ميسلون هادي: أبيض كذاب

إشارة :
تتحفنا ميسلون هادي ، وهي سيدة من سيدات القص العربي في الوقت الحاضر ، بهذه القصة القصيرة ، طويلة الأبعاد وهائلة المضامين ، وهي تطرح بأسلوبها البسيط بعد أن دوختنا تعقيدات الحداثة وما بعد الحداثة ، محنة شعب مفجوع حطمت أواصره ، ومزق نسيجه الاجتماعي . وتقدم معالجة متفردة لموضوعة الهجرة وانقطاع الجذور ومحاولة العودة والخلاص من جحيم المنفى . هل هناك أمل ؟ . نعم هناك أمل ومخطيء كافكا حين قال : هل هناك أمل ؟ نعم لله أمل ، أما للإنسان فلا . فميسلون تثبت أن للإنسان أملا .

بيته الذي في الغزالية محاط بالحدائق والجنان وفناءاته مليئة بقمريات العنب وأشجار الجهنميات التي تعرشت شلالات على شبابيك الغرف وحافات السطوح وطاولت أغصانها المديدة أعمدة البيت العالية وأسلاك الهاتف والكهرباء… وقد قال عنه ابراهيم لكل المغتربين من أصدقائه ومعارفه ان له هواء يهسهس كالجن في الرؤوس وروحاً مدافة في أديمالتراب لتحرسه وتحميه من كل مكروه.. وأجزم لهم أن كل من يرى البيت يعشقه وكل من يعشقه يعجب كيف لا تصيبه العيون. ولكن أخواته المعلمات كن في رواح ومجئ بين ذلك البيت وبيوتهن القريبة لكنس الأوساخ من تلك الحدائق والجنان وتنظيفها من أكوام الأوراق المتساقطة ومايهطل من ثمرات التمر وحبات الزيتون يلملمنها ويحفظنها في كل عام أو يخللنها في جرار كبيرة لحين يعود ابراهيم فيطري مذاقها الطيب المختمر أو يخرج للحديقة ليلتقط تمرة من الأرض يجنيها ويضعها في فمه بعد أن يمسح عنها التراب. سألنه:
– متى تعود؟
فقال لهن:
– حتى تجدوا لي عروسة.
وقال ايضاً:
-جميلة وبنت حسب ونسب.
وأرادها أجمل من زوجته السابقة التي قضت في الغربة بمرض مستعصٍ عجيبة الأناقة رشيقة القوام أصيلة المحتد وتصغره بعدة أعوام.
وتخيلها بلا عيوب هذه المرة وتجمع بين الجاه والمال والوجه الحسن. واذا كانت كذلك فهو سيعود من أجلها الى بيته ويفتحه ويعيد الحياة الى جدرانه وأبوابه ويسقي بالماء أشجاره وديدان ترابه ويستخرج بيديه من فسائل النخيل قلوب الجمار الصغيرة ويوزعها كما أعتاد أن يفعل فيما مضى بين كل أخواته وأخوانه وصغارهم وصغار الجيران.
صورة بعد أخرى.. ورسالة الكترونية بعد أخرى.. وهاتف بعد آخر.. والوجوه تتوالى أمام شاشة الحاسوب فيدقق فيها ويتأمل ويستزيد من التأمل ويمعن النظر بين الأسماء الجميلة ليختبر وقع موسيقاها في أذنيه ثم ينام ويحلم وينتظر أن تأتيه الخيرة في الحلم فيستيقظ وقد زاد على تلك الصفات صفات أخرى بأن تضع الحجاب على رأسها وأن تصلي الصلوات الخمس.. والى آخره من تلك المزايا الكاملة التي أعيت بنات فوزي من أخواته المرحات وأطارت أبراج العقل من رؤوسهن حتى حطت في نهاية المطاف، صورة مضيئة اكتملت والتمعت بين عشرات الصور الملونة التي يحفظها ابراهيم في ملف خاص على حاسوبه أسماه (القطار).
قال لنفسه وهو ينظر الى صورة تلك الخطيبة الجديدة:
– هذه هي الوردة. هذه هي الجمبدة.
وانتشر دخان سيكارته بين فمه وشاشة الحاسوب وتطايرت الأحلام حيث لاخيَال يمكنه اللحاق أو الامساك بها وشم رائحة الورد تفوح من كل مكان وقال ان الدنيا أصبحت فعلاً شاماً وشماماً وان بغداد أصبحت داراً للسلام كما يقولون لاكما يسخرون.
تلك الصورة وصلته في ردحٍ من الزمن الخالي من العواطف والشواطئ وضوء النجوم أصبحت فيها بغداد مكاناً فارغاً فراغ أيام العطل والأعياد والاحصاءات السكانية وبات لسانه لايطاوعه على اطلاق الكلمة الصحيحة حول ماحدث لها ان كانت قد سقطت أم تحررت أم أحتلت أم دارت عليها دوائر الأعراب والأغراب فكان يكتفي بالسؤال عن أحوالها بالقول:
– كيف حالكم بعد التغيير؟
فيسخرون منه ويقولون:
– شام وشمام.
فيضحك بدوره ويقول:
– وكيف حال العروسة؟
فيقولون بحماس منقطع النظير:
– بانتظارك.
وانتظر ابراهيم أن ينام ويحلم بالصالح من هذه النهاية التي سيأخذه اليها القطار الأخير ولكن النوم جافاه في تلك الليلة فأشعل المصباح ورأى خطاً للبداية تسير فيه العناكب من بيت لآخر ثم نهض من فراشه ليعد لنفسه قدحاً من عصير الجزر الطبيعي يساعده على النوم الا ان ما هي الا لحظات وخرج الصوت صارخاً من فمه بعد قليل:
– ياللهول.. ماذا جرى؟
فقد انتابت الأرض رجفة كالقشعريرة تحت قدميه وسقطت الجزرات من يده الى الأرض ورأى ابراهيم غطاء الخلاط الياباني يتدحرج على سيراميك المطبخ ثم يتباطأ رويداً رويداً قبل أن ينقلب على بطنه ويستقر مفطوراً قرب رجل منضدة الطعام. ضاقت نفسه التواقة لعصير الجزر بمنظر غطاء تلك الآلة المتينة التي كان قد استعملها قبل تلك المرة عشرات المرات عندما يدلل نفسه كل صباح بعصائر الليمون والبرتقال وشرائح الأناناس ثم دعا الله ورسوله والأولياء الصالحين أن يرشدوه سواء السبيل وأن يقدموا له العون الأكيد في الخلاص من الوسواس الخناس الذي ماأن يحط قدمه في مكان حتى يحدثه بالمصائب والنوائب والأهوال وعافت نفسه عصير الجزر بلا سبب واضح وأراد الخروج للتجوال بين مولات التسوق في عجمان قبل التوجه بحراً الى عروسه في الغزالية ببغداد، وهناك ارتجفت الأرض بقوة مرة أخرى تحت قدميه في البلاد التي تنذر فيها الزلازل والهزاهز، فارتجف قلبه هلعاً واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم وقال لنفسه: “أما أن أحط قدمي خطوة واحدة بعد الخطوبة حتى تحدث الزلازل”!
وقالت الأخبار إن الأرض قد هزتها توابع الزلزال الذي دام عشر ثوان وبلغت قوته خمس درجات وتسع أعشار الدرجة على مقياس رختر ضارباً مساحة شاسعة من ولايات ومدن الشاطئ الآخر للخليج العربي امتدت من جزيرة قشم في ايران ووصلت حتى ولاية جيانغسي في الصين.
جلس ابراهيم على أريكة عسلية اللون في صالة عربية الطراز فاخرة الأثاث وفتح صحيفة قديمة بين يديه وتمدد على ظهره وأراد أن يعثر في سقف ناصع البياض على إشارة الهية واحدة تهدهده وتكون أكثر عوناً له في ازاحة الوساوس من رأسه فدلته عيناه الى عشرين مهاجراً سقطوا بنيران قوات الأمن المغربية والاسبانية أثناء محاولتهم الوصول الى (سبتة) عن طريق القوارب التي تنقلهم من شمال أفريقيا الى بر اسبانيا عبر البحر الأبيض المتوسط.
قال إبراهيم لنفسه: “يا لهول ماجرى ويجري في العالم” ثم طوى الصحيفة ونهض ليرتدي ملابسه على عجل ويهبط لالغاء موعد الحجز على الباخرة التي ستنقله من ميناء دبي الى ميناء أم قصر بعد ثلاثة أيام. والتفت الى الغطاء الياباني منقلباً على ظهره قرب خط النهاية فلم يشعر برغبة في التقاطه من الأرض ومضى وقت طويل وهو ينظر اليه دون أن يتخذ قراراً صعباً في أمر مصيري مثل أمر الخطوبة الذي يقدم عليه ولعله لذلك كان يفتعل الحجج ويفرط في التمشي ويكثر من الحلاقة والاستحمام، بل انه في الطريق الى غرفة النوم تشمم رائحة صابون الحلاقة تنبعث من باب الحمام فاجتاحت قلبه رجفة أخرى من الحنين وضاقت روحه بما تبقى من الوسواس وفكر ملياً في أن يقفز من النافذة الى قاع المحيط لولا انه يسكن في الطابق الثالث عشر من البناية وان المحيط سيكون بعيداً جداً عن مسقط قدميه فاستعاذ بالله من الشيطان الرجيم وأنقذه الهاتف من السقوط.
قالت اخته:
– ها؟
قال إبراهيم:
– للتو .. كنت أفكر بكم.
قالت:
– القلوب سواقٍ. ماذا تفعل؟
قال بعد مرور يوم كامل على حدوث ذلك:
– كنت أعصر الجزر.. فسقط غطاء الخلاط على الأرض وانكسر.
قالت تضحك:
– بركة عندكم كهرباء.. نحن بلا كهرباء منذ البارحة.. وجالسون نتشمس في الحديقة.
وكانت تلك الكلمات اشارة أخرى في اتجاه معاكس جعلت قلبه الفارغ يمتلئ مرة أخرى بالحنين الى هواء دافئ يهب على الحشائش أواخر الشتاء فيجعل ديدان الحديقة تخرج من مخابئها الى الشمس والهواء الطلق فتلتقطها مناقير العصافير اللاهية التي تتقافز هنا وهناك بالعشرات. وتاقت روحه الى الطيران بعيداً عن تلك الأرائك العسلية الرخوة والمكان الأبيض المشبع بالرطوبة والطحالب والمعطر برائحة الكلور الصامت منذ سنوات. قالت له اخته:
– ها؟ قادم يوم الجمعة.
فقال:
– لا أدري.. ربما تتأجل عودتي قليلاً.
– قالت له:
– كما تشاء.. ولكن أخبرنا بالموعد الأكيد لكي ننتظرك في الميناء فالطريق غير آمن وسنأتي اليك للاستقبال.
ودار ابراهيم حول الأرائك يبحث عن جهاز التحكم عن بعد ثم عاد الى هاتف آخر قبل الخروج جاءه من صديق هاجر معه قبل سنوات طويلة رمتهما الأقدار الى القطار الذي لامهرب منه والمكتوب الذي يجب أن تراه كل عين بعد كل درب أو سفر أو مفترق طرق.. انفجر ابراهيم مرحاً هذه المرة وصاح:
– سامان.
– نعم.. أين أنت؟
– لازلت في مكاني. وانت؟
– في فستفاليا.. والبرد شديد.
– كم درجة الحرارة؟
– خمس عشرة تحت الصفر.
– وماذا تفعل؟
– العواصف اقتلعت الكابلات فانقطعت الكهرباء.
– مالخبر.. هل انت في ألمانيا أم في العراق؟
ضحك سامان ونقل تلك الجملة الطريفة الى شخص آخر ثم قال:
– معي كاترينا.. والحطب مشتعل أمامي.. فلا تقلق علي.
– أعرفك حلزوناً قديماً.. يحمل بيته معه أينما ذهب. فكيف أقلق؟
رفع ابراهيم جسمه قليلاً عن الأرض ووقف على رؤوس أصابعه وجرب أن يمشي في شقته بلا قدمين وراح ينكر ماذا يريد بالضبط وأي شئ أهم من غيره فقال لنفسه: “لاشئ مهم.. لاشئ مهم”، ثم وجدت بعض الشراشف والمناشف طريقها مع ملابسه المتسخة الى كيس المصبغة الأزرق وتوجه اليها في قطار خفي بدلاً من الذهاب الى مكتب الحجز وعندما عاد اتصل بأخته وقال مبقياً يوم الحجز على حاله:
– في يوم الجمعة، سأعود.
فقالت:
– يوم الجمعة؟ أكيد؟
ثم اختلط صوتها مع سيل من الاطلاقات النارية انطلقت في بغداد سمعها ابراهيم من مكانه في عجمان تداخلت معها دقات الساعة الجدارية الست المتتالية وهي تسقط ميتة داخل صندوقها الخشبي الذي مازالت تموت فيه منذ عشرات السنين.
تاقت نفسه لأن يرسم بموازاة جسمه خطاً شاقولياً مستقيماً يستخرج منه الجذر التربيعي لنفسه ويرمي بعد ذلك خارج القسمة خلف ظهره ليرى ماذا في نهاية المطاف سيتذكر عندما يظل راجعاً الى الوراء حتى يصل الى أقصاه فوجد وهو في قمة لا مبالاته من ناتج القسمة الأخير أنه من المحال أن ينسى عزيزة جلال وهي تغني في باحة الكلية صباح الخميس: (أنسى روحي، وذكرياتي، واللي جاي لسه في حياتي انسى كله كله كله.. أنسى كله إلا أول ما تقابلنا).
سأل ابراهيم أخته الصغرى:
– هل هذه نفسها ساعة بيتنا القديم؟
قالت:
– نعم.
فالتفّت روحه على بعضها البعض مثل قنفذ ينتظر هواءً لافحاً يجرفه بعيداً عن هذا المكان الصامت الكئيب المشبع برائحة المعقمات والصوابين لتوه وتعجب أن سيل الاطلاقات النارية التي سمعها بعيدة في الهواتف لاتزعجه أو تذكي وساوسه انما تضفي على شوقه لمسة حانية تطفو به فوق سطح بيت قديم وترمي به تحت سماء صافية الى هدوء أكيد. ولوحت له في النوم مناديل أختيه وأخوانه وأكف صغارهم ترحب به عندما رست السفينة على الرصيف ووصل سعيداً الى الديار فلما أفاق من النوم أحاط به الحمالون مثل وحوش الأدغال وتدافعوا حول الحافلة التي أقلته من السفينة الى دائرة الكمارك والجوازات في الميناء وهناك تبعثرت روحه بين أيديهم التي كانت تطرق النوافذ بعنف طلباً لحقيبة سفر تحملها.. وانتزع نفسه من أجسادهم الرثة انتزاعاً وغابت روحه من هول ما يجري في قاعة مستطيلة تستحيل فيها أية محاولة للفرار وتبعثرت أحشاء حقائبه بين الأيادي وتمددت مقتولة من منضدة الى أخرى لحين ارتطمت رأسه بحبات الحلوى التي طشتها أخواته عليه بسخاء وهن يستقبلنه بالقبلات والزغاريد.
سألته أخته الكبرى:
– لماذا تأخرت السفينة؟
قال لها إبراهيم:
– تعطل رفاسها.
ثم قُضي الأمر وانطلقت السيارة لعدة سنوات ضوئية فصلت بين آخر يوم أقلع فيه قبل عشرين عاماً وآخر يوم قد عاد فيه.. ومرت وجوه عابسة وتقدمت.. وتأخرت وتقدمت .. وتدافعت الأمكنة .. وتوالت الأيام وانهالت بالضرب عليه إلا أن أياً منها لم يكن مبرحاً كهذا الخراب ولا أكلحها كان ظالماً وكئيباً كهذا الطريق.. فلماذا لم ينته عن أن يحط بركابه في هذا الركام من الطين اليابس وقد توالت العثرات أمام عينيه من أول هزة أرضية حدثت في أرض تندر فيها الزلازل الى آخر عطل طرأ على رفاس سفينة شاهقة تجري في البحار ولاتستوي قط على بر. كانت أعمدة الاعلانات العالية تنتصب وسط الأرصفة المحطمة والطرقات الموحشة فتزيد رسوم الفاتنات الضاحكات المنظر تعاسة وبؤساً وتعتصر ايديهن المزدانة بالهواتف الخلوية خرابة روحه وتهبط بها بين طبقات من التراب ظلت تهيلها عليه الطرقات الى أن أزاحتها فجأة استدارة السيارة الى شارع ظليل يؤدي الى بيته وانسفاح ضوء مفاجئ لشمس لمعت بقوة بين الغيوم.
أعلنت رائحة الخبز بالاتفاق مع اشتعال الشمس:
– ها.. قد وصلنا..
واستبقه اذان الظهر للبيت وهو يترجل من السيارة ويدخل الى حديقة البيت.. البيت في تلك الساعة كان يضوي تحت فتحات الغيوم .. فغمرت قلبه رائحة الخبز المنبعثة من تنور قريب ثم ارتجف قلبه وهوى وهو يرى أرجوحة ابنه الوحيد لاتزال في محلها بين جذعين من جذوع النخيل حيث علقها له قبل أن يكبر ويهاجر هو الآخر الى مكان بعيد جداً عن هذه الحديقة.
داخل البيت لم يشعر بالحاجة الى شئ يضيفه الى ذلك العش قبل أن تدخل اليه العروس .. فنام على الفور في عربة القطار الأخيرة وهو ينظر الى السقف الذي تقشر عنه الطلاء وتعلقت مروحته البيضاء ذات الخطوط الذهبية في وسط الغرفة تطل بازدراء قديم لكل ماحولها من أثاث منذ أن فاز بها في قرعة الأسواق المركزية فكانت أول شئ جديد يعلقه في البيت بعد بنائه.
اعترضت العروس الجديدة على أن يكون الأثاث القديم للبيت هو نفسه جهاز عرسها المنتظر وقالت انها تتطير ان تدخل الى مكان سبقتها اليه أغراض امرأة أخرى فقال لها ابراهيم وهو ينظر الى السجادة:
– ولكنه أثاث تكمة.. وكل ما موجود في السوق الآن زبالة.
واستشهد ابراهيم بنظرة طويلة لا تنتهي إلى السجادة القديمة ذات الرسوم المبهمة فوجدها تنظر اليه وتبكي وجوه أولادها الذين اجتمعوا حولها صغاراً ثم تفرقوا وعادوا ليجتمعوا حولها من جديد. وجاءت العروس وشاركته النظر الى سجادة بيت أهله التي قال عنها انها من الكاشان الأصيل ولكن المرآة اعترضت طريق العروس فغابت السجادة من الوجود وحفلت العروس بصورة وجهها الجميل التي انعكست في تلك المرآة وراحت تنظر عبرها الى ابراهيم لكي يطري جمالها .. نادته لكي يلتفت الى صورتها فالتفت وفي اللحظة التي التفت فيها ابراهيم انفطرت المرآة والصورة انكسرت وصرخت العروس:
– أمّاه!
فقال إبراهيم يهدئ من روعها:
– طار الشر.. طار الشر.
فانتحبت العروس وصاحت بغضب:
– ألم أقل لك إن هذا الأمر لا يصلح.
ورفعت اللحاف من فوق السرير وطارت به الى الهواء لكي تنفض الفراش من زجاج المرايا المتكسر فطارت مع الشظايا المتساقطة أقراط وأمشاط وخواتم ومناديل ودبابيس شعر وأقلام صغيرة وأصابع أحمر شفاه فتجمد اللحاف بين يديها وقالت لإبراهيم:
– ماهذا؟
قال إبراهيم وهو يعرف:
– لا أعرف.
زعلت العروس، وقبل أن تخرج من البيت قالت:
– عندما تعرف سأعود.أأجدها في فراشي أيضاً؟
في الصباح استيقظ ابراهيم حياً مشتاقاً إلى أواخر كانون الثاني في روائح النحل والغيوم والسعف المبلل الذي يحركه الهواء العالي باتجاه المطر واستيقظت قطة غافية على السياج وقفزت الى الأرض بعد استيقاظها فسمع ابراهيم من مكانه في الفراش صوت ارتطام اقدامها ببلاطات الممر وهوى قلبه الى النافذة تضربها أغصان النارنج وهي تتحرك تحت زخات المطر وقد اختفت تلك الجدران الصماء التي كانت تحيطه بالفراغ من كل مكان أيام كان يسكن في الطابق الثالث عشر من هواء أبيض غير ذي زرع، وحلت محلها حركة ارجوحة قديمة ترتفع وتهبط بانتظام تحت سعفات النخيل في هواء حديقةٍ تشبه الجنة.

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *