الرئيسية » حوارات » حوار مع الروائي علي بدر حول قصة “العريف”
ترجمة: رمضان مهلهل سدخان

حوار مع الروائي علي بدر حول قصة “العريف”
ترجمة: رمضان مهلهل سدخان

حوار مع الروائي علي بدر حول قصة “العريف”
ترجمة: رمضان مهلهل سدخان
تمهيد
فيما يلي نسخة من المقابلة عبر البريد الإلكتروني بين الروائي والكاتب العراقي علي بدر ومحررة مجلة “سوشيال تكست”، آنا مكارثي. يتعلق الحوار بقصة “العريف” التي كتبها علي بدر وظهرت في كتاب “العراق بعد 100 عام: قصص بعد قرن من الغزو”، وهي انثولوجيا صدرت عن دار كوما برس البريطانية عام 2016، تحرير حسن بلاسم. يُذكر بأن ماكارثي هي استاذة في قسم الدراسات السينمائية، جامعة نيويورك. وإضافة الى عملها في تحرير مجلة “سوشيال تكست” الأكاديمية، فقد شاركت في تحرير وإصدار عدد من الكتب. كتبت الكثير من البحوث والمقالات وحصدت العديد من الجوائز في مجال تخصصها. كما انها شخصية مهمة وفاعلة في الوسط الثقافي الامريكي وحاورت معظم الشخصيات الثقافية المهمة عبر العالم. والآن مع المقابلة.
آنا مكارثي: سبهان، شخصية العنوان في قصتك القصيرة “العريف”، متفائل منحوس. وبوصفه جندياً في جيش صدام، فقد شهد قسوة وفساداً كبيرين. يختلط جسده بالشظايا، كما انه فقد احدى أذنيه بسبب تصويب بائس لقناص إيراني. مع ذلك، فهو مايزال يتملّكه شعور بالاندهاش. ففي مراسيم هزلية، يدفن أذنه – “وهي جثة صغيرة” – في ساحة المعركة. هذا الجندي لا يحمل أية ضغينة تجاه القناص الأمريكي المدرَّب تدريباً جيداً، الذي قام في عام 2003، بعد “نهاية” الحرب العراقية (المسماة “إنجاز المهمة”)، بإرساله إلى السماء بإطلاقة على الجبين. يخبر قرّاءه في بداية القصة بأن “الحرب هي التي علّمتني الضحك والفكاهة”.
ان خصال “الأحمق الحكيم” تجعل سبهان شخصية جذابة بالنسبة للقارئ. ما هي جاذبيته بالنسبة لك ككاتب؟ وما العمل الذي يمكن لشخصيات هزلية ان تقوم به، بوصفهم رواة؟
علي بدر: الشيء الأكثر جاذبية حول هذه الشخصية هو عبثيته، أي الطريقة التي يتّبعها في فهمه للعالم. يرى سبهان بأن هذا العالم مثير للقلق، لأن الحرب، كما تعلمين، غيّرت المنطق، وغيّرت ما كان مألوفاً اثناء أوقات السلم. لذلك لا يمكننا أن نفهم عالم الحرب بالمنطق نفسه الذي درجنا على استخدامه؛ علينا أن نغيّره. وعلينا أيضاً أن نغيّر عقلياتنا وحيواتنا وعاداتنا من أجل تحمّل هذا العالم الجديد. بالنسبة لسبهان، قلبَ معادلة: السلام / الحرب؛ اذ إن الاستقرار في السلام يصبح عدم استقرار في زمن الحرب؛ ويصبح الأستيطانُ نزوحاً؛ ويصبح فعل الخلق عملاً من أعمال التدمير؛ وأخيراً، تصبح الحياة موتاً. لذلك، نحن بحاجة إلى لغة أخرى لفهم عالم كهذا، وسبهان اخترعَ لغته – وهي لغة ساخرة ومتهكمة و مجازية. بالنسبة له، وكذلك بالنسبة لي، هذه هي الوسيلة الوحيدة لفهم عالم الحرب.
آنا ماكارثي: كيف تولّدت فكرة هذه القصة؟ ما الذي تغيّر منذ البداية حتى نهايتها؟
علي بدر: أعتقد بأن القصة تولّدت بمحض الصدفة، إن لم اقل ولّدها القدر. كنتُ جندياً لغاية عام 2003، ويحدث أن امتلك صوراً عن هذه الفترة – كماً هائلاً من الصور – حيث تجمعني مع بعض الأصدقاء من مدينة الكوت، ونحن نتناول السمك، ونتباهى بالشوارب، ونرتدي البدلة العسكرية. كانت هذه التفاصيل مصدر إلهامي. وهكذا جلستُ لكتابة قصة، وجرت الكتابة بسلاسة تامة بحيث ان القصة اصبحت جاهزة على الورق في ظرف يومين، ومن ثم بعد أسبوع من إعادة قراءة القصة وتعديل بعض التفاصيل، وصلتُ الى شكلها النهائي. وجاءت فحوى القصة من الكلمات والصور والروائح التي تسكن عميقاً في غياهب ذاكرتي.
آنا ماكارثي: تروق لي الطريقة التي تتجنّب فيها القصة إغراءات العديد من مرويات الحرب. فهي لا تحاول جرّنا الى التقرير العميق، والآسر حول استقراء بطل الرواية، وتجربته القتالية، وما بعدها، وما الى ذلك. فبدلاً من ذلك، يذكر سبهان كل العناصر المميزة لقصة الحرب بقائمة واحدة طويلة: “ننتظم في الوحدات، نقاتل، نهاجم، نحتل، ندافع، نحصل على الأوسمة، …”. وبعد بضع جمل، ثمة قائمة متطابقة تقريباً تصف الحياة العسكرية للقناص الذي يقتله.
تستند الكثير من قصصك على البحث المستفيض، بما في ذلك المقابلات. أودّ أن أسأل إذا كانت هذه الطريقة لوصف الحرب لها أية علاقة بأساليب القصّ لأناس كنتَ تحدثتَ إليهم في العراق، أناس هيمنت على حياتهم الحرب طيلة أجيال.
علي بدر: ما وضعني على الجانب الآخر من الخط، ابعد قليلاً عن زملائي الجنود، هو رغبتي المستمرة في تحليل العالم الذي كان يحيط بي. فأنا لم أكن متوائماً أو منتمياً اومنغمساً تماماً في عالم الحرب هذا، لذلك كانت لي تجربة مختلفة عن معظم الناس الذين كنتُ معهم. مع ذلك، كنتُ مفتوناً – وليس مجرد معجب – بالجنود الذين كانوا يعتقدون بأن الحرب هي حياتهم، وأن عليهم أن يعيشوا حياة الحرب هذه وكأنهم متزوجين منها. لقد بدوا بأنهم متحدون تحت كلمة “نحن”. ان نقتل، ان ندمّر، ان نربح لم تكن أعمالاً فردية ضمن السياق الأكبر للجيش. وحقيقة أنهم كانوا جنوداً حقيقيين سحرتْني، لذلك منذ أيامي الأولى بوصفي جندياً مكلّفاً، كان اقراني بعيدين كل البعد عني كجنود ومقاتلين، ولكنهم الأقرب إليّ كبشر. كنتُ أحاول ان افهمهم، وأفهم كيف كانوا يتحملون هذا النوع من الحياة. ان رحلتي في الجيش اتاحت لي التحدّث إلى الكثير منهم عن حياتهم والأشياء التي دهشتني فيهم اضافة الى الأشياء التي لم أستطع أن أفهمها. ثمة فجوة كنت أحاول جسرها اثناء تلك الفترة – وأعتقد بأن رواياتي وقصصي تملأ تلك الفجوة باستخدام قصص الجنود الآخرين.
آنا ماكارثي: القصة تعجّ بالحيوانات. والكثير منها يتعلق بطريقة سبهان في الحديث – فهو يصف مراراً وتكراراً لحظة وفاته عبر الإشارة إلى اجزاء من الدماغ التي تطير في مهب الريح “مثل ذروق الطير”. كذلك يتحدث عن الأغنام والضأن والقطط الميتة والجاموس الميت والجمال، والخنازير. في مرحلة ما يصف الروح المعنوية للقوات من خلال مقارنتها بـ “كلب مات صاحبه”. ثم في نهاية القصة، يُرى الرئيس العراقي بعد مئة سنة في المستقبل على شاشة التلفزيون مع كلبه. هل يمكنك أن تقول شيئاً ما عن رؤيتك للحيوانات في هذه القصة؟ ولماذا لدى الرئيس حيوان أليف؟
علي بدر: بوصفنا جنوداً على الحدود، فإن احد الأشياء القليلة التي ظلّت راسخة بالنسبة لنا هو وجود الحيوانات. فالحرب انهكت ووأدت الحياة الحضرية. لم نرَ مباني أو شوارع معبدة أو محلات تجارية أو نساء؛ اذ ان الأشياء الوحيدة التي كنا قادرين على رؤيتها هناك هي الحيوانات – الطيور والفئران والكلاب والأغنام والحشرات. في هذه القصة، اذن، يتحوّل سبهان إلى ذاته الحقيقية، إلى محيطه الأساسي وما هو مألوف لديه.
اما فيما يخص الجزء الثاني من سؤالك: انني أعزو ظهور الرئيس العراقي مع حيوانه الأليف على شاشة التلفزيون بعد مئة سنة من الآن [اعزوه] إلى الحادثة التي ظهر فيها جورج بوش على شاشة التلفزيون قبل يومين من الغزو مع كلبه بارني وهدّد صدام. تستطيعين أن تقولي بأنني كتبتُ المشهد من إلهام رئاسي.
آنا ماكارثي: القصة سينمائية جداً، لكنها ليست كذلك كما لو أنها تحدّد أسلوبها البصري بجنس فلمي واحد فقط. اذ عندما يصعد سبهان إلى السماء محاط بالقمامة والأوساخ والملابس الداخلية البالية، يذكّرني هذا بفلم “المصفوفة” (الماتريكس)، بتأثيراته الخاصة المفرطة في تمثيل الواقع. ثم، في وقت لاحق، عندما يقوم ملاك برفع سبهان من ياقة قميصه فترتفع ساقاه كما لو انه “يسبح في الفضاء،” وهنا تتبادر الى ذهني افلام الرسوم المتحركة. هل تفكّر في الصور؟ هل ترى القصة في لمحاتها السينمائية أثناء الكتابة؟
علي بدر: ككاتب، يكون هذا الأمر أكثر تعقيداً، لأن الكتابة – بالنسبة لي – تتكون من مرحلتين أو مستويين. المستوى الأول لفظيّ، حيث تلعب المشاعر والمفاهيم والأفكار والأحداث دوراً رئيساً في عملية تحليل ما يجري كتابته وتفسيره، في حين يساهم المستوى البصري – اي المرحلة الثانية – بكم هائل من الطرق ليجنّبنا وطأة اللغة ويمكن أن يضعنا في عالم الصور والحركة. وهذا بالطبع له تأثيره على عقل القارئ. في قصتي، استخدمتُ المؤثرات البصرية منذ البداية لتحفيز ذهن القاريء وتحريكه جنباً إلى جنب مع الفعل الدرامي ولجعل القارئ يتفاعل مع عالمَين، عالم الحرب وعالم الآخرة أو عالم ما بعد الموت. وبما أن عالم الحرب حقيقي وواقعي ومعروف، فإنه ينطوي على الكثير من الصور الملموسة التي يمكن أن ترتبط به. اما عالم ما بعد الموت فهو بالضد تماماً، عالم ما يزال غامضاً وغير معروف. وبالعودة إلى ذكركِ للمفارقة آنفاً: شعرتُ بأن نوعاً من الأحداث شبيهاً بافلام الرسوم المتحركة كان يصبّ في صلب الموضوع.
آنا ماكارثي: لا يمكنني ان اطلق على هذه القصة بأنها ضرب من الخيال العلمي – فوجود الله والملاك وسقراط يخبرنا بأننا لسنا في عالم تكنولوجي، بل اننا في عالم قصصي خاص، شبه مجازي. مع ذلك، فإن جوانب معينة من القصة تحقق شعوراً من التغريب بالمقارنة مع الآثار الناجمة عن قصص السفر عبر الزمن الأخرى. مثلاً رواية هـ. ج. ويلز “آلة الزمن”. أنا أفكر بشكل خاص في لحظتين: الأولى هي أول محادثة لسبهان مع شخص غريب في المستقبل. اذ هناك حوار كبير نستشف منه بأن أسلوب حديث سبهان في القرن الحادي والعشرين يجعله غاضباً. ثم، بعد ذلك بوقت قصير، يقوم الغريب بإخبارسبهان عن “مقهى الفن الرائع” حيث انه ” مجاني للناس الذين لايحملون معهم المال”. أحب هذه الصورة الطوباوية. انه ليس عالماً اذ تمّ إلغاء النقود فيه؛ انه أكثر راديكالية – فهو عالم تكون فيه النقود ذات أهمية ضئيلة جداً لدرجة يمكن أن تنسى ان تحملها معك، ومع ذلك فأنت تستهلك السلع والخدمات. بكلمة أخرى، أنه عالم لا توجد فيه وسائل منهجية لاستخراج القيمة وتعميمها. تقول بأنك لستَ كاتب قصص خيال علمي، لكنك بالتأكيد حذقتَ في صياغة هاتين اللحظتين. أشعر بأنه هنا مكمن ذكاء القصة من خلال السماح للأشياء بالتأرجح بين السخرية والوفاء.
علي بدر: العبور الى المستقبل هو حلم قديم جداً ورائع ايضاً. وقد تعاطاه العديد من الكتاب، خاصة عندما ننظر إلى الأدب المستقبلي والطليعي. نعم، فكّرتُ بالكاتب ويلز وآلة الزمن، ولكنني أخذت فكرته وركضتُ معها في الاتجاه المعاكس، لأنه – كما تعلمين – كان متشائماً للغاية نظراً للظروف السياسية والاجتماعية في أوروبا وفي جميع انحاء العالم في ذلك الوقت. لذلك، كانت فكرته عن المستقبل مأساوية جداً، فأعربَ عن اعتقاده بأن الرأسمالية سوف تمرّغ الجنس البشري بأسره في التراب.
كنتُ نصف متشائم في تصويري للمستقبل. اذ رسمتُ صورة مستقبلية للعراق مخمّناً بأن البلد والمجتمع سيتغيران نحو الأفضل حتى مع بقائهما تحت نير الإرهاب … وهذه الصورة هي عكس ما قدّمه الغرب. نعم، ستقع البلاد تحت سطوة الإرهاب، لكنها ستنهض من الداخل.
بالنسبة لجنس قصتي: أستطيع أن أقول بأنه بغض النظر عن عناصر الخيال العلمي التي اعتمدتها قصتي، فهي ماتزال تندرج تحت يافطة جنس الفنطازيا. انه فن حول الممكن.
آنا ماكارثي: لقد تمت ترجمة عدد من أعمالك. كيف جاءتك فكرة العمل مع المترجم؟ وإلى أي مدىً يبدو هذا الإجراء، لنقلْ، توسيعاً لعملية الكتابة؟ هل غيرت الترجمة تفكيرك حول عمل بعينه؟ هل تفكر في الترجمة أثناء الكتابة؟
على بدر: تقف الترجمة على مستوى شاهق في عملية الكتابة. وبدونها، سيتم وضع الحياة والأدب في صناديق صغيرة وقصرها فقط على أولئك الذين يقرأون بعدة لغات. كذلك تكون الترجمة مهمة بالنسبة للكاتب، لأنها تنفث حياة جديدة في الكتاب ومؤلفه. فالترجمة تسهّل التواصل بين المجتمعات والثقافات والأفراد. بطبيعة الحال، أنا سعيد لأن بعضاً من كتبي قد تُرجمت إلى لغات مختلفة وكل ترجمة تجعلني منتشياً. وفي النهاية انا أفكر في الترجمة أثناء الكتابة لأن الترجمة تعزز بعدي الإنساني. برغم كل شيء، بدأتُ كاتباً شاباً في بغداد، مُسنداً تفكيري ومعرفتي على المحلية وعلى الأشياء التي قرأتها. لكن منذ أن أصبحت كلماتي نوعاً ما عالمية، أصبحت طريقة تفكيري كذلك ايضاً. وكما توسعتْ دائرة قرّائي، كذلك توسعت قائمة أبطالي. وهكذا تجاوزت مواضيعي النطاق المحلي والجغرافي. الترجمة ببساطة وضعتني في منتصف العالم بدلاً من سطحه. فقد حولتْ كاتباً لا يفكر الاّ في نفسه والحلقة الضيقة حوله إلى – استطيع أن أقول – مواطن في عالم شاسع ومترامي الأطراف.
آنا ماكارثي: ثمة مقابلات في المجلات الأسبوعية البريطانية غالباً ما تسألك شيئاً ما من قبيل “أين ترى نفسك في عشر سنوات؟” أجد هذا السؤال غير مهم. ولكنني مهتمة بمعرفة ما إذا كانت حياتك ومهنتك الآن هي ما كنت تتصورها قبل عشر سنوات.
علي بدر: في الحقيقة، أفكر كثيراً في مستقبلي الخاص. لكنني أستطيع أن أقول بأن كل توقعاتي تناثرت، وحياتي اتخذت منعطفاً مختلفاً عما كنتُ أتوقعه قبل عشر سنوات. في الماضي، كان مستقبلي مرهوناً بالبلد الذي عشتُ فيه، وبأسرتي، وببعض الظروف خارج سيطرتي كإنسان. أو على الأقل، هذا ما كنتُ افكر فيه. لكن الأمور مختلفة الآن بالنسبة لي: بوصفي لاجئاً، فقد مُنِحْتُ حياة جديدة، وبداية جديدة. والآن أنا حر، وتلك الحرية والفرصة أعطياني وأعطيا أدبي رؤية جديدة الى المستقبل. لا تعتمد الأمور الآن على اين أعيش؛ فالأدب والكتابة هما هويتي وبلدي. لذا، عندما يتعلق الأمر بالمستقبل فإنني لا أرى سوى الكتابة وأفكر في نفسي ككاتب، تنتظره المزيد من الفرص التي ستأتي.
المصدر:
مجلة Social Text، عدد 16 آب، 2017 . اجرت الحوار آنا ماكارثي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *