الرئيسية » كتب » كتاب متسلسل » حوار مع المبدع الكبير “طلال حسن” دَّجْ أدب الأطفال في العراق
غانم البجّاري (3)

حوار مع المبدع الكبير “طلال حسن” دَّجْ أدب الأطفال في العراق
غانم البجّاري (3)

إشارة :
تتشرّف أسرة موقع “الناقد العراقي” بأن تبدأ بنشر هذا الكتاب ” حوار مع طلال حسن .. دَّجْ أدب الأطفال في العراق” لمؤلفه الأستاذ “غانم البجّاري” على حلقات تحيّةً للمبدع الكبير اختصاصي أدب الأطفال في العراق والوطن العربي “طلال حسن” ، ليطلع القرّاء على جانب من سيرته ورؤاه وآرائه خصوصاً فيما يتعلق بأدب الأطفال. تحية للمبدع الكبير “طلال حسن” الذي يكفي ربع منجزه لنقله إلى العالمية.

الحوار : 

س
ابنتك التي لم تتجاوز العاشرة من عمرها آنذاك قالت عن قصصك ، التي كانت تذاع من إذاعة بغداد في برنامج إذاعي للأطفال , بأن ذلك البرنامج لا يسمعه في العراق أحداً غيرك ..، هل هذا يعني أن قصص الأطفال إذا ما أذيعت لا تحقق هدفها ؟ وما هي مشكلة ( الحمامة ) و ( الزهرة ) ؟ ولِمَ تلاعب الدكتور عمر الطالب بالملف الذي أعددته عن أدب الأطفال ؟
ج
بعد أن نشرتُ قصة أو قصتين ، في صفحة ” مرحباً يا أطفال ” في جريدة ” طريق الشعب ” ، وقصتين أو ثلاث قصص في ” المزمار ” ، وصلتني رسالة من الفنان المعروف ” عمو زكي ” ، وفرحتُ برسالته فرحاً غامراً ، فقد أشاد هذا الفنان الرائد بقصصي ، وقال أنه بصدد تقديم برنامج جديد للأطفال في الإذاعة والتلفزيون وطلب مني أن أزوده ببعض القصص الملائمة ، ليقدمها في برنامجه .
وفي نفس اليوم ، ونتيجة لاهتمامي البالغ بالمشاركة في البرنامج ، خطرت لي فكرة قصة جديدة أسميتها ” الحمامة ” ، وخلال أيام قلائل ، أنجزت كتابة القصة ، وكانت أيضاً حول القضية الفلسطينية ، لكني ترددتُ في إرسال هذه ” الحمامة ” إلى عمو زكي ، فالقصة جميلة جداً ، وستضيع في برنامج إذاعي للأطفال ، يذاع عادة في وقت عرض أفلام كارتون في التلفزيون ، فلا يسمعه إلا عدد قليل جداً من الأطفال ، حتى أن ابنتي ” رشا ” ، وربما كانت عندئذ في العاشرة من العمر ، قالت لي ، عندما بدأت في المشاركة بالبرنامج ، وراحت قصصي تذاع مراراً عبر الأثير : بابا هذا البرنامج لا يسمعه في العراق أحداً غيرك ..
والسبب الثاني أن القصة كانت طويلة ، ومن الصعب إذاعتها في برنامج إذاعي للأطفال ، وأخيراً أرسلتُ ” الحمامة ” إلى ” مجلتي والمزمار ” ، لكن هذه ” الحمامة ” الجميلة أزاحت قصة ” الدرس ” ، وحلت محلها في سلسلة مجلتي والمزمار ، الموسومة ” مكتبة الطفل “، و” الدرس ” قصة كتبتها عن القضية الفلسطينية ، التي كنت مسكوناً بها ، في تلك الفترة ، وقد أثارت إعجاب المسؤولين في مجلتي والمزمار ، فتقرر نشرها ضمن سلسلة ” مكتبة الطفل ” ، لكن ” الدرس ” لم تظهر مطلقاً ، لا في السلسلة القصصية ، ولا في أي مكانٍ آخر ، فقد طغت ” الحمامة ” عليها ، وحلت محلها في السلسلة القصصية .
وعُهد برسم ” الحمامة ” إلى واحد من أفضل رسامي الأطفال في العراق ، ألا وهو .. الفنان المبدع صلاح جياد ، وزرتُ دار ثقافة الأطفال مرّة ، والتقيت بالفنان صلاح جياد ، وأراني الرسوم التي رسمها لقصتي ” الحمامة ” ، فقلت له : أصارحك ، إن رسومك أجمل من قصتي .
لكن الفنان صلاح جياد أشاد بقصتي ، وقال : إن فيها حساً طبقياً .

المؤلف الأستاذ غانم البجاري

ورغم أن القصة ، في رأيي ، لم يكن فيها ” حس طبقي ” إلا أنها تعثرت ، وكادت ” تقتل ” ، كما أخبرني صلاح جياد نفسه ، فقد اعترض البعض ـ على خلفية علاقتي بجريدة ” طريق الشعب ” وبالحزب الذي تمثله وتنطق باسمه ـ على عنوان القصة ، ” الحمامة ” ، والحمامة في رأي هذا البعض ، هي ” حمامة السلام ” ، الرمز الأثير لدى اليسار ، واقترح أحدهم استبدال هذا الاسم باسم ” اليمامة ” ، وحاججهم صلاح جياد قائلاً : وما الفرق بين الحمامة واليمامة ؟
ولعل النقاش لم يدم طويلاً ، فقد حسمه مدير الدار قائلاً : هذه القصة معنا ، وسننشرها .
ونشرت ” الحمامة ” ، عام ” 1976 ” ووزعت بإخراجها الجميل على نطاق واسع ، ونفدت من مكتبات الموصل في أيام قلائل ، وحظيت باهتمام المثقفين والنقاد والكتّاب ، وخاصة كتّاب أدب الأطفال ، وقد كتبت عنها عدة مقالات من بينها مقالة مهمة للناقد باسم عبد الحميد حمودي ، نشرت عام ” 1976 ” في جريدة الجمهورية ونشرت لي في العام نفسه ” 1976 ” ، قصة جميلة في ” مجلتي ” بعنوان ” الحطّاب ” ، وقد سبق لي أن أرسلت هذه القصة إلى ” مرحباً يا أطفال ” في جريدة ” طريق الشعب ” ، لكن محرر الصفحة اعتذر عن نشرها فهو لم يتفهم كيف يمكن أن يتحاور ” الحطّاب ” مع أشجار الغابة ، وقد مُسرحت هذه القصة فيما بعد ، ونشرتها في مجلة ” مدارات ” عام ” 1998 ” ، التي كانت تصدر في كلية التربية ـ جامعة الموصل ، كما مثلتها إحدى الفرق الشبابية ، وكانت من إخراج الفنان المعروف يسن طه .
وتكررت إشكالية ” الحمامة ” ، بعد عدة سنوات ، في عام الطفل الدولي ، عام ” 1979 ” ، وهو العام الذي انهارت فيه الجبهة الوطنية في العراق ، تكررت مع قصة أخرى ، سبق أن تمت الموافقة على نشرها في سلسلة ” مكتبة الطفل ” وعنوانها ” الزهرة ” ، وهذه ” الزهرة ” كانت عندي من أجمل وأحب القصص ، التي كتبتها عن القضية الفلسطينية ، وانتظرت صدور هذا الكتاب بلهفة كبيرة ، لكن الرياح لا تهب دائماً بما تشتهي سفن طموحاتنا وآمالنا ، فقد زرت ” دار ثقافة الأطفال ” ، ربما في شتاء ” 1979 ” ، أثناء إعدادي لملف حول ” أدب الأطفال في العراق ” ، لمناسبة عام الطفل الدولي ، بتكليف من مجلة ” الجامعة ” التي كانت تصدر عن جامعة الموصل والتي كان سكرتير التحرير فيها الدكتور عمر الطالب ، والتقيت بالعديد من فناني الدار وكُتّابها منهم : مالك المطلبي ، جعفر صادق محمد ، فاروق سلوم ، عزي الوهاب ، و .. الفنان المبدع .. مؤيد نعمة ، وإذا كانت هذه اللقاءات ، وجميع القصص والقصائد قد ظهرت في الملف الذي شظّاه للأسف الدكتور عمر الطالب ، ونفى اسمي عنه ، إلا أن اللقاء مع مؤيد نعمة لم يظهر ، ولذلك قصة سأرويها فيما بعد ، وتلك الإشكالية كانت بطلتها هذه المرّة مدير عام دار ثقافة الأطفال ، السيدة أمل الشرقي نفسها ، فقد سألتني ، بعد أن أجريت اللقاء معها ، والذي نشرته في أول الملف : هل رأيت رسوم قصتك الزهرة ؟
قلت : نعم ، رأيتها .
سألتني ثانية : ما رأيك فيها ؟
فأجبتها صادقاً : رائعة جداً .
لم توافقني على رأيي ، وقالت : لا ، أنت مخطئ ، إنها رسوم للكبار ، لقد سحبتُ القصة ، وسأحيلها إلى رسام آخر .
وانقبض قلبي ، فقد أدركت أن ” الزهرة ” في خطر ، ” فالزهرة ” لم تسحب لأن رسومها كانت للكبار وليس للأطفال ، بل لأن كاتبها هو .. طلال حسن ، وقبل أن أغادر الدار ، رأيت مدير النشر ، شريف الرأس ، فقلت له : لقد سحبت قصتي الزهرة .
قال : أعرف ، وأعرف السبب .
سألته : صارحني ، ما رأيك في رسومها ؟
أجابني : رائعة .
فقلت : لماذا لم تقل هذا للسيدة أمل ؟ أنت مدير النشر .
فردّ شريف الرأس : لا ، أمل هي المدير العام .
وتحققت مخاوفي ، ف ” الزهرة ” ، التي سحبتها أمل الشرقي ، بحجة أن رسومها ، التي أبدعها الرسام الكبير حسن عبد علوان ، كانت للكبار وليس للأطفال ، لم تحال إلى رسام آخر ، فقد وصلتني رسالة من شريف الرأس ، بعد فترة ليست طويلة ، يعلمني فيها بأن ” الزهرة ” لن تنشر في دار ثقافة الأطفال ، وأن المكافأة التي استلمتها عن القصة تبقى من حقي ، وقال لي : ولكي أثبت لك إنني أحبك ، أرسلت القصة ورسومها إلى لبنان لتنشر هناك .
لم تنشر ” الزهرة ” ، ولم أقع لها على أثر ، ويبدو أنها احترقت مع ما احترق ، في أتون الحرب الأهلية اللبنانية ، لم تكن ” الزهرة ” آخر الضحايا من كتبي ، فالكتب كالإنسان العراقي ، تقع على الطرق مضرجة بمدادها ، لهذا السبب أو ذاك ، ففي أواسط التسعينيات ، والحصار القاتل في أوجه ، وفي مقدمته الحصار الثقافي ، تمت الموافقة على طبع مجموعتي القصصية ” قمر الطفولة ” ، وطبع الكتاب فعلاً ، هذا ما قيل لي ، ولكن لسببٍ ما سُحب الكتاب ، ولم يُوزع ، وبذلك أستشهد لي كتاب آخر على الطريق .
ولأختم هذه المحطة بالحديث عن الراحل المبدع مؤيد نعمة ، فقد التقيت به في دار ثقافة الأطفال ، في اليوم الذي أجريت فيه لقاءاتي مع الأستاذة أمل الشرقي ، مدير عام دار ثقافة الأطفال ، وكذلك مع عدد من فناني الدار وكتّابها ، لكني كنت على عجل من أمري ، فأعطيته عدداً مكتوباً من الأسئلة ، وطلبت منه أن يجيبني عليها ، ويرسلها لي مع صورة له بالبريد .
ووصلتني رسالته ، بعد أيام قليلة ، وفيها إجاباته عن أسئلتي ، لكن لم يكن معها صورته ، وقدمت الملف إلى سكرتير مجلة الجامعة عمر الطالب ، لكنه أصر على نشر اللقاء مع صورة للفنان مؤيد ، وعلى عجل ، أرسلت رسالة إلى مؤيد ، قلت له فيها ، أنني أردت منه صورة لتنشر مع اللقاء ، ورجوته أن يرسل لي صورة بأسرع ما يمكن ، وجاءني الرد بسرعة ، وفتحت الرسالة ، لكني قبل أن أقرأها بحثت عن الصورة ، فلم أعثر لها على أثر ، وقرأت الرسالة ، وإذا الفنان يخبرني فيها أنه أرسل لي صورة في الرسالة السابقة ، ويرسل لي صورته في هذه الرسالة أيضاً ، وطبعاً لم ينشر الدكتور عمر الطالب اللقاء مع الفنان الراحل مؤيد نعمة ، بسبب تلك ألصورة ، ترى أين اختفت صورة .. مؤيد نعمة !

س

في عام 1979 أغلقت النافذة التي كنت تنشر فيها على صفحة الأطفال في جريدة ( طريق الشعب ) و أصبت بخيبة أمل كبيرة , لكنك تجاوزتها إذ تواصلت مع مجلتي والمزمار , ومجلة تموز إذ كُرِّمتَ من قبل وزير الثقافة والإعلام لنشر قصتك ( زهرة القدّاح ) فيها , ثمّ انطلقت نحو نافذة أوسع , فأرسلت العديد من القصص خارج العراق إلى سوريا بالذات ونشرت في العديد من الصحف والمجلات .. كيف كانت تلك الحقبة , أهي آمال خائبة , أم عطاءات مثمرة و أحلام كبيرة ؟
ج
بعد انهيار ” الجبهة الوطنية ” عام ” 1979 ” ، وتوقف جريدة ” طريق الشعب ” عن الصدور ، انهارت آمالي في صفحة الأطفال فيها ، والتي أحببتها كثيراً ، وعلقت عليها آمالاً كبيرة في أدب عالمي إنساني مناضل ، لكني مع ذلك ، تواصلت مع مجلتي والمزمار ، وكذلك مع مجلة ” تموز ” ، ملحق الأطفال لجريدة الجمهورية ،
ومن المفارقات ، أنني أرسلت قصة ، في حدود تلك الفترة ، إلى صفحة ” مرحباً يا أطفال ” ، قبل توقف جريدة ” طريق الشعب ” عن الصدور ، بعنوان ” زهرة القدّاح ” ، لكن محرر الصفحة اعتذر عن نشرها ، لأنها ـ في رأيه ـ قصة متشائمة ، فأرسلتها بعد فترة إلى مجلة ” تموز ” ، فنشرت على الفور ، بل وكُرِّمتُ بعدها من قبل وزير الثقافة ، لطيف نصيف جاسم .
وهذا التكريم لا يُنسى ، لا لأنه التكريم الأول بالنسبة لي ، ولا لأن الذي كرمني هو وزير الثقافة ، بل لأن ذلك التكريم تم في يوم ” متميز ” من تاريخ العراق ، فبعد نشر قصة ” زهرة القدّاح ” في مجلة ” تموز ” بأيام قلائل ، أبلغني مراسل جريدة الجمهورية في الموصل ، أن أحضر إلى مبنى الجريدة في بغداد لتكريمي ، وفي اليوم التالي كنت في مبنى الجريدة ، واستقبلني أحد المسؤولين ، وأشاد بمستوى كتاباتي في ملحق ” تموز ” وسلمني كتاب شكر من الجريدة ، وطلب مني أن أذهب إلى وزارة الثقافة ، لاستلام هدية من السيد الوزير لطيف نصيف جاسم نفسه .
وعلى الفور ذهبت إلى وزارة الثقافة ، وصعدت إلى مكتب السيد الوزير ، وقد لاحظت أن مبنى الوزارة يكاد يكون خالياً ، ويسوده صمت غريب ، وأخذني أحدهم إلى إحدى الغرف ، وقال لي : تفضل ، استرح هنا ، لحظة .
وجلست لحظات ولحظات ، وأخيراً جاءني الشخص نفسه ، ومعه ملف في يد ، وعلبة صغيرة في اليد الأخرى ، ثم مال عليّ ، وقال في ما يشبه الهمس : السيد الوزير لن يستطيع استقبالك ، فهو مشغول جداً .
وقدم لي العلبة ، وقال : هذه هديتك ، تفضل .
أخذت الهدية ، وصافحني الرجل وقال مودعا : في أمان الله .
وخرجت من الوزارة ، وأنا حائر ، ما الأمر ؟ هل جئت من الموصل إلى هنا لأستلم هذه الهدية ، وفي هذا الجو الجنائزي ؟ وعرفت في ما بعد حقيقة الأمر ، يا إلهي ، أي صدفة هذه ؟ إنه يوم لا ينسى ، تقرر فيه مصير العراق وشعب العراق ، بل وشعوب المنطقة برمتها ، إنه يوم ” 4 / 9 / 1980 ” ، أي اليوم الذي بدأت فيه الحرب ـ الجحيم بين العراق وإيران ، واستمر حريقها ثماني سنوات ، احترق خلالها ، وفي كِلا البلدين ، الأخضر واليابس ، بما فيها الثقافة العراقية ، وفي مقدمتها .. ثقافة الأطفال ، كما احترق الإنسان المنتج لهذه الثقافة .
ومن حسن الحظ ، أنني خلال الفترة الأخيرة ، بعد زيارة الرئيس السوري حافظ الأسد لبغداد ، عرفت مجلة ” أسامة ” السورية ، فأرسلت لها على الفور قصة ” الشمعة ” ، وهي آخر قصة نشرتها في ” مرحباً يا أطفال ” ، ولم يصل من الجريدة وقتها سوى عدد واحد ، مازلت أحتفظ به في أرشيفي ، ونشرت ” الشمعة ” ، بعد فترة قصيرة ، على أربع صفحات ملونة ، وبإخراج رائع مِمّا شجعني على إرسال المزيد من القصص ، ولاحظت عدداً بعد عدد ، أن المجلة التي ترأس تحريرها كاتبة الأطفال المعروفة دلال حاتم ، تحتفي كثيراً بقصصي ، فتنشرها إما في الصفحات الأولى ، أو في الوسط ، بل وخصصت الغلاف الأول لقصتين من قصصي ، الأولى عن القضية الفلسطينية بعنوان ” البشارة ” ، والثانية قصة من قصص ” قيس وزينب ” ،بعنوان ” القطة والكلب ” . ويبدو أن قصص ” قيس وزينب ” ، قد استهوت الأديبة دلال حاتم ، رئيسة التحرير ، فأصدرت لي كتاباً بعنوان ” حكايات قيس وزينب ” ، عام ” 1982 ” يضم ثلاث قصص هي :
1ـ الكابوس
2 ـ الخفاش
3 ـ الساحرة
وأعلمتني دلال حاتم ، حال صدور الكتاب ، عام ” 1982 ” ، بأنها أرسلت لي بالبريد ” 25 ” نسخة منه . وانتظرت وصول نسخ الكتاب بفارغ الصبر ، دون جدوى ، لقد تبخرت ” حكايات قيس وزينب ” ، ولم يصلني منها نسخة واحدة ، وعلمت بعد فترة ، أن كتابي ” حكايات قيس وزينب ” ، ربما دخل ” دهاليز الرقابة ” ولم يخرج ، وهاتفت بعض الأصدقاء في بغداد ، ومنهم الأخ حسيب الله يحيى ، وكلهم يعملون في مجال الإعلام وربما كان بعضهم قريباً من الرقابة ، وطلبت منهم أن يحصلوا لي ولو نسخة واحدة من الكتاب ، لكن ما يدخل دهاليز الرقابة ، على ما يبدو ، لا يترك أيّ أثر يُستدل به على وجوده .
وذات يوم ، كنت في بغداد ، وكالعادة قصدتُ دار ثقافة الأطفال ، ودخلت مكتبة الدار ، وسألت موظفة شابة تعمل هناك : هل وصلكم كتاب ” حكايات قيس وزينب ” من سورية ؟
ردت الموظفة : نعم .
قلت لها : أرجوك ، أحب أن أراه ، إن أمكن .
فردت الفتاة قائلة : لا يمكن ، فالكتاب ممنوع .
فقلت لها : هذا الكتاب من تأليفي .
ورفعت الفتاة رأسها ، ونظرت إليّ ، وتساءلت مندهشة : من تأليفك !
قلت لها : نعم ، وأتمنى أن أراه .
ونهضت الفتاة ، وقالت بصوت هامس : انتظر ، سآتيك به .
وغابت الفتاة فترة ليست قصيرة ، ثم عادت ، وقالت لي آسفة : لم أعثر عليه للأسف .
فقلت لها ، رغم خيبة أملي : أشكرك .
عادت الفتاة إلى مكانها ، وقالت : تعال بعد أيام ، لعلي أعثر عليه .
قلت لها : إنني من الموصل ، ولا أزور بغداد إلا في فترات متباعدة .
فقالت الفتاة : إذا جئت ، في أي وقت ، تعال إليّ .
وبعد عدة أشهر سافرت إلى بغداد ، وذهبت إلى دار ثقافة الأطفال ، وقصدت المكتبة ، وما إن رأتني الفتاة ، حتى أشارت لي أن تعال ، وأسرعت إليها ، ففتحت مجراً في مكتبها ، وتناولت كتاباً صغيراً قدمته لي قائلة : خبئه ، ولا تريه لأحد .
وأخذته ، أخذت الكنز ، وخبأته في حقيبتي ، ولم أره لأحد ، اللهم إلا لطالبة دراسات عليا من جامعة الموصل كانت تعدّ رسالة ماجستير عن قصص الأطفال في الموصل من ” 1970 إلى 2000 ” .
واستمرت علاقتي بمجلة ” أسامة ” ، وكنت أتابع المكتبات كلّ يوم ، وخاصة الدار الوطنية ، خشية أن يفوتني عدد واحد منها ، وذات يوم ، دخلت الدار الوطنية وسألت البائعة عن المجلة ، فقالت أنها نفدت ، وأنها باعت آخر عدد منها لطفل خرج قبل قليل .
وأسرعت في أثر الطفل ، ورأيته يقتعد الرصيف ويتصفح المجلة ، مع صديقين أو ثلاثة من أصدقائه فقلت له : بنيّ ، أرجو أن تسمح لي أن أتصفح المجلة .
وقدّم الطفل المجلة لي ، وفي عينيه شيء من الدهشة ، فلم يخطر له أن ” رجلاً ” في عمري ، يمكن أن يهتم بمجلة للأطفال .
وفتحت المجلة ، ورحت أقلب صفحاتها صفحة ، صفحة وفي وسط المجلة ، وعلى صفحتين متقابلتين ، رأيت قصة لي ، وقد رسمت وصممت بشكلٍ رائع ، فقلتُ للطفل ، وأنا أريه القصة : أنظر ، هذه القصة لي ، وأنت أخذت آخر نسخة من المجلة ، ما رأيك ، اقرأها الآن ، وبعها لي بأي ثمن تريده .
وبدون تردد ، دفع الطفل المجلة لي ، وقال : لا ، خذها ، وأعطني ثمنها فقط .
وكالعادة لم يدم شهر العسل طويلاً ، بين سوريا والعراق فاختفت المطبوعات السورية ، واختفت معها للأسف مجلة ” أسامة ” .
لم يتملكني اليأس ، فرغم تدهور العلاقات بين دمشق وبغداد ، وخاصة بعد اندلاع القتال المميت بين العراق وإيران ، استمرت قصصي ومسرحياتي تعبر الحدود الملتهبة إلى مجلة ” أسامة ” واتحاد الكتّاب العرب ، فصدر لي هناك ” 7 ” كتب للأطفال ، من بينها ” 5 ” كتب صدرت عن اتحاد الكتّاب العرب .

س
هذه المرحلة الصعبة ونصوصك قد أصبحت حبيسة جدران المدينة .. أغرقتها إحباطات الطموح ..
هل استطعت أن تجتازها ً ؟
ج
ضاق الحبل على أعناق نصوصي داخل العراق ، وخاصةً داخل مجلتي والمزمار ، وتقطعت السبل بيني وبين مجلة ” أسامة ” ، فقد سدت الكوة ، التي كنتُ أطل منها على المجلة ، فلم تعد تصل ـ على ما يبدو ـ حتى إلى مكتبة دار ثقافة الأطفال في بغداد .
وهنا ، وسط هذه العتمة ، برقت ومضة جديدة ، قدر لها ولسنين طويلة مثمرة ، أن تنير الطريق أمام قصصي وسيناريوهاتي ، لتصل إلى قطاع جديد ومهم من قطاعات أطفالنا ، في الوطن العربي ، والذي لم تصله نصوصي من قبل .
ففي أحد الأيام ، في أواخر الثمانينات من القرن الماضي كنت في زيارة لصديق العمر ، الأديب الدؤوب ، الفكه ، الأستاذ مثري العاني ، الذي أجد عنده دائماً ، كلّ جديد ومفيد من ثمار المعرفة والأدب ، وفي مقدمتها المسرح ، الذي يمثل عشقه وعشقي ، والذي جمعنا منذ البداية ، في أواسط الستينيات ، لكنه هذه المرّة قدّم لي مجلة للأطفال وقال لي : هذه مجلة سعودية ، اطلع عليها .
والمجلة تلك كانت هي ” الشبل ” ، مجلة الطفل العربي المسلم ، وهي نصف شهرية ، تصدر في الرياض ، في المملكة العربية السعودية ، صاحبها ومديرها العام الأستاذ عبد الرحمن بن سليمان الرويشد ، تأسست عام ” 1981 ” ، وقرأت المجلة خلال تلك الزيارة ، وأخذت عنوانها لأراسلها ، لعلي أصل إليها بما أكتبه للأطفال من قصص ومسرحيات وسيناريوهات ، كما وصلت قبل ذلك إلى مجلة ” أسامة ” في سورية ، ومجلة ” العربي الصغير ” في الكويت .
وبعد أيام قلائل ، وعلى مبدأ اطرق الحديد وهو ساخن ، أرسلت رسالة إلى ” الشبل ” ، ومعها عدة قصص من قصصي ، وسرعان ما جاءني الردّ من صاحب المجلة ومديرها العام الأستاذ عبد الرحمن الرويشد ، يرحب بمشاركتي ، ويشيد بها ، ووعدني بنشر ما أرسلته لهم من نصوص ، وكان عند وعده ، فقد نشرت أول قصة لي في ” الشبل ” بتاريخ ” 15 / 9 / 1989 ” عنوانها ” الأرنب العجوز والأيل ” ، بل وأرسل لي العدد الذي نشرت فيه القصة ، ومنذ ذلك اليوم ، وحتى الآن راحت المجلة تصلني بانتظام ـ عدا فترة من الحصار التي دامت أكثر من عقد ـ ، حتى صارت جزء من حياتي الأدبية ، وخاصة بعد أن بدأ ابني عمر ، الذي تخرج من كلية الفنون ، وعُين مدرس للفن التشكيلي في معهد الفنون للبنات ، يساهم في رسم أعمالي ، التي نشرتُ معظمها في مجلة ” الشبل ” .
وكما اختفت مجلة ” أسامة ” اختفت مجلة ” الشبل ” ، وكذلك مجلة ” العربي الصغير ” ، بعد دخول القوات العراقية إلى الكويت ، بتاريخ ” 4 / 8 / 1990 ” ، وبدأ الحصار ، وبدأت سحبه القاتلة تغشى كلّ مظاهر الحياة في العراق ، وفي مقدمتها الحياة الثقافية ، وبدل جهودي الموزعة بين الكتابة والنشر ، انغمست في الكتابة فقط ، حتى أنني كتبت في عام ” 1991 ” وحدها أكثر من ” 270 ” قصة ومسرحية ، وهذا رقم قياسي لم أستطع تجاوزه إلا في عام ” 2005 ” ، الذي أسميته عام ” أغنية التّمْ ” ، والذي كتبتُ فيه أكثر من ” 600 ” قصة ومسرحية ، بينما لم أنشر في العام الأول للحصار سوى ” إحدى عشرة ” قصة فقط .
وفي العام التالي ، علمت من صديقي مثري العاني ، بأن المجلات السعودية ، عادت إلى الظهور في المكتبات ، فقصدت البريد المركزي في الموصل ، وسألت أحد المسؤولين فيه : هل تصلكم رسائل من السعودية ؟
فأجاب : نعم .
وبنبرة فرح ، لم أستطع أن أخفيها تماماً ، سألته ثانية : ورسائلنا ، هل تصلهم ؟
وأجابني ثانية ً: نعم .
وعلى الفور ، عادت رسائلي المحملة بقصصي ، تطير على جناح السرعة ، إلى ” الشبل ” في المملكة العربية السعودية ، وإلى ” أسامة ” في سورية ، وانتظرت .. انتظرت طويلاً ، لكن رداً واحداً لم يصلني ، لا من ” الشبل ” ، ولا من ” أسامة ” وبدأ اليأس ، هذه المرّة ، يدب في أعماقي ، حصار في الداخل ، وحصار في الخارج ، أين المفر ؟ وإلى متى ؟ هل انتهى كلّ شيء ؟ ربما لا ، لكن ما العمل ؟
وقررت أكثر من مرّة ، أن لا أكاتب ” الشبل ، وأن أكفّ عن إرسال القصص إليها ، فما جدوى ذلك ما داموا لا يردون عليّ ؟ لكني سرعان ما أعود عن قراري ، بعد أن أقلب الأمر في ذهني ، من يدري ، لعلّ رسائلي الأولى لم تصلهم ، أو أنها وصلتهم ، وربما نشروا قصصي ، أو نشروا بعضها على الأقل ، لكن .. ” الشبل ” كانت تصلني على الدوام ، فأين هي الآن ؟ ولماذا لم يعد يصلني الآن منها عدداً واحداً ؟!
وعشت هذا البحران سنين عديدة ، عانيت خلالها وحشة العزلة وقسوتها ، ولم أجد متنفساً أو عزاءً إلا في الانغماس في الكتابة وإلى جانب القصص والسيناريوهات بدأت أطور كتاباتي المسرحية ، فكتبت مسرحيات عديدة للفتيان ، استقيت أحداثها من تاريخ العراق القديم ، لكني حرصت أن تكون أفكارها ومعالجاتها معاصرة ، تنتمي إلى عالم اليوم ، ورغم جودة هذه المسرحيات ، ولقلة فرص النشر ، بسبب الحصار ، في الداخل والخارج ، إلا أنني اضطررت إلى نشر بعضها ، عام ” 1995 ” في إحدى الصحف المحدودة الانتشار في بغداد ، ومن تلك المسرحيات ” فرسان الشمس ، شيروكين ، سمورامات ، داماكي والوحش ، الأميرة غزالة ، وغيرها كثير ” .
وفي أواخر الشهر الثاني من عام ” 2001 ” ، كانت المفاجأة المفرحة ، فعلى غير توقع ، فوجئت بساعي البريد ، يأتيني بعدد جديد من مجلة ” الشبل ” ، وقد نشرت لي فيها قصة بعنوان ” الناقر ووحيد القرن ” ، فرحت بالمجلة ، وفرحت أكثر لأن الحصار ، ومشاعر الإحباط ، التي رافقتني طوال تلك الفترة ، لم تمنعني من مواصلة الكتابة لها ، خلال تلك الفترة ، التي بدأت باجتياح الكويت ، وانتهت في عام ” 2001 ” بوصول العدد الأخير من مجلة ” الشبل ” ، أي أكثر من عقد من الزمن .. عقد ! آه ، وكم عقداً يعيش الإنسان ؟ ثمّ .. كم عقداً هو عمر الإبداع ؟ مهما يكن ، فهاهي ” الشبل ” بين يديّ ، وهاهي رسائلي المثقلة بالقصص تطير ثانية ، وبهمة أكبر ، إلى مجلتي الأثيرة ، مجلة ” الشبل ” .
وذات يوم ، وبعد فترة من عودة ” الشبل ” كانت المفاجأة الثانية ، فقد وصلتني رسالة من المدير العام لمجلة ” الشبل ” الأستاذ عبد الرحمن بن سليمان الرويشد ، يقول لي فيها ، أنهم وعدوني في السابق ـ قبل اجتياح الكويت ـ بهدية ، مكافأة لي على مساهماتي في المجلة ، لكن الظروف السابقة حالت دون إرسالها لي ، وطلب مني أن أرسل لهم عنواني كاملاً واسمي الثلاثي ، ليتسنى لهم إرسال الهدية الموعودة .
وأرسلت لهم ما طلبوه ، وأنا أتساءل بيني وبين نفسي ، عن ماهية هذه ” الهدية ” ، أهي مبلغ من المال ، أم ماذا؟ والحقيقة ، ولأن أوضاعي الاقتصادية كانت صعبة للغاية فقد تمنيت أن تكون الهدية مبلغاً من المال .
وتحقق هذه المرّة ما تمنيت ، فقد جاءني الردّ بعد فترة قصيرة ، وإذا الهدية .. ألف دولار ، أي ما يعادل مليوني دينار بالعملة العراقية ، وما يزيد على راتبي التقاعدي لمدة سنتين أو أكثر.
واتصلتُ بالأستاذ عبد الرحمن الرويشد ، مدير عام مجلة ” الشبل ” ، في اليوم التالي ، وشكرته على هديته القيمة فقال من بين ما قاله لي : لقد وفيّنا بوعدنا ، وأنت الآن حر في التوقف أو مواصلة الكتابة لنا .
فأجبته : لقد كتبت لكم طويلاً ، دون أن أفكر في مكافأة ، والآن وبعد هذه المكافأة ، كيف يمكن أن أتوقف عن التواصل معكم ؟
وشكرني الرجل ، وعرض عليّ أن نتفق على مكافأة مقطوعة قدرها ” 10 ” دولارات عن كلّ صفحة مكتوبة ومرسومة ، وكنت وقتها قد بدأت أرسل لهم قصصي وسيناريوهاتي برسوم ابني عمر وصديقي الفنان محمد العدواني .
وطبعاً وافقت على عرضه ، بل وشعرت بالفرح والفخر والاعتزاز ، فهذه أول مرّة أتعاقد فيها مع مجلة ، سواء داخل العراق أو خارجه ، وبدأت قصصي المصورة وقصصي وسيناريوهاتي تظهر في كلّ عدد من مجلة ” الشبل ” ، محتلة مكانة بارزة فيها .
وتبقى مجلة ” الشبل ” ، التي بدأت النشر فيها منذ أواخر الثمانينات وحتى الآن ، مرحلة مهمة جداً في الرحلة الطويلة والمثمرة على طريق ” أدب الأطفال ” ، فقد احتضنت كتاباتي بكل محبة واحترام ، ونشرت لي أكثر من ” 250 ” قصة مصورة وقصة وسيناريو ، والرحلة مستمرة ، والبقية تأتي .
وبنفس الاحترام والمحبة ، تعاملت ” الشبل ” مع ابني الفنان عمر ، فقد كانت له بمثابة المدرسة ، أخذ منها ، وأعطاها أولى رسوماته ، وواكبت تطوره وسيره الحثيث نحو النضج والإبداع ، كما كانت مسرحاً مفتوحاً لإبداعات الفنان المقتدر محمد العدواني ، نشرت له على صفحاتها العديد من القصص المصورة والسيناريوهات ، التي لا تنسى .
ويبقى الأستاذ عبد الرحمن بن سليمان الرويشد ، مدير عام مجلة ” الشبل ” ، أستاذاً جليلاً ، ومربياً فذاً ، وقد قيمت جهوده في وطنه العزيز المملكة العربية السعودية فكُرِّمَ في عام ” 2009 ” باعتباره واحداً من الرواد في مجال ثقافة الأطفال ، وهو أخ عزيز ، دعمني ودعم جهودي في مجال أدب الأطفال ، ودعم ابني عمر كما دعم الفنان محمد العدواني .
إنني لم أنس ” الشبل ” يوماً واحداً ، ولن أنساها مطلقاً ، وسأبقى على تواصلي معها حتى النهاية ، ف ” الشبل ” مجلة عربية رصينة ، لها حضورها المتميز ، في المشهد الثقافي العربي ، الخاص بالطفولة ، وأدب الأطفال .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *