عادل كاظم.. شهادات عن المسرح والفن
عبد الجبار العتابي (ملف/2)

إشارة :
يرقد المبدع الكبير “عادل كاظم” على سرير المرض لتنهال عليه باقات الزهور على الطريقة العراقية بعد أن عانى لعقود من النسيان الرسمي وقدّم للثقافة العراقية الكثير. لقد ترسّخ صوت عادل كاظم في وجدان المواطن العراقي عبر مسلسله التلفزيوني الشهير بجزءيه النسر والذئب وعيون المدينة. وفي المسرح الذي بدأه بالطحلب (1962) كان دوره تأسيسيا للحداثة في المسرح العراقي خصوصا في الاتجاهت الملحمية والتاريخية بدءاً من “الطوفان” (1966) و”تموز يقرع الناقوس” و”دائرة الفحم القوقازية” و”الحصار” و”المتنبي” و”نديمكم هذا المساء” وغيرها. والأهم هو تقديم مسرح وطني مُقاوم بصورة رمزية هادئة في ظل الطغيان. تحية للمبدع الكبير عادل كاظم في محنته.

المقالة :
عادل كاظم.. شهادات عن المسرح والفن
عبد الجبار العتابي

عبد الجبار العتابي من بغداد: اكد الكاتب العراقي المعروف عادل كاظم انه لايهتم للمؤسسات الثقافية الحكومية ان كرمته او تكرمه او التفتت اليه او تلتفت، وقال عادل في حديث خاص لـ (ايلاف) بعد الاحتفالية التي اقامتها لتكريمة مؤسسة المدى لمناسبة يوم المسرح العالمي كونه احد الكتاب الكبار الذين قدموا للمسرح العراقي الكثير: الذي لا يعرفني هذه مشكلته وليست مشكلتي، وانا لا اكتب كي يعرفني هذا المسؤول او ذاك، فأنا اقدر قيمتي، وهذا الشعب يعرفها ايضا فهو يسألني عن صحتي وألمي واخر ما كتبت، وهو عندي تكريم دائم، اما ان يجيء فلان او علان ويعطيني الف دينار فهذا ارفضه ولا اريده، لانني لم ابحث عن تكريم ولا عن احتفاء، ثم لماذا يتم الاحتفاء بي، انا اكتب وغدا سأذهب واصبح في ذمة التاريخ وهو يحكم على ما قدمته، واضاف الكاتب المسرحي والدرامي الكبير: لا اذكر اخر مرة تم الاحتفاء بي فيها، ولكن ما يهمني هو اللقاء بين المثقفين، فكل احتفال ثقافي وكل تجمع تتكاثر فيه الاصوات وتعبر عن مكنوناتها وما يتجمع في دواخلها من هموم واتراح وافراح هو شيء جيد، فهكذا تبنى الحضارات والثقافات، فالثقافة هي الصوت الذي بنى الحضارة والمسرح صوت من اصوات الشعب الذي يحضر احتفالاته وعروضه، حيث كانوا يحضرون الى المسرح وغاؤهم وعشاؤهم في المسرح، ان الشعب الحضاري هو الذي يخلق الثقافة ويصنع المسرح، اما الاحتفالية التي اقيمت للاحتفاء بي فأنا محتاج الى ان اسمع اصوات هؤلاء الكبار يتحدثون عني، وقد اسعدني سامي عبد الحميد وغيره وهو يعدونني شيئا مؤثرا في المسرح العراقي، يسعدني ان اسمع ما يقوله الاخرون.
اما في الاحتفالية التي حضرها جمع من الفنانين والاعلاميين في (شارع المتنبي)،وقدم لها الناقد المسرحي عبد الخالق كيطان بقوله: يعد المسرح.. اباً لجميع الفنون من شعر وموسيقى ورقص وحكاية، وفي يوم المسرح نفتح قلوبنا جميعاً ونستقبل نتاجات عدد كبير من المبدعين العراقيين الذين تحدوا على مدى عقود التغييب والتهميش، وضيق فسحة الحرية، وواصلوا تقديم نتاجاتهم التي غدت علامة شاخصة في تأريخ المسرح العراقي والعربي والعالمي، ونحتفي بواحد من اعلام المسرح العراقي، انه عادل كاظم الذي لايوجد احد بيننا من لايتذكر مسرحياته وقد وضع بصمة واضحة في تأريخ الدراما العراقية، فقد تحدث الفنان الكبير سامي عبد الحميد اولا قائلا: خطوة اخرى لمسيرة دعم القافة والفنون واسناد المبدعين في هذا المجال لكنها جاءت متأخرة، واقولها بصراحة ان هذا الرجل المبدع نسته المؤسسات التي من المفروض ان تتقدم لتكريمه والاحتفاء به، وهو اول مؤلف مسرحي عراقي غيّر وجهة نظرنا في المسرحية العراقية، فقد كنا نحن المخرجين: انا وابراهيم جلال مكثلا نحجم عن ان نتناول اي نص مكتوب من كاتب محلي لاننا كنا نعتقد ان النصوص هذه لاترتقي الى مستوى الحرفية في الكتابة للمسرح، ولكن عندما تقدم الكاتب عادل كاطم بنصوصه الاولى زمنها نصه المشهور الذي تشرفت باخراجه (تموز يقرع الناقوس)، غيّر وجهة نظرنا وقلنا هذا هو الكاتب المسرحي المتقدم الذي تجاوز الكثير من كتاب الدراما في انحاء العالم، وايضا شاركت كممثل في مسرحيته (الحصار) التي اخرجها زميلي وصديقي بدري حسون فريد، كما شاركت في المسرحية الرائعة (المتنبي)، وقرأت الكثير من النصوص عن المتنبي لكنني لم اجد مستوى فنيا يرقى الى المستوى الفني لعادل كاظم، ثم شاركت في المسرحية الشعبية (نديمكم هذا المساء)، كنت اختلف مع اخي عادل لانني اعرف شخصية (جعفر لقلق زاده) وقلت له: لماذا نعطي للرجل قيمة اكثر مما يستحق وكان ممثلا في الملاهي، فقال لي عادل: لست بصدد تقدير جعفر لقلق وانما اردت ان ارفع من شأن الممثل الذي هو الوسيط الذي ينقل الرسالة العظيمة للمتفرجين، واضاف: فعلا كانت رسالة عادل كاظم عظيمة، كانت ضد القهر والعبودية والتلسط في ذلك الوقت الذي كان رقيبنا الداخلي يحاسبنا، وقد تجاوز عادل وتعرض لقهر السلطة، وكان ينافسني على اخراج نصوص عادل ابراهيم جلال وبدري حسون فريد، ويجب ان نذكر ان مسرحية (كلكامش) هو اول من كتبها بشكل معاصر لم يكتبه احد مثله، واستطرد سامي عبد الحميد: حكينا الكثير عن المسرح والادب والشعر والقصة في زمن الستينيات والسبعينيات وكيف وصلت الى الذروة، وسوف تقولون لماذا تقولون هكذا؟، فأقول بالنسبة للمسرح على الاقل ان المسرح تراجع تراجعا واضحا منذ الثمانينيات الى هذا اليوم، المسرح العراقي الراقي من كل النواحي نلاحظ فيه الان اعمالا مشوشة، والرؤية غير واضحة والمعدون والكتاب يعتقدون انهم اكبر من المؤلفين الحقيقيين ويلعبون في النصوص (شاطي باطي)، فيما كانت نصوص عادل تمتاز بالبلاغة الادبية العالية واهم ما يميز النص المسرحي هو فتح الابواب للتأويل والاسقاط، وفي ختام حديثه قال سامي: ان اعمال عادل كاظم ستبقى خالدة في المسرح العراقي كما هي اعمال شكسبير التي ظلت خالدة الى هذا اليوم.
ثم ارتجل الدكتور محمد حسين حبيب شهادته عن عادل كاظم وجاء فيها: نقف اليوم امام متنبي المسرح العراقي، اقولها بلا محاباة ولا مجاملة، كنا مسرحيين شباب ودارسين واكاديميين نتعلم من مسرحياته الكثير الكثير والى الان، وربما اتوقف عند تسميته صاحب (عصرنة التاريخ) فهو كاتب المسرحيات الرصينة في هذا المجال، فهو افضل من كتب في هذا المجال، اما الفنان حيدر منعثر فقال: لا خوف على حياتنا فهنالك دائما ثمة مسرح يلفه حلم، وعادل كاظم واحد من اجمل واروع الاحلام التي لفت المسرح العراقي، وعندما يتحدث المرجع المسرحي سامي عبد الحميد علينا ان نسكت، واذا جاء دورنا من بعده من بعده فهي مشكلة، كيف تعقب على المرجع وكيف تضيف؟، لكنه اضاف: عادل كاظم لايمكن اي حال من الاحوال في تاريخ المسرح ان تغيبه او تتركه جانبا او تقفز عنه، وفي رسالتي لنيل درجة الماجستير التي يشرف عليها سامي عبد الحميد تحدثنا كثيرا عن عادل كاظم وعطائه وابداعه وقد اتحفنا بنصوص غيرت مجرى المسرح العراقي، انا ادعو الجيل الجديد لاعادة قراءة نصوص عادل كاظم لانه لم يكتب لمرحلة بل كان يقرأ المستقبل.ثم تحدث ياسر عبد الصاحب البراك فقال: شرف كبير وانا آتي من مدينة الناصرية لالقي شهادة في (عرضحالجي) بغداد عادل كاظم، وعندما اقول ذلك اقصد بشكل خاص لانه دوّن احزان العراقيين ومظالمهم واصبح (عرضحالجيا) وهذه الكلمة لا تنقص مما قدم عادل في المسرح العراقي ولكنها ترتقي بهذه المهنة لتصبح بمصاف عراف الكنيسة الذي يتلقى اعترافات واثام المعذبين واحزانهم، كان عادل في مسرحياته امينا وبارعا في نقلها الى المسرح، واضاف: من زاوية اخرى عادل كاظم هو مغني الحي الذي اطربنا عندما تنقل بين الاسطورة والتاريخ والمعاصرة، انه ذاكرة هذا الشعب.
ثم جاء دور عادل كاظم ليرتقي المنصة ويتحدث عن ذكرياته واعماله وشؤونه فقال بعد ان شكر الحضور وسامي عبد الحميد: أريد أن أبدأ حديثي عن المسرحية الأخيرة للحلاج الذي قال: (الله في جبتي) فعندما قرأت القرآن وجدت هذه العبارة موجودة فيه، ولكن بشكل آخر، وفي أحد الآيات: (اينما تولوا وجوهكم فثمة وجه الله)، المسرحيون متهمون دائماً بالزندقة والخروج على الحاكم ومتهمون بالخروج عن الاعراف، والأستاذ سامي عبد الحميد في حديثه نسي ان يذكر مسرحية (ليس الا) وهي تكملة لمسرحية (نديمكم هذا المساء)، الكلمة التي القاها بصوته سامي عن هذا الممثل، خارق الذكاء، الممثل في العالم، وهو فعلا ممثلنا ايضا، انا اؤيد سامي انه الى حد الثمانينيات كانت فترات خصبة للمسرح ليس لانها قدمت عادل بل انها قدمت كتاب مثل يوسف العاني واعمال قاسم محمد ونور الدين فارس وطه سالم واخرين، وفعلا كانت فترة خصبة بكل معطياتها بنصها وممثلها، ويذكر سامي انه قبل فترة جاءني استاذ في الاكاديمية اراد ان يعيد اخراج مسرحية (الحصار)، وبين خجلي ومناورتي ومراوغتي، سألني سامي فقلت له: من يمثلها ومن يخرجها وبأية امكانيات، قلت له خلي الحصار فقد كانت حلوة في عيوننا وانا اشكك في نفسي ربما وسأقول هل انني كتبت هذه حقيقة؟، وتحدث عن كيفية وصوله الى المسرح وكيف التقى صديقه الفنان جعفر علي في مقهى (البلدية) الذي عرض عليه التقديم الى اكاديمية الفنون الجميلة، وكيف وهو في السنة الاولى كتب مسرحية (الطوفان) وكان حائرا لمن يعطيها فذهب بها الى المؤرخ العراقي الكبير المرحوم طه باقر ليبدي رأيه بها، لانه من ترجمة ملحمة كلكامش فقال له: أنا لا أعرف في المسرح (بابا مو عدكم حقي الشبلي.. روح وديها له)، وكيف ان الفنان جعفر قال ليس لدينا كاتب سوى يوسف العاني فأنبرى صديقه الفنان فوزي مهدي ليقول للسعدي ان عادل كتب (خوش) مسرحية، فأخذها السعدي الذي وضعها على المنضدة، وبعد يومين سأله عادل عنها فقال انها ضاعت ولم اقرأها بعد (ما ادري وين صارت) ولم تكن لديه سوى هذه النسخة، وذكر عادل كيف ان الفنان ابراهيم جلال دخل عليهم في المحاضرة وسأل عن طالب اسمه (عادل داود) فقال له المدرس وكان جاسم العبودي: لا يوجد لدينا طالب بهذا الاسم وانما يوجد طالب اسمه عادل كاظم، فقال: هذا ما أريد فأخرجني من القاعة وسألني هل أنت من كتب مسرحية (الطوفان)؟ وهل هي تعود اليك؟ فسألته على الفور، من أين حصلت على هذه النسخة التي ضاعت في مكتب جعفر السعدي، فقال ضاحكاً: لقد سرقتها منه من دون ان يعلم/، وقال عادل: أخبرني ابراهيم انه أعجب بها كثيراً ووصفها بانها تحمل جوانب فنية وجمالية كبيرة، وأثنى على أسلوبي وطريقة تناولي للموضوع وطلب مني إخراج المسرحية، فرفضت ذلك فقال لي: لماذا لا تقبل؟ فقلت: ألم تصفني ذات يوم بالممثل الفاشل، واعطيتني درجات قليلة، فكيف سأنجح في اخراج النصوص المسرحية الجيدة، المهم كما ذكر عادل ان ابراهيم اذا عاند يخرج ويصرخ (هؤلاء متآمرون)، وقال: بابا اعطوه 30 دينار لانتاجها وقال لعادل: تعال انت مساعد مخرج.. فأخرجها.
وذكر عادل ذكريات جميلة وتفاصيل عن علاقته بالفنانين والمسرح يطول شرحها، لكن الاحتفالية كانت رائعة ويستحقها عادل كاظم.

*عن موقع إيلاف

 

شاهد أيضاً

حول مجموعة سلام إبراهيم “رؤيا اليقين”*
أسلوبية المدلولات
جلال الرداوي ـ تونس (ملف/81)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

صباح هرمز: مسرحيات يوسف الصائغ بين الخيانة و الانتماء
ثالثا: مسرحية العودة بين الخيانة والانتماء (ملف/9)

إشارة: رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة …

عماد جبار: ذكرياتي.. يوسف الصائغ (ملف/8)

إشارة: رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *