الشاعر الفلسطيني عزالدين المناصرة… بعيون عربية

الشاعر الفلسطيني عزالدين المناصرة… بعيون عربية

ولد عزالدين المناصرة في محافظة الخليل بفلسطين بتاريخ (11 أبريل، 1946م). وأصدر (أحد عشر) ديواناً شعرياً: هي: (1) لا سقف للسماء،- عمَّان، 2009. (2) لا أثق بطائر الوقواق،- رام الله، 2000. (3) رعويّات كنعانية، قبرص، 1992. (4) حيزية: عاشقة من رذاذ الواحات -عمّان، 1990. (5) كنعانياذا، بيروت، 1983. (6) جفرا، بيروت، 1981. (7) بالأخضر كفّناه، بيروت، 1976. (8) قمر جَرَشْ كان حزيناً، بيروت، 1974. (9) مذكرات البحر الميت، بيروت، 1969. (10) الخروج من البحر الميت، بيروت، 1969. (11) يا عنب الخليل، القاهرة – بيروت، 1968.

كما أصدر (خمسة وعشرين كتابا) في النقد الأدبي، والتاريخ، والفكر، هي: (1) الفن التشكيلي الفلسطيني، منشورات فلسطين الثورة، بيروت، 1975. (2) السينما الإسرائيلية في القرن العشرين، بيروت، 1975. (3) (جمع وتحقيق) – الأعمال الكاملة للشاعر الفلسطيني الشهيد – عبد الرحيم محمود، دمشق، 1988. (4) المثاقفة والنقد المقارن -عمّان، 1988. (5) علم الشعريات، عمّان، 1992. (6) حارس النص الشعري، بيروت، 1993. (7) جفرا الشهيدة وجفرا التراث-، عمّان، 1993. (8) جمرة النص الشعري، عمّان، 1995. (9) شاعرية التاريخ والأمكنة – (حوارات مع الشاعر المناصرة)، بيروت – عمّان، 2000. (10) إشكالات قصيدة النثر، بيروت – رام الله 1998. (11) موسوعة الفن التشكيلي الفلسطيني في القرن العشرين (في مجلّدين)، عمّان، 2003. (12) لغات الفنون التشكيلية، عمّان، 2003. (13) الهويّات، والتعددية اللغوية، عمّان، 2004. (14) علم التناصّ والتلاصّ، عمّان، 2006. (15) السماء تغنّي: (قراءة في تاريخ الموسيقا العربية)، دار مجدلاوي، عمّان، 2008. (16) فلسطين الكنعانية: (قراءة جديدة في تاريخ فلسطين القديم)، منشورات جامعة فيلادلفيا، 2009. ط2، الصايل للنشر والتوزيع، 2014. (17) قصة الثورة الفلسطينية في لبنان (1972-1982)، الدار الأهلية، عمَّان، 2010. (18) تفكيك دولة الخوف، دار الراية للنشر والتوزيع: عمّان، 2011. (19) لا أستطيع النوم مع الأفعى، (حوارات مع الشاعر المناصرة)- دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، عمَّان، 2011. (20) الأجناس الأدبية -دار الراية للنشر والتوزيع: عمّان، 2011. (21) امرؤ القيس الكندي، دار الراية للنشر والتوزيع: عمّان، 2011. (22) أكبر من دولة فلسطينية أقل من دولة كنعانية – دار الصايل للنشر والتوزيع، عمّان، 2012. (23) بالحبر الكنعاني نكتب لفلسطين (1964-1996)، الصايل للنشر والتوزيع، عمّان، 2012. (24) نقد الشعر في القرن العشرين، الصايل للنشر والتوزيع، عمّان، 2012. (25) الكف الفلسطيني تناطح المخرز الأمريكي—الصايل للنشر والتوزيع عمان 2013.

عاش (18 عاماً في فلسطين) وكان قد غادرها بتاريخ (15/10/1964) إلى المنافي، حيث عاش بقية عمره في (مصر، لبنان، بلغاريا، تونس، الجزائر، الأردن). ويعمل منذ أيلول 1995 – أستاذاً (للنقد الأدبي، والأدب المقارن) في جامعة فيلادلفيا بعمّان، ولم يسمح له بالدخول إلى فلسطين، مسقط رأسه حتى اليوم. وكان قد عمل أستاذاً بجامعتي (قسنطينة، وتلمسان) الجزائرية، وعمل رئيساً لقسم اللغة العربية (بجامعة القدس المفتوحة) قبل نقلها عام 1994 إلى فلسطين. وعمل عميداً لِـ(كلية العلوم التربوية) التابعة لوكالة الأونروا الدولية بعمّان، عام (1994-1995). كذلك شارك (الشاعر المناصرة) في الثورة الفلسطينية المعاصرة (1964-1994)، حيث كان (الشاعر الفلسطيني الوحيد) الذي حمل السلاح في المرحلة اللبنانية من الثورة الفلسطينية بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية.

1. أحمد العناني (فلسطين): شاعرٌ بكل ما للكلمة من معنى:

عرفت في محافظة الخليل بفلسطين، أولى زهرات عائلة المناصرة في الأربعينات من القرن العشرين، وهو رجلٌ – يدعى إبراهيم موسى المناصرة الذي كان زميلاً لي في التعليم، قطعت الظروف دراسته في منتصف الطريق، فلا هو كما قال لي ذات مرة: ظلَّ راعياً ساذجاً، يشدو للبساطة والجمال في المراعي الساحرة على منحدرات البحر الميت، ولا هو عبّ عبّة تروي الغليل من الدراسات الحديثة التي تؤهله للوصول إلى ما كان ينبغي أن توصله إليه، أصالة ذهنه الصافي، وحساسيته الفنية التي كانت تتوقد في جوانحه. توفي ابراهيم المناصرة، في السابعة والعشرين إثر مرض عضال، لكنه لم يترك في نفسي ريبة أبداً في أن حركة المعرفة الصاعدة، ستظفر بأعداد كبيرة من أفضل خامات العقول في محافظة الخليل وفي (بلدات: بني نعيم، ودورا، والسموع، والظاهرية، وحلحول)، وغيرها التي كانت في العشرينات، تخرج من عهد الكتاتيب إلى المدارس الحديثة. فجأة ومنذ سنوات بدأت أقرأ لشاعر فتى من عائلة المناصرة، لأكتشف انبعاث النبوءة القديمة التي أوحى بها المعلم إبراهيم موسى المناصرة، والمفاجأة لي هي أن هذا الشاعر، أي عز الدين المناصرة، هو ابن أخت صديقي – المعلم إبراهيم. عز الدين المناصرة، شاعر بكل معنى الكلمة، له كل ما للشاعر الأصيل من دأب في البحث عن صلات بالناس والأشياء في قصيدته. وهو يبحث في علاقات البشر بالكون، وله موسيقى تنم عن وجدان رهيف الحس، تصدر عن قلبه لوحات شعرية بديعة، مما خلق الله، واستودع أجواء فلسطين الجنوبية في محافظة الخليل، فكّ الله أسرها، وردّنا من غربتنا إليها([1]).

2. الدكتور عبد الواحد لؤلؤة (العراق): كنعانياذا:

كانت (قصيدة النثر العربية) التي تقوم على استيعاب واعٍ للتراث العربي الإسلامي والمسيحي بالدرجة الأولى، وعلى ثقافة عميقة واسعة – نوعاً من الأشكال الكتابية التي ترقى إلى مرتبة الشعر، لغةً، رغم أنها لا تقع تحت تعريف الشعر شكلاً. والأمثلة الجيدة قليلة، منها ما كتبه بهذا الشكل، عز الدين المناصرة في (كنعانياذا، 1983) مستوحياً فيها، الموروث الكنعاني الفلسطيني، باستخدام الأسلوب الملحمي، واختصار أزمان متعددة في تاريخ الشعب الفلسطيني. إنه يستفيد من الشكل الملحمي لإلياذة هوميروس، كذلك من لغة الأدب الكنعاني الذي سبق التوراة، بمئات السنين([2]).

3. الروائي نبيل سليمان (سوريا): كنعانياذا:

على نحو أكثر إيغالاً وتجريباً في سردية الشعر تأتي (كنعانياذا) لعزالدين المناصرة. إنه طموح المناصرة إلى كتابة إلياذة فلسطينية، ولذلك، منذ البداية إلى النهاية: الأسطورة، الغنائية، الشعر، لذلك: الحكايات والأحداث والأبطال والجماعات المشهدية، لذلك: السردية المستبطنة في الشعر، والشعرية المستبطنة في السرد. من الأحداث الكبرى نعد خاصة (عيد الشعير، عيد الكروم). فالعيد يفتح على الاحتفال، على الكرنفال، ومنه – كما في مواطن أخرى في القصيدة – نتعرف على الجماعات: (الكنعانيون، الآموريات، الحثيات، اليهود…) نتعرف إلى الشعب والشعوب في مشهديات وكرنفالات. وتطلع الشخصيات من الاجتماع البشري ومن الطبيعة، من الحاضر ومن الماضي، من الواقع ومن الأسطورة، فليس السارد / الشاعر وحده، بل (العصفور أيضاً، جاك بريفير، المستوطنون، إيكاروس، الأم، السيد المبارك). وهكذا تتعدد الأصوات واللغات، وتكون الكلمة حوارية في هذا الشعر، كما في النثر الفني، وتجبه أسئلة النصوص ما أرسل باختين في تخصيص الكلمة الشعرية والكلمة في الرواية. ولكي لا يقلق، ومن بعده النقد الجديد، يمكن القول أن الكلمة في الـ(كنعانياذا) هي الكلمة في الرواية. وربما كان ذلك خلف اقتراح التفاصيل والأشياء الذي أخذت به القصيدة، وربما كان العكس. وعلى الرغم من أن المناصرة توسّل من اللغة الشعرية ما توسّل، إلاّ أن هذا التوسّل جاء في النسيج اللغوي السردي الكثير، ومنه. ولابدّ للمرء أن ينوء باللغة الواصفة، كما في (حجر مؤاب) و(صخور أندروميدا – مطلع المقطع خاصة)، ووصف إيكاروس في المقطع التاسع، كما لابدّ للمرء أن يتقرى في المقطع السادس المخصص لجاك بريفير، فلماذا نصبت الـ(كنعانياذا) هذا الشاعر ملكاً لفرنسا؟ ألبساطة شعره؟ أم السردية.

لابدّ للمرء أيضاً أن يقف عند الحكائي، وقد يجرب في ذلك أن يكتب المقطع الثالث (الغزال الأبيض الصغير) على هيئة النثر. ولكن لم أتابع المحاولة؟ وهل أقرأ مقبوساً من حكاية شعبية؟ هل هي الأسطورة أم الواقع؟ هل هي القصيدة التي تحقق دعوى (أوكتافيو باس) في أن كل الخطابات والأعمال الأدبية تدخل عالم القصيدة، وليست الرواية،كما هي دعوى باختين؟. إنها الـ(كنعانياذا)، إنها الإلياذة الفلسطينية للقرن العشرين، وربما لسواه([3]).

عزت الغزَّاوي (فلسطين): الإيقاع في شعر المناصرة:
خرج الشاعر عزالدين المناصرة عن قواعد الشعر العربي التقليدي، واستعمل عناصر محركة، وفق تقنيات عصرية، فرضها التحول الذي يشهده عالم النصف الثاني من القرن العشرين على صعيد الحساسية الشعرية، وهو ما دفع الشاعر المناصرة إلى قراءة الموروث، بعين متجددة، واستيعاب التغيرات في مجال الإبقاع. فالشاعر يستقي موضوعاته من التفاصيل اليومية التي يعيشها، ومن التجربة الإنسانية والوجودية والحضارية. ويتجلى ذلك في توظيفه للرموز والأحداث التاريخية والشخصيات الواقعية والأسطورية، إذ أنه يستحضر كنعان، ليغيّب الآلهة. فأهمية الإيقاع عند عزالدين المناصرة، توازي أهمية اللغة في شعره، حيث ينوّع الإيقاع. لقد تسلل هذا الشاعر المبدع، بشموخ مدهش إلى قلوب محبّي شعره ودارسيه في فلسطين والوطن العربي، وكتب بمداد من التألق والمجابهة([4]).

عبدالله رضوان (الأردن): يا عنب الخليل:
يمثّل عزالدين المناصرة – إحدى البؤر الشعرية المشعّة في التجربة الشعرية العربية الحديثة بعامة، والفلسطينية / الأردنية بخاصة. فشعره يمثل نقطة مضيئة ومتميزة في تطور الفصيدة الحرّة (التفعيلية)، ليس باعتباره، مجرد امتداد شكلي لتجربة الروّاد بقيادة بدر شاكر السيّاب – وإنما يشكل شعره، إضافة نوعية، لمجمل التجربة الشعرية العربية في مجال تطورها البنائي والدلالي، وفي مجال تحديث الخطاب الشعري، بحيث يمكن أن يقال بثقة: إنّ تجربة المناصرة الشعرية، إنما تمثل ريادة حقيقية. ويمكن القول أيضاً بثقة: لقد لعبت مجموعات المناصرة الشعرية الأولى: يا عنب الخليل، الخروج من البحر الميت، مذكرات البحر الميت، قمر جرش كان حزيناً – دوراً ريادياً، فلولا هذه المجموعات، ومجموعات أخرى لزملائه، لما وجدت الحركة الشعرية في الأردن، المناخ الملائم لانطلاقتها الثانية في الثمانينات. بل إن دور (يا عنب الخليل) بالتحديد في الأردن وفلسطين، يشبه إلى حد كبير، دور (مدينة بلا قلب) لأحمد عبدالمعطي حجازي في مصر([5]).

الطاهر وطّار (الجزائر): شاعر عظيم، وإنسان نبيل:
الشاعر عزالدين المناصرة: الناقد، المفكر، الأكاديمي، والمناضل: عرفته منذ كان يعيش في الجزائر «1983 – 1991» أستاذاً بجامعتي قسنطينة وتلمسان، والتقيته في أكثر من مناسبة، وفي أكثر من مكان. وفي كل مرة، اخرج بانطباع يقول: إنني أمام رجل عظيم، وإنني أمام أحد عمالقة الشعر العربي الحديث، والشعر الفلسطيني المعاصر: شاعر رقيق، يتمتع بموهبة مصقولة بالتجربة الطويلة، وبالمعرفة الواسعة، وبالألم الذي لا حدود لغوره، ألم وتراجيديا الإنسان الفلسطيني عبر العصور. ناقد وباحث ومفكر، تمكن من مُخادعة الشعر، ليعمل العقل في قضايا: نظريات الجمال واللغة، والنقد المقارن، والشعريات، والفن التشكيلي، والسينما والثقافة الشعبية. وشاعر كبير، تمكن من مُخادعة النقد. أستاذ جامعة، لم يتنازل عن وقار الأكاديمي الرصين، وشاعر عفوي مدهش، وكأنه جامعُ المتناقضات. مناضلٌ فلسطيني يحمل همّ فلسطين، أينما حلّ، سواء في البلدان العربية، أم في أوروبا… على الكتفين معاً. يتشبث بهويته الفلسطينية، وبعروبته النقيّة، وبإنسانيته… باليدين معاً. مثقف ثوريٌّ جذريٌّ مستقلٌ حقيقي، دفع الثمن غالياً من أجل أفكاره الديمقراطية المستقلة، لأنه يؤمن بأنه: (لا إكراه في الرأي).

غاص في وجدان الجزائريين: في أعماق الموشّح الأندلسي – التلمساني في مجموعته (لا أثق بطائر الوقواق – 2000) ولم ينس الجزائر في مجموعته (رعويات كنعانية – 1992)، وأعاد إحياء الموروث الجزائري في مجموعته (حيزية – 1990)، وفي قصيدته (لالاّ فاطمة). عاش في الجزائر، وأحبّها بشرف النبيل، فأحبته بهيبة الكبير([6]).

خليل قنديل (فلسطين): المناصرة، الساحر الكنعاني:
هبط الساحر الكنعاني، (الشاعر عزالدين المناصرة)، من الجبال، ومن الجبال جاءت أوّل الألواح وأوّل التعاويذ، فهو من سلالة قادرة على سرد الحكايات ورسم الدهشة، بحنكة الجبل الخاصة في تشكيل الشخوص، بالنحت الذي يتوازى مع قامة الجبل وشموخه.

لقد نهض الفتى، مُمسكاً بقصيدة حضارية رعوية كنعانية، هي حقاً، أكبر بكثير من مراحل منبريّة، مرّت بها القصيدة الفلسطينية والعربية، قافزاً باتجاه جذور الأرض الموعودة. كان هذا يحدث في أرض تشتعل فيها الثورة في بيروت، مؤكداً على بريّته الخاصة ورعويته الخاصة التي تُدهش النطق وبراعة تشكيل القصيدة. وهكذا كان لعزالدين المناصرة، نهوضه الخاص، وثقافته الخاصة، وثورته الخاصة. وربّما أعطاه بمجمله صفة الاختلاف والتمايز في حداثته الشعرية والمعرفية، إضافة لطهارته الثورية الجذرية الخاصة. ومن يذهب إلى جامعة فيلادلفيا (الأردن)، ويدخل أحد المكاتب المتواضعة، سيرى رجلاً في الستّين، يُصافح كل الناس، بملمس متواضع ناعم، وسيسمع صوتاً، له تلك الجلجلة الرنّانة، الخاصة التي يتميّز بها أبناء الجبالـ ولكن من ينظر في عينيه، سوف تذهله تلك الاتساعة في عين الصقر، إنها عين عزالدين المناصرة، الوثّابة الحالمة دائماً بالعودة إلى الجبل، حيث سلالة كنعان والرعاة والفرسان، المتحركة باتجاه العالم، وحيث العائلة التي قدمته ذات صباح، (قُرباناً يُعطي للناس والأمكنة ولا يأخذ)… وغابت([7]).

الدكتور محمد عبدالمطلب (مصر): جمالية القبح:
إن المتلقي لا يكاد يعي التداولية التي تحكمت في الاختيار الصياغي، وإنما الذي يعيه: إن هناك دفقة شعرية تشاهد واقعة ثقافية، وتراها منطقة شعرية تصلح أن تحل فيها بكل مفرداتها التي لا تتميز، فهي بين التداولي والصافي. وفي نزول شعرية الحداثة إلى التداولي، تقارب القبيح، لكنها لا تستبقيه في السياق الذي قبحه، وإنما تصعد به إلى أفق الجمالي، على نحو ما فعلته مع التداولي. والملحوظ أن شعرية الحداثة لم تكن سبّاقة في مقاربة القبيح، بل إن شعراء التراث كانوا الأسبق، فقد أقدم عليه أمير شعراء العربية امرؤ القيس في مثل توظيف “بعر الآرام” بوصفه خطاً جمالياً في لوحته الطللية في قوله:

ترى بعر الآرام في عرصاتها وقيعانها كأنه حب فلفل

ويطول بنا الأمر لو رحنا نرصد نماذج القبيح في المدونة الشعرية التراثية، ذلك أن الذي نهتم له كيفية الصعود بهذا القبيح إلى أفق الجمالي على نحو ما أقدم عليه امرؤ القيس وأضرابه.

يقول (عزالدين المناصرة) في مجموعته الشعرية (مذكرات البحر الميت)، وفي قصيدة: “خطبة أعالي الليل“:

أما نحن المحتشدين كالغبار

فقد مددنا لهم ألسنتنا

توالت البصقات من أعيننا

على أقفائهم المرطرطة من التعب.

في هذا الاجتراء المحدود، نزلت الشعرية إلى القبيح التداولي مرتين، الأولى في “البصقات”/لكنها ارتفعت بهذا القبيح إلى أفق الجمالي، عندما جعلت مصدر البصقات العيون بدلاً من الفم، ثم جعلت مصبها “الأفقية”، والمفردة بين المصدر والمصب تدخل “المجاز”، ثم ما تلبث أن تغادره إلى “الحقيقة” حتى تتمكن من الالتحام بالمفردة الثانية “المرطرطة” لكي ترفعها معها إلى أفق الجمال بعد تفريغها من مرجعيتها الوضعية “بقية الشيء” وتملأها بدلالة سياقية طارئة هي: تقبل الأفقية للإهانات المتوالية حتى بلغت مرحلة التعب الجسدي والنفسي. إن تخلي القصيدة عن الصفاء اللغوي والنزول للقبيح تارة والتداولي تارة أخرى، قد صاحبه نوع من هدم المكونات الصياغية لحساب الجمالية، والجمالية عند الحداثيين تعني مراوغة المتلقي ليكون وصوله إلى الناتج نوعاً من المجاهدة الذهنية والنفسية([8]).

كريم مروة (لبنان): شعراء فلسطينيون في لبنان:
كان (كمال ناصر) مثل كثير من شعراء فلسطين القدامى والجدد، شاعر كل قضايا الحياة، وشاعر الهموم الإنسانية الفردية كذلك. وكان من رفاق كمال ناصر في (الإقامة في لبنان) من شعراء فلسطين (محمود درويش، معين بسيسو، وعزالدين المناصرة) وآخرون. وكانت تربطني بهم صداقة حميمة أعتز بها، إذْ هي شكّلت جزءاً من تكويني في ما أنا فيه الآن بعد سنوات العمر الطويلة التي انقضت. قرأت مختارات من شعر كمال ناصر في كتابين منفصلين، أحدهما للباحث سهيل سليمان، والآخر للدكتورة شهناز مصطفى ستيتية (زميلة الشاعر المناصرة في جامعة القاهرة في الستينات).

– هناك جيل مهم في الشعر الفلسطيني، أهمهم حسب معرفتي (إبراهيم طوقان) ثم فيما بعد عبدالكريم الكرمي (أبو سلمى)، وفدوى طوقان، التي شكلت حلقة وصل بين الشعراء الكلاسيكيين، و(شعراء الحداثة). ثم صار (أبو سلمى) أول السبعينات من القرن الماضي، من أكثر مثقفي (الثورة الفلسطينية) قرباً إلى قلبي ووجداني. كما كانت الحال ذاتها مع (معين بسيسو)، الذي كنت قد حفظت بعض أشعاره الأولى منذ مطلع الخمسينات، ومع (عزالدين المناصرة). وصار الخمسة (أبو سلمى، كمال ناصر، معين بسيسو، عزالدين المناصرة، ومحمود درويش) من أعز أصدقائي. لكن (محمود درويش)/ سرعان ما صار قبل أن ألتقي به، الشاعر الذي دخل إلى قلوب وعقول الكثيرين في دنيا العرب. وكان من (شركائه) في الشعر والسن (تقريباً): (سميح القاسم)، وآخرون في الداخل – و(عزالدين المناصرة، ومريد البرغوثي)، وآخرون في الشتات العربي خارج أرض فلسطين. ثم كبرت لائحة الأسماء([9]).

محمد سعيد مضية (فلسطين): شاعرٌ ثاقبُ البصيرة:
(عزالدين المناصرة): له من العمر المديد والإبداع الخصب، شاعر ومفكر غزير الثقافة، ينتمي لمعدن الوفاء، وعزّة النفس، تنبأ وحذّر. نظم الأهاجي في التخاذل المتبوع بالتصحّر والصمت. ينتمي إلى كوكبة متمردة على الزيف متمسكة بالحق، مسترشدة بالحقيقة. وكان في قصيدته (أرى، 1976)، قد حذّر القيادة الفلسطينية (أرى سُمّاً شهياً قدَّموه لقتلنا هو في طعامكْ). نصح بإخلاص ووفاء. نمَّت نصيحته عن بصيرة ثاقبة – في قصيدته (حصار قرطاج)، التي مُنع من إنشادها أمام أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، (1983):

نحاولُ مُلكاً وقد لا نموتْ

بثوب السموم الذي أرسلته لنا الروم

خلفك رومٌ، حواليك رومٌ،

وفي الماء رومْ

وفي الشاي رومٌ

في الصحافة رومٌ، وفي كتب الجامعاتْ

في أسرّة زوجاتنا والبيوتْ

نحاول ملكا وقد لا نموت.

– ألم يكن (المناصرة) – نافذ البصيرة؟ لو أحاطت (القيادة الفلسطينية) نفسها بعيّنة من هذا الصنف، لما تورَّطت في المتاهات، ولما طالتها يد الغدر!!. وفي قصيدته (يتوهج كنعان، 1988)، يلوي المناصرة لجام الحصان يصعد به ذرى الحلم:

يجيئُكَ كنعانُ، كشرتهُ من زجاجٍ، وعيناه غاضبتان،

وسرواله عَتَبٌ وابتسامته من قتامْ.

يجيئُكَ كنعانُ كيما يؤسس دولته ضد هذا الظلامْ

يجيئُكَ كنعانُ فابتهجي يا بلاد الندى وقلاع الغمام

عليكِ السلامُ، عليكِ السلامُ، عليكِ السلامْ([10]).

الدكتور سعيد الغانمي:كيمياء الموت في شعر المناصرة:
تحول الجنائز الى أعراس عند الفلسطينيين. هذه الكيمياء الغامضة قد نجد جذورها في استعارات ظهرت قبل النكبة انظر يساراً بينها “استعارة الأرض”، حيث تمتزج الحبيبة بالأرض والوطن. وربما نجد الجذور الأبعد لهذه الكيمياء في شعر الصوفية:

ظلَّ عزّالدين المناصرة باستمرار يراقب نموّ تجربته، ويتجسّس عليها، وهو يشيّد مدينته الرمزية على أنقاض خراب الحاضر فإنه لم يستطع الإفلات من الشعور الجمعي باحتفالية الموت البهيج. كان المناصرة يريد استعادة (كنعان القديمة) من بطون التاريخ والكتب، ليضعها فوق جغرافيا الحاضر، كأنّ في استطاعة الماضي، حلمياً، ان يهجر ذاكرته، ويخفَّ مسرعاً نحو المستقبل. وهذا الازدواج في تحميل الماضي ذاكرة المستقبل، هو الذي تنقسم فيه ذات المناصرة الى اثنين يسائل كلّ منهما الآخر، ويتدخل في تجربته، بحسٍّ مأسوي تصحبه الزغاريد، وتتحوّل فيه التوابيت الى هوادج أعراس تشيعها الأغاني:

أكتب الآن من شارع يتمدّدُ

بين التوابيت فوق أكفّ الزغاريد مبحوحةً كالطبولْ([11]).

المراجع

أحمد العناني، مجلة الإذاعة والتلفزيون، عمان، الأردن، العدد الثامن، تموز، 1970.
خليل قنديل، جريدة الدستور، عمان، 19/11/2004.
سعيد الغانمي، كيمياء الموت، جريدة الحياة، لندن، 23/4/2002.
الطاهر وطار، في حفل تكريم المناصرة، 30 جوان 2004، الجزائر العاصمة.
عبدالله رضوان، في كتاب (امرؤ القيس الكنعاني، المؤسسة العربية، بيروت، 1999.
عبدالواحد لؤلؤة، منازل القمر، دراسات نفدية، دار الريّس، لندن، 1990، ص66.
عزت الغزّاوي، رئيس اتحاد كتاب فلسطين، غلاف كتاب (البنية الإيقاعية في شعر المناصرة، رام الله، 1998.
كريم مروّة (عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني): موقع الحوار المتمدن 16/8/2009.
محمد سعيد مضية، مجلة أفكار، العدد 306، تموز 2014، عمّان.
محمد عبدالمطلب مجلة (غيمان)، العدد الأول، اليمن، شتاء 2007.
نبيل سليمان، فتنة السرد والنقد، 1994.
([1]) القاص – أحمد العناني، مجلة الإذاعة والتلفزيون، عمان، الأردن، العدد الثامن، تموز، 1970.

([2]) د. عبد الواحد لؤلؤة، العراق، منازل القمر، دراسات نفدية، دار الريّس، لندن، 1990، ص66.

([3]) الروائي نبيل سليمان، سوريا في كتابه فتنة السرد والنقد، 1994.

([4]) الروائي عزت الغزّاوي، رئيس اتحاد كتاب فلسطين، القدس، 1998.

([5]) الناقد عبدالله رضوان (الأردن) عمّان، 1999.

([6]) الروائي الكبير الطاهر وطار، الجزائر، في حفل تكريم المناصرة، 30 جوان 2004، الجزائر العاصمة.

([7]) القاص خليل قنديل (فلسطين) جريدة الدستور، عمان، 19/11/2004.

([8]) الدكتور محمد عبدالمطلب (مصر)، مجلة (غيمان)، العدد الأول، اليمن، شتاء 2007.

([9]) كريم مروّة: عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني. + كريم مروة: شاعر القدس… شاعر بيروت، موقع الحوار المتمدن 16/8/2009. + كريم مروة: كمال ناصر، موقع اللغة العربية، الإنترنت.

([10]) محمد سعيد مضية (فلسطين)، مجلة أفكار، العدد 306، تموز 2010، عمّان.

([11])جريدة الحياة، لندن، 23/4/2002.

*عن موقع دنيا الوطن

شاهد أيضاً

خالد جواد شبيل: خُلِقت جميلاً يا لبنان!

أول الكلام: أستميحك عذرا يا لبنان أن أحوّل حزني عليك وعلى بلدي العراق الى حالة …

بدء العد التنازلي لإطلاق لقاح كوفيد-19!
بوادر نهاية كابوس كورونا تلوح في الأفق
مولود بن زادي أقلام مهاجرة حرة – بريطانيا

منذ بداية تفشي كوفيد-19 في شهر ديسمبر/كانون الأول 2019 والعالم غارق في وحل كابوس مرعب …

عبد الرضا حمد جاسم: الراحل علي الوردي في ميزان: انتفاضة الحي

اعود في هذه والتاليات للبحث في طروحات الراحل الدكتور علي الوردي له الذكر العطر ونحن …