أين كانوا يكتبون؟ بيوت الكتّاب والأدباء في العالم
عرض: الدكتور حسين سرمك حسن

عرض كتاب : أين كانوا يكتبون ؟ بيوت الكتّاب والأدباء في العالم
عرض: الدكتور
حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة
30/تموز/2017
(1). معلومات عن الكتاب :
توطئة: مارغريت دوراس
تصوير: إريكا لينارد
تأليف: فرانسيسكا بريمولي-دروليرز
ترجمة: رجاء ملاح
مراجعة وتقديم : شاكر نوري
إصدار: ثقافة للنشر والتوزيع
(2). تحتل طقوس الكتابة التي يتبعها بل يحتاجها المبدعون الكتّاب خلال اشتغالهم الإبداعي وإنجاز نصوصهم وبضمنها طبيعة المكان (خصوصاً بيوتهم) أهمية كبيرة في حياتهم من ناحية توفير الأجواء التي تعين على تدفّق وانسيابية التيار اللاشعوري في العملية الإبداعية من ناحية وإطلاق شرارتها من ناحية أخرى. وقد حظيت هذه الطقوس والأماكن باهتمام كبير من قبل المختصين بعلم النفس وخصوصاً الذين يهتدون برؤى وأطروحات منهج التحليل النفسي حيث يرى الأخيرون أنّ نمطاً مُعيّناً من طقوس الكتابة واشتراطات مكان خاصّة لا ندرك قيمتها بالنسبة لنا كمتلقّين عادة هي عوامل حاسمة تساعد على الانطلاقة اللاشعورية وديمومتها إلى حدّ أن بعض الكتّاب لا يستطيعون الكتابة بتلك التلقائية التي عهدوها في أماكنهم الأصلية حين يغادرونها – ولو وقتيا – إلى أماكن أخرى يفتقدون طقوسهم فيها.
وهذا الكتاب الذي بين أيدينا : “أين كانوا يكتبون ؟ بيوت الكتّاب والأدباء في العالم”، يعالج هذه المسألة المُهمة عبر 206 صفحات من القطع الكبير مُعزّزة بالصور الفوتوغرافية الملونة الجميلة للمصورة إريكا لينارد ، وبشروحات وافية ومكثّفة بعيدة عن الاستطالات والترهل لفرانسيسكا بريمولي-دروليرز. وقد ترجمت الكتاب المهندسة والمترجمة رجاء ملاح وقدّم له الروائي والصحفي والمترجم العراقي : شاكر نوري.
(3). في مقدمته الوافية أشار شاكر نوري إلى أن التساؤل الذي كان يشغل ذهنه حول من أين تبدأ حميمية الكتّاب والأدباء: مِن العالم الخارجي أم مِن داخل بيوتهم ومكاتبهم؟ وجد جوابه في هذا الكتاب. ثم يبين ميزة مهمة جدا لهذا الكتاب وهي أنّ (أسلوبه مختلف تماما عمّا تقرأه في التحقيقات الصحفية الأخرى، لأنه يروي حياة الكتّاب والأدباء من داخل الجدران ويسجّل كيف التصقت أعمالهم وحياتهم بها بأدق التفاصيل، من ديكورات الجدران إلى طاولات الكتابة وستائر غرف النوم وكل ما يتعلق بالعالم الحميمي للكتابة وكيف وًلدت أعمالهم الأدبية بكل نبضاتها وأفكارها. يُضاف إلى ذلك أنه ثمرة جهود ثنائية بين صحافية ومصوّرة. فهو كتاب أنثوي بالدرجة الأولى، تشعر بذلك من خلال كلماته وصوره حيث اعتنيتا بتفاصيل ربّما لا يركّز عليها الرجال) (ص 9).
(4). لكن هناك وجعاً بليغاً أثاره شاكر نوري في مقدّمته حين ذكّر بمهانة الكاتب العربي واحتقار الناشرين ودور النشر له. أمس كنتُ أقرأ فصول كتاب “اعترافات الحاج باولو كويلو” وهو كتاب حوارات مع كويلو أجراها “خوان ارياس” وترجمها المترجم العراقي الأستاذ “خضير اللامي” وفيه دُهشت للأموال التي تتساقط على رأس كويلو من دور النشر والرحلات التي تخصّصها له للدعاية لكتبه بحيث صار يعيش عيشة الملوك بعد حياة فقر وعبث وضياع وإدمان عاشها في الولايات المتحدة. وفي الوطن العربي نتابع باستمرار النهايات المأساوية لكتّأب بارزين لا يستطيعون دفع ثمن علاجهم من أمراض مميتة أو يموتون في الفنادق الرخيصة وأحياناً على الأرصفة. يقول شاكر أنّه كلما كان يزور بيتاً من بيوت الأدباء والكتّأب المشاهير في بارس (كنتُ أفكر في الكتّأب والأدباء العرب وغالبيتهم لا يعيشون هذه الرفاهية أي اختيار المنزل وديكوراته واللجوء فيه إلى عالمهم الداخلي.. وأتذكّر أن بعض الكتّأب [= الغربيين] اشتروا منازلهم من أول رواية نشروها. وفي عالمنا العربي يدفع الكاتب أموالا لناشره لنشر روايته الأولى .. وقد وصل البؤس في العالم العربي إلى درجة أنه لا يعتني بما تركه الكاتب العربي بل أن كثيرا من الحكومات العربية أزالت بيوت أدباء وكتّاب لأسباب واهية بدل أن تحافظ على ذكرياتها. ولعل أكثر ما آلمني وأنا أقرأ خبرا قديماً عن تحويل بيت الشاعر اللبناني بشارة الخوري إلى مرآب بعد رحيل صاحبه في حين تتحول بيوت الأدباء والكتّأب الأوروبيين والغربيين إلى متاحف وأماكن لها قدسيتها في قلوب من قرأوا كتبهم وأمضوا أوقاتاً ممتعة مع أفكارهم. والمفارقة صعبة بين المرآب والمتحف؛ كما تتحوّل بيوت الكتّأب والأدباء العرب إلى أطلال هذا إذا كانوا يمتلكون بيوتاً) (ص 9).
(4). لفتت انتباهي في مقدّمة شاكر العبارة التالية : (كثبر من الكتّاب والأدباء سواء أكانوا عرباً أم أوروبيين يرفضون الكتابة على جهاز الكمبيوتر في الوقت الحالي ومازالوا يمارسون الكتابة بالريشة والقلم والحبر) (ص 10).
مَنْ مِنَ الكتّاب العرب مثلا (في الوقت الحالي) يكتب بالريشة ؟ّ!
(5). في مقدّمة المؤلفتين الرشيقة وبلا استطالات (صفحة واحدة) أيضا نعرف أنهما تجوّلتا في أرجاء أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية (للبحث عن “روحية المكان” والتي استطاع المبدعون التعرّف عليها واستطاعت هي إلهامهم بالشىء الذي جعل من اسفارنا وزياراتنا للأماكن زيارات ممتعة وعجيبة) (ص 13). لقد التقيتا خلال أسفارهما بعدد من أبطال المبدعين الكبار الحقيقيين الذين حكوا لهما عن المبدعين بتعابير دقيقة وجميلة كحنين الذكريات التي تملأهم) (ص 13).
(6). وفي التوطئة الجميلة التي كتبتها الروائية الفرنسية الشهيرة “مارغريت دوراس” تحدثت عن عزلتها المحببة في بيتها حيث أمضت عشر سنوات وحيدة في تأليف رواياتها . تقول دوراس : (كنتُ وحيدة في هذا البيت وأغلقت الباب على نفسي؛ فمن الطبيعي أن ينتابني الخوف ولكنني أحببتُ هذا البيت لأنه أصبح بيتاً للكتابة والإبداع. خرجتْ كتبي من بين جدران هذا البيت، ومن بين هذه الأضواء، من هذه الحديقة ، ومن أشعة الضوء المنعكسة على البحيرة. استغرقتُ عشرين عاماً كي أكتب ما أقوله الآن .. وقد سبق شراء هذا البيت جنون الكتابة العاصف وبركانها. أظن أن البيت هو الذي أوحى لي بالكتابة. وكان يواسيني على آلام طفولتي) (ص 20).
ومن الطريف أنّ دوراس تذكر أنّها اشترت هذا البيت الجميل بما حصلت عليه من حقوق سيناريو فيلم “جسر على المحيط الهادىء”.
(7). اشتمل الكتاب على عرض لبيوت عشرين أديباً وكاتباً غربيّاً منهم : جان كوكتو، لورنس داريل، وليم فولكنر، أرنست همنغواي، هيرمان هيسه، بيير لوتي، ألبرتو مورافيا، ديلان توماس، مارك توين، فيرجينيا وولف .. وغيرهم.
(8). وهناك ميزة كبرى أخرى لهذا الكتاب وهي أن المؤلفة لم تكتفي بتقديم صورة وافية شافية عن بيت كلّ مبدع أو مبدعة وكيفية حصوله عليه وعلاقته به وأهميته وما جرت فيه من حوادث وتركيبته ثم مصيره، لكنها قدمت سرداً رائعاً عن حياة كل مبدع ومبدعة والحوادث الفاصلة فيها وعلاقاته العاطفية الأساسية وأهم أعماله وطبيعة شخصيته وسلوكياته وغيرها مما سيثري معلومات القارىء ويوفّر له متعة لا تضاهى.
(9). أعجبتني عناوين الفصول حيث صمّمت المؤلفة لكل عنوان عبارة موجزة تثير انتباه القارىء وتشحذ اهتمامه مثل:
-كارين بليكسون اختارت قبرها في الحديقة تحت شجرة عمرها قرن كامل
-كارلو دوسي طلب من عائلته أن تحفر كلماته على أعمدة البيت المرمرية
-وليم فولكنر أطلق على منزله اسم نبات يحمل السعادة بحسب الأساطير الاسكتلمدية
-جينونو اشترى بيته بايرادات روايته الأولى
-فيتا ساكفيل ويست قصرها يجتوي على 4 أبراج و100 مدفئة و365 غرفة
-فيرجينيا وولف كان بيتها جنة عدن تحن من خلاله إلى سنوات طفولتها ومراهقتها
(10). ضم الكتاب أيضا بيبلوغرافيا للأدباء والكتّاب الذين تناولتهم المؤلفة لكنها جاءت باللغة الفرنسية، وكنت أتمنى ترجمتها إلى العربية لكي تتسق مع المحتوى وتُكمل شكله ومضمونه.
(11). تبقى كلمة أخيرة عن الصور. أي براعة وأي فن واقتدار تمتلك هذه المصوّرة “إريكا لينارد” في تحديد المناظر والزوايا والمنظور.. هي ليست صوراً فوتوغرافية بل لوحات جميلة ساحرة يمكنك أن تقتطعها وتعلقها على جدران غرفتك أو مكتبك. الصور تعبّر عن حبّ المصورة لما تلتقطه.. قرأت أنها عاشت في بعض البيوت مثل بيت مارغريت دوراس.
كتاب رائع وجميل ومتفرّد يستحق القراءة.

*عن صحيفة الزمان

شاهد أيضاً

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني: التعريف بمؤلفاتي المنشورة ورقيا والكترونيا
الكتــــاب الرابع والثلاثون: الشعر العربي بين الحداثة والمعاصرة

إشارة : أمام هذا النشاط الدؤوب والعطاء الإبداعي الغزير والثر للمبدع الشاعر والناقد والباحث العراقي …

“قيثارة السرد” مجموعة قصصية للكاتب “جابر خمدن”

صدرت عن دار الفراشة في الكويت، المجموعة القصصية الأولى ، للكاتب جابر خمدن بعنوان قيثارة …

“مواربات النص” كتاب جديد للمفكر ماجد الغرباوي.. إصدار جديد عن مؤسسة المثقف

إشارة: يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تهنىء الأخ المفكر “ماجد الغرباوي” على هذا الإصدار …

تعليق واحد

  1. صالح الرزوق

    نعم بيوت الادباء متميزة في الغرب، و حتى بيوت و غرف طلبة العلم، مثلا كانت غرفتي في بريطانيا تشرف على حديقة خلفية، و مزودة بخزانة يمكن ان انام فيها لو دعت الحاجة، و زارني ضيف و احتل سريري،
    اما الغرفة التي تسبقها فقد كانت تشرف على ربوة تغطيها اشجار دائمة الخضرة، و هناك تم اغتصاب فتاة تتريض،
    و من هنا تبدأ دراما الادب الغربي،
    و اود ان الفت الانتباه لانتحار فرجينيا وولف التي امتلكت بيتا يشبه الجنة، لماذا يقدم انسان على الانتحار في جنته الغناء.
    نعود الى واقعنا المؤسف، لعام كامل كنت كلما اجلس لكتابة فصل من رواية اعكف عليها يجتمع اولاد الجيران تحت نافذة الغرفة و يدخلون في حوار بذيء يسبب لي التشريش، لقد مزقت تلك الرواية بعد كد و عرق لسبع شهور متواصلة،
    و بعدها طلقت القلم و الورق و تعلمت كيف اكتب بلوحة المفاتيح مباشرة،
    شكرا لهم،
    لقد عجلوا بالقطيعة مع عصر الحبر و الورق،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *