د قصي الشيخ عسكر : مغنية الصالة

مغنية الصالة

د قصي الشيخ عسكر

  الزمن كم من الساعات هو، وكم  من الثواني 

الزمن..؟! 

الزمن.. كم….

  الصوت الدافيء الحنون شدّني لذلك المقهى الهاديء مقهى” الأحلام ” فجعلني من زبائنه الدائمين . لقد اعتدت حين أتعب من السير أو أذهب وقت العصر للسوق في مركز المدينة  أن أجلس في أقرب مقهى.لايهمّ أيّا كان ذلك  المكان.اتخذ مجلسي في ركن منعزل،وأتابع قراءة الصحف،وأنا مسترخ مع فنجان القهوة.قد يدوم الحال ساعة أو ساعتين،ولم يكن ليهمني أن أتذكر اسم المقهى قطّ إلاّ إذا ترددت عليه أكثر من مرّة.

  لكنّ تلك المغنية السمراء ذات الأصول الشرقية جعلتني أحبّ هذا المكان،وأصبح من رواده.كنت قصدته بعد أن تبضعت من السوق المركزي،فاحتجت إلى ساعة انفض فيها التعب عنّي.كان أقرب مقهى إليّ،ومع فنجان القهوة والصحف رأيتها تصعد إلى خشبة العرض وتغنّي بصوت شجي جميل:

  الزمن الزمن كم من الساعات هو وكم من الثواني!

الزمن يأخذنا معه 

وهو مجرد دقائق وثوان 

الزمن.. كم..

  سرحت مع صوتها الدافيء ذي البحة الناعمة،سمراء فارعة القوام ذات عينين خضراوين،وشعر داكن مجعّد.حين انتهت من وصلتها دعوتها إلى طاولتي.طلبت لها فنجان قهوة وبدأنا نتحدّث.سألتها:

– كم من الوقت مرّ عليك هنا في هذه البلاد ؟

– ثلاث سنوات.  

  فاجئني صوتها. اقرب إلى الخشونة،وهي تتحدث إليك ،كان يختلف تماما عن صوتها في الغناء،وعرفت سرّ إجادتها للأغنية،فمدة ثلاث سنوات كافية لشابة مثلها أن تجيد خلالها تعلّم أية لغة.قلت كأنّي أختبر صوتها من جديد:

– من أي البلاد أنت؟

– أفريقيا.

– لم أقصد أيّة قارة أيّ بلد؟

– أثيوبيا.

  بعد ذلك توطّدت علاقتي بها.ترددت على المقهى كلّ يوم.كدت أحفظ جميع الأغاني التي ظلت ترددها يوميا حسب ترتيب لايتغير، غير أنّ أغنية الزمن بقيت هي الأحبّ إليّ لأنني شعرت بها تغنيها من كلّ قلبها بكلّ مشاعرها وأحاسيسها.تلك الأغنية أنستني صوتها الأجش ذا السحنة الخشنة أثناء الحديث العادي،وأنستني الزمن تماما.فكرّت أن أدعوها إلى منزلي،فنقضي أوقات الفراغ معا في الذهاب إلى المسرح أو التجوال في الغابة.كنت أحسّ أنّها أصبحت قريبة منّي،وأنّ هذا المقهى الصغير وهي فيه أشبه بالقفص الذي ينطبق على عصفورة يمكن أن تحلق بصوتها الشجيّ وجناحيها الصغيرين في سماء بعيدة الأجواء.

  مرّ أسبوع على تعارفنا،وقت على قصره يقدر على أن يقتنص الزمن كلّه بأيّامه والسنين.اعتادت في دقائق الراحة بين الوصلات والفعاليّات الغنائيّة أن تنزل إليّ،فنلجأ إلى لغة غريبة عنّا.كنت تعلمت لغة البلد، لكن لايربطني بها أيّ حسّ أو دفء، ليس هناك من صعوبة تعيق لساني مثل أيّة آلة تمّت تغذيتها بعبارات وجمل فخمة وحين تحدّثنا شعرت أنّ العبارات الغريبة التي أفهمها ولاأحس بها تنبع من غور بعيد في أعماق وجداني وتينع على لساني :

– أين تسكنين الآن؟

– في معسكر اللاجئين.

– منذ متى وأنت هناك ؟

– ثلاث سنوات.

  وجدت نفسي أسير باتجاه المقهى،وددت لو لم تبدأ وصلتها كي أدعوها لزيارتي في عطلة الاسبوع وفكرة ما بدأت تخامر خيالي.لِمَ لاأدعوها للعيش معي!.اتخذت مكاني المعتاد،وانتظرت أن تظهر بعد قليل،كانت عيناي مشدودتين إلى المنصّة،كأنّها تغنّي لي وحدي.بدأ عازف القيثار يجرب أوتاره،وتبعه عازف الأركوديون،ثمّ انطلقت الفرقة تعزف النغم المعتاد.اللحن ذاته لأغنية الزمن،وفي مايشبه حلم اليقظة رأيت فتاة شقراء ذهبيّة الشّعر تصعد المنصّة،وتنطلق في الغناء:

  أغنية أخرى …موسيقى ..تختلف ..

وكنت من قبل أنتظر أغنية الزمن..

  صوت رائع مع ذلك لم يسحرني،الأغنية غريبة عنّي،كثيرون غنّوها.كانت أغنية الموسم الشائعة،سمعتها من فتيات عابرات في الشارع،ومراهقين،ودندن بها السكارى العائدون إلى بيوتهم بعد منتصف الليل.خيّل إليّ وأنا أسمعها منها أنّي أسمع العالم كلّه يؤدي الأغنية ببحة ناعمة تلمس القلب إلى درجة أني فكّرت أن أدعوها إلى مكان ما… مكان منعزل ،فتغني لي وحدي.تظلّ تعيد الأغنية مرّات،لكن أين هي الآن؟،لعلّ حادثا ما جعلها تتأخّر أو المّ بها مرض ما.. أكثر من احتمال راود مخيلتي وإذ انتهت الوصلة وخيّم في المقهى هدوء أشبه بالسكون،غادرت إلى الدكّة حيث يقف ملاحظ العمل،وسألته بشيء من التردد:

– لِمَ لم تأت زالا اليوم؟

بابتسامة شبه ساخرة:

تقصد ماريا سوزانا كالو…أوه لا أتذكّر كلّ أسمائها !

– ماذا تقصد؟

ردّ،ومازالت السخرية مرتسمة على شفتيه:

– هل سرقت منك شيئا ذا أهميّة؟

وأكّد بقسمات جادة هذه المرّة:

 أنصحك إذا كانت سرقت منك شيئا ولو تافها أن تبلغ البوليس! 

كنت أقف أمامه مثل الأبله….

زالا التي جعلتني أحس بدفء اللغة على الرغم من بحة صوتها،وروضت لي الزمن بغنائها العذب الشجيّ من المحال أن تكون لصة احترفت عشرات الأسماء سرقت محصلة المقهى وبعض الزبائن ثمّ اختفت فجأة في مكان مجهول قد يكون ألمانيا أو السويد وربّما النرويج… الله أعلم.

 رحت أجرّ خطاي خارج المقهى يراودني شعور بالخجل كأنّي أنا السارق،وليس في نيّتي أن أعود إلى هذا المكان قطّ. كنت أدندن مع نفسي ..الزمن  يأخذنا معه …الزمن مجرد دقائق وثوان…. الزمن….

نوتنغهام

 

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

3 تعليقات

  1. صالح الرزوق

    هذه القصة الجميلة لا علاقة لها بإحساسنا بالزمن و لكن بموضعنا منه، فهي قصة تهتم بتحليل المرحلة او التاريخ، بتعبير اخر انها تتحرك على عقدة متشابكة من المحاور ، التسلسل الزمني، و الممان و الوضع المعرفي و الحالة النفسية،
    لا يمكن ان نمضي بعيدا مع قصة مكتوبة بالصدفة و لكن هذا هو شعار كل ادبائنا منذ الثمانينات، لقد طورنا حساسية بعلاقة المحلة مع الشروط او الظرف الاجتماعي و الحضاري،
    و سواء كنا في الداخل او في الخارج فالاحساس بالانفصال و الاغتراب يتحكم بكل شيء.

  2. قُصي الشيخ عسكر

    شكرًا اخي الناقد القدير د صالح رزوق على هذا التحليل النقي الموجز
    قُصي عسكر

  3. قُصي الشيخ عسكر

    الناقد الدكتور صالح الرزوق
    شكرًا لمرورك واهتمامك وهذا التعليق الموجز الغني برؤاه
    قُصي عسكر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *