في ذكرى رحيل المبدع الشهيد “عزيز السيد جاسم”: لعنة الافتتان المميت (2)

# حسين سرمك حسن

وفي ختام لقائه بها – والذي سنتناوله لاحقاً يتأمل جمالها الساطع ويفكر – هو المتزوج- «إنه وإياها متقاربان في العمر.. ما أسعدني لو عشت هنا معها زوجاً».
ولا يقتصر هوس الافتتان لدى «هارون» بيوسف وبأمه بل يشمل «بيداء» أيضاً التي يستجيب لدعوتها للقاء في حديقة على الشاطئ حيث تصارحه بحبها له، ورغم أنه يقدم «تحليلاً نفسياً» لتعلقها به بالقول: «عندما تخسر فتاة قصّة حبها.. فإنها تنتقم لنفسها من تكرار العلاقة فهي تحب ثانياً وثالثاً ورابعاً إلى أن تستقر في النهاية على خاتمة معينة» إلاّ أنه – من جديد – يفكر بمشاعر تعبّر عن افتتان طاغٍ بها «نهضت أمام ناظريه بجسد مثل شلال يبدأ ويعود في ذاته.. بدت مثل زهرة كبيرة متفتحة، معطرة، أليفة..» ثم يركب «توليفة» عاطفية تسوّي بين موضوعي الحب: «بيداء وأم يوسف»: «قارن بين «بيداء وأم يوسف اليعقوبي»، فرأى المدينة والريف، في تناقضهما.. لكنه مع ذلك أحسّ بأن بين خافقيه شيئاً من هنا، وشيئاً من هناك». وهنا – وبعد أن قطعنا شوطاً طويلاً في تحليل حالة الافتتان المدمّرة التي ألّمت «بهارون» قد يقول قارئ إنّ هذا الجانب النفسي والاجتماعي لا علاقة له بالسلوك السياسي النضالي «لهارون»؛ لكننا نرى أن الإنسان وحدة متماسكة لا يمكن «تقطيعها» إلى أوصال متفرقة: نفسية وأخرى اجتماعية وثالثة سياسية وإنّ ما يحكم كل تلك التمظهرات هي البنية اللاّشعورية العميقة. لقد كان «هارون» مناضلاً قاد الفلاحين في التصدي للسلطة القمعية الاستغلالية.. وافتدى الفلاحين المعتقلين بنفسه.. سجن وهرب من السجن وشارك في تفجير ثورة.. ثم انسحب إلى الظل بعد أن انحرفت الثورة عن مسارها ليمارس مهنته «كطبيب نفسي».. إنّ الدلائل التفصيلية عن نشاط «هارون» السياسي غير متوفرة كي تعطينا مادة سلوكية نحلّلها ونضعها في موضعها الصحيح ضمن إطار شخصيته الكلّية.. لكن المناضل السياسي هو إنسان أولا وأخيرا ، لديه نقاط قوته ونقاط ضعفه ، وفي أغلب الأحوال يختار الإنسان طرقه في الحياة وفق دوافع شعورية معلنة «خدمة الوطن، تحقيق المبادئ، توكيد الذات..إلخ» لكنّ هذا لا يمنع أبداً أنّ هناك «مصلحة» نفسية لاشعورية مستترة تلعب دورها في تشكيل الاختيار «الشعوري».. يوفر العمل السياسي فرصاً «مشروعة» لتوكيد الذات وإشباع النرجسيّة، للذوبان في تكوين أمومي هو الحزب، للثورة على الأب، للتـنفيس عـن المـشاعر السادية، لتعطيل سطوة الضمير «الأنا الأعلى» وتخفيف مشاعر الإثمية من خلال الذوبان في الحشد، في التخلّص من مشاعر الانخصاء أو التهديد به، للعب الدور الأبوي، للمنافسة «القابيلية» «نسبة إلى عقدة قابيل»…إلخ. لقد كان «هارون» مناضلاً بارزاً بين صفوف الفلاحين وفي قيادتهم وقد أظهر قدرات كبيرة في هذا المجال، فما الذي حصل ليتحول – بعد أن ترك أجواء النضال والتقى «بيوسف» – إلى تابع، متذبذب الإرادة يتلاعب به شاب صغير بلغت علاقته به حدّ الافتتان؟ كيف يلجأ إلى التزوير والتواطؤ والمساومة على أمور مبدئية وقانونية وإنسانية؟ هل نفض يديه من المبادئ الإنسانية مع تخليه عن النضال تحت ذريعة انحراف الثورة عن مسارها وأهدافها المعلنة؟ إنّ التحليل الذي قدمناه لعلاقة «هارون» بيوسف وبأمّه وببيداء تثبت أن انخراطه في العمل السياسي كان دفاعاً وليس فعلاً أصيلاً وأنه كان يجاهد – خلال تلك المرحلة – لكبت صراعاته اللاّشعورية من خلال لعب الدور الأبوي/ الإنقاذي وتصريف ضغوط رغباته الممنوعة في فعل جمعي مبارك، وحين وصل إلى مرحلة شعر فيها بأنّ العمل السياسي لم يعد قادراً على تصريف مكبوتاته في محطة لم يعد فيها مجال للاستمرار في لعب ذلك الدور وتصاعد ضغوط المكبوتات اختار أن يتفرغ لعمله الطبي النفسي الذي صار المنفذ الأكثر ملائمة للتعامل مع تلك المكبوتات نسبياً رغم أن عناءه في صراعه الداخلي قد استمـر، هذا العناء الذي كان يتجلى في نوبات الإعياء الدوري التي كان يعاني منها بعد أن ينهي فحص عددٍ من المرضى «فهو يكبت دافعاً لأنه يمثل خطراً على شخصيته. ولكيلا يبدو الخطر، ينبغي أن يظل الدافع مكبوتاً، الأمر الذي يقتضي بذل جهوداً لاشعورية مستمرة وكبيرة. مثل ذلك نهر «الدافع» يهاجم بصورة مستمرة سداً «الأنا العليا» يوقفه في كل محاولة من محاولاته في أن يسيل نحو الوادي «الشعور» فثمة إذن صرف للطاقة دون جدوى وإضعاف للشخصية. وتفضي جملة من ضروب الكبت، التي تستمر على الغالب طيلة حياة برمتها، إلى التعب والكف والاكتئاب. والسبب أن الحياة اليومية قد تكون بحاجة إلى هذه الطاقة التي تجمدت بفعل الكبت الداخلي، ومثل ذلك مثل مصدر كهربائي كان عليه أن يغذي مصابيح قوية غير مرئية، وأن يغذي في الوقت نفسه مصابيح الاستعمال المنـزلي التي يثير الدهشة مردودها الضعيف دون اكتشاف السبب»(4) ولعل من الوقائع الفاصلة التي تكشف ما هو «مسكوت عنه» نفسياً لدى «هارون» حادثتين: الأولى هو أن «هارون»، وقد غاب عنه «يوسف» مدّة واشتاق إليه، لم يعرض شريط ذاكرته اللقطات العديدة «ليوسف اليعقوبي» في المجالات الحساسة التي أغاظته وأقلقته لكنه عرض لقطات أخرى أثارت استهجانه، تعريته لصدره وحديثه عن الشعر، ثم تلك الحركات والإيماءات شبه الأنثوية، وكانت هذه اللقطات قد استثارت – فيما بعد – تداعياً مباشراً لديه سرعان ما يصبح فيه وجه «أم يوسف» حاضراً متداخلاً، في علاقة الحضور والتبادل مع وجه ابنها «يوسف»، أمّا الثانية فقد حصلت بعد أن شاهد مع أخيه المغترب العائد في زيارة سريعة لبغداد من ألمانيا جثة «سالم اليعقوبي» والد «يوسف» قتيلاً ممزق البطن بطعنات السكاكين وذهب إلى «بيداء» ليسألها عن مسكن «يوسف» الذي اعتقد أنه هو قاتل أبيه. وبعد أن أخبرتهما صاحبة المنـزل أن «يوسف» هجر المكان أعلنت له «بيداء» أنها تخشى عليه من عبث «يوسف» الدموي فجاءها جوابه غريبا حيث قال: «سترين.. أنا محصن ضد عبث الصبيان.. والآن هيا نستسلم إلى تيار المدينة الذي لا يبالي بقصصنا الفارغة لنقتدِ بحكمة «سليمان الحكيم»: للنوم وقت وللرقص وقت.. هيا.. هيا..». لقد كان «هارون» منشغلاً في الأوقات الأخيرة في دراسة «فصام الشخصية» على اعتبار أن «يوسف» هو أنموذج لهذا الفصام؛ وقد يأتي يوم يضع فيه مؤلفات ونظريات كاملة حول هذا الموضوع لأنه أفضل من يمتلك صورة واضحة عن هذا الفصام مادام أنموذجه قائماً في داخله(5).
نأتي الآن إلى الطرف المقابل الأكثر سخونة في هوس الافتتان العاصف الذي اكتسح أجواء الرواية وهو (يوسف اليعقوبي) عامل الميكانيك الشاب ذو العشرين عاما الذي راجع الطبيب النفسي «هارون» وكأنه مريض جاء يطلب العون النفسي للتخلص من اكتئابه وأفكاره الانتحارية ثم ظهر أنه كان مفتوناً «بهارون» قبل أن يراه ويحمل معلومات كاملة عنه، عن نضاله في قيادة الفلاحين المضطهدين وسجنه ومشاركته في تفجير ثورة «تموز 1958»، كان يرى فيه – كما قال له – الأب والروح والمثل الأعلى، والحب والقوة.. «أنت كل شيء».. وفي العادة يخفي الانفعال المفرط والأوصاف الفائقة ما هو خلاف ذلك في الذات الخفية. وفي سماته الشخصية وسلوكاته العملية كان «يوسف» يعيش نقصاً مروعاً في كل ما أضفاه من خصائص على «هارون»، ومن ناحية ثانية فإنّ الكثير من حالات الافتتان والوله الملتهب تكبت عدواناً على الأنموذج المؤمثل، لقد سعى «يوسف» – بكل جهده – إلى الإطاحة «بهارون» كأنموذج أبوي وتلويثه ومسخ قيمه، ويرتبط هذا بعدوانه المختزن على أبيه والذي كان يمور في أعماقه منذ طفولته المبكرة في قريته التي كان أبوه «سالم اليعقوبي» مديراً لأعمال الإقطاعي «امنوّر» فيها.. وصانع مآسي لا تحصى. وما كان يقضّ مضعجه ليلاً ونهاراً هي «الحفرة» التي يُلقى فيها الفلاحون الذين يجرأون على التكلم أو الاحتجاج.. وكان والده هو الذي يتولى المهمة ويعذّب الفلاحين في الحفرة حتى الموت.. حتى أنه قتل الفلاح «غافل» والد «زاهر» صديق «يوسف»، وفوق ذلك كله فإن «يوسف» كان يقف عاجزاً عن فعل أي شيء وهو يرى أباه القاسي يضرب أمه بصورة متكرّرة.. لقد أجهض الأب «الخاصي» المشاعر والخيالات الإنقاذية التي تتأجج في أعماق الابن عادة في نزعاته «الأوديبية». لقد نشأ «يوسف» وترعرع إنساناً مخصيّاً مهدّداً فاختزن – كرد فعل – عدواناً مدمّراً على السلطة الأبوية وكلّ ما يمثلها. ولذلك جاء المدينة هارباً ليكون صورة كاملة للشيطان لا تجسيداً لإرادة الرحمن. في المدينة كان الجميع مفتونين به، رجالاً ونساءً. هذا «قحطان» الذي هجر السياسة بعد أن استأصلت السجون بعض نفسه واتجه إلى المقاولات – ومن الظواهر أن السياسيين يكونون أفضل التجّار حين يتركون نضالهم!!. – يرتبط بيوسف بصداقة كانت موضع حديث الآخرين الذين كانوا يقولون لزوجة «قحطان» إنّ «يوسف» شغل مكانها في العلاقة الزوجيّة، مع تنامي هذه العلاقة زاد إدمان «قحطان» على الخمرة ومعها تصاعدت شكوكه وغيرته المرضية في زوجته المسكينة، ولعلّ هذه النتيجة تطابق سلسلة الانفعالت والإسقاطات التي رسمها معلم فيينا للكحوليين الذين يعانون من حفزات مثلية مكبوتة: أنا أحبه  هو لا يحبني  هو يحبها  هي تخونني معه. والغريب أن «قحطان» كان يتهم زوجته بأنها تخونه مع «يوسف» الذي حطّم العائلة حيث جُنت الزوجة في حين عُثر على «قحطان» قتيلاً، حتى «هارون» – كما رأينا – تيقظت في داخله حفزاته المثلية المكبوتة بعد أن فتنه «يوسف» وحاول إغواءه عن طريق «بيداء» الذي بلغ به الانحراف حدّ أن دعاها إلى مطارحة «هارون» الغرام، كان همّه الأساس هو الانتصار الشيطاني على الأب بأي طريق توفر له تخفيف مشاعر الانخصاء، ولذلك نجده يصرّ على ممارسة الجنس مع «نجوى» في حديقة بيتها وتحت نافذة غرفة أبيها بما يعنيه ذلك من مخاطر مميتة. كانت الفتاة ترتجف رعباً في حين كان يردّ عليها بهدوء: (هذا هو المكان المثالي للجريمة المثالية ). إنه الثأر من الأب، ثأر اختزن طويلاً. لكن هناك شق مكمل لكن مستتر في هذه الجريمة ينبغي الإمساك به لنفهم كيف تكون جريمة «يوسف» «مثالية» كما وصفها. فمع العدوان على الأب الخاصي نما إحباط مبكر وعدوان على الأم أيضاً. وفي العادة يكون هذا العدوان مركباً لأن الأم هي موضوع الحب الأول والأثير. كان «يوسف» الصغير يشكو لأمّه سلوك أبيه السادي ويقول لها بأنّ أباه قاتل؛ فتردّ عليه: بفعل وداعتها، بأن والده ليس قاتلاً وأنه ينفذ أمراً تأديبياً لا غير.. وحين يطلب منها أن تعترض على أفعال أبيه تستغفر الله وكأن مجرد التفكير بالاعتراض على الزوج هو كفر لأن الزوج وليّ أمره ووليّ أمرها. وبالنسبة «ليوسف» الصغير آنذاك تمثل هذه الأجوبة نوعاً من التواطؤ الأمومي مع الأب الخاصي. كان في المدينة – وهو ما أعلن جانباً منه «لبيداء» بكل شراسة – يحب النساء المتزوجات «اللائي بعمر أمّه» مثل «حليمة» الموظفة المتزوجة.. والأخرى المتزوجة ذات الثلاثة أطفال والتي عرض عليها أن يقدم أخته زوجة لزوجها إذا طلبت الطلاق منه!!.. ومع «بيداء» الشابة قام بالتصرف الأكثر امتلاءً بالإيحاءات «الأوديبية» حيث طلب منها أن ترتدي الملابس السوداء قبل أن يواقعها وكان يقول: «هذا العالم مخلوق للسواد.. وبالذات النساء.. يزددن إثارة بارتداء الثياب السوداء.. السواد يزيد الوقور وقاراً، ويزيد اللعوب إثارة.. إنه اللون الطري الذي صنع منه العالم.. فأصل العالم ليل». وهو يتخيل نفسه إمبراطوراً لمملكة نسائية حزينة بلا رجال والنساء فيها يلبسن السواد.. ولكل امرأة غراب أسود.. إنه عن طريق الملابس السود يستحضر صورة الأم.. وفي حلم يقظته يكثرها وقد أصبحت رمزاً للموت والثكل، وهو يرى نفسه في مملكة النساء هذه «واحداً متكثراً»، وهو تكثير للذات في مواجهة خطر الخصاء على يد الأب المهدّد. هذه المواجهة التي كانت أولى محاولات «يوسف» الدفاعية الشاذة ضدها هو قيامه بخنق القطط رغم أنه كان يحبها ويدعها ترقد معه.. القطط والفئران الميتة بدأت تغزو أحلامه.. وتحوّله من معاشرة الطيور الوديعة إلى زيارة الخرائب ليرى «البومة»!! أمّا محاولة الدفاع المنحرفة التي قام بها في المدينة وهو شاب فتتمثل في اغتصاب الفتاة، وقد ثبت أن الكثير من الذين يقومون بفعل الاغتصاب هم يكونون مندفعين ليثبتوا لأنفسهم أنهم ليسوا مخصيين، وتشتبك هذه المحاولة الموجهة ضد الأب بمضاعفات الاستخذاء الأمومي المتواطئ مع الأب لتكون مسؤولة عن معاملة «يوسف» للنساء اللائي يحببنه وكأنهن «بغايا». ومـن المهـم الإشارة إلى أن صورة البغي هي الوجه الثاني للأم المختزنة في اللاّشعور وهو ما يفسّر شيوع رمز الأم البغي المقدّسة في الأساطير والحضارات والديانات القديمة. وبالنسبة «ليوسف» فإنّ تبعية أمّه المهينة لأبيه قد عززت هذه الصورة السلبية، إنّها تُضرب وتذل ثم تعاشر من يضربها ويذلها، وبذلك تكون في حال أسوأ من حال المومس المحترفة، التي تمتلك «حقوقاً» و«استقلالاً نسبياً» ولا تبرّر سلوك مضطديها.
لكن هل انتهت سلسلة هوس الافتتان في رواية «المفتون» عند هذا الحد؟
لقد تعدّت موجة الافتتان ساحة النصّ – الرواية في علاقات شخوصها المركزيين الفاعلين ضمن دائرتها لتشمل، وبدرجة تتجاوز حدود التعاطف الطبيعي، المؤلف والناقد. فبالنسبة للمؤلف كان مفتوناً بموضوع روايته ومنفعلاً بأداء شخوصه الذي رسمه بحماسة تتعدى الشروط الموضوعية . وقد يقول قائل إنّ هذه «أخطاء» فنية وسردية وقع فيها الروائي، وهو أمر قد يصح على قدر ضئيل منها، لأنّ غالبيتها العظمى لا يقع فيها روائي محترف مثل «عزيز» وفي روايته الثالثة بعد روايتيه المتماسكتين «المناضل» – دار الطليعة 1970 – و«الزهر الشقي» – الهيئة المصرية العامة للكتاب 1987 – ومن الأمور التي وقع فيها الروائي بفعل افتتانه بموضوعه وبشخوصه:
– لقد جعل «هارون» يقول «ليوسف» وهو يقرّعه على سلوكه الفاسد إن لديه أم لا تزال في وسط العمـر، جميلة ومطلقة في حين أن كل مسار الرواية السابق لا توجد فيه أي دلائل على حصول «هارون» على هذه المعلومة من أي جهة – لا من «يوسف» ولا غيره – بل إنّ «هارون» عرف ذلك بعد أشواط حين ذهب إلى قرية «يوسف» لمقابلة أمّه وسألها: هل استمرت العلاقة الزوجية مع زوجها «سالم» فأخبرته أن إخوتها قاموا بتطليقها وإنّ «يوسف» هو الذي كان يلح على ذلك.
– وفي هذا اللقاء بين «هارون» «وأم يوسف» دخل «عزيز» بنفسه، بثقافته العالية في محاولة للارتفاع بمستوى الأم الريفية البسيطة فوضع على لسانها عبارات «مثقفين» لا تناسب ثقافتها وبيئتها مثل: «أوه.. انشغلنا بالحديث.. وهو ذو شجون.. سأجلب لك طاسة لبن» «إننا نساء الماضي.. نحافظ على قوة الحياة فينا.. لا نريد وسيطاً بيننا وبين الطبيعة.. بذلك لا نخسر حياتنا» «سيظل الصراخ يغطي مملكة الليل حتى تحين ساعة الانتقام من القتلة» وقبلها تحدث نفسها عن أزمة «يوسف» الصبي «يا ويلتاه.. إ نه يسرع الى الهاوية.. لأنه صعد أكثر مما ينبغي».
– لقد جعل الأم تتصرف بتلقائية غير معقولة مع «هارون» الذي نتوقع من امرأة ريفية بسيطة تقابله لأول مرّة أن تخاطبه بلقبه المهني «دكتور هارون» لكنها ترفع كل الاعتبارات وتقول له: «لكن يا هارون.. أنت مضطرب.. ولقد زدت قلقي» و«إنني يا هارون خائفة..».
– ولكي يجعل «هارون» يعرف أن «يوسف» قد اعتقل من قبل الشرطة بسبب جريمة اغتصاب فإنه يجعله يقرأ الخبر في جريدة الصباح: «ألقت الشرطة القبض على شاب يدعى «يوسف اليعقوبي» إثر جريمة اغتصاب مارسها» وحسب إطلاعنا فإن الصحف لا تنشر الاسم الصريح لأي مشتبه تعتقله خصوصاً في الجرائم الأخلاقية».
– لقد وقع «عزيز السيّد جاسم» في مصيدة أطروحات التحليل النفسي المغوية – مثلما وقع في ذلك «نجيب محفوظ» في روايته «السمّان والخريف» – فحاول تقديم مشاهد تطبيقه حرفية لتلك الأطروحات فحوّل لقاء «هارون» مع «أمّ يوسف» الامرأة الريفية البسيطة إلى جلسة نفسيّة بين «مختصين» في شؤون التحليل النفسي وذلك لكي يجعل «هارون» يستكمل «التاريخ النفسي» «ليوسف»:
– أم يوسف.. هل كان يوسف في صغره يمشي أثناء نومه أو يصرخ»؟ «هل روى لك أحد الأحلام»؟ والأغرب هو أن الطبيب يسأل «أم يوسف» بعد أن روت له أحد أحلام «يوسف» التي «صنعها» المؤلف بمهارة: «ماذا كان تحليلك للحلم؟» فيصنع المؤلف جواباً «تبريرياً» على لسان الأم: «إنّ لدي بعض الدراية بتفسير الأحلام.. وكنت قد تعلمت القراءة على يد أحد إخوتي.. فكانت القراءة تساعدني أحياناً في تقوية خبرتي» ثم تطرح تفسيراً رمزياً سياسياً مركباً من المفروض أن أطرحه أنا كمحلل نفسي.
– ثم يوصل الافتتان الكاتب إلى مصيدة محكمة من مصائد اللاّشعور الماكرة حيث يذهب «هارون» لمقابلة يوسف المعتقل في المصح النفسي.. ويساءل نفسه حين يقف أمامه هل أنه يرثي له لأنه يرثي للأم الطيبة التي في قلبه خيط أبيض يوصله بها.. فيرد على نفسه بأنه يكذب على ذاته فهو قد اندهش لمرأى وجه «يوسف» قبل أن يرى وجه أمّه. ولكي يدعم دفاعاته في أن هذا الاندهاش بجمال «يوسف» أمر طبيعي يستعين بحالة «أشنباخ» بطل رواية «توماس مان» «الموت في البندقية» الذي ينسحر بجمال «تازديو» المراهق إلى حدّ الموت فيكشف من خلال لعبة تمرير حيادية في الظاهر لكنها تكشف جانباً من المخفي في لاشعور المؤلف نفسه. يقول «عزيز»: «لقد رأيته قبل أن ترى وجه الأم.. ما العيب في الدهش؟ كذلك اندهش «اشنباخ» في «موت في البندقية». هل كان «توماس مان» مسحوراً بلألاء الجمال الذي بهره؟ الجمال موجود في العالم منـذ الأزل، إذن لم الانبهار؟ هل يعقل إننا محرومون من الجمال طوال أكثر سني عمرنا؟ أم أن هناك رمزاً.. لا يدريه هو مثلما لا يدريه «إشنباخ».. «حين تعرض صاحبه (الذي ودعه نهائياً بالاختلاف).. إلى محاولة الاغتيال.. استعاد عند الاغتيال موادعته – من بعد – بأفضل من الصداقة.. ولكنه لم يحسن النجاة».
– ويصل الافتتان ذروته في النهاية التي صمّمها المؤلف لروايته والتي حاول فيها ترتيب منفذ إنقاذي «ليوسف» بأي طريق – «ولهارون» بدرجة أقل – بعد أن تعجّل في الصفحة (36) وجعل «هارون» يتحدث عن فصام شخصية «يوسف» و«الريفية المغدورة» في أعماقه وكونه ضحية لمدينة نشأت أصلاً من تفاهات الريف، مدينة «منتفخة بتشويهات متداخلة، شبه حضارية، وقروية، وبدائية، وعشائرية، وظهرت أجيال جديدة، تحاكي من الخارج آخر تقليعة أوروبية، وتحمل في الداخل تيارات همجية وأصواتاً بدائية لم تخمدها مؤثرات «المدينة» وهذا تحليل صحيح في صيغته العامّة ولكنه يحتاج إلى توصيف ومراجعة وتدقيق لوضع حالة «يوسف» تحت خيمته، وقد أدرك المؤلف هذه الحاجة فعمد إلى تفعيل دور العامل السياسي في حياة «يوسف» فجعله يخبر «هارون» الناقم عليه وهو يقابله في معتقل المصح النفسي بأنه – أي «يوسف» – ليس مجرماً ولا مريضاً نفسياً كما يعتقد، وأنه كان تلميذ «سالم» – صديق «هارون»، السجين السياسي الهارب – في المدرسة الابتدائية وهو همزة الوصل بينه وبين عائلته وبينه وبين أحد أفراد منظمته السرية وأنه اعتقل بتهمة الاتصال بسالم وبعض الهاربين السياسيين في الشعبة السرية الرهيبة وكان عمره ست عشرة سنة عندما اعتقلوه في غرفته الحقيرة ببغداد – وهنا سيثور إشكال فني كبير خصوصاً حين تراجع ما قاله الكاتب في الصفحة (67): «كان الحي الذي سكن في غرفة حقيرة من إحدى دور «النـزل» فيه (…) كانت أسرة «آل شفتي» عملاقة بالكامل (…) حتى الأولاد الذين كانوا بعمره، كانوا عمالقة.. كان «ناشي» في صف دراسي واحد معه، طويلاً عريض المنكبين.. لكمه مرّة…». وفي الصفحة (113) تقول «أم يوسف» «لهارون» أن «يوسف» انقطع عن الدراسة بعد إكماله الدراسة المتوسطة لأن المدينة سحرته وأبعدته عن الدراسة!!. والكاتب يصف «ناشي» بالولد أي أنهما كانا في المدرسة الابتدائية. المهم أن «يوسف» يخبر «هارون» بأنه كان ينقل رسائل سرية من «سالم» وإليه ، بعضها من ” هارون ” نفسه ( وكيف لم يشاهد هارون وجه من ينقل منه وإليه الرسائل .. عجيبة !!! ) ، رغم أنه – أي «يوسف» – لم يكن منتظماً في منظمة سياسية، سرية أو علنية. ولا أعلم كيف تثق منظمة سياسية سرية في شخص مثل «يوسف» عمره ستة عشر سنة، أو أقل، وسمعته في المنطقة شائنة. يواصل «يوسف» حديثه فيخبر «هارون» أنه تعرّض لتعذيب فظيع وهو في ذاك العمر الصغير ولم يدل على مكان «سالم» لأنه كان يفكر بحق «سالم» في أن يظل هارباً متمتعاً بحرّيته، وأنه – أي «يوسف» قد تحطمت حياته بسبب التعذيب الذي فصله إلى إنسانين: أحدهما المشلول، والآخر الطبيعي «وسيفسر لك هذا كثيراً من الظواهر، وسيلغي شكوكك القاسية التي كانت تحملني رزءاً جديداً فوق رزاياي القديمة. كان زمني السنوي منقسماً إلى ستة أشهر أصبح فيها إنسانا عاجزاً حتى عن ممارسة الحب، وستة أشهر أعود فيها إنساناً طبيعياً»، ولكننا بعد أن لاحقنا سلوك «يوسف» وحللناه في الرواية لم نجد نصف عام يكون فيه طبيعياً كما يقول، بل لم نجد له تصرفاً ينمّ عن كونه إنساناً «طبيعياً» عدا كونه وسيطاً بين «سالم» وعائلته ويمد لها يد المساعدة أحياناً كما يدعي . أمّا بخلاف ذلك فقد كان «وحشاً في إهاب شاب جميل» حسب وصف «هارون» الموفق، ولكي يبرّر «لهارون» حقيقة الانتقام أو الانتحار التي سيطرت على سلوكه يقول له بأنه كان يريد الانتقام من الشخص الذي كان مشرفاً على تعذيبه والذي توصل إلى إقامة علاقة مع ابنته «نجوى»!! (كذا). وهنا يثور سؤال هام: لقد كان يوسف يتسلّل إلى بيت الجلاد بحرية ويمارس الجنس مع ابنته «نجوى» في الحديقة، فأي مسؤول في الشرطة السرية هذا!! بلا حماية وبلا تحسب ؟ ولكن يبدو أن الكاتب يريد – وعبر أي طريق – أن يدخلنا في مناقشة إشكالية السياسة الأثيرة والمدّوخة: هل الغاية تبّرر الواسطة أم العكس؟ ولو تفحصنا طريقة «يوسف» لتحقيق الثأر لوجدناها واحدة من ألعاب اللاّشعور الماكرة حيث صممت عملية الانتقام لتشبع الرغبة الجنسية وتمرّر دوافع الصراع «الأوديبي» تحت غطاء الثأر السياسي، ثم إذا كان بيت الجلاد مستباحاً بهذه الطريقة فلِمَ لم يقم «يوسف» باغتياله وينهي الأمر؟ يسأل «هارون» «يوسفاً»: «افترض أن أباها فاجأك في الحديقة، ماذا كنت ستفعل»؟ فيجيبه: «أوه.. لم أكن جاهزاً للنقلة الجديدة.. في أعماق نفسي ثورة الانتقام، بكل عناصرها، وكنت قد صممت انتقامي بالصيغة التي ذكرت. وما كان في ذهني غير ذلك»؟، وأعتقد أن في هذه النتيجة التي طرحها الكاتب على لسان «يوسف» تكمن نظرة «عزيز السيّد جاسم» الفلسفية المركزية التي أراد توصيلها إلينا عبر سلوك «يوسف» هو هذا الجيل المعصوب الذي أنجبته الحياة السياسية في العراق بعد «ثورة 14تموز1958». جيل محمّل حد الاختناق بالعقد «الأوديبية» المسمومة التي أعمـت بصـيرتهم وجعلتهم لا يبصرون من السياسة سوى ما توفره من فرصة لقتل الأب.. قتل الأب فقط وما يعنيه هذا من فوضى دامية حين لا يتوفر البرنامج البديل الذي يتيح خلق السلطة الأبوية البديلة – العادلة التي تعزز مكانة الأم – الأرض – الوطن وتنصف الأبناء من خلال معاملتهم بالمساواة والحنو عليهم. لقد كانت جريمة قتل الأب – الفعلية أو المتخيلة التي تلوب في أعماق الابن – مهمازاً حاسماً في نشوء الحضارة.. وفي تحريم المحارم.. رسم الأخلاق والقانون.. وابتكار الدين والفن.. وذلك كتمظهرات ونتائج مباشرة وغير مباشرة لمشاعر الأثمية والنـزوع للتكفير الذي ترتب على تلك الجريمة. يسأل «يوسف» طبيبه «هارون»: «لماذا تنجب مجتمعاتنا أشخاصاً فوضويين، مثل «باكونين وكروبوتكين»، بطبقات أسيوية، ولا تنجب طبقة من طراز «أبي ذر الغفاري»؟. فلا يجيبه الأخير مباشرة ولكنه يحدث ذاته: «هذه اللعبة القديمة لم يبرأ منها رغم أن جريمة القتل تعيد ترتيب عناصر توازنه النفسي، كما يُفترض. يضيف القاتل إلى نفسه أفكاراً ثورية، هي هوايات الكتب، مطالعاتها.. وربما يضيف الثوري المقطوع عن الفعالية الثورية إلى نفسه هواية الاحتراف الخبري، والتحدث عن جرائم قتل وسرقة واغتصاب، يلمعها تلميعاً ثورياً.. كل واحد يضيف إلى نفسه ما ينقصها فيخسر أحسن ما فيه – بالنتيجة وهذا «اليعقوبي الشاب» – الطفل، خسر ما يستطيع أن يكون، بعد أن اختاره سيف القتل إلى جانبه، السيف، يا للسيف.. نفس شريرة.. نعم.. في الحديد «في المعادن» نفوس.. وفي أعماق «اليعقوبي» نفس شريرة.. لكن؟ لكن ماذا؟ لماذا «باكونين؟ كروبوتكين؟». ولكنّ المشكلة تكمن في أن هذه المسألة الفلسفية الخطيرة التي تجد وجهها التطبيقي في ساحة العمل السياسي نقلها لنا الروائي بصورة مرتبكة رغم قدرته الروائية المتميزة، وأعتقد أن السبب الأساسي في ذلك يكمن في أنّ «عزيز السيّد جاسم» كان، وقت كتابة هذه الرواية، بل قبلها بعقود طويلة، كان يحيا محاصراً وسط طوفان من نماذج «يوسف» التي تعلو لديها الأيديولوجيا على المعرفة، وذلك لأنّ الأيديولوجيا تتيح تسرب الغريزة المنفلتة بين مفاصلها، في حين تلجمها المعرفة. الأيديولوجيا غريزة والمعرفة عقل. إنّ هذا الجيل الذي أفرزته «ثورة 14تموز 1958» أو الردة عليها – لا فرق – الذي هو «وحش في إهاب شاب جميل» والأهم – حسب تقييم «هارون» – أو «عزيز» – الدقيق بأنه «صورة المخاوف القادمة» لا ينفع معه أيّ عهد أو تعهد .. وهذا الجيل – القادم من الأرياف وتسلح بالسياسة كدفاع ضد المدينة : الأم الميدوزا –  هو الذي أدخل البلاد في حلقة مفرغة لا تنتهي من الفعل الدموي ورد الفعل المضاد الأكثر دموية.. بل حوّل البلاد كلّها إلى مصح نفسي.. إلى جحيم ضاع فيه العقل حيث الضحية أمّا مجنون سلب عقله بفعل الشيطان الذي يريد الثأر من كل شيء وأمّا إنسان مكبل بالأصفاد رغم أنّه حاول الابتعاد والاحتفاظ بعقله، هذا ما يجسده الروائي بشكل رائع في نهاية روايته حيث يقول: «عند باب (مركز الشرطة الكبير) وما بين غرفة الحرس وقاعة المعتقلين ربط رجل طويل نصف عار بسلسلة حديدية إلى الباب الحديدي الداكن السواد، ومن الجانب الثاني ربطت امرأة منفوشة الشعر، كانت تشتم زوجها الغادر وتنادي حبيبها الغائب.. وهي تقفز من مكان لآخر في حدود قدرة السلسلة الحديدية على الامتداد.. وحين تتعب كان المجنون يشق الفضاء بزعقاته الحادة.. كان يشتم زوجته الخائنة متهماً إياها مع ابنها.. في الوسط ما بينهما حلّ «هارون» الطبيب النفساني محتجزاً، مكبل اليدين، تمهيداً لنقله وإبعاده إلى إحدى مدن الأهوار البعيدة» ثم يختمها بسؤال مدّوخ: ماذا عساه يقول عن التعهدات التي سمعها منذ حين؟».. وأنا أعتقد أن الأهم هو أن نتساءل: ما الذي يستطيع طبيب نفساني مهمته الحفاظ على السلامة النفسية للإنسان في مجتمع يُكبل الطبيب النفسي فيه بالقيود ويقف فيه بين مجنونين مكبلين بالقيود أيضاً؟ والجميع محاصر وسط سجن كبير؟
لقد كانت علاقة «يوسف» «بهارون» هي صورة لعلاقة الشيطان بالإنسان، هذه العلاقة التي تمت معالجتها على أيدي الكثيرين من الكتّاب والفلاسفة وأشهرها كانت على يدي “غوتة” في ” فاوست ” ، ومن خلال تأمل المسارات التي رسمها «عزيز السيّد جاسم» لهذه العلاقة نشعر بوضوح أنّ الشيطان ضروري لبهاء الحياة وتألقها، هذا البهاء والألق الذي يخمد ويهمد وتستولي على الحياة إيقاعات رتيبة توصلها إلى حدّ الإملال حين يحكمها حضور الإنسان الذي يحاول أن يكون ملاكاً. لقد كان دخول «يوسف» – بروحه الشيطانية – دخولاً مباشراً أو غير مباشر إلى ساحة أي موقف في الرواية كفيل بتصعيد توتر علاقات ذلك الموقف وأجوائه الدرامية إلى مستويات أخاذة ومثيرة.. إنّ حضور الشيطان يلامس قروح وندب لاشعورنا ويهيجنا ويشعل صراع خرق المحظور والقيم المؤسسة التي علاها صدأ خضوع الإنسان ومهانة إرادته المنخذلة. وقد كان من الممكن للكاتب أن يطوّر هذه العلاقة ويقدم لنا عملاً روائيا يقف إلى مصاف«صورة دريان غراي» لأوسكار وايلد أو «الموت في البندقية» لتوماس مان ، لكن تشرب جانب مهم من وعي الروائي بالأيديولوجيا السياسيّة – مثل هارون – ضيّع علينا هذه الفرصة الرائعة التي لا تُعوض.
لكن، هل انتهت حمّى الافتتان في رواية «المفتون» الجواب: كلاّ، فقد امتدت هذه الحمى لتشمل بموجات سخونتها الناقد الذي التصق كثيراً بالنص من ناحية، وبالكاتب من ناحية أخرى.. ورغم أنني أعتقد أن أطروحة الناقد «الموضوعي» الفولاذي المطلق هي خدعة إذ لا وجود لناقد – أو أي باحث في مجال الإنسانيات أيضاً – يستطيع أن يتجرّد بصورة كاملة من دوافعه الذاتية ومكبوتاته ويبدأ بتحليل نصّ أو تفكيكه مثلما يحلل أحد المختصين شفرة عسكرية أو يفكك مهندس جهازاً إلكترونياً مثلا. ولكن هذا لا يعني أن الناقد لا يحتفظ بـ«مسافة محسوبة» بذكاء نفسي «انفعالي» لأغراض فنية تشبه المسافة التي يحدّدها المصور الفوتوغرافي – مع فارق عمله عن الناقد طبعاً – لالتقاط أفضل صورة لمنظر ما. فإذا ابتعد كثيراً عن المنظر فإنّ الصورة لا تكون واضحة ومطابقة للمنظر.. وإذا اقترب كثيراً فإنه لا يستطيع التقاط الصورة إذا التصق الشيء تمام الالتصاق بعين عدسته(6). ولكن الأهم من الناحية النفسية أن القرب الشديد من النصّ يجعل الناقد وكأنه جزء من المشهد الروائي. إنه يتحول إلى لاعب في ساحة النص وليس إلى «حكم» مراقب بدقة ليمسك بحالات القصور والخطأ «طبعاً الناقد ليس حكماً رياضياً يرصد الأخطاء حسب بل – وهذا من وجهة نظري واجبه الأساسي – يستكشف مواضع الجمال وصور الفن الباهرة». ولو راجعنا بتأنٍ المقدمة التي كتبها الناقد الذي لم يثبت اسمه عليها لوجدنا أنه كان «مفتوناً» بالرواية، شديد الإعجاب بها – وهذا لا اعتراض عليه إذا أخذنا بالاعتبار حقيقة وجود قارئ داخل الناقد – إلى حدّ ضاعت معه «المسافة المحسوبة» الضرورية للتقويم وإصدار الأحكام. لقد قدمنا مواضع افتتان وارتباك ونسيانات – لنسمّها نسيانات لاشعورية – وقع فيها الروائي وحددنا صفحاتها بدقة ولم يمسك بها الناقد. يتحدث الناقد عن عامل الحوار – المفتون رواية حوار أولاً – ويرى أن (الحوار بين «يوسف اليعقوبي والطبيب «هارون» هو السائد، تتخلله حوارات بين بعض النسوة «كبيداء» وبين الطبيب «هارون» أو بينها وبين أخريات» ولم يجر أي حوار بين «بيداء» وبين «أخريات» بل كان هناك حوار واحد بينها وبين «أخرى» هي «نجوى». ثم يتحدث عن «يوسف» وكيف تم إلقاء القبض عليه لتهمة سياسية (باطلة) في حين أن «يوسف» نفسه يعترف «لهارون» بأنه كان ينقل الرسائل السياسية من وإلى «سالم»، المناضل السياسي الهارب. كما أن «انفصام» شخصية «يوسف» الذي يتحدث عنه الناقد – وهو غير موجود كما أثبتنا ذلك – لم يحصل منذ تعرض يوسف للتعذيب بل فبله – منذ أن أعلن أن أباه قاتل وبدأ يخنق القطط الصغيرة.. أما القول بأنّ «يوسف» هو «الذكر الجميل المغري لنصف عام، والذي يغرقه الجدب في  النصف الآخر، فيكون أنثى» وأن «هذا اللبس على صعيد الجنس والنوع – ولا أدري ما المقصود بمفردة «النوع»؟ – يعيد الشخوص إلى العمق الأسطوري، عمق «تموز وعشتار»، حيث يتبادل الخصب والجفاف، الربيع والخريف، الحب والموت في إيقاع متصل»، فهو وصف مفرط يحمّل الأمور أكثر مما تحتمل.. فصحيح أنّ «يوسف» قال «لهارون» بأنه بعد التعذيب أصبح إنسانين: أحدهما مشلول لمدة ستة أشهر والآخر طبيعي للستة أشهر الأخرى، لكن واقع الحال على امتداد أحداث الرواية – لم يكن هناك تناوب بين ربيع وخريف وخصب وجفاف وموت وحياة.. كان يوسف شيطاناً ألقى به الريف إلى المدينة – كتلة بشرية ريفية معصوبة شحذت فيها الأيديولوجيا كل أسلحة التدمير ونوازع الخراب – فاستقبلته المدينة واحتضنته لتترعرع بين أيديها دوافعه المميتة بدرجة أكبر لأنها مدينة «بوهيمية، سكرانة، قادمة من سخف الريف» كما يقول «يوسف» نفسه. إنّ ما وجدناه من «يوسف» من سلوكات – وباستثناء كونه وسيطاً «لسالم» – يعبّر عن مثابرة عزوم على تدمير كل إنسان يرتبط به.. إنه ليس من فصيلة «تموز وعشتار».. بل من فصيلة شياطين ” الكالا ” التي قطعت جسد «تموز» واقتادته إلى العالم الأسفل.. أو من فصيلة إلهة العالم الأسفل «أريشكيجال» وهي شقيقة «عشتار» – انظر إلى وجهي الأم المتكاملين: المنعمة والملتهمة – وفي موضع آخر يقول الناقد «ويتم استحضار تاريخ العراق السياسي منذ العهد الملكي حتى العصر الحاضر باختزال شديد» ولا توجد إشارة إلى الوضع السياسي في العهد الملكي سوى الحديث عن وضع الفلاحين السيئ كطبقة مُستَغَلة – بفتح الغين – من قبل قوى الإقطاع، أما الباقي فهو عرض للوضع السياسي «لثورة 14تموز» في صعودها وإجهاضها. وأما التقييم العجيب الذي يثير دهشة أي قارئ مدقق – وبإمكان القارئ العودة إلى الرواية  الآن – فهو ما يقوله الناقد عن «يوسف» بأنه «أُقحم في الحياة السياسية منذ شبابه ( طبعا لم يقم سوى بنقل الرسائل إلى «سالم» ومن الأخير إلى عائلته دون انتماء سياسي كما يقول «يوسف» نفسه) وتعرض لتعذيب بشع وعرف الإقطاع وشروره، فتحرّر من أمراض أبيه، وانعتق من الأنانية التي ميزت عدداً كبيراً من ثوريي البلدان المتحررة حديثاً من الاستعمار» أي أن «يوسف» صار أنموذجاً لثوريي البلدان المتحررة حديثاً من الاستعمار في حين أننا رأينا كيف أن سلوكه الصارخ في الرواية يثبت أنه لم يتحرر أبداً من أمراض أبيه ولا من عقدته.. وإنه كان شديد الأنانية.. وحيوانا في غرائزه .. لماذا حطم عائلة صديقه «قحطان» – السياسي السابق – رغم أن زوجة الأخير طلبت منه الابتعاد عن زوجها لأنه أي «يوسف» يمتص ماله ويدمّر بيته.. فما هو ذنب المرأة ذات الثلاثة أطفال التي أقنعها بأن تطلب الطلاق من زوجها وبأنه سيقدم أخته لزوجها كبديل عنها – هل هذا سلوك مناضل غير أناني؟، ما هو ذنب المرأة التي حطم حياتها الزوجية ثم استولى على حليها وجواهرها واختفى كلص وجاءت باكية تشكوه لصاحب المعمل؟ هل اللصوصية والنصب والاحتيال من أخلاق المناضل؟ ما هو ذنب «بيداء» التي أحبته وفسخت خطبتها من ابن عمها – وهو صديق «يوسف» ليخونها مع صديقتها «نجوى» ثم يشبعها ضرباً عندما رفضت أن تتفرج على «وصلة» نضالية يقوم فيها بممارسة الجنس مع صديقتها بأمّ عينيها تحت الأضواء الحمراء في غرفته؟ ألم يعرض على «بيداء» أن تقبّل الطبيب من خدّه.. ثم من فمه في المرأة المقبلة!! ثم عرض عليها رغبته في أن تمارس الجنس مع الطبيب؟ هل سلوك السمسار أنموذج لمناضلي العالم الثالث ؟ إنني أعتقد أن مظاهر الافتتان التي عرضتها لدى الروائي ثم لدى الناقد بيوسف تحديداً وقبلهما افتتان «هارون» به في الرواية – هو الذي يتضمن الدرس السياسي والنفسي من رواية «المفتون» فإن هذا الجيل – جيل «يوسف» – المعصوب الذي شكلّت الأيديولوجيا غطاء له لتمرير أشد الحفزات «الأوديبية» تدميراً والتفريج عند عقده النفسية الشخصية من خلال مسارات العمل السياسي التي لم يكن ممكناً أن يقيض لها مثل هذا العنف الموصل إلى الخراب الشامل لولا هذه البنية النفسية «اليوسفية» التي مشكلتها الخطيرة هو أنها قابلة لإغواء أبرع العقول وأشدها تحصنا وإيقاعها في مصائد هوس «الافتتان» المميت .
هوامش:
1- المفتون – رواية – عزيز السيّد جاسم – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت 2003.
2- بتصرف عن (المعجم الموسوعي في علم النفس) – نوربير سيلامي – ترجمة وجيه أسعد – منشورات وزارة الثقافة – الجزء الثاني – دمشق – 2001.
3- راجع كتابنا (مخيرون بالشعور، مسيرون باللاّشعور) دار الشؤون الثقافية – بغداد.
4- انتصارات التحليل النفسي – بيير داكو – ترجمة وجيه أسعد. منشورات وزارة الثقافة – دمشق 1982.
5- يذكرنا هذا الأمر بـ(حالة) الدكتور (علي الوردي) في أطرحته الأساسيّة عن ازدواجية الشخصية العراقية وكيف كان هو نفسه أنموذجها الأول بعد تعرضه للصدمة الحضارية خلال دراسته في الولايات المتحدة خلال الأربعينيات (تناولنا ذلك تفصيلياً في مخطوطة كتابنا: محاولة في تحليل شخصية الدكتور علي الوردي) بالمشاركة مع الباحث الأستاذ ( سلام الشماع ) . .
6- بتصرف عن كتاب (سيكولوجية الإبداع في الفن والأدب). يوسف ميخائيل أسعد – مشروع النشر المشترك: دار آفاق عربية (بغداد)، الهيئة المصرية للكتاب (القاهرة) – من دون تاريخ.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

| طالب عمران المعموري : تشكيل المكون الروائي في رواية “عاشقة من كنزا ربا” للروائي عبد الزهرة عمارة .

“أنت يا عليما بالقلوب وكاشفا للبصائر .. عيوني متطلعة إليكَ وشفاهي تسبحك  سبع مرات في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.