حوار الصورة بين القصيدة واللوحة قراءة في شعر محمد سعيد الصّگار
د.قيس كاظم الجنابي (ملف/9)

حوار الصورة بين القصيدة واللوحة
قراءة في شعر محمد سعيد الصّگار
د.قيس كاظم الجنابي
-1
ولد الشاعر محمد سعيد الصَّگار في محافظة ديالى/العراق سنة 1934م, ثم انتقل الى محافظة البصرة ,وهو في الثالثة عشرة من عمره, فقد كان والده (وحيد) يعمل صباغاً, فتعلَّم منه مهنة الالوان, ومن اخيه (ابراهيم) الشعر العامي والازجال, فتعرّض الشعر وهو فتى ,ونشر بعضه وهو في العشرين (أي نحو سنة 1954م)؛ وبسبب انتقال والد من مدينة الى مدينة أخرى, فقد الشاعر الاحساس بالمكان وانعزل وتلاشت في اعماقه هوية المدينة ,فبدأ مسيرته الشعرية بكتابة الشعر العمودي ,اولاً, ثم بكتابة شعر التفعيلة, فالتقى الشاعرين بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي, ثم تخطى حدود وطنه, ومارس اشياء مت في داخله عاماً رحباً, وذاق الغربة ومارس الخط بفنونه العالية ,وابتكر نظريات جديدة في عالم الحرف العربي ,وانشأ مكتباً له في باريس لأعمال الخط وفنون الحرف, وهو ينتمي الى جيل شعري يتأرجح بين جيل رواد الشعر الحر ,وبين جيل الستينات المعروف بخصبه ومشاكساته.
أصدر مجموعته الشعرية الاولى (أمطار) ببغداد سنة 1962م, والثانية (برتقالة في سورة الماء) سنة 1968م, ثم توالت اصداراته فيما بعد ,فاصدر (الصوت الاخير),و(نافذة على الصمت),و( على ضفاف الذاكرة),و( أيّام عبد الحق البغدادي) صدرت سنة 1995م, قبيل طبع(الاعمال الكاملة) سنة 1996م؛ فضلاً كتاب عن الخط العربي معد خصيصاً للناشئة اصدره في لندن سنة 1988م,وكتاب (أبجدية الصَّفار) اصدره سنة 1998م, ومجموعة حواريات ونصوص مسرحية بعنوان( محنة محمد الشاهد) أصدره سنة 1997م.(1)
أقدم قصيدة له نشرها في مجموعته الكاملة ,هي قصيدة (الجدار) المؤرخة في 15/ 12/ 1956م؛ فاذا كانت ولادته سنة 1934م , فان هذه القصيدة كتبها وعمره (22) سنة؛ فهي بالتالي تمثل توجهاته الاولى, وله قصيدتان مؤرختان في سنة 1958م, الاولى بعنوان (مسكوفية ) وتاريخها هو 6/ 2/ 1958م,والثانية عنوانها(مصباح)وتاريخ كتابتها بحلب في 9/ 2/ 1958م, أي بعد الاولى بيومين. وثمة قصائد تشير الى بداياته ,منها (لو يسمحون) التي كتبها في 22/ 7/ 1961م, مهداة الى الشاعر مظفر النواب, اما قصيدته ( وادي العقيق) المؤرخة في 3/ 11/ 1961م,وهي مهداة الى الشاعرين (سعدي ورشدي) في احالة الى الشاعرين سعدي يوسف, و رشدي العامل, اما آخر قصيدة له , فهي (مقامات لونية) وتاريخها 16/ 10/ 1995م.
-2-
يكتب محمد سعيد الصَّگار قصائده بلغة بريئة تشبه براءة اللغة ذاتها, في طفولتها وشفافيتها وبساطتها, فهو من الميالين الى استثمار التراث العربي في الخط والرسم؛ مما كان له أثره على شعره, فقد تبرع مع عبدالرزاق عبد الواحد ويوسف الصائغ ..وآخرين في نظم ارجوزة هجائية ساخرة ضد البيان الشعري وحركة التجديد الستينية, نشروها في (جريدة النور)؛ (2) وهذا يعني التصاقه بجيل الرواد ورفضه لحداثة .
لقد حاول الشاعر ان يوفق بين الصورة الشعرية, والصورة اللونية التي استقاها من علاقته بالخط والرسم ,وقربه الدائم من الالوان والصور؛ وهذا ما شجعه على الجمع بين هذين الفنين, بحيث تبرز الظاهرة اللونية في شعره, مما يفتح الآفاق واسعة للاقتراب من الصورة الشعرية, بوصفها رسم قوامه الكلمات.(3) لانه يجمع بين الشعر واللون, فيقدم المعنى بطريقة حسيَّة ,من خلال المشاهد التي يرسمها على اللوحة ليتلقاها المشاهد تلقياً بصرياً مباشراً؛ وذلك عن طريق لغته التي تثر في ذهن المتلقي صوراً يراها بعين العقل.(4)
وهو شاعر مقل بالمقارنة مع شعراء جيله, متحفظ في كتابة القصيدة, وفي اختيار الالفاظ والجمل, وهذا ما انعكس على شعره بشكل عام, بيا ان اهتمامه بالفن التشكيلي ألقى بظلاله على قصائده ,وجعل شعره يتنفس في فضاء اللون والخط العربي, عبر مزاوجة بين فنين يتراسلان ويتحاوران معاً, بشكل كان لهما اثرهما في العلاقة بالمكان والزمان, فالشعر فن زماني والتشكيل فن مكاني, فضلاً عن شيوع ذكر الالوان والخطوط والفضاءات المكانية الاخرى. لذا نجد معظم قصائده تفيض بصور شعرية واحالات ثرة تلتصق باللون ؛ ومن ابرز هذه القصائد: (اللوحة ولقصيدة, مقامات لونية, الرحلة, معادلة , يدي, الخط الكوفي, رغبة). فعلى مدى اربعين عاماً من حياته الابداعية, لخصت قصائده ذكرياته ومعاناته ,وارتبطت بهوايته, ثم احترافه الخط والرسم, فقد كتب الابيات العمودية الموزونة , ثم شعر التفعيلة, في ظل فضاء لوني وتكويني , يعبر عن الافق المكاني او الصوري في شاعرية محملة بعبق الالوان والخطوط التي تفيض بصلة متينة بين الشعر والتشكيل, وكأنه يكتب صورة حية لواقع يشده نحو الاتصال بالأشياء التي تشبثت بالمكان والالوان, وهذا ما يمنح القصيدة تحولاتها في خلق التواصل الحيوي بين الصورة الشعرية والايقونة اللونية, في نوع من التلاقح يهدف الى انشاء منظومة ابداعية متواشجة بين فنين ممتزجين بقلمه وفرشاته.
تضمنت مجموعة الشاعر الاولى (امطار) الصادرة سنة 1962م , قصيدة بعنوان (بطاقة) مؤرخة في 13/ 3/ 1960م, فيها اشارات الى علاقة الحرف بالصورة الشعرية , قال فيها:(5)
ماذا سأكتب في البطاقة:
أيستطيعُ الحرف, هذا الحرف أن ينبيكَ عني,
أن يحمل الامل المجنح, والحنين, وألف باقهْ
من زهر أشواقي اليك
وهنا تبدو اهتماماته بالحرف والخط واضحة في رحلة تواصلية بين الصورة الشعرية وصورة الحرف؛ ذلك ان الخط هو الاداة الاساسية لتحديد الشكل البصري ,لان الخطوط هي علامات على سطوح ذات بعدين.(6)
اما قصيدة(موعد في الساعة السادسة) فإنها مؤرخة في بغداد 1962م, وفيها يبدو ايقاع الزمن واضحاً ,وحين نبلغ قصيدة (السقوط) المؤرخة في البصرة 19/ 7/ 1967م,نلح آثار الثقافة البصرية عليها, وخصوصاً الخط الذي يعد علامة بارزة في شعره, حين يقول(7):
في مسجد المدينه
ما عادت تعطي الامن والسكينه
لانَّ خطَّ (الثُّلث) مات ,والاهلة,
لان كلّ جملة
طاشت غداة انتزعوا يمينه
انه يشير الى علاقة الخط بالسلطة, وقدرة الخط على الاستحواذ على اهمية سياسية خاصة, وهنا لابدّ من الاشارة الى محنة الخطاط والوزير ابن مقلة, ابو علي محمد بن علي بن الحسين بن عبدالله(ت 328هـ/ 939), احد مشاهير الخطاطين ,تولى الوزارة للخليفة العباسي المقتدر بالله سنة 316هـ/ 928م, ثم نفاه الى فارس بعد ان صادره , ثم استوزره القاهر فوصل بغداد سنة 320هـ/ 932م وخلع عليه, ثم اتهم بمآزرة علي بن بليق, فاستتر سنة 321هـ/ 933م , ثم استوزره الراضي سنة 322هـ/ 933م وفوَّض اليه ملكه, ثم نقم عليه سنة 326هـ/ 937م واعتقله وحبسه وقطع يده اليمنى؛ فكان ينوح عليها, ثم تعافى فكان يشد القلم على ساعده ويكتب.(8) وقد تعرض لهذا التعذيب لانه مبدع حقيقي.
اما قصيدته( الرمز والكآبة) المؤرخة في البصرة 20/ 3/ 1967م, فإنها تمثل روح البراءة ,والطفولة , في اشارة الى تخليه عن الرمز والكآبة ,معرجاً على ضرورة الكتابة بوضوح عن القضايا الانسانية, حين يقول(9) :
حررتُ أشعاري من الرموز والكآبه,
غسلت وجه دفتري الفارغ من سنين
بأحرفٍ عميقةِ الرنين,
جعلت منهُ لابنتي حديقه.
اما قصيدة (حكاية قديمة جداً) المؤرخة في البصرة 1967م, فإنها تعبر عن احساسه بالغربة , كما هي الحال في قصيدته (مدارج الغربة)؛ اما قصيدة (الفرح الراحل) المؤرخة في بغداد 16/ 11/ 1972م, فإنها مهداة الى الشاعر حسين مران بعد موته, وهي تشير الى علاقته به, لانهما ينتميان الى مدينة واحدة, وطفولة متشابهة, مع الكثير من المشتركات بينهما؛ لذا يقول(10):
إيه حُسين!
يقولون إنّكَ مُتْ,
أجلْ,
دفنوكَ بقلبي,
وأنّكَ تكبرُ,
تكبرُ,
حتى أُلامُ لأنّي أحبّكَ
والموت توّجكَ الآنَ لي سَيِّداً,
واُلامُ لأنّي لا أقفزُ الحائِطَ الحجري
بينَ فمي ودموعي
وهي قصيدة ليست رثائية , بقدر ماهي قصيدة مشاركة وجدانية ورسالة حب واعتراف بموهبة حسين مردان ,وعمق المحبة التي تجمع بين الشاعرين ,وعلى القصيدة يهيمن الفعل المضارع اكثر من الفعل الماضي, على الرغم من تعلقها بموت الشاعر حسين مردان, لان الرؤية المستقبلية واضحة فيها من خلال تكرار الفعل (تكبر).
-3-
في قصيدة (مدارج الغربة) ثمة احالة الى الشاعر الكبير سعدي يوسف, ينتهي بها المشهد بالقصيدة بضربة تجمع بين اللون والايقاع, وهي محاولة لإعادة ذكرياتهما بطريقة ما حينما يكرر لفظة( كلمات) في محاولة لنشر الكلمات بحروفها لتصبح لوحة تشكيلية ,او صورة /أيقونة عن هاجس الغربة والشتات, والخوف من المجهول , حين يقول(11):
كلمات تنأى وتقتربُ
لا العين تراها, ولا اليدان تلمُّ
كلمات طارت وأخرى تهمُّ
كلمات في كلِّ منحى
فمن يجمع هذا النثار من كل منحى
ويعيد التشكيل واللون والايقاع
يرمى به على الليل صبحاً!
يبدو تشكيل القصيدة على شكل هندسي, يجعل لفظة (كلمات ) مركزاً, لان الكلام هو لب الخطاب الادبي وجوهره:
على تراب الحدائق
على الثغور
على الحدود على رماد الحرائق
على السُّور تنأى وتقترب /لا العين تراها , و لا
في كلِّ منحى اليدان تلمُّ
طارَتْ وأخرى تهمُّ
ربما لا نستطيع أن نمد خطوط التواصل بين طبيعة التصوير الشعري, وبين طبيعة رسم اللوحة من نثار الكلمات والحروف, او لا نستطيع أن نتصوّر أنّ الحروف يمكن ان تتحوّل الى لوحة تشكيلية قادرة على اعطاء صورة حية عن حياة فنان, حيت تزدحم الافكار لديه, فيحيلها الى شعر, ويستغني عن رسم لوحة تأخذ منه زمناً وأشياء أخرى كثيرة؛ فكأنّ القصيدة لديه محطة استراحة لاسترداد أنفاسه المستغرقة في تأمل حياة الغربة المكانية, التي يشعر الانسان إزاءها بالعجز – احيانا-حينما يتطلب الامر منه استعادة الماضي واعادة انتاجه. وهذا ما فسر تكراره للفظة(كلمات) ووضعها في بداية كل سطر, حين يقول:(12)
كلمات على الجسور
كلمات على الحدود
كلمات على تراب الحدائق
كلمات على الثغور
وحين نتساءل: لماذا كرر لفظة (كلمات) ست مرات, ولكنه كسر التكرار في البيت السادس بكلمة(لا), ثم كررها مرتين لاحقا..؟
هل حصل هذا باللاوعي, من دون تخطيط رسم.. هل كان يفعل ذلك حين يرسم لوحاته الحروفية.. وهل كان لكلمة(لا) وقعاً ساحراً عليه.. هل وجدها هنا استثنائي؟
اذا كان الشاعر -احياناَ- يبعث فينا (( اللون من خلال الرمز الصغير الذي يدلُّ عليه, وهو كلمة ذات عدد محدود من المقاطع الصوتية لا تحمل أيّة خصيصة من خصائص اللون المذكور , انما كانت قادرة على استحضاره , هذا اللون تتلقاه الاذن في هذه الحالة كلمة ذات مقاطع معينة, او تتلقاه العين شكلاً منقوشاً في حروف بذاتها , لكنها لا تتصل بهِ الاّ عندما تعود بهِ من صورته المجردة هذه الى صورته الحسيّة المباشرة))(13). فهل حصل هذا بفعل العلاقة الحيوية بين اللوحة والكلمات(حروف الكلمات)! او ان هذه زاوية لها ملامحها الخاصة في تأسيس حياة انسانية, ربما تتعلق بالفراغات الكثيرة التي تملأ حياتنا ,او حياته هو في الغربة.
-4-
اذا كان الشاعر والرسام يقومان بفعل المحاكاة والمخيلة, ويحسان الاشياء او الافكار في اشكال محسوسة يمكن رؤيتها , اما عن طريق العين المبصرة- كما في حالة الرسام- واما عن طريق العقل او المخيلة – كما في حالة الشاعر- فان بعض القصائد الحديثة التي تحاول ان تشكل نفسها على غرار الصورة من دون التقيد بصورة محددة, فان بعضها الآخر قد اتجه الى استكشاف الالوان والخطوط والايقاعات في عالم فنان بعينه دون التقيّد كذلك بصورة محددة من مجموع انتاجه.(14)
لقد حاول الشاعر في قصيدته(مقامات لونية) استثمار فكرة المقامة في العلاقة بين الشعر واللون؛ فالمقامة من المقام وهو المجلس, فهي بالتالي احالة مكانية ذات صلة بالتشكيل واللوحة, واللون واحد من اهم عناصر التصوير فيها, وبهذا ارتبط سرد المقامة التراثية بالسرد الشعري المرتبط باللون, أي ان ثمة محاولة لدمج المكاني بالزماني عبر صورة تشكيلية, تحاول العودة الى مدينة كان لخاناتها وازقتها الاثر الكبير في حضور ادب الحكاية ,وتلقيه شفاهاً, وبهذا يمكن ان تكون لغة الشاعر المشحونة بوهج الالوان سبيلاً لخلق فضاء له مناخات طيبة في قراءة القصيدة وتلقيها بالنسبة لنا – على الاقل- ؛ فهو يقول:(15)
تطالبني الالوان ان اخلق لها مراراً تتوهج فيه, وتمرحُ,
وتخرج من دائرتها لتعانق الفضاء وتذوب فيه
عندما اسعى الى ذلك يكثر من الحَذر والأناة, واجهدُ
في التقاط موجة التناغم, تطالبني بمدار آخر, تتحاور
فيه وتجادل وتشاكس, وتبقى محتفظة بخُصوصيتها.
كيف لي ان اتعامل مع هذا المزاج الوعد!
اذ تبدو العلاقة بين(أنا الشاعر) والالوان علاقة حميمة , ان لم تكن علاقة وجودية ؛ لهذا ( تخرج من دائرتها لتعانق الفضاء وتذوب فيه),وهو الذي يحاول ان يخلق نوعاً من التناغم او التفاعل والاندماج في بوتقة واحدة ,هي حياة جمالية نشأت في مقام ما, او دكة لسرد الحكايات/ المقامات في الخانات والمقاهي؛ فهو بالتالي يشيّد قصيدته على بساط من الكلمات والالوان, ويحاول ان يجعل مزاجه النفسي والجمالي يتموضع في فضاء من الحروف والكلمات؛ لهذا يصف علاقة الورق الذي خطت به تلك الكلمات وصفاً تشكيلياً, حين يضعه ارضية للرسم , فيقول: ( 16)
أخذتُ لوناً ورشقته على الورق
توجَّعَ قليلاً ثم استرخى,
وبقيتُ أنا نهبةً للقلق
وقال:
للألوان
لا يمس بها الا فنان ملتاع
انه يؤسس الاشياء والالوان ويمنحها صفاته الانسانية ,ويتعامل معها بوصفها حيوات قادرة على التصرف مثله؛ وهذا ينبع من اهمية الالوان ,ومن امتزاج وجوده الخاص بوجود الرسم, لأنه يشعر بان الفنان نسيج موهبه وأبداعه, فالألوان تتشرب به تشرباً لا مثيل له , يشبه الى حدٍّ ما نوعاً من التلبس بالرسم. وخصوصاً حينما ينتقل الى مرحلة التعامل مع الالوان بأسمائها صراح, بعد ان كانت اشارته اليها مبهمة,؛ لذا كان يقول في هذه القصيدة:(17)
عندما وضعت الازرق الى جانب الاصفر
مال الاحمر الى الاخضر
والبنفسجي الى البرتقالي
وتهامسوا فيما بينهم,
ضحكوا,
وقالوا بصوت واحد:
كم هو مشاغبٌ هذا الصغير!
انه يحاول ان يؤكد تجربه في الرسم ,وتعامله مع الالوان ليجعل منها كائنات حيّة, عبر الافعال:( تكلّم , تضحك, تمتزج, تهمس, تتهكم), وعبر مزج الالوان, كل لونين سوية:
الاحمر الاخضر
البنفسجي البرتقالي
فالأحمر والأخضر لونان رئيسيان مشتقان من الطبيعة مباشرة, اما اللونان البنفسجي والبرتقالي فهما من اخلاط الالوان ,وان وجدا في الطبيعة بطريقة ما, وكأنّه يرسم وردة صغيرة لطفل مولع بالألوان. وهذا يشير الى وضوح اللغة وقدرتها على الايحاء, والى بساطة التعبير ودقته , في آن واحد, وقدرة لغة الشاعر على الاتصال بالمتلقي اتصالاً حيّاً مفعماً بالوضوح والهدوء, بعيداً عن الانفعال الصاخب, وربما التوتر الذي يخلق نوعاً من الارتباك في اقامة الصِّلة بين المقام والمتلقي, ويدفع بمنتج النص/ المرسل الى زوايا معتمة , لهذا يتساءل:(18)
قلت للون:
كيف لي ان امسك بك؟
قال: اطلقني!
قلت: أين تريد أنْ أضعك؟
قال: في فضاء البهجة.
إنّ الطابع الحواري لكتابة أي قصيدة يمنحها قوة التأثير, والنزعة الدرامية التي تشدها, منذ البدايات حتى النهايات, ولأنه فنان فان حواره يكون مع اللون ,وهو بالنتيجة حوار مع المفردات التي هي مادة القصيدة؛ وهذا ما يجعل بناء قصائده يقوم على سردية حوارية مضمرة بعض الاحيان, ومباشرة مرة اخرى, ولكنها تشكل نسقاً يتسلل بين طياتها ,كما يتسلل الخوف الى هواجسه, او مثلما تتسلل كلمات الحب والنشوة في الجسد الانساني ,كما انه يستخدم الفعل:(قال, قلت),واداة الاستفهام (أين) عزز قوة النص ,وقوة تأثيره, وجرده من المنبرية ,ومنحه صورة التواصل مع الآخر, لهذا عوّل على موقف الآخر في ان يكون اللون (في فضاء البهجة). ومن هنا تبدو بهجة العلاقة بين بهجة اللون, وبهجة التلقي ,وبهجة كتابة القصيدة, اذا علمنا ان بعض درجات اللون الاخضر ,مثلاً, قد تكون ذات اثر سيئ او ضار لدى بعض الاشخاص, ان يؤدي عندهم الموهم والقلق والاضطراب, في حين يذكر البعض الآخر بالطبيعة النباتية والحياة والخصوبة, فيوحي لهم سايكولوجياً بالراحة والصبر والنمو والامل.(19)
-5-
ينتقل في حواره الى الفنان في قصيدته (معاملة) من اجل اكتمال صورة الحوار مع الآخر, او النصف الثاني منه, لانه موزع بين شطرين: شطر يمثله شاعراً, وشطر يمثله فناناً (الرسام/ الخطاط)؛ وهذا الانشطار تعبير عن انشطار الموهبة الابداعية الى ذاتين ربما, الواحدة تحاور الأخرى ,ولهذا فانَّ الشاعر فيه يحاور الفنان, يراقبه , ثم يحاوره بطريقة مباشرة ,من أجل تأسيس لقاء حيوي , بين الفضاء المكاني/ اللوني, وبين الفضاء الوجداني فيه, لذا يقول: ( 20)
مَسَحَ الفرشاة.
لم يبقَ من الالوان ما يحمل همَّ الارض,
أبقى اللوحة الخرساء
تبكي حزنها الدائم.
قل لي:
من يؤاسي الآن؛
فنان بلا كون,
ام الحزن الذي حوصر
في صمت القماش!
تبدو الحوارية المباشرة بين هذين الصوتين, وكأنها حوارية وجود , حوارية ظاهرة ومضمرة في آن واحد, تتحرك على فضاء اللوحة الصماء الذي تفسره الالوان, وهو يمر بمرحلة حزن محاصر في هذه اللوحة, على الرغم من ان اسلوب الشاعر ,وطريقة رسمه للصورة الشعرية يتوغل في اتجاه توظيف الالوان , لكي تعبر عن تلك الصورة المفعمة بعبق الطبيعة ,والتي هي نوع من التشظيات الجسدية ,من أجل صنع صورة شعرية ,وهي بالأساس (( سلسلة من المرايا موضوعة في زوايا مختلفة بحيث تعكس الموضوع وهو يتطور في أوجه مختلفة , ولكنها صور سحرية, وهي لا تعكس الموضوع فقط بل تعطيه الحياة والشكل, ففي مقدورنا ان نجعل الروح مرئية للعيان))(21).
وفي قصيدة (الرحلة) المهداة الى الفنانة التشكيلية (ليلى العطار), والمؤرخة في أيار 1992م, ثمة تواصل بين اللوحة والقصيدة ,والمرأة/ الفنانة, اذ تبدأ القصيدة بتأمل لصورة المرأة عبر نزعة غزلية ,تحاول استحضار صورتها , ثم تنطلق الى قماش اللوحة الذي وصفه بالصمت في القصيدة السابقة , ليرتبط -هنا – بالكتابة لا بالرسم؛ وهو يحاول ان ينتقي مفرداته انتقاءً حتى يتمكن من خلق التواصل المطلوب بينه وبين المتلقي/ القارئ, حينما يقول:(22)
لنافذة الروح المحفوفة بالأسرار,
وللصمت,
وللصبر,
وللون البني المصفّر,
والحلم المتجعد فوق قماش اللوحات
اكتب مأخوذاً بكمال الموت
وهيبته,
وهنا يتحوّل النص من الوصف والتأمل لجسد الأنثى, بصورتها المثلى, وروحها المحفوفة بالأسرار , الى اشادة باللون بالبني المصفّر, في صورة تحاول خلط اللون الاصفر بابني ,للانتقال من هذا المزج الى لمحة ثرية من الرثاء المضمر لطريقة موتها التراجيدي, حين يقول:(23)
أنتِ الأنثى المسكونة بالصبر
وبالأسرار
وبالألوان الفواحة
والاحلام؟!
فهو يصفها بانها أنثى مسكونة بالصبر والاسرار, في احالة سياسية , وهي فواحة بالألوان والصمت والاحلام, لأنها فنانة تشكيلية لها لمساتها الخاصة في الرسم, وهنا يبدو الحوار بين الشاعر والفنان من جهة, وبين الرسم والشعر من جهة أخرى, وكأنّه يحيل الى العلاقة المرأة بالأسرار الخفية للجسد من جانب وعلاقة الروح بالصورة او باللوحة التشكيلية التي تنضح عن ذلك الجسد الانساني, وموقف الفنان الفكري من الواقع.
– 6-
وفي قصيدة (يدي) المؤرخة في باريس 17/ 8/ 1991م, يقول الشاعر: (24)
ورق الخطِّ ممتلئ برذاذ الحروف
والحِبرُ مكتنزٌ بالنوايا
ومعتصمٌ بالسكوت
ورقُ الخطّ ممتلئ بالترقب
والقصبة
تتلوّى كأنثى تنوء برغبتها
وفي قصيدة (الراحلة) التي أهداها الى ليلى العطار, ثمة احالة الى المرأة/ الأنثى ,واللوحة ,وهنا يصف القصب بالأنثى وهي تتلوى؛ لتكتمل الصورة في ترتيب العلاقة بين الخط والشعر ,ولعل ذلك نابع من الحركة, او من التجويف؛ ذلك ان للجسد الانثوي (( شكلاً معيناً من القيمة في الانظمة البصرية للتمثل))(28),ولكن الشاعر يحاول ان يمنح القصيدة صورة شعرية ,من خلال الاشارة الى (رذاذ الحروف), لانه مسكون بالترقب, فالصورة -هنا- شفافة وذات حميمية خاصة, تراقب يد الخطاط والاصابع, ويعد الخط من (( أكثر عناصر التصميم مرونة وكشفاً, وكشفاً, عندما نغضب او نتوتر او تشرد أذهاننا ونكتب او نرسم خطوطاً على الورق غالباً ما تمثل هذه الخطوط على نحو غير مباشر حالاتنا الذهنية والانفعالية : سعادة ,حزن, هدوء, غضب, انتظار… الخ))(26). حيث تبرز الصلة بين الذات الانسانية المبدعة والابداع, وتبدو الجملة الشعرية رقراقة تنساب مثل تدفقنا في لغتنا البسيطة في تركيبها, جمل اسمية متوالية, حروف عطف عادية (و),وافعال مضارعة:( تتلوى, تنوء, تراقب), لها صلة بالزمن الحاضر, وتعبر عن لحظة التوقد عن علاقة الانسان بيومه؛ وهذا ما يبدو على معظم قصائده , اذ يبدو الزمن الحاضر هو المهيمن, بسبب حساسية الذات وعلاقتها بالفن, بسبب فقدان العلاقة مع المكان, الذي عاش فيه طفولته, انه يعيش يومه, ويؤسس وجوده من خلاله, وهذا ما يبدو بوضوح في قصيدة (تخطيط أولي لصورة الملكة) التي تستند الى مجموعة من الافعال المضارعة التي تعبر عن شفافية الحياة, وطراوة الاحداث ,وهيمنة الزمن الحاضر ,وقدرته على تجسير العلاقة بين الشاعر/ الانسان والماضي, اذ يقول:(27)
تفتح الملكة
باب غرفتها
يسترد المكان نضارته
وفنونه
وتهرول بين يديها الوريقات مفتونة
وتهش لها الادوات
تأخذ زينتها.
وهنا تبدو (الزينة) جزءاً من حركة الالوان العبر عنها بالأفعال المضارعة, بينما يبدو الفعل الماضي ليس سوى ذكرى بعيدة, لان حاضره هو ما تعيش فيه الملكة ؛ لذا جاء إيقاع الحياة سريعاً كما الحاضر, ليس بطيئاً مثل الماضي المستكين, وهو الذي يحاصره هذا الماضي عبر اصدقائه القدامى, كما هي حاله مع (عبد الغني الخليلي) في قصيدة (ايها الخل الخليلي )المؤرخة في باريس 16/ 2/ 1994م,اتي يبقى فيها الفعل المضارع حاضراً, مع اداة النداء (أيّها) ,ولا يصرح بقوة الحاضر ,وهو ما يبدو على قصيدة (البصرة) التي تشير الى مدينة البصرة التي عاش فيها مدة من شبابه, ليبدو المكان جزءاً من حياته وشعره, بعد ان هيمنت الافعال المضارعة على القصيدة, وعبرت عن تراجع الماضي ,ولكنه حين يعود الى الخط واللون في قصيدة( الخط العربي) المؤرخة في باريس 8/2/1992م, يعود الماضي اليه عبر الافعال الماضية مثل: ( سقط, جاء, غام, أطرق, امتد ,دمرَّ, محا)؛ وهذا يعني ان الصورة اللونية هي جزء من الماضي الذي ترسخ في ذهنه, منذ كان والده صباغاً, وبقيت صورة الالوان ومؤثراتها تستحوذ على حواسه ,كذلك كان حال قصيدة (مرثية كاف التشبيه) التي هيمن فيها الفعل الماضي (انكسر) على حركة المشهد الشعري ,ولكن الطابع الحواري كان مثيراً, وخصوصاً استخدامه لأدوات الاستفهام. اما قصيدة(رغبة) فان حرف الهمزة يكون مقروناً بالفعل المضارع (تحب) مع (آدم) التي تمنحه حرية الاختيار؛ وهذا يعني ان المشهد الشعري هو مشهد حواري متدفق, يتضمن لعبة البحث عن الامثل بطريقة ما حين يقول:(28)
– أتحبُّ اللّون البُنيَّ,
أم اللّون الأزرق؟
فالغرفة نفس الغرفة
والاسعار هي الاسعار.
ان اللون البني لون غامق, له علاقة باللون الاصفر والاحمر ,وهو ذو صلة بالجفاف , ولحاء النباتات والصخور, وهو هنا في موضع التنافس اللون الازرق, الذي كان له في الفخار العراقي والاحجار اللازوردية, و تقي من الحسد, حسب اعتقاد اناس, بينما يبدو المكان في اللوحة مستكيناً, مع انه فضاء بصري له علاقة حميمة بترتيب كلمات القصيدة ,وألوان اللوحة التشكيلية في معادلة واضحة بين الاحساس اللوني والهاجس الشعري.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- ينظر: موسوعة اعلام العراق في القرن العشرين: حميد المطبعي, دار الشؤون الثقافية العامة ( بغداد,1995م): 1/ 190؛ معجم المؤلفين والكتاب العراقيين: د. صباح نوري المرزوك, بيت الحكمة ( بغداد, 2002م): 7/ 189-190.
2- الروح الحية, جيل الستينات في العراق: فاضل العزاوي, دار المدى ,ط2(دمشق, 2003م): ص255.
3- الصورة الشعرية: سي – دي لويس, ترجمة احمد نصيف الجنابي وجماعته, وزارة الثقافة والاعلام(بغداد, 1982م): ص28.
4- الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب: د. جابر عصفور, دار التنوير,ط2(بيروت,1983م):ص284.
5- الاعمال الكاملة: محمد سعيد الصگار ,دار المدى (دمشق, 1996م):ص 315.
6- الفنون البصرية وعبقرية الادراك :د. شاكر عبد الحميد, الهيئة المصرية العامة للكتاب/ مشروع القراءة للجميع( القاهرة, 2008م):ص 117.
7- الاعمال الكاملة: ص258.
8- السجون والمطامير واثرها في الشعر العربي :د. قيس كاظم الجنابي ,دار الشؤون الثقافة العامة(بغداد,2013م): ص150-151.
9- الاعمال الكاملة: ص 230.
10- نفسه: ص188.
11- نفسه: ص17-18.
12- نفسه: ص18.
13- التفسير النفسي للأدب: عز الدين اسماعيل, دار العودة / دار الثقافة (بيروت ,د.ت): ص57.
14- قصيدة وصورة , الشعر والتصوير عبر العصور: عبد الغفار مكاوي, عالم المعرفة(الكويت, 1987م): ص50.
15- الاعمال الكاملة: ص 48.
16- نفسه: ص 49.
17- نفسه: ص50.
18- نفسه: ص51.
19- نظرية اللون: د. يحيى حمودة, دار المعارف بمصر(القاهرة, 1979م):ص 132.
20- الاعمال الكاملة: ص106.
21- الصورة الشعرية: ص 90-91.
22- الاعمال الكاملة:ص65.
23- نفسه: ص 66-67.
24- نفسه: ص 12.
25- سوسيولوجيا الفن, طرق للرؤية : (تحرير) ديفيد إيغليز + جون هغسون, ترجمة د. ليلى الموسوي ,مراجعة د. محمد الجوهري, عالم المعرفة(الكويت, 2007م): ص82.
26- الفنون البصرية وعبقرية الادراك: ص112.
27- الاعمال الكاملة: 15.
28- نفسه: ص109.

*عن صحيفة الزمان

شاهد أيضاً

ا. د. قاسم حسين صالح: في مثل هذا اليوم غادرنا الوردي ليكون منسيا!
تعريف لشباب وثبة تشرين و آخرين (ملف/23)

إشارة : احتفاءً ومراجعة ونقدا للأفكار الجريئة والريادية للمفكر العراقي الدكتور (علي الوردي) الذي وصفه …

الأستاذ الدكتور وليد المرّاني: التوقعات الوراثية لمصير كوفيد-19

Genetic Expectations for COVID-19 الأستاذ الدكتور وليد المرّاني أستاذ شرف جامعة بلمث في بريطانيا 11 …

بعد مرور 48 عاما على اغتيال غسان كنفاني
الرجال ما زالوا في الشمس
فراس حج محمد/ فلسطين (ملف/25)

تحيل رواية غسان كنفاني “رجال في الشمس” إلى مأساة شعب بكامله، بدأت عام 1948، ولم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *