ليث الصندوق : من تمدّد القصيدة خارج جسد اللغة إلى انكماش القصيدة داخل جسدها (ملف/4)

إشارة :
احتفاءّ بمسيرة إبداعية ثرة ومعطاء، شعراً ونقداً وسرداً، ودور تجديدي صادم في الثقافة العراقية، يسرّ أسْرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر ملفها عن المبدع الكبير “فاضل العزاوي” متمنية على الأحبّة الكتّاب والقرّاء إغناءه بالمقالات والصور والوثائق. وسوف يكون الملف مفتوحاً من الناحية الزمنية على عادة الموقع فلا زمن يحدّ الإبداع العظيم. تحية للمبدع الكبير فاضل العزاوي.
المقالة : 
( من تمدّد القصيدة خارج جسد اللغة
إلى انكماش القصيدة داخل جسدها )
ليث الصندوق

كتاب ( الرائي في العتمة ) (1) للشاعر فاضل العزاوي هو أفق مفتوح للكتابة الهاربة من قيدي الانتماء والهوية الإبداعيين ، فهو مجموعة من المقالات والقصص والحواريات والمذكرات والنقود والقراءات وأدب الرحلات والقصائد والكتابات الحرّة في مختلف شؤون الثقافة والحياة ، وهذا الجمع ما بين مواد من أجناس وأنواع شتى في كتاب يجعل من العسير تصنيفه لاسيما أنه يختلف عن محاولات سابقة للعزاوي في جمع أكثر من جنس ونوع أدبي في كتاب واحد كما في نصه العصيّ على التصنيف ( مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة ) (2) وفي مجموعته الشعرية ( الأسفار ) (3) التي جمع في قصائدها ما بين القص والوثيقة التاريخية والشهادة والخبر الصحفي والفوتوغراف . ومع ذلك فإن كثافة السرد في كتاب المخلوقات والاقرار بكونه ( رواية ) من قبل العزاوي نفسه على الغلاف الأول من الكتاب ، وعلى الصفحة الداخلية ، ثم التقديم لها باعتبارها رواية تحت عنوان ( هذه الرواية لماذا ؟ ) وتكرار هذا التوصيف لأكثر من مرة واحدة في المقدمة ، كل ذلك يمكن أن يحل مشكلة تصنيف كتاب المخلوقات ويضعه في خانة السرد ، أو ( الميتاقص ) (4) بالرغم من لغته وصوره الشعرية ، وبالرغم من الطابع الشعري الذي حاول العزاوي إسباغه عليه بإطلاق تسمية الأناشيد على فصوله الثمانية عشرة باستثناء الخاتمة التي جاءت تحت عنوان ( الملف العلمي لنظرية المخترع الشرير ) وقد حسم العزاوي فيها قضية التصنيف بالنسبة له على الأقل ( … وكم كنت أودّ نشر هذه الأوراق ضمن فصول الرواية لولا أن اقتراحاً قدم إلي من قبل أحد الأصدقاء يشير إلى أنّ مثل هذا العمل قد يغيظ الشبح ويكشفه أكثر مما ينبغي أمام الآخرين ويُسيء إلى الوحدة العامة للرواية ) (5).
كما أن كثافة الشعرية في ( الأسفار ) وتوصيف الشاعر له في الصفحة الداخلية من الكتاب ب ( قصائد ) يمكن أن تحل مشكلة تصنيفه وتضعه في خانة الشعر ، بالرغم مما بين الشعر والقصائد من التباس مفهومي . مع ملاحظة أن النصوص في الكتابين تفارقت مع منطق الواقع التسجيلي واندغمت في غرائبية التخييل ، فحتى المناصات التي تسربت من مرجعيات تاريخية إلى الكتاب الثاني ( الأسفار ) قد خضعت لسطوة المتخيل وذابت في محمولاته الغرائبية . أما في ( الرائي في العتمة ) فيبدو الأمر معكوساً ، فكل شيء يُدار من قبل سلطة الوعي ، ويخضع لمقاسات العقل ومحدداته ، وحتى ما هو متخيل تمّ تفكيكه بأدوات المنطق وإخضاعه لشروطه التحليلية .


وفي محاولة للخروج من خانق التصنيف ثبت العزاوي على الغلاف الأول من كتاب ( الرائي في العتمة ) مفردة ( شهادات ) وهي محاولة غير موفقة لإيجاد تسمية تجنيسية جامعة ، بينما كانت محاولة التهرّب من التصنيف باعتماد العنوان الفرعي ( هكذا تكلم عابر المتاهات عن زمانه ) والذي لم يظهر على الغلاف الأول من الكتاب وظهر على الصفحة الداخلية ، كانت قد اقتربت من التصنيف الأليق والأكثر توفيقاُ من الشهادات . لاسيما أن بنية هذا العنوان / التصنيف تتشكّل من ثلاث حزم دلالية :
ألحزمة الأولى : وهي حزمة ذات طابع تصنيفي تعتمد الكلام كمرجعية ويدل عليها الفعل ( تكلّم ) ، والكلام وعاء جامع يستوعب شتى الفنون القولية فهو ( مجموع ما يقوله الناس )( 6 ) ويضمّ ( الفعاليات الفردية التي تعتمد على رغبة المتكلم ) (7) و ( الأفعال الصوتية التي تعتمد أيضاً على إرادة المتكلم ) (8) ، وهو ( ضروري كي تقوم اللغة ) ولذلك يقف في موازاتها بكل عظمتها وتميزها طرفاً في ثنائية ( اللغة / الكلام ) ألسوسيرية .
ألحزمة الثانية : وهي حزمة إطارية تحدد الفضاء المكاني لحركة الكلام / النصوص ، تدل عليها عبارة ( عابر المتاهات ) وهو عبور أرضي يغلب عليه طابع الضياع في المكان / المتاهة / ألمتاهات ( بصيغة الجمع ) .
ألحزمة الثالثة : وهي حزمة إطارية أيضاً ولكنها مخصوصة بالفضاء الزماني لحركة الكلام / النصوص ، تدل عليها عبارة ( زمانه ) ، وهي كما يقتضي سياق العنونة الفرعية محدودة ب ( زمن عابر المتاهات ) ، ولكن تحليل النصوص يكشف عن خروج ( عابر المتاهات ) إلى أبعد من هذا الزمن بكثير ، وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد تم الخروج :
– إلى زمن المسيح وبوذا . ص / 73
– إلى زمن النبي محمد والإسراء والمعراج ، وزمن دانتي و ( الكوميديا الإلهية ) ص / 135
– إلى زمن كريستوف كولومبس ومذكراته لسنتي 1492 – 1493 . ص / 78
– إلى زمن سرفانتس و ( دون كيخوتة ) ز ص / 173
– إلى زمن المتنبي . ص / 179
– إلى زمن رامبو . ص / 200
– إلى زمن ستالين وناظم حكمت . ص / 271
كما تكشف النصوص عن خروج ( عابر المتاهات ) من زمنه إلى أزمان الأخرين الذين اشترك معهم في اقتسام سنوات النصف الأخير من القرن المنصرم ، وعلى سبيل المثال فقد تم الخروج :
– إلى زمن خورخي لويس بورخس ومحاضراته باللغة الأنكليزية على طلبة جامعة هارفارد ما بين عامي 1967 – 1968 . ص / 73 و 132
– إلى زمن طه حسين ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم . ص / 76
– إلى زمن الفيزيائي الأمريكي ريتشارد فينمان . ص 131 و 145
– إلى زمن الموسيقار بروتزمان . ص / 171
– إلى زمن بيرتولت بريشت وانتفاضة 17 حزيران 1952 في ألمانيا الشرقية . ص / 274 .
– إلى زمن سلمان رشدي . ص / 293 .
هذا وقد عبر العزاوي في الغلاف الأخير من كتاب ( الرائي في العتمة ) عن دوافعه من وضعه ، وتلك مفارقة أخرى بعد مفارقة العنونة أن يأتي التعريف بالكتاب من آخره ( أردت دائماً أن أضع كتاباً يكون كلّ شيء ولا شيء في آن ) . وهذه المقاربة لا تتوخى النبش عن أل ( كل شيء ) ولا عن أل ( لاشيء ) ولكنها ضرورية لتفهم الأساس التركيبي الذي ارتكزت عليه قصيدة لافتة وجدت لها موقعاً ما بين الكل و نقيضه في الكتاب ، وهي قصيدة مترجمة للشاعر ( فيتسلاف تشيمبورسكا ) من ديوان ( ناس على الجسر ) (10) ، وأحسب أن العزاوي نفسه هو الذي ترجمها فهذا هو سياق التفكير المعقول لمجموعة المعطيات المحيطة بالقصيدة . والقصيدة بعنوان ( ألصورة الفوتوغرافية الأولى لهتلر ) وهي مكونة من نصين مترابطين بإحكام بالرغم من أنهما من سياقين مختلفين ، النص الأول هو نصّ صوري تمثله الصورة الفوتوغرافية لطفل ( بالأبيض والأسود ) والنص الثاني نصّ لغوي تمثله القصيدة . وهذان النصان يشكلان الحلقتين الأخيرتين من بنية القصيدة الثلاثية التي يشكل العنوان الحلقة الأولى منها . أما اتجاه سير الدلالة فهو باتجاهين متعاكسين ، الأول نازل من الأعلى إلى الأسفل ( من العنونة إلى الصورة إلى النص الشعري ) ، والثاني صاعد من الأسفل إلى الأعلى ( من النص الشعري إلى الصورة إلى العنونة ) .
ومن الواضح أن العنوان هو الموجه والمفتاح الأول للقراءة وعن طريقه تتكشّف هوية الطفل صاحب الصورة ، وبضمّ طاقة العنونة الكاشفة إلى طاقة الصورة يكون القاريء قد حاز على الإضاءة الكافية لولوج النص ، فكل حلقة من الحلقات الثلاث للبنية النصية تقود إلى الأخرى ، وكل حلقة معزولة لوحدها عن الحلقتين الأخريين هي حلقة ناقصة ، فالعنوان ناقص لوحده ، وأن مَلء ما يعانيه من نقص تم من خلال الاستعانة بصورة فوتوغراف لطفل ، والصورة ناقصة لوحدها ، أو حتى مع حضور العنونة معها ما لم يحضر النص الشعري الذي يملأ نقص المعلومة في كليهما ، حيث يتبين منه أن عمر الطفل هو سنة واحدة ، أو كما نستنتج من جملة ( حين ولِدَ قبلَ عام ) . وبالرغم من أن صورة الطفل المنشورة في كتاب العزاوي ( الرائي في العتمة ) هي صورة للوجه فقط ، إلا أني أحسب أن الصورة الأصل المنشورة في ديوان الشاعر ( ناس على الجسر ) كانت لكامل الجسد ، والقصيدة تقدم أدلتها لتصحيح المعطى الصوري المبتور ، فعين الشاعر الواصفة تتحدث عن ثوبه المزركش ( من ياتُرى يكون هذا الصبي بثوبه المزركش ) كما تتحدث عن يد ضئيلة ، وبطن مملوء بالحليب ، وهذه الالتقاطات لا توفرها صورة الوجه لوحده كما هي في كتاب العزاوي :
ترى لمن ستكون هذه اليد الضئيلة ، هذه الأذن ، هذه العين ، هذا الأنف الصغير ؟
لا نعرف لمن سيكون هذا البطن المملوء حليباً ؟
هذا التكامل والتفاعل ما بين الصورة والنص الشعري ، أو هذا التمدد للغة خارج جسد النص قد أخرج الفوتوغراف من عالم المرئيات المقترن عادة بالتأطير أوالتعليق أو الحبس في الألبومات ليجعل منه جزءاً من الأبجدية الشعرية ، حيث تبدو اللغة لوحدها عاجزة عن بناء القصيدة ما لم تستعين بالصورة لتدارك العجز والتعويض عن العناصر الإشارية المفقودة . وبالتالي فإن النص المنتج هو ليس نصاً لغوياً خالصاً فحسب ، بل هو نص لغوي / صوري في وقت واحد ، وفي هذا النمط من النصوص لا تعود اللغة متعالية ومكتفية بذاتها ، بل هي نسق من ضمن أنساق أخرى تشكل معاً مكونات البناء النصي .
هذه التقنية ليست جديدة على العزاوي ، أعني ليست جديدة على شعره ، وربما هي جديدة على ترجماته . فقد سبق أن استخدمها في إحدى قصائده ، ولكن بتقدير غير كافٍ لإمكانيات المادة الصورية المستخدمة ، ومن دون حوار تفاعلي ما بين النصين الصوري واللغوي فظلت الفاصلة قائمة ما بين النصين .
ففي المقطع ( 8 ) من قصيدته ( تعاليم ف العزاوي إلى العالم ) المنشورة في مجموعته الشعرية ( الأسفار )(11) الصادرة عام 1976 أستخدم الشاعر عدة تقنيات تعبيرية لتعزيز نصه الشعري ومن بينها استخدام الفوتوغراف ، حيث وضع صورته الشخصية ( بالأبيض والأسود ) في مقابل الجملة النصية الاستهلالية ( أنظروا إلى هذا الرجل ) وأغرق المسافة ما تحت الجملة والصورة بالبياض الدال ليوحي بأن العلاقة ما بين الشخص الماثل في الصورة وما بين المشار إليه في الجملة هي علاقة حصر وتخصيص بحيث لا يمكن – أو هكذا يوحي نص العبارة الاستهلالية على الأقل – باستحالة استبدال الصورة بأخرى ، ولكن هذا الإيحاء مجرد وهم ، لأن إكمال ما بعد البياض يلغي الحصر والتخصيص كلياً في ضوء غياب أية علامات مشتركة تُقيم التحاور أو التفاعل ما بين النص / الفوتوغراف وما بين النص / الكتابة ، واقتصار العلامات على المشار إليه في النص / الكتابة وليس على الشخص في النص / الفوتوغراف :
أعرف أنه سيموت في أحد الأيام :
ألسبت ، الأحد ، الأثنين ، الثلاثاء ، الأربعاء ، الخميس ، الجمعة
وفي أحد هذه الأشهر
كانون الثاني ، شباط …. ألخ
وبذلك لم تنجح محاولة العزاوي هذه باختراق اللغة ، أو لنقل أنّ المحاولة لم تؤدّ وظيفتها بنفس الكفاءة التي أدتها قصيدة ( الصورة الفوتوغرافية الأولى لهتلر ) المترجمة ، وربما هو نفسه قد نظر إليها فيما بعد على أنها مغامرة خاسرة وغير مجدية أو أنها مجرد فورة من مرحلة البدايات ، ولذلك حين جمع اعماله الشعرية وأعاد طبعها في مجلدين تحت عنوان ( الأعمال الشعرية ) (12) أخضع قصيدة التعاليم بالتحديد لتنقيحات جراحية قاسية وغير مسوّغة ألغى فيها ملامح من مساهماته الطليعية في الكتابة الشعرية لمرحلة الستينيات من القرن المنصرم ، وبتلك الإلغاءات يكون قد فرّط بمنجز ربما لا يعادله في أهميته إصدار طبعة أنيقة وجديدة وجامعة لأعماله الشعرية ، لأنه بهذه الطبعة يكون قد ألغى الأدلة التي يُبرهن بها للأجيال الشعرية الجديدة على حقيقة كشوفاته وعلى جرأته في اختراق حقول اللغام ، والأمر لا علاقة له بأحقية الشاعر أو عدم أحقيته في إعادة تشكيل نصه القديم المنشور ، بل بتخلي الشاعر عن سبق كان قد حققه ، وعن براءة اختراع قاوم التيار الجارف للحصول عليها ، ثم تخلى عنها طواعية عندما هدأ التيار وانحسر السيل .
إن عدم نجاح محاولة العزاوي لتفعيل الحوار ما بين الفوتوغراف واللغة لا يبرر ما تعرضت له قصيدة ( التعاليم ) من التغييرات والتحويرات التي تمثلت ب :
– إلغاء الحروف الطباعية الثخينة السود boldface واعتماد نظام طباعي نمطي واحد في كل القصيدة lightface بحيث لم تعد هناك من بقعة نصية تلفت أسلوبيتها الطباعية المميزة الانتباه إلى خطورتها المضمونية ، وصار النص بأكمله يتدفق بانسيابية وهدوء خالياً من أية مؤشرات توتر أو انفعال استثنائيين ، فتساوى في الأهمية ما يُطرح من خارج الأزمة مع ما يُطرح من ( جرف الأزمة ) المقطع – 6 – ، والأزمة هنا – كما يقول البلاغيون – إستعارة مكنية مجتلبة من صورة النهر / المشبه به المحتجب وقد رُمز له بشيء من لوازمه وهو الجرف :
هالو فاضل العزاوي
هذا أنا أتحدّث إليك من جرف الأزمة
ومن الواضح أنّ المقبوس السابق هو مكالمة هاتفية بدليل كلمة النداء ( هالو ) موجهة للشاعر بالأسم من مخاطب شبح يدعوه لارتياد مواقع الأزمات العالمية :
تعال لنذهب إلى ديغول ونحدّثه عن مايس 1968
تعال لنذهب إلى جنرالات اليونان ونسمع موسيقى زوربا
تعال لنذهب إلى ناسيتيون وهو يأكل الشيوعيين
تعال لنذهب إلى عمان وننظر في كل العواصم العربية
– تحرير النص الأعلاني ( بيان موجه من آخر خندق للثورة ) المقطع – 9 – من إطاره المربع الشكل ، وهذا التأطير ليس مجرد شكل بلا محتوى ، بل هو وظيفة تحيل إلى البيانات الجدارية الثورية وتتبادل التأثير مع المحتوى الذي استثمر فيه الشاعر طاقة الغضب على المجتمعات الرأسمالية التقليدية استثماراً ساخراً ، فحوّل الثورة من فكرة طوباوية مجردة إلى مشروع تجاري معروض للاستثمار ، وترك أهداف المشروع مفتوحة لرغبات المشاركين ( أملأوا البياض بما يروق لكم من الإهداف فنحن نثق بكم ) ، وبتحرير البيان من الإطار / الوظيفة يكون قد فتت طاقة النص الإيحائية وذوّبها في نمطية الإبلاغ التقليدي ومعيارية الشكل المتداول للقصيدة .
– ولكنّ البياض الذي قرنه الشاعر بالثقة في المقطع – 9 – من القصيدة – كما ورد في الفقرة السابقة – لم يحظَ في المقاطع الأخرى بنفس علاقة الاقتران تلك ، فقد أعاد الشاعر النظر في البياض وتعاطى معه كعنصر فائض ، فقلص مساحته إلى أضيق الحدود ، وبإلغاء أو تحجيم البياض يكون قد فرّط بإمكانات لغة إيحائية بديل لا تقل تأثيراً عن لغة السواد أو عن لغة الصوت أو عن أية لغة تعبيرية إشارية أخرى . كما فرّط في الوقت ذاته بما يؤديه التلاعب في مواقع الكتلة النصية ( السواد ) وكتلة الفراغ ( البياض ) من دلالات .
– ألغى من المقطع – 3 – الجملة الإستهلالية ( لافتة مرفوعة فوق رمال الجزيرة العربية يقرؤها أعراب فقراء ) واستبدل الجهة الموقعة على البيان / المقطع – 9 – من ( فقراء الوطن العربي ) إلى ( اللجنة القديمة للثورة الجديدة ) . وإن لم يكن هناك من سبب واضح لإلغاء الجملة الأولى / الاستهلالية ، إلا أن استبدال الجهة الموقعة جاء موفقاً لسببين :
السبب الأول : وجود حالة تناقض واضحة بين ما يرشح عن الجو العام للبيان من إحالات إلى المعضلات الاجتماعية التي تتسبب فيها الرأسمالية في المجتمعات الصناعية المتطورة ، وبين الجهة الموقعة على البيان ( فقراء الوطن العربي ) الذين ينتمون في الواقع إلى مجتمعات متخلفة صناعياً وحضارياً ، فهم الطبقة التي تعاني من الإغتراب داخل مجتمعاتهم القبلية أو الرعوية أو الزراعية – الإقطاعية ، أو الصناعية البدائية ، وفي كل تلك الحالات فتلك المجتمعات بعيدة عن مشاكل التصنيع والشركات الاحتكارية العالمية الكبيرة ، ولذلك كان لابدّ من حلّ هذا التناقض باستبدال الموقعين على البيان .
ألسبب الثاني : بقدر ما تتوافق الجهة المستَبدَلة الموقعة على البيان مع محتواه ، بقدر ما تشكل مفارقة موفقة ومركبة مؤداها أن التغيير في داخل بنية الثورة لم يحدث ، وأن ما حدث هو عملية توريث في القيادات أنتقلت بموجبها قيادة الثورة الجديدة إلى اللجنة القديمة . بيد أن الطبيعة التوريثية المتخلفة التي تمت بها عملية التغيير المزعومة تتوافق مع مضامين البيان غير الثورية والتلفيقية التي صيغت على وفق تعارضات ساخرة :
ألقتال من أجل ـــــ< فنادق مجانية
تعالوا ـــــ< للنوم ـــــ< في أسرّة موحدة
ثورة عالمية ـــــ< لتأسيس شركة المجتمع الحر ( ذ . م . م )
– وما يهمنا بالدرجة الأساس من التغييرات في نص التعاليم الريادي هو ما يتعلق بإلغاء النص الفوتوغرافي في المقطع – 8 . فإن كان الإلغاء هو بسبب إخفاق الصورة في التحاور والتفاعل مع النص اللغوي ، فهذا سبب على الرغم من وجاهته إلا أنه غير قمين على الوقوف عند خيار الإلغاء ، فقد كانت الصورة محاولة لكسر حدود اللغة ، وحدود الكتابة ، وحدود الشكل وفتحها على فضاءات واحتمالات أخرى غير محدودة ، وحتى لو لم تُحسن الصورة إداء وظيفتها التحاورية فلها فضيلة السبق والريادة في كسر وتوسيع الحدود ، وفي تطويع الكولاج التشكيلي في الكتابة الشعرية والجمع ما بين عنصرين ينتمي كل منهما إلى نسق مغاير .
وبذلك يمكن القول أن ثمة علاقة إشارية تعبر عنها الجملة الإستهلالية ( المنقحة ) والمقطّعة في المقطع – 8 – من القصيدة في ( الأعمال الشعرية – الجزء الأول ) ظلت ناقصة بغياب أل ( مشار إليه ) الذي كان بالإمكان أن تدل عليه أية صورة فوتوغرافية . ولعل تلك العلاقة الإشارية هي الرابط الوحيد الذي يدير الحوار ما بين النصين ( اللغوي والفوتوغرافي ) بالرغم من كونها علاقة غير مؤكدة وخاضعة للاستبدال بأية صورة أخرى كما سبقت الإشارة إلى ذلك :
أنظروا ، أنظروا
إلى
هذا
الرجل الرجل
فهل يعوّض تحويل هذه الدعوة / المقبوس من شكلها الخطي كما هي في ( الأسفار ) إلى الشكل المقطّع كما في ( الأعمال الشعرية ) ، ثمّ تكرار فعل الأمر ( أنظروا ) في بداية المقبوس ، وتكرار مفردة ( الرجل ) في آخره ، هل تعوّض تلك التغييرات عن الصورة الفوتوغرافية المغيّبة ؟

هوامش : 

(1) الرائي في العتمة – فاضل العزاوي – منشورات الجمل ( بغداد – بيروت ) 2016
(2) مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة – دار الكلمة – النجف – 1969
(3) الأسفار – مطبعة أوفسيت الحديثي – بغداد 1976
(4) ألرائي في العتمة – ص / 144
(5) ألمخلوقات . ص / 99
(6) و (7) و (8) علم اللغة العام – فرديناند دي سوسور – ترجمة د. يوئيل يوسف عزيز – أفاق عربية – ص / 38
(9) نظرية البنائية في النقد الأدبي – د . صلاح فضل – دار الشؤون الثقافية 1987 – ص / 28
(10) الرائي في العتمة . ص/ 285
(11) الأسفار . ص / 53
(12) الأعمال الشعرية – ألمجلد الأول – ص/ 167

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *