أ.د. نادية هناوي سعدون: قراءة في كتاب (الخطاب والتأويل) لنصر حامد أبو زيد

قراءة في كتاب (الخطاب والتأويل) لنصر حامد أبو زيد
أ.د. نادية هناوي سعدون

ظهر النقد الثقافي على الساحة النقدية انطلاقا من تبلور منهجي قاد النقاد إلى الاهتمام بما حول النصوص وما داخلها معا ويعد الناقد الأمريكي فنسنت ليتش في مقدمة اولئك الذين اخرجوا الممارسة النقدية من الحقل الشكلاني والبنيوي إلى مجال الثقافة فالنص حامل انساق ووظيفة القارئ الوقوف على تلك الأنساق..
وكان اغلب نقاد هذه المرحلة النقدية ما بعد التقويضية معارضون للفكر النقدي الغربي السائد فكرستوفر نوريس مثلا ناقش “هشاشة العمل النظري في التطبيقات ما بعد البنيوية وما بعد الحداثية والتفكيكية وكيف تنتهي بغثها وسمينها إلى اختزال الأنظمة المعرفية إلى مجرد العاب خطابية لا تبنى إلا بواسطة اللغة وفيها ”
ومع دريدا وجاك لاكان ورولان بارت وميشيل فوكو توفرت أجواء نشر ثقافة ما بعد حداثية تحاول أن تهمش المركز وتمركز الهامش بمثالية طوباوية عاجية .وقد ” فتح اتجاه ما بعد الشكلانية مختلف الطرق فقد تبنى بعض النقاد مثل جيفري هارتمان أسلوبا مشاكسا وغير مباشر يدعو للضيق بينما حاول الآخرون بول دي مان على الأخص أن يفكروا من خلال مفارقات منهج النقد الجديد ”
وعربيا اتخذ النقد الثقافي في نقده للانا وللآخر بعض الجرأة في تناوله لمفاهيم كليّة ومجرّدة ومطلقة ونهائية تتمايز بأنظمة يمكن أن تستكشف، ليفاضل بينها من خارج علاقتها بالواقع وتطوّراتها وبالقوى الواقعيّة وصعودها وهبوطها…
ومثلما كان المنظرون والمفكرون التفكيكيون الغربيون لا ينظرون إلى المسلمات بمنظار التأييد والقبول كذلك كان بعض النقاد العرب لا ينقادون مسلمين لبعض الثوابت العقلية للملفوظات وكيفية إنتاجها .. مما كان ميشيل فوكو يسميه الحاجات المفهومية التي لا تتعلق فقط بالموضوع بل بمعرفة الظروف التاريخية التي تحدد نوعية فهمنا وإدراكنا لوضع تاريخي معين وهو ما يتطلب بالضرورة معرفة الواقع الذي نعيش فيه أي معرفة الراهن
وكان كتابه (إرادة المعرفة) بلورة جينالوجية نسابية للآليات والتقنيات العاملة في الواقع زمانيا ومكانيا لاسيما العلاقات بين المعرفة السلطة الجسد ليساءل الحقائق والسلطات كاستراتيجيات مفككا المعرفة بوصفها معزولة عن السلطة مؤمنا بالفرضية القمعية التي تعتبر أن الحقيقة تتعارض جوهريا مع السلطة
وهو برفض الثنائيات الجدلية فلكل ثنائية ثلاثة علاقات على الأقل: علاقات في صلب الخطاب وعلاقات بين الخطابات وعلاقات للخطابي بما هو غير خطابي واللاخطابي ذاته
ونظرا لزخم المفاهيم والأفكار والأحداث في كتاب (الخطاب والتأويل )لنصر حامد أبو زيد رأينا أن نتناول الخطاب وتأويله عند أبي زيد لنرى كيف ينسحب على هامش السلطة أو يتمركز في موقع متعال ليحكم عليها في صلاتها بالدين والأدب والسياسة ؟
والبحث عن الأنظمة الثقافية داخل الخطابات قد يأخذ شكل المتوالية النسقية التي توجدها عمليات الجدل العقلي والنصي من اجل بلوغ الحقيقة واستبطان المنظومة الثقافية واستقراء الحاضنة المعرفية لتعلن عن ما فيها من المضمرات السلبية والايجابية المغيبة في معادلة القراءة والتأويل .
وكان الناقد نصر حامد أبو زيد قد اهتم بالحواضن الثقافية للتأويل بإزاء النصوص والآراء والوقائع والمسلمات مقدما طروحات معرفية ونظرات ثقافية ذات منزع جدلي.
وكتابه (الخطاب والتأويل ) واحد من مؤلفات كثيرة كتبها أبو زيد وأثارت الرأي المحافظ بسبب خوضها في قضايا ثقافية ذات مديات تقبل النقاش الثقافي أو الاحتدام التأويلي ومسائل شبه محظورة قد يتحمل من يناقشها كثيرا من مظاهر الإقصاء والنبذ والرفض سرا وعلنا لتكون نتيجة ذلك كله ، النفي ثقافيا والازدراء عقائديا .
ومما يستفز القارئ في هذا الكتاب هو جدلية طرحه للأنساق المضمرة وتأويلاته التي تحفل بتفكيك التمركزات ومركزة المقصيات وتسطيح الأساسيات والبحث في أفكارها وقضاياها وفي إطار رؤية بنيوية لتلك القضايا.
وتفصح المكاشفات التي يعمد أبو زيد إلى طرق أبوابها عن رؤى فكرية ذات محمولات نسقية لا تساير الثابت المفروغ منه كونها تخالف المعلن السائد لتكون بمثابة قبول للتحدي .
وقد اقترن هذا التوجه بتوظيف مصطلحات تفرد أبو زيد بابتكارها ليمنحها منتجة إجرائية وهوية معجمية خاصة في إطار مستويات دلالية يتداولها ضمن فضاء خاص به .
وإذا كان مدخل كتاب ( الخطاب والتأويل) قد بحث في سلطة الخطاب؛ فان سلطتي العقل والنص هما اللتان تسيدتا دفة الكتاب وبهذا أصبح المدخل بمثابة إغواء قرائي يسعى إلى تصيد القارئ مستدرجا إياه إلى بغيته المعجمية والفكرية.
ـ1ـ
تتابعت في كتاب (الخطاب والتأويل) مفاهيم فكرية تأطرت خاضعة لسلطة التأويل العقلي وهي ذات مديات إشكالية في صيغة متوالية جدلية وفي شكل اصطلاحي ذي إبعاد نسقية منحها إمكانية التجديد والاستحداث.
وقد حشد الناقد بدءا من العنوان معجمه الدلالي لكي يؤازره فعليا في مهمة الحفر النسقي عن الحقيقي ومعرفة المعلن والخفي. ومن تلك المتواليات الجدلية التأويلية ما يأتي :
1. المثقف العربي والسلطة / اشتغل الناقد أبو زيد على منطقة نسقية مضمرة تعيد الأشياء إلى نصابها الوضعي والكوني تقديما وتأخيرا، فالمثقف هو التابع والسلطة هي المتبوعة .
وجدلية التابع والمتبوع تؤدي الغرض المرجو الذي يسعى الناقد إلى بلوغه ثقافيا وهو تغليب النسق المضمر على النسق المفروغ منه علنا ليتم تقديم السلطة بإزاء الإنسان والثقافة بوصفها مغلوبة لا غالبة قالبا بذلك قانون الغلبة والمغلوب أو القوة والضعف رأسا على عقب.
واتخذ أبو زيد ثيميتين إحداهما بصيغة المفرد المذكر (المثقف) وثانيتهما بصيغة المفرد المؤنث (السلطة) ولما كانت الغلبة لصيغة التذكير فان التهميش ينبغي أن يكون للمؤنث ولكن سياق النسق المعلن يحتمل العكس تماما فالمؤنث هو الغالب والمذكر هو المغلوب وهذا ما يعني أن المتمركز هو في الأصل مهمش والمنطق يفترض إعادة المسميات إلى شكلها الوضعي ليكون المثقف أولا والسلطة ثانيا..
2. المثقف والتبريرية / يدور هذا المصطلح عند أبي زيد ” في فلك النفعي والسياسي المباشر.. الذي يهتم بالتحليل والتفسير من دون أن ينخرط بشكل مباشر في مفهوم نفعية الحقيقة ”
3. الديني والسياسي / قدم الناقد النص الديني على السياسي فالعقل العربي في رأيه يقع في منطقة تنازعتها سلطتان ” هما سلطة النص الديني والسلطة السياسية الحاكمة ولقد تم فرض السلطتين بشكل تزامني في الصراع العلوي / الأموي الذي دارت رحاه بين الخليفة الرابع علي بن أبي طالب وبين معاوية بن أبي سفيان في موقعة صفين حيث أمر معاوية جنوده الذين كانوا على وشك الانهزام أن يرفعوا المصاحف للاحتكام إليها في حسم الصراع وقد كان الداهية عمرو بن العاص هو صاحب ذلك التكتيك وكان واثقا من نتيجته في بلبلة عقول أتباع علي واختلافهم وهذا ما تحقق بالفعل كما ذكر المؤرخون ”
4. الديني والدنيوي / انطلاقا من التاريخ نفسه يفسر لنا الناقد أن الوعي في الصراع بين السلطتين الدينية والدنيوية انتقل ” من مجال الصراع الاجتماعي السياسي إلى مجال الصراع حول إدراك معنى النصوص الدينية وحول تأويلها ومنذ تلك اللحظة التاريخية والمسلمون يخوضون صراعاتهم الاجتماعية والسياسية باسم الدين وتحت مظلة النصوص ”
وترجع جذور هذا الصراع ـ بحسب أبي زيد ـ إلى خلاف السقيفة بين المهاجرين من أهل مكة والأنصار. ومن ثم توحدت السلطتان في سلطة واحدة هي قريش وقد تم إلغاء القراءات القرآنية في سبع لهجات وحصرها بلهجة قريش إلى أن استولى المغول على بغداد. وبهذا تم ” إلغاء تام للفارق بين الديني والدنيوي من جهة وتحويل للسلطة السياسية إلى نص الهي ”
5. العقل العربي والسياسة / يرى أبو زيد ـ وفي ظل حاضنة التفوق السلطوي والغلبة للسلطة الدينية السياسية ـ ان المغلوب هو العقل العربي الذي لا يجرؤ على الخروج على المعتاد من الأفكار التي هي بمثابة الثوابت والمسلمات لتكون بدورها نسقا معلنا سلطويا لنسق آخر مضمر ومقصي هو العقل تأويلا ونصا. ويمثل على هذه النسقية المضمرة من التراث السياسي العربي في صيغة رد الخليفة ” لا اخلع قميصا البسنيه الله ” لتتفوق ثنائية السياسة والدين كسلطة واحدة .
وإذا كان هذا هو حال العقل العربي على مر عصور الخلافة الإسلامية وما بعدها؛ فان الحاضنة الثقافية ستبقى تنوء تحت وطأة هذا الحمل النسقي المخاتل والمتواري بحجب المعتاد والمتعارف عليه والمسلم به.
وبذلك يحقق النسق المعلن لعلاقة الدين بالسياسة التفوق المعنوي والمادي لمظاهر التسيد والتسلط تجاه العقل وأدوات عمله وإمكانيات تفاعله ليغدو مهمشا ثقافيا ،في مقابل تمركز السلطة فاعلا ومؤثرا .
وقد غلَّب الناقد بحنكته النقدية ودهائه التأويلي الإضمار النسقي على المتوالي العلني من خلال كشفه عن المخبوء واضعا نسقا وليدا ..كمقابل لنسق عاش دهرا طويلا … وقد أدى التوحيد بين سلطتي النص الديني والنظام السياسي إلى نتائج خطيرة على مستوى آليات العقل العربي المسلم في إنتاج المعرفة فأصبحت النصوص الدينية الإطار المرجعي الأول والأخير بالنسبة لكل القوى الاجتماعية والسياسية ”
6. التبريرية والتواطؤية / فمشكلة المثقف تكمن في أن عينه على السلطة السياسية قبولا أو رفضا وهذا ما يوقعه في التبريرية والتواطؤية بقصد أو عن غير قصد ” فمناهضة هذه الجماعات سياسيا وفكريا يضع المثقف في خندق النظام السياسي الذي يسعى للقضاء عليها وتصفيتها بكل الطرق والوسائل ” .
وبسبب تفوق السلطة على حساب العقل صار المثقف العربي مغلوبا متواطئا وتبريرا كونه يسلم بالجاهز من الطروحات وأعطى مثالا على بعدي التبرير والتواطؤ في بنية العقل العربي ممثلا في أحداث الخليج الثانية حين حاولت “معظم الأطراف الاستناد إلى مرجعية الدين تبريرا لمواقفها وترسيخا لمصداقيتها في وعي الجماهير ”
وعلى الرغم من ظهور تيارات عقلانية واتجاهات بين الحين والأخر؛ إلا إنها ظلت هامشية وخير مثال على ذلك المعتزلة الذين أصبحوا أداة في جهاز السلطة لقمع المخالفين باسم العقلانية وان هذه التبريرية والتواطؤية تحولت إلى طابع عقلي في بنية الثقافة العربية فالقوميون وضعوا العرق والدين كأساسين للقومية العربية ” وظل مفهوم القوميين للدين مفهوما إيديولوجيا يستخدم في مجال السجال السياسي ” .
ولما سقطت شعاراتها لم يبق إلا الدين العقائدي الشعائري ولم يبق من العرقية القومية إلا الطائفية تفتت أركان العالم العربي وتمنح الوجود الصهيوني شرعية دينية وعرقية .
7. الدين والاشتراكية / يرى نصر حامد أبو زيد أن الدين استخدم في تبرير الاشتراكية العربية التي هي وسطية بين الماركسية العلمية والرأسمالية وأصبح إطارا مرجعيا لكل الاتجاهات .
8. تحرير العقل / أي انفلاته من سلطة النصوص الدينية والسلطة السياسية وإيديولوجيتها تأييدا أو معارضة وذلك للخروج من اسر إنتاج الايدولوجيا وإطلاقه حرا يتجادل مع الطبيعة والواقع الاجتماعي والإنساني كما يتجادل مع الغيب والمستور فينتج المعرفة التي يصل بها إلى مزيد من التحرر فيصقل أدواته ويطور آلياته
9. الذاكرة الجمعية والوعي/ إذا كانت السلطة فاعلا قهريا على العقل العربي في كل زمان ومكان؛ فان فاعلية العقل العربي إنما تتمثل بالذاكرة التي يختزن فيها العقل تجاربه ليستحضرها وعيا أو لاوعيا . ويتحدد منظور أبي زيد للوعي بأنه نشاط وفعالية متحركة لا تؤمن بالثبات والاستقرار .. وكل فكر أو إبداع يناهض هذه الغاية يتم تهميشه .

ـ2ـ
اشتغل التحليل العقلي لبعض المسائل الفكرية على آلية الاستناد إلى النص النقلي العقائدي التاريخي ضمن نسقية ثقافية قد تخذالف السائد والمبدئي مما هو معلن وظاهر على مر التاريخ .
وقد عمل الناقد على الحفر في انساق سلطة النص باحثا عما هو مضمر ومتواري خلف حجب المحظور والمسكوت عنه واجدا بإزاء ذلك رؤى تأويلية تدور حول مسائل فكرية وتاريخية واولها مسألة الخلافة اذ اهتم نصر حامد أبو زيد في القسم الثاني (التراث والتأويل ) بمناقشة إشكالية الخلافة بين التاريخ واللاهوت أ هي تكمن في وضوح النص أم في غموض التاريخ ؟ ويعود سبب اهتمامه بهذا الموضوع إلى :
1. ” إن إشكالية الخلافة لم تختف إطلاقا من منظومة الفكر الإسلامي الحديث رغم احتفاء المنصب الحاصل للاسم منذ سبعين عاما ”
2. أن ” مشكلة الخلافة ما زالت موضع نقاش من زاوية الدين لا من زاوية الدنيا ومن باب العقيدة لا من باب السياسة فمن الضروري التصدي لهذه الدعاوى بالمساهمة في كشف التاريخ الذي تريد الايدولوجيا أن تحجبه وراء ستار الدين” .
وحلل كتاب (الإسلام وأصول الحكم ) لعلي عبد الرزاق وكتابي( النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة ) و( الخلافة والإمامة العظمى ) لمحمد رشيد رضا مؤكدا أن” آليات الصراع السياسي على المنصب خاصة منذ ما يسمى بعصر الفتنة جعلت كل فريق يسعى إلى تثبيت مشروعيته استنادا إلى نص ديني ”
ويرى نصر حامد أن الخلافة كانت شكلا تاريخيا ربما تحقق في صورته المثلى الحقيقية في عصر الخلفاء الراشدين الأربعة وفي عهد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز .. وإذا كان للخلافة جانبان هما : خلافة النبوة ـ . وخلافة الأمة .. فان خلافة النبوة قد انتهت ولم يبق سوى خلافة الأمة
وإذا كان الفصل الثاني قد اهتم بفكرة تراثية فانه في الفصل الثالث ناقش جدلية التراث والمعاصرة تحت عنوان (إشكالية التراث في الوعي المعاصر) واقتطف مقولة الإمام علي بن أبي طالب ” القران بين دفتي المصحف لا ينطق وإنما يتكلم به الرجال ” لينطلق منها إلى مسالة النص الديني بين التأويل والتفسير.
مبتدئا بالبحث عن جذور هذه المسالة وأنها نشأت في تراثنا العربي الإسلامي في سياق نشأة الفرق السياسية الدينية فيما عرف بحقبة الفتنة في التاريخ المبكر للدولة العربية الإسلامية ،مشيرا هذه المرة إلى المقولة المشهورة للإمام علي ” بالأمس حاربناهم على تنزيله واليوم نحاربهم على تأويله ” .
ورصد ثلاثة مواقف أو تيارات أساسية واضحة من التراث :
التيار الأول: هو الذي يتبنى أصحابه مقولة إننا الآن نعيش عصرا جديدا لا يمت بأي صلة للماضي لا في شكل الحياة ولا في أنماط السلوك ولا في طرائق التفكير. وفي رأي أصحاب هذا الاتجاه أن التراث هو الماضي بخيره وشره ”
التيار الثاني: ” هو تيار أصحاب شعار الإسلام هو الحل. ذلك أن التمييز بين الإسلام والتراث عند هؤلاء شاحب إلى حد كبير .. يتعاملون مع التراث بوصفه انجازا مقدسا لا يجب المساس به إلا بالتوقير والتعظيم والإجلال ”
التيار الثالث: ” بين التيارين تيار القطعية وتيار التقليد يقف تيار التوفيق واستلهام التراث .. ومشكلة هذا التيار الوسطي التوفيقي انه ينتهي إلى التلفيق بانتقاء عناصر فكرية من هنا وهناك أي عناصر فكرية مأخوذة من أنظمة فكرية مختلفة بل ومتعارضة أحيانا ليضع منها على تفاوتها بناء واحدا يصلح للحاضر ولان معيار الانتقاء هو معيار المنفعة بالمعنى الإيديولوجي وليس المعرفي تصبح الفكرة صائبة لأنها نافعة وليس العكس اعني كونها نافعة فقط لأنها صحيحة ”
وينتهي إلى القول : ” يظل سؤال التراث مفتوحا لان سؤال الحاضر وكذلك أسئلة المستقبل تعيد صياغة أسئلة الماضي فلا شيء مكتمل لأنه لا شيء معلق إلا عقول البعض منا ” .
وعن التعددية الثقافية وعمليات المحو والإثبات يرى أبو زيد أن ذاكرتنا الثقافية تمارس ـ منذ مصر الفرعونية على مستوى الأسر الحاكمة وصراع الإلهة ـ التعدد القبلي والتعدد السياسي وان الإسلام أراد إقامة الوحدة السياسية دون القضاء على التعددية الثقافية وهي التعددية التي تم القضاء عليها لحساب قريش بعد أن استولت على الإسلام ذاته وحولته لإيديولوجيتها الخاصة وإذ استولت قريش على زمام الذاكرة العربية بدأ الصراع بين أبناء العمومة وهو صراع له مرتكزاته الاجتماعية الاقتصادية .. يفعل فعله في عمليات المحو والإثبات ” ومن أمثلة التي دلل بها الناقد على آلية المحو والإثبات ما يأتي :
1. انتحال الشعر ونسبته إلى مشاعر شعراء ما قبل الإسلام .
2. اتساع مرويات الحديث النبوي الشريف .
3. ” زعم الشيعة أن مصحف عثمان قد محيت منه عمدا كل النصوص الدالة على إمامة علي وعلى فضل أهل البيت على العرب والناس كافة ”
4. نبش القبور والتمثيل بالجثث وقتل الأطفال التي قام بها العباسيون والأمويون في صراعهم مع بعضهم أو مع العلويين.
5. انتقال السلطة عن طريق الانقلابات والصراع العسكري.
6. التحدي الثقافي الأوربي بين التقدم على الطريقة الأوربية والتقدم بمفهوم الإسلام.
7. انقسام التعليم بين الديني والمدني .
ليتساءل بعد ذلك كله …ما الخلاص ؟
ويجيب أبو زيد انه ” بالإقرار بالتعددية السياسية والفكرية وترسيخ مبدأ الصراع الحر الخلاق بين الاتجاهات المتعددة والتحول من نظام مع السلطة إلى نظام الوثب على السلطة .. ولن يتم ذلك كله إلا بتحرير العقل من سلطتي : النصوص الدينية والسلطة السياسية وبتحرير الذاكرة من عمليات المحو والإثبات الإيديولوجية أي بتحرير الثقافة من عوائق النمو أي بتنميتها ”
ومثل الناقد أبو زيد في نقاشه لهذه المركزية التبريرية بالغزالي الذي كان في خطابه الديني في كتاب (إحياء علوم الدين) قد جعل خطاب العامة وخطاب السلطة سواء مساندا الديكتاتورية إيديولوجيا ” هذا إلى جانب انه يقدم السلطة السياسية للدولة السنية ..في صراعها ضد سلطة الدولة الشيعية ”
وكان الغزالي سائرا في نفس الاتجاه الأشعري متخذا مبدأ الوسطية الفكرية ” وهي الوسطية التي تماهت تماما مع الإسلام نفسه في شعار الإسلام دين الوسطية لقد تم تعليق النظام الفكري للغزالي تعليقا نهائيا بالقران الكريم نفسه ”
وكذلك اشتهر بأنه مؤسس التصوف السني” الذي يوضع غالبا في علاقة تضاد مع التصوف الفلسفي وبعبارة أخرى يعتبر الغزالي ممثل أهل السنة والجماعة في مجال التصوف الذي كانت قد سيطرت عليه الحلولية متمثلة في تصوف الحلاج الذي ماهى بين الذات الصوفية العارفة ـ العاشق ـ وبين الموضوع المعرفي المعشوق الذات الإلهية
وإذا كان ” الغزالي يمثل همزة الوصل بين حلولية الحلاج في القرن الثالث الهجري وبين وحدة الوجود عند ابن عربي في القرن السابع ” فان” أسطورة التصوف السني عند الغزالي تنتفي معها وسطيته المزعومة كما انتفت وسطية الاشعرية وظهر انحيازها للجبر والإرجاء بل وللتشبيه كذلك ولا يمكن أن ينكشف المشروع الفكري الوسطي انكشافا تاما إلا بتحليل آليات السجال العقلي التي قام بها أبو حامد الغزالي ضد المشروع الفكري الشيعي في كتابه فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية ”
وقد ربط الغزالي اختيار الخليفة بالمشيئة الإلهية المطلقة وبذلك غدا” الصراع سياسيا أكثر منه معرفيا وهو ما نلحظه بوضوح في كتاب فضائح الباطنية حيث تتويج الخليفة العباسي المستظهر بالله إماما اختاره الله يقف إزاء الإمام الشيعي الذي يستند إلى النص في مشروعية إمامته”
ورأى أبو زيد أن مركزية خطاب الغزالي في المشرق بدأ يمارس ضغوطه في المغرب على خطاب ابن رشد كامتداد للتراث المهمش في المغرب العربي
وان ثمة فارقا مهما يراه أبو زيد بين خطاب الغزالي وابن رشد يتمثل في” هجوم ابن رشد على المتكلمين الاشاعرة والمعتزلة في تصورهم للصفات الإلهية هل هي عين الذات الإلهية أم هي زائدة عليها .. وهنا يتبدى الاختيار الوسطي لابن رشد لكنه الاختيار النابع كما هو الحال في قضية التأويل من الرغبة في إنقاذ العامة من الاضطراب والارتباك الذي يمكن أن ينتج عن التعطيل وعن التشبيه كذلك ”
و ” أن نقد ابن رشد القاسي والحاد للاشاعرة عامة والغزالي بصفة خاصة يبدو في سياق هذه الترضيات والتنازلات نقدا مجانيا رغم أهميته على المستوى المعرفي والعقيدي على السواء ”
ومن الآراء التي عرضها الناقد مما كان ابن رشد قد جادل بها ” خلق الله للأفعال الخيرة والشريرة لا يتعارض مع الإيمان بأنه عادل أن الله يخلق الشر لأنه في النهاية وفي التحليل الأخير خير . لقد خلق النار وهي خير في ذاتها وان كان الضرر الناتج عن إحراقها لجسم الإنسان فتقضي على حياته عارضا من عوارضها وهنا لا يتردد ابن رشد في استخدام كثير من براهين السفسطة التي توجد في كل الأزمنة ”
وعلى الرغم من عرضه لتلك لآراء الا انه لا يقبل تأويلات ابن رشد المستندة على المجاز قانونا للتأويل في الرد على المتكلمين ولا يجدها مبررة ولا مفهومة ” لان هذا بالضبط هو القانون الذي حكم تأويلات علماء الكلام ” .
ومع ذلك فانه لا يرى ابن رشد بدعة في التراث العربي الإسلامي ويذهب قائلا :” هو امتداد للتراث المهمش وان كان سعيه للانزياح من موقع الهامش قد فرض عليه تنازلات وترضيات عمقت هامشيته لأنها ساهمت بطريقة غير مباشرة في تكريس مركزية الغزالي بكل ما تمثله من دلالات ناقشناها قبل ذلك وإذا كان لا بد لنا إلا من استدعاء ابن رشد فليكن استدعاؤنا له لا من اجل الصراع الإيديولوجي بل من اجل تعميق فهمنا لأنفسنا ولتراثنا ولواقعنا في نفس الوقت ”
أما ابن عربي فان أبا زيد أشاد بمحاولاته الفكرية للجمع والتوفيق بين فرق الأمة وفصائلها بل بين الأمة وغيرها من الأمم في منظومة فكرية تأويلية واسعة هي خاتمة المطاف في ثقافة التعدد وحضارة الاختلاف .
وكان أبو حامد الغزالي في القرن الخامس الهجري ـ الحادي عشر الميلادي ـ في سبيل مشابه ولكن نحو غاية مغايرة : إلغاء العقل والبرهان لحساب النقل والسماع .. حيث لجأ إلى تكفير الفلاسفة في مجموعة القضايا والأفكار ” ، منتهيا إلى أن هذا الانحياز للبرهان والتعددية والاختلاف حتى على مستوى التأويل “هو ما يدعونا اليوم لاستدعاء عقلنا المنفى ابن رشد لحاجتنا إليه في ظروف واقعنا المأزوم على جميع الأصعدة ولكن ونحن نستدعي ابن رشد لابد أن نضيف إليه ما حققته البشرية من انجازات المساواة بين البشر وفي مجال حقوق الإنسان ومن أهم تلك الحقوق حق المعرفة والتعلم واكتساب اليقين ” .
وقد عد الناقد نصر حامد أبو زيد المفكر زكي نجيب محمود رمزا للتنوير لاسيما في كتابه (حصاد السنين) في وقت كان الخطاب التنويري “محاصرا بالدرجة الأولى بنقيضه السلفي الذي يرى في أوربا وفي كل ما يأتي من جهتها قضاءً على الذات وانتهاكا للأصالة لا يستثني من ذلك إلا الناتج التكنولوجي المسير لشؤون الحياة اليومية وهكذا يدرك مؤلفنا أي ـ زكي نجيب محمود ـ أن أزمة العقل هي المسؤولة عن عثرات التنوير في بلادنا ”
وعلى الرغم من خطابات التنوير المتعددة إلا إنها في رأي أبي زيد لم تحقق مركزية مشهودة وقد ” كان طه حسين جريئا شديد الجرأة في نقد الواقع الثقافي بل وفي نقد تاريخنا السياسي والأدبي لكنه كان يقترب من التراث الفكري الديني على استحياء وسرعان ما تراجع عن بعض مقولاته الفكرية وحذفها في الطبعة الثانية من كتابه في الشعر الجاهلي بعد تغيير العنوان وهو نفس ما قام به زكي نجيب محمود حين غيَّر عنوان كتابه من خرافة الميتافيزيقيا إلى” الموقف من الميتافيزيقيا” ولان مشروع علي عبد الرزاق في الإسلام وأصول الحكم كان نقدا مباشرا للتراث الديني فقد تم إسكات صوت الرجل إسكاتا شبه نهائي ”
ولان التنوير توزع بين النقل عن أوروبا أو نقد التراث لذلك وقع الخطاب التنويري بين سندان نقيضه السلفي ومطرقة الخطاب الاستشراقي وصار” الحديث عن أزمة العقل وربطها بانعدام التفكير العلمي خاصة عند الجماهير يشير إشارة ضمنية إلى أحداث وقعت للمؤلف نفسه حين اصطدم بالخطاب الديني السلفي ممثلا في قطب من ابرز أقطابه هو الشيخ محمد متولي الشعرواي ”
ولهذا كله فان المثقف هو الذي يدفع الثمن” إن مثقف مشروع النهضة كان هو دائما الذي يدفع ثمن الإخفاقات والانتكاسات دفع الثمن رفاعة الطهطاوي بالنفي إلى السودان وكذلك دفعه محمد عبده وعلي عبد الرزاق وطه حسين” .
وكان مشروع النهضة الذي نادى به زكي نجيب يشتمل على الأصالة والمعاصرة” إذ يفترض مفهوم الأصالة هوية ذاتية تمتد في الماضي موغلة فيه وهي الهوية التي حددها فيلسوفنا زكي نجيب محمود في محور الثقافة بأبعادها الثلاثة الدين والفنون والآداب والأعراف والتقليد أما جانب المعاصرة فيرتبط ارتباطا وثيقا ببعد العلم الذي أبدعته أوربا في الأساس وهكذا تنحل ثنائية الأصالة والمعاصرة إلى ثنائية أخرى هي ثنائية العلم والثقافة ”
و” أن ممارسة هذه الحرية في نقد التراث تعد شرطا ضروريا في مشروع النهضة سعيا لتغيير بنية العقل من حالة الإذعان والتقبل السلبي إلى حالة التساؤل وإنتاج المعرفة ” .وان قناع التراث لا يحل مشكلاتنا التي يحصرها زكي نجيب محمود في :
1. مشكلة الحرية بأبعادها السياسية والاجتماعية وحرية المرأة.
2. مشكلة الدخول في عصري العلم والصناعة وهي مشكلة يحيلها زكي نجيب محمود إلى طبيعة الثقافة العربية ” .

ومن جانب اخر يتخذ أبو زيد من قراءات محمد أركون للفكر الإسلامي مثالا لمنهجية متحررة في التأويل كونه لم يكن منتقدا الخطاب الاستشراقي حسب بل كان معاديا لمنهجه الفيللوجي وتحليله التاريخاني” وإذا كان خطاب الاستشراق يكتفي بالوصف المحايد المغلف بادعاء الموضوعية فان الخطاب الإسلامي يعاني من إشكالية أخرى تلك هي تمسكه باليات الفهم والتحليل الكلاسيكيين ”
وبهذا فان ” المشروع الفكري لاركون مشروع ينبني داخل منظومة الفكر الديني بصفة عامة والفكر الإسلامي بصفة خاصة وهذا ما يحدد نقاط الاختلاف بين منهجه وبين المنهجية الوضعية الاستشراقية فالمستشرق يدرس الإسلام موضوعا .. قابلا للفحص والقياس والوصف بحيادية تامة ” .
وقد وصف أبو زيد مشروع محمد أركون الفكري بالشجاع اولا ل” أنها شجاعة نابعة من الوعي بان كل خطاب يزعم امتلاكه للحقيقة هو خطاب مشبوه ” وثانيا كون المشروع ” يسعى لتجاوز عمليات الاستخدام الإيديولوجي للدين في الخطاب الإسلامي من جهة ومن جهة أخرى يسعى إلى تجاوز الموقف الوضعي الحيادي البارد للخطاب الاستشراقي وتتحدد ملامح المشروع أساسا من خلال وعي الباحث بأنه ولد في مجتمع مسلم ”
و” ينطلق مشروع أركون إذا من موقف متضامن مع الإسلام بوصفه الإطار المرجعي للمجتمع الذي ينتمي إليه أي انه نابع من هوية الباحث وهذا التضامن تحديدا هو الذي يحدد مستويات مشروعه الفكري المكون من ثلاث طبقات أو مستويات : المستوى النقدي ..ونقد الماضي والتراث … نقد الخطابات المعاصرة والتراث ”
وقد طرح أركون منهجية القراءة الكلية التي” تتعارض تعارضا شبه تام مع محاولة تحقيق إعادة وضع النص في التاريخ وليس كافيا لتجاوز هذا التعارض تلك الفرقة التي يصطنعها أركون بين الظاهرة القرآنية. إن هذه التفرقة في الواقع تفرقة شكلية فالظاهرة القرآنية ـ بحسب أركون نفسه ـ ظاهرة لغوية تعتمد على المجاز من اجل خلق الرأسمال الرمزي .. ان اللغة المجازية تنبثق إذا من شروط ممارسة اجتماعية تاريخية لكنها تقوم بحجب هذه الممارسات لصالح الدلالة الرمزية التي لا بد منها من اجل التوصل إلى التصورات الأكثر دواما ”
وعنده أن اللغة المجازية تفتح مجال التأويل كونها ” تتسم بالتسامي إلى مجال المطلق ثم تعيد توليد التسامي وتضفيه على التاريخي والاجتماعي في كل مرحلة. .. ومن المؤكد أن القرآن احدث تجديدا معنويا عن طريق استخدام المجاز وعن طريق هذه اللغة المجازية تكتسب اللغة الدينية رمزيتها القابلة دوما للانفتاح من خلال دائرة التأويل المشار إليها ”
وهذا الاعتقاد جعل أركون رافضا ” للتفرقة المعروفة في علوم القران بين المكي والمدني في القران وهي تفرقة لا تتناول المضمون فقط بل تطال اللغة والأسلوب ”
وقاعدة التأويل كذلك” تختلف حول موضعة الغامض والواضح مما يعرف بإشكالية المحكم والمتشابه في علوم القرآن من ناحية أخرى وخلافهم حول المجاز معروف لدرجة أن هناك من ينكرون وجود المجاز لا في القراءة فحسب بل في اللغة أيضا ”
وبذلك يكون محمد أركون ـ بحسب أبي زيد ـ قد تمكن من قراءة التراث الإسلامي في نصوصه التأسيسية قراءة معمقة مؤسسا لقراءة ألسنية جديدة خاصة باللغة الدينية تدعو إلى ” إعادة ترميم التيولوجيا التي فقدت مكانتها نتيجة هذا التنازع على المشروعية من جهة والاعتماد على منهج علم أصول الفقه التقليدي من جهة أخرى ”
لكن أركون يتحفظ حول ” الأدوات والمناهج المستحدثة في إطار الفكر الغربي والجديد على الوعي الغربي نفسه كتاريخ الأديان والأديان المقارنة وعلم الاجتماع والانثروبولوجيا الدينية والسيكولوجيا الاجتماعية والتعديل النفسي والالسنيات من شأنها أن تثير فزع الخطاب الإسلامي والهيئة الاجتماعية من خطر التضحية بمفهوم كلام الله الموحى به في القران ”
ولان أركون سعى إلى امتلاك فكر نقدي حر من ناحية وإعادة التاريخية إلى قلب المجتمعات الإسلامية من ناحية أخرى ؛ لذلك فان مشروعه الفكري لم يكن قاصرا على المجتمع الإسلامي ..او التيولوجيا الإسلامية بل تناول مشروعا أوسع هو تيبولوجيا الكتابات المقدسة . فالقران من منظور أركون جزء من الكتاب الذي يضم كلا من التوراة والإنجيل
ولان نصر حامد كان قد اكتوى بنار الخروج عن المنهج الكلاسيكي المدرسي فتبنى الآفاق المعرفية والمنهجية الجديدة ، لذلك فانه كان مدركا للمخاض العسير الذي كان على أركون أن يخوض غماره متصديا لأفق ابستمي راكد ومتخلف قائلا :” الباحث مهما بلغت موضوعيته كائن اجتماعي تاريخي لا ينتج خطابه في فراغ بل يسعى دائما ليموضع خطابه في قلب وعي أمته إذ ان له من حيث هو كائن اجتماعي تاريخي قدرته على تجاوز الوعي السائد والمسيطر لكن خطابه تتحكم فيه خطابات أخرى تمارس عليه من الداخل دور الرقيب والمسيطر . أركون على وعي بهذا كله ولذلك أعلن تضامنا تاريخيا لا مع مجتمعه الإسلامي فقط بل مع مجتمعات الكتاب وذلك تعبيرا عن محاولته الخروج من الوعي السائد بتأسيس وعي جديد لا يتصادم كليا مع الرهان التاريخي لمجتمعه وأمته ”
وان أركون اتبع منهجية التعايش بين الخطابات الدينية والخطاب العلمي من خلال العمل على ” التحليل العلمي طبقا لمنهجيات العلوم المعاصرة والحفاظ في الوقت نفسه على القوة الرمزية القادرة على بعث الحركة وإنعاش الروح وهنا يمكن أن نلمس اختلاط الهاجس السياسي بالطموح المعرفي وهو اختلاط لا ينجو منه خطاب… ” .
وتمحور الفصل الرابع حول إشكالية التأويل عند الحركات الإسلامية المعاصرة التي ظهرت لأجل استيعاب ما بد لهم جديدا ونافعا في المنجز الأوروبي؛ إلا إن وسيلتهم في ذلك كانت القراءة الانتقائية التي ارتكزت على العناصر العقلانية في التراث خاصة ما يتناسب منها مع مستوى الوعي الأوروبي الذي استوعبه النهضويون المسلمون..
ومن تلك الحركات حركة الإخوان المسلمين ويستشهد بالتحول الذي حدث في خطاب سيد قطب وعناوين الكتب تكفي شاهدا هنا من (معركة الإسلام والرأسمالية) و( الإسلام والعدالة الاجتماعية ) و(التصوير الفني في القران) في الاربعينيات والخمسينيات إلى ( معالم في الطريق ) و(جاهلية القرن العشرين) في الستينيات ”
ولا ينفك ابو زيد يؤمن بان الحل المنطقي يكمن دائما في إشاعة جو الحوار وهو ما يؤكده مثقفو الحداثة وما بعدها عموما اذ ليس للنخب العربية الوقوف على الملامح الايجابية في ثقافات الشعوب الأخرى إلا بإرساء جسور متينة ومدروسة من الاتصال والتواصل لملاحظة ما يجري من حركة دائبة في الناحية الأخرى من العالم الإسلامي .
وعودا على ما تقدم فإن ما أراد الناقد أبو زيد الدعوة إليه هو أن المصالحة بين التراث والفكر النقدي الحديث تستدعي قبول الروافد الأجنبية بلا انغلاق وإعادة قراءة التراث في ضوء المعارف الحديثة باعتماد اسلوب القصد والحوار ورفض لغة الخطاب الاحادي او الواحدي اللاجدلي بما يمكّن من استيعاب التجانس والتأهيل كمدخل حقيقي لثقافة معولمة توحد ولا تفرق وان خطاب الهوية الحداثي ينبغي ان يكون خطابا حضاريا إنسانيا عاما من منطلق أخلاقي أيديولوجي …
فهرس هوامش البحث /

[1]  ينظر : النقد الثقافي قراءة في الانساق الثقافية العربية، عبد الله الغذامي ، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء،  طبعة ثالثة، 2005.

[1] تعقيبات على الاستشراق ، ادوارد سعيد ، ترجمة وتحرير صبحي حديدي ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، دار الفارس للنشر والتوزيع ، عمان ،ط 1، 1996/25.

[1] المرآة والخارطة دراسات في نظرية الادب والنقد الادبي، مجموعة مؤلفين، ترجمة سهيل نجم، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، سوريا، طبعة اولى، 2001 /123

[1] ينظر: النقد والخطاب محاولة قراءة في مراجعة نقدية عربية معاصرة مصطفى خضر منشورات اتحاد الكتاب العب 2001/ 20.

[1] ينظر: ميشال فوكو المعرفة والسلطة، عبد العزيز العيادي ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، طبعة أولى ، بيروت ، 1994/ 10.

[1] ينظر: إرادة المعرفة تاريخ الجنسانية، ميشيل فوكو، ترجمة ومراجعة وتقديم مطاع صفدي وجورج ابي صالح، مركز الانماء القومي، بيروت، 1990/20ـ 25.

[1] ينظر: ميشال فوكو المعرفة والسلطة/ 12

[1] الخطاب والتأويل ، د. نصر حامد ابو زيد ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، المغرب ، ط3 ، 2008 .

[1] م.ن/ 17

[1] م.ن/ 129ـ130

[1]م.ن/  130

[1]م.ن/  131

[1]م.ن/  130

[1]م.ن/  131

[1] م.ن/ 134

[1] م.ن/ 131

[1]م.ن/  132

[1] م.ن/ 133

 [1] ينظر: م.ن/  132

[1]م.ن/  ينظر: 134

 [1]ينظر: م.ن/  134

 [1] ينظر: م.ن/  ص161 

[1] م.ن/ 139

[1] م.ن/ 171

[1] م.ن/ 165

[1] ينظر: م.ن/  170

[1] ينظر:  م.ن/173

[1] م.ن/ 174

[1] م.ن/ 177

[1]م.ن/  180

[1] م.ن/ 184

[1] م.ن/ 186

[1]م.ن/  135ـ136

[1]  م.ن/136

[1] م.ن/ 138

[1]م.ن/  28

[1] م.ن/ 28

[1] فقال أبياته المشهورة :أنا من أهوى ومن أهوى أنا    نحن روحان حللنا بدنا

                          فإذا أبصرتني أبصرته         وإذا أبصرته أبصرتنا      ينظر: م.ن/  29

[1]م.ن/  31

[1] م.ن/ 33

[1] م.ن/ 40

[1] ينظر: م.ن/  42

[1] م.ن/ 48

[1] م.ن/ 49

[1] م.ن/ 51

[1]م.ن/  57

[1] م.ن/ 57

[1]م.ن/  66

[1] م.ن/ 66

[1] م.ن/ 69

[1] م.ن/ 71

[1] م.ن/ 70

[1]م.ن/  78

[1] م.ن/ 73

[1]م.ن/  75

[1] م.ن/ 81

[1]م.ن/  109

[1]م.ن/  107

[1] م.ن/ 111

[1]م.ن/  109

[1] م.ن/ 111،ـ 112

[1]م.ن/  117

[1] م.ن/ 117ـ 118

[1]  م.ن/119

[1]م.ن/  119

[1] ينظر: م.ن/ 120

[1]م.ن/  122

[1] م.ن/ 122ـ123

[1] ينظر: م.ن/124

[1]  ينظر: م.ن/123

[1]م.ن/  124

[1]م.ن/  125

[1] ينظر: م.ن/  188

[1]م.ن/  190

[1] ينظر: ابن عربي والثقافة الصوفية الفارسية ، فريد قطاط ، مجلة الحياة الثقافية ، تونس ، العدد 199، جانفي، 2009 /33

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبدالكريم ابراهيم : سينما علاء الدين وتسريحة أميتاب باتشان .

تشكل دور السينما فيما مضى محطات استقطاب وجذب لمختلف شرائح المجتمع العراقي، ولعل الأفلام الهندية …

| عصام الياسري : السياسة والحروب تطرق مضاجع الثقافة من ابوابها الواسعة.

في عام 2008 ، نشرت “ريبيكا سولنيت” مجموعة مقالات، “الرجال يشرحون الاشياء لي” وصفت فيها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *