبه من تكثيف ومغايره وشىء من البلاغه وبعض المجازات حتى تفى بالغرض المطلوب يأقل الجرعات السرديه –
***********
نص :
(منذ ان دخل السوق وهو يفكر بأهمية التسوق فالشراء عملية تعويض عن الاحساس بالفقد
لم تكن النقود مهمه عنده لكنه كان يريد أن يرى نفسه وهو يقع فريسة سهلة لخدعة أحد الباعة )
فى السوق ص 139
نص :
( كان يكثر النظر الى المنارة التى ترتفع عاليا يتأمل ان يصعد المؤذن الى اعلاها ليؤدى الاذان داعياً الناس الى طاعة ربهم – – لكنه علم ان إمام الجامع لايصعد لأعلى المنارة لأداء الاذان بل يؤذن بالاسفل وتنقل الاسلاك صوته الى المكبرات فى الاعلى ؛ حزن كثيرا وقال يبدو ان التكنلوجيا لم تتدخل بيننا فحسب ولكن بيننا وبين الله ) المناره ص138
أما فى المدونات السومريه والتى تدور فى فضاء تاريخى إفتراضى وعددها إحدى وعشرين بين < نخله الاب وتالا الابن > تابعت الاحاديث وما يدور فيها والرجلين يمثلان جيلين مختلفين – – يجوبان الاسواق والمعابد ويحاوران الكهان وأهل المهن والحرفيين والزراع والشطار والعيارين والمنبوذين تدور المساجلات فى مدينة الوركاء مهد حضارة العراق أو مايعرف ب( ميزو بوتاميا )
قال نخله الحكيم :فى المدونة الثانية مخاطبا أبنه تالا
< حين ترى الكاهن يتخذ لنفسه رمزا هو خنزير له أنياب نمر وبراثن ذئب وذيل افعى فأهجر معبده وأهرب
منه لانه بدلاً من ان يرعى روحك سيفسدها > ص8
قال تالا لأبيه ما اّخر ما قرأت وتريدنى أن أحفظه أجابه : قرأت فى برديه من وادى النيل ( من المحزن ياولدى ان يصمت الذين يفهمون ويتكلم الذين لايفهمون ) ص10
المدونات ثريه بأفكارها تمثل فجر الحضارة حين كانت اساسيات الحياة فى مراحلها البكر وهى فى دور الرضاعة والتبرعم ؟
أسلوبها شفيف ومعانيها عميقه لا أدرى مالذى أحالنى وتذكرت قولا لأحد الاعراب وهو يسأل الحسن البصرى قائلا : احس غلضةً فى قلبى يا أبا سعيد ؟
قال له : أذب غلضة قلبك بذكر الله
كل قراءة توحى بنقد جديد وكل قارىء هو ناقدٍ لما قرأ – – عليه كشف دواخل النصوص ولايبقى أسيرها مهما علت فكل شىء قابل للتغيير ! فنحن أمام معادلةٍ طرفاها نص ومتلقى وكل له رأيه ؟
أحياناً يتحول النقد الادبى الى نص جديد وهو مايعرف ( بنقد النقد )
عموما أن ازهار الحديقه السريه ممتعه ويكتنز فى ثناياها الكثير من الجمال السردى تمنياتى للمؤلف بالتوفيق –

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| صباح الأنباري : أسوأ قصة في العالم.. حيرة متراكمة.

هذا الخؤون.. ماكر جدا.. يعرف متى يضعك على حافة الرحيل.. لم يقلقني الأمر كثيرا.. بل …

| طالب عمران المعموري : تقانات الميتا سرد في ” عناقيد الجمر” للقاص غانم عمران المعموري .

لقد تجاوزت القصة القصيرة جدا في آلية الكتابة وتقاناتها  مرحلة العفوية والتلقائية، وكاتب القصة القصيرة …

تعليق واحد

  1. باقر جاسم محمد

    أود أن أزجي الشكر و العرفان للأستاذ عبد الهادي الزعر على ما تضمنته هذه القراءة الجميلة من تأويلان طريفة لمجموعة (أزهار الحديقة السرية). دمتم للكلمة الطيبة و الثقافة الحرة الرصينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *