حميد العقابي: على المبدع ألا يجعل الكتابة غاية، بل وسيلة لفهم الحياة (ملف/10)

إشارة :
رحل الروائي والشاعر المبدع “حميد العقابي” في المنافي (الدنمارك 3 نيسان 2017) بعد رحلة حياتية طويلة مُضنية من بغداد فإيران فسورية فالدنمارك وسيرة شخصية ناصعة البياض كما يصفها أصدقاؤه ومسيرة إبداعية روائية وشعرية معطاء أهم ميزاتها الروايات الجسور التي مُنعت في بعض الاقطار العربية والسيرة الصادمة التي لصدقها جعلت الكثيرين يرون أنفسهم فيها. تفتتح أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عن المبدع الراحل متمنية على الأحبة الكتّاب والقرّاء إغناءه بالمقالات والصور والوثائق.
المقالة : 
حميد العقابي: على المبدع ألا يجعل الكتابة غاية، بل وسيلة لفهم الحياة
أعمالي عفوية لأني لا أتصنع أو أستعير أسلوباً من الآخرين
قدم الكاتب حميد العقابي نفسه في أكثر من ثوب، شاعراً وقاصاً وروائياً، إلا أنه في كل مرة يحاول أن يظهر بوجه جديد يحمل ملامح المرحلة التي ألَّف فيها كتابه الجديد. فمنذ مجموعته الشعرية الأولى (أقول احترس أيها الليلك)، حاول العقابي أن يبني جملته الشعرية من وجهة نظره هو، الأمر نفسه مع القصة والرواية، حتى أصدر كتاباً في السيرة الذاتية (أصغي إلى رمادي) الذي كان فيه صريحاً مع نفسه أولاً قبل أن يكون صريحاً مع الآخرين، فكشف عن علاقاته الشخصية، وتحدث عن حياته وعن عائلته كما لم يتحدث قبله بصراحة وصدق، وهو ما أثار مشاكل كبيرة مع أسرته ومدينته التي ولد فيها (الكوت 1956)، وهو ما يمنعه الآن من زيارة هذه المدينة التي يتمنى أن يراها، كما يقول.
غادر العقابي العراق منذ العام 1982 هرباً من الموت المجاني الذي سحق الكثير من العراقيين، وليتمكن من قول ما يريد بحرية كان يبحث عنها، فاستقر به الأمر في الدنمارك في العام 1985 ليشكل بذلك هذا العام منطلقاً جديداً في كتاباته وآرائه وطريقة تفكيره. العقابي الذي لم ينشر في العراق إلا نصوصاً قليلة في منتصف ونهاية السبعينيات بسبب الظروف التي كان يمر بها المثقف العراقي، إلا أنه انطلق بعد وصوله للدنمارك فأصدر عدداً من الكتب في أجناس أدبية مختلفة.
عن الشعر والسرد، عن الغربة واللغة الأخرى، كان لملحق “أدب وثقافة” هذا الحوار:

* منذ بداية كتاباتك عرفت بالمغايرة والمشاكسة في الفكرة والأسلوب واللغة، كيف يمكن أن نفهم فلسفتك الخاصة بالمغايرة، وما الأسس التي تبني عليها فكرتك في تأثيث الكتاب؟
– لا أدري إن كان هذا الوصف ينطبق علي حقاً أم لا، ولكني سأصدّقه. أعتقد أن الأمر لا يتعلق بالمغايرة أو المشاكسة، وإنما هو طريقة تفكير وأسلوب حياة. فكرة الخصوصية هي هاجس كل كاتب، والوصول إلى هذه الخصوصية أمر قد يبدو صعباً وقد يبدو في منتهى السهولة، لأنه يعتمد على معرفة المبدع لنفسه. هذه المعرفة ستشكل له مناعة ضد ما يتسرب إليه من أفكار الآخرين وتمنعه من التطفل على تجاربهم وتقمصها. هناك أمر لاحظته عند المبدع الكاتب العربي وهو أنه ينظر إلى الإبداع كنتيجة وكمصير في حين أن الإبداع الفني هو وسيلة لمعرفة الحياة، أو بالأحرى لمعرفة جانب من الحياة وربما جزئية منها. أنا أخالف رأي نيتشه حول الفن بأنه يجعل الحياة قابلة لأن تعاش. أنا أرى العكس تماماً، فالفن هو تقريظ للحياة، وعلى المبدع أن يعيش أولاً، وكلما توغل في العمق أنتج فناً عميقاً. من هنا آليت على نفسي أن أكتب ما أعيشه. والخصوصية لا تأتي مما يفكر فيه المبدع، فالفكرة التي تخطر في ذهنك قد تكون خطرت في ذهن غيركَ، فالأفكار الذهنية تتشكل في أغلبها من تسربات الثقافة المدونة في الكتب. أما ما يعاش بعمق فهو بصمة إبهام المبدع التي لا تتشابه مع بصمة مبدع آخر.

* منذ مجموعتك الأولى (أقول احترس أيها الليلك) وأنت تشتغل على العنوان نحتاً وبناءً، تختلف عن جيل الثمانينيات التي ظهرت مجاميعك الشعرية معه، كيف يمكن أن نفهم باب الكتاب وعتبته الأولى، وكيف تشتغل عليه ليكون ثمرة جاهزة للقطاف؟
– أنا لا أنتمي إلى جيل الثمانينيات، وإنما إلى جيل النصف الثاني من السبعينيات، بل إلى فئة صغيرة من هذا الجيل لها مواصفات خاصة، فنحن مجموعة من الكتاب والشعراء العراقيين بدأنا النشر في نهاية السبعينيات ثم غادرنا العراق، ربما قبل اكتمال أدواتنا الكتابية إلى (المنفى)، وهناك (أو بالأحرى هنا، فأنا مازلتُ أعيش في المنفى) تبلورت تجاربنا بما يحمله المنفى من تراكمات إيجابية وسلبية، فإذا كنت تقصد بجيل الثمانينيات هو الجيل الذي عاش في العراق خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية فبالضرورة هناك اختلاف بيني وبينهم، بل أنا لا أتورع عن إلغاء أغلب ما كتبه هذا الجيل، فقد سادت في العراق خلال هذه الفترة موجة من الكتابات تختلط فيها العبثية والبعثية لكتاب وشعراء وجدوا في إدعاء الحداثة ستراً يقيهم من مواجهة الواقع فراحوا يملؤون الصفحات بانثيال من ركام جمل مبهمة تعتمد على تلاعب بالكلمات الفارغة واهمين أنفسهم بأنهم يكتبون شعراً أو قصة في حين أنهم لا يكتبون سوى خواء، ناهيك عن أدب الحرب والتعبئة التي أترفع عن مقارنة نفسي به.
أما ما ذكرته حول اختياري لعناوين كتبي فهذا أمر ما زلت لا أعرف سرّيته، فهو يأتي في لحظةٍ ربما خارجة عن الوعي، وبصراحة بعد أكثر من أربعين عاماً من الكتابة ما زلت أجهل كيفية استدراج هذه اللحظة.

* على الرغم من أنك كتبت القصة القصيرة والنص النثري إلا أنك لم تخرج من خانة الشعر، فنجد في نصوصك النثرية شعرية عالية، حتى كأننا نقرأ شعراً خالصاً للعقابي، كيف يمكن أن نفصل الشعر عن النثر في النص النثري أم أنه همّ لا يمكن الابتعاد عنه؟
– ذكرتُ في حوارات وشهادات سابقة بأني شاعرٌ، وبصراحة أنا إنسان بدائي يثيره الإيقاع قبل الفكرة. أما عن شعرية نصوصي النثرية فهي عفوية وليست عفوية في الوقت نفسه. عفوية، لأني أكتب نفسي ولا أتصنع الحالة أو أستعير أسلوباً من الآخرين. أما عدم عفويتي فيكمن في أن لي رأياً مسبقاً في الكتابة السردية (الرواية بشكل خاص)، إذ أني أرى أن أغلب السرد الروائي مملٌ وسطحي ورخو، لذلك أحاول أن أستخدم كل ما أتقنه لاجتراح أساليب جديدة لتوسيع دائرة التأويل في السرد الروائي بما هو متاح من وسائل، والشعرية إحدى هذه الوسائل.
بالمناسبة، أنا لا أكتب شعراً وإنما أكتب القصيدة، وفي رأيي هناك اختلاف بين الشعر والقصيدة ، فالشعر موجود في كل تفاصيل حياتنا، أما القصيدة فهي بناء هندسي محكم ومحسوب بدقة. لذلك أنا أطمح لكتابة رواية بشروط القصيدة، أعني رواية خالية من الزوائد ومبنية بناءً معمارياً يختل لو تم حذف سطر منها، وكما قال الشاعر محمود البريكان بأن مفردة في غير موضعها في القصيدة تعني خيانة، أنا أطمح (ربما بشيء من المبالغة) لتطبيق هذا الحرص الشديد على الرواية.

* بعد سبع مجموعات شعرية ومجموعة قصصية اتجهت لكتابة الرواية، ألم يعد الشعر يكفي حميد العقابي ليوظف فيه عوالمه؟ ولماذا الرواية وهل تعتقد بأن الشعر والقصة يعانيان من الانحسار أمام الرواية ؟
– مرة أخرى أعود إلى توضيح أمر أراه مهماً، وهو على المبدع ألاّ يجعل الكتابة الإبداعية غاية، بل وسيلة من الوسائل غير المتناهية لفهم الحياة، لذلك أرى أن فهم جانب من الحياة يتطلب وسائل مختلفة تتغير على مدى العصور والظروف.
الرواية عالم واسع يستطيع من خلالها المبدع أن يستخدم وعيه وثقافته وتجربته بشكل أكثر حرية ووضوح من الشعر الذي يلعب اللاوعي والفعل السحري فيه دوراً رئيساً. لكن… لي اعتراض على مسألة انحسار الشعر والقصة أمام الرواية، فأنا أرى العكس تماماً (إلا إذا اعتبرنا السوق هو المقياس)، إذ إني أرى الرواية في طريقها إلى الانقراض، وهنا أقصد الرواية كفنٍ أدبي راقٍ، فانقراضها سيكون بسبب شيوعها كفن جماهيري، وهذا ما نلاحظه الآن في الغرب حيث هناك نزوع مخيف لكتابة تخضع لشروط السوق التي هي بدورها تخضع لشروط القارئ الكسول روحياً الذي يطلب أدباً بسيطاً يقرأه لكي يستدرج النعاس إلى عينيه، أو يقتل به ملل الانتظار.
أرى (وهذا ليس ترفعاً) أن الأدب الحقيقي ينحط حينما يكون جماهيرياً، وقد ضربتُ مرة مثلاً بشعر نزار قباني الذي تحول إلى كلام ساذج حينما تحول إلى أغانٍ. من هنا نرى أن الشعر والقصة والموسيقى والفن التشكيلي كفنون راقية تعتمد على التكثيف والإيحاء والتأويل وتتطلب متذوقاً ذا فطنة خاصة، تفقد شعبيتها لصالح الرواية التي لا تتطلب من قارئها أن يكون ذا صفات خاصة، ولكن هذا الأمر ليس جديداً فالشعر في كل زمان ومكان كان فنّاً نخبوياً.

* هل تعتقد أن الرواية العراقية وصلت إلى مرحلة يمكن أن تشكل منهجاً عراقياً خالصا يستطيع الوقوف مع الرواية العربية، خصوصاً بعد ظهور جيل من الروائيين الشباب؟ وكيف تنظر بواقع الرواية العراقية الآن؟

– تجربة الرواية العراقية لا تزال في دور الطفولة أو ربما بدأت بُحة صوتها تظهر بوضوح مشيرة إلى حالة بلوغ (هذا إذا اعتبرنا الرواية مذكراً، أما إذا كانت مؤنثاً فنقول بدأ نهداها الجميلان بالبروز).
قبل خمس سنوات كنت متشائماً إذ كنت أتصور أن بسقوط النظام القمعي في العراق ستظهر كنوز روائية، معوّلا بذلك على كتّاب عاشوا التجربة العراقية، ولكن اكتشفت أن تعويلي لم يكن في محلّه. تشاؤمي هذا سرعان ما تحول إلى تفاؤل بحماس مع إطلاعي على كتابات الجيل الجديد في العراق وعلى شعراء تحولوا إلى كتابة الرواية بنضج وطموح. نعم.. هناك روائيون موهوبون في فترة فتوتهم يستحقون الثقة وأن يُعوّل عليهم، فهم يمتلكون أدواتهم الكتابية وإخلاصهم واندفاعهم نحو خلق رواية جديدة، وأمامهم أرشيف حياتي زاخر يستطيعون أن يغترفوا منه لينتجوا فناً راقياً متميزاً، متمنياً أن يمتلكوا شجاعة السينمائيين الإيطاليين حينما انتبهوا إلى غنى تجربتهم الواقعية، فبدأوا بهمة وشجاعة بعد سقوط الفاشية مباشرة.

* هناك من يقول بأن التنقل بين الشعر والقصة والرواية يشتت الكاتب فلا يمكن أن يقدم جديداً في كل هذا ؟ أين يجد العقابي نفسه أكثر ؟ ولماذا هذا السفر الدائم بين الأجناس الأدبية ؟
– أنا لا أعاني من هذا الأمر، فقد تبرمجتُ بشكل لا واعٍ، ولا أعرف كيف حدث لي ذلك. إقامتي في الدنمارك لما يقارب ثلاثة عقود وفّرت لي فرصة نادرة في التفرغ للقراءة والكتابة، فأنا أكتب بشكل يومي وأشطب وأمزق مما أكتبه أكثر مما احتفظ به، لذلك أجدني منغمراً يومياً في كتابة عمل سردي. أما الشعر، وخاصة بعد استقراري المتطرف على كتابة قصيدة التفعيلة فله طقس خاص. يأتي (الشعر) بين حين وآخر، حيث أستيقظ فأجد نفسي أتحرك راقصاً على أحد البحور الشعرية، عندئذٍ أعرف بأني سأكتب قصيدة… وليس لي دور في كتابة القصيدة سوى لا وعيّ يستفزّه الإيقاع.

* تتبعت في سيرتك الذاتية (أصغي إلى رمادي) التفاصيل التي تحيط بك، الشخصيات الثانوية، الأماكن، لكن لم تبحر طويلاً في شخصية صاحب السيرة، هل تبحث في المؤثرات التي شكلت شخصية الإنسان فيه، ومن ثم الكاتب؟ وكيف نقرأ المؤثرات الداخلية والخارجية التي كونت حميد العقابي؟

– كتبتُ كتاب (أصغي إلى رمادي) وهو فصول من السيرة الذاتية، مبكراً حتى أني سمعت أكثر من شخص قال ساخراً (من أنتَ كي تكتب سيرتك الذاتية؟). كنت متوقعاً أن أسمع مثل هذا القول، لأن القارئ العربي اعتاد على قراءة سير القادة السياسيين والعسكريين، فهو يقرأ كتاب السيرة لغاية محددة وهي معرفة سرّ يبوح به هذا القائد أو ذاك السياسي، لذلك لا يضع القارئ في حسبانه أنه يقرأ كتاب السيرة من أجل أن يتمتع بفنية هذا الجنس الأدبي.
أما ما كنت أطمح إليه هو كتابة سيرة ذاتية لا تتخلى عن الشروط الفنية محاولا رصد الواقع والتجربة بشكل غايته المتعة الفنية بصدق وبراءة. من هنا جاء حذري الشديد من الوقوع في فخ (الأنا) التي لا بد من ظهورها في كتابة السيرة، لذلك كتبت سيرتي مطلاً من نافذتي على ما كنت شاهداً عليه من أحداث وشخصيات، وحتى ما يمكن اعتباره مسألة شخصية كالكتابة عن الأم والأب والعائلة، أنا جعلتها نافذة لتأمل الواقع الذي شكّل هذه العلاقات وارتباطها بحركة المجتمع العراقي في فترات معينة، وربما يستطيع القارئ من خلال هذه الكتابة أن يعرف المؤثرات الخارجية والداخلية ليس لي فقط، بل ربما سيجد هذه المؤثرات في تركيبته هو أيضاً. وهذا ما حصل فعلاً. فقد وصلتني آراء كثيرة حول كتابي تؤكد هذا الأمر، ومن الطريف أن طالبة إيطالية حازت على درجة الدكتوراه من جامعة نابولي باطروحتها عن كتاب (أصغي إلى رمادي) قد كتبت لي بأنها وجدت نفسها في الكثير من تفاصيل الكتاب.

* بعد أكثر من 15 كتاباً، ماذا يخبِّئ حميد العقابي؟ وهل هناك من كتب ستكون خارجة عن سياق كتاباتك السابقة؟
– لديَّ الآن مخطوطات كثيرة في الشعر والهايكو والقصة القصيرة وروايتان، إحداهما تتجاوز السبعمائة صفحة. أما عن الروايتين فهما ليستا خارجتين عن سياق كتاباتي السابقة فحسب، بل هما منفلتتان بأقصى الانفلات عن دائرة ما مطروح في الساحة الأدبية العربية، فهما تعتمدان على ثيمة لم يجرؤ كاتب عربي قبلي على الاقتراب منها. سأعذر صاحب دار النشر لو رماهما بوجهي ولسان حاله يقول “ابعدْ شرّك عني”.

*عن صحيفة الصباح

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.