مصطفى الموسوي : موت مهاجر

– هذه ارض المقبرةالانطباع الأول الذي بزغ في داخل سعيد حيران بعد انتهاء الرحلة ووصوله الى المقر الأخير الذي قطع بوادي وقفار وبحار وتحمل ما تحمل من مخاطر وارزاء ليستقر فيه. مازال كيس احزانه يكبر ويتورم يوما بعد يوم ليثقل كاهله حتى ليشعر بأن لاقدرة له بعد للتحرك ولو خطوة واحدة بعيداً عنه. هنا مقره ومستقره ، وليبحث منذ الان وقبل التفكير بالسكن، عن قبر تجاوره شجرة يستظل بها بعد هجير العمر. الآن شعر فجأة بالغربة وشعر بانسجام نفسي لتطابق هذه الغربة مع وحدته، الوحدة التي كانت الدافع والهدف لهذه الهجرة، غربة الروح، والغربة عن المكان، الغربتان انسجمتا في نهاية المطاف ولكن دون ان يكون لذلك أي معنى فلقد وصل الى نقطة الصفر. الآن تيقن بأن عمره لم يكن سوى مزحة سمجة وثقيلة ورحلة عذاب طويلة، بلاهدف، بلا معنى، عقوبة ثقيلة من دون ذنب، حياته لم تكن سوى حماقة دائمة ومتكررة ، رؤياه هذه إنبثقت جلية متألقة واضحة بعد أن غلفتها مسيرته الضبابية لعقود طويلة، ينبوع دموعه لايكفي لترطيب جفاف روحه ويباس حياته، لقد انكشف الغطاء أخيراً. هو لايشبه الاخرين في دوافعه لقد غادر البلاد والوجوه ودفن في تضاريس الذاكرة كل تفاصيل حياته، وأخفى ذكرياته في درج أحزانه، عله يشعر بخفة الروح ويطير بلا جناحين نحو آفاق لاحدود لها ويتحد مع المطلق، آنذاك قد يجد روحه. هاهو الآن وبعد وصوله الى أقصى مايمكن أن يصله في الطرف الآخر من الأرض، لايجد مايفكر فيه سوى أن يقبع في جوف قبر يتفيأ ظل شجرة تجاوره… على ارض بلاده البعيدة. هارب من شئ ما لايعرف كنهه، لقد وصل متأخراً جداً، أكثر من محطة قطعها في طريقه، لم ينقطع تفكيره ولو لحظة عن التفكير في المحطة التي تليها، لذا غابت عنه أشياء وأشياء ولم ير من الطريق الطويل الذي استغرق سنتين سوى المحطات، لم يستمتع بتفاصيل البلاد والعباد ولا بالخرائط والتعرجات والمسارات التي قطعها، كانت البلادة التي تلبست مشاعره واحاسيسه وادراكه قد تركته حيواناً أعجم لايميز كنه الأشياء لاينظر يميناً اويساراً، فقط المحطة التالية التي لايمارس فيها سوى الأكل والشرب والانتظار للوصول الى المحطة التالية هو ما يفكر فيه دوماً- هل هذه هي الخاتمة السعيدة؟ لطالما ضحك من فكرة الخواتيم السعيدة  في الأفلام السينمائية- لاشئ مبهر في الهجرة  ياصديقي (قال لرفيقه الشاب جمال)ضحك جمال من افكار صاحبه وكأنه اكتشف فجأة سر كآبته، لقد قفزت الى ذهنه فجأة حقيقة ان سعيد حيران، شيخ فاقد الأهلية وروح المغامرة وغير قادر على التمتع، لقد جفت لديه ينابيع الرغبة منذ زمن طويل وماتت عنده روح المجازفة وهي داينمو السعادة، لقد تسائل عن الدافع والمعنى في ان يرتكب شخص مثل سعيد حيران مثل هذه الحماقة (الهجرة) مع ان لا قدره له على ارتكاب الحماقات!! لم تمنعه المحبة التي تكونت خلال هذه المدة القصيرة  من ان يصارحه  بالقول:– لأنك وصلت متأخراً جداً ياصديقي وبعد همود النزوات، أما بالنسبة لي فمازلت شاباً وأمامي الوقت الكافي لإرتكاب العديد من الحماقات الكبرى والصغرى، ماقيمة الحياة بدون ارتكاب الحماقات،  ما معناها دون الشعور بالذنب، هل للحياة طعم بعد إنطفاء الرغبات؟ مازال هناك متسع من الوقت للاحساس بالمزيد من الاستمتاع  بالمبهر من الاشياء في الطريق الى ارض المهجر، ليست الخاتمة هي المهم، وانما الطريق هو المهم، السعادة في الطريق وليس في النهاية، فالنهاية هي النهاية، ليس المهم البداية ليس المهم النهاية المهم الطريق، اجعل كل محطة مؤقتة وكأنها الهدف النهائي واغتنم اطيب ما تجود به، الحياة قصيرة ولا مجال لدينا، لا تحزن ايها الحيران.هذه خلاصة ما توصل له رفيقه جمال، الشاب الوسيم الذي رافقه من تركيا الى اليونان الى بلغاريا ثم فارقه الى السماء وهم في منتصف الرحلة، وكأنما اكتشف بالحدس أن الأرض الموعودة لن تتسع لحماقاته المتخيلة، فغادر الدنيا نتيجة حادث سير. لم تكن الفترة التي قضياها معاً خلال رحلتهما القصيرة كافية، سوى لتكوين انطباع اولي لكل منهما عن الآخر، كان جمال شاباً مندفعاً بعنفوان يحاول ان يطلق العنان لرغباته ليلتهم الحياة، تهمه التفاصيل ويتمعن في كل مايواجهه خلال الرحلة، يحاول ان يبحث في معنى الاشياء، كان الهم والدافع الأول لهجرته، هو ان يحمل حقيبته ليصبح مهاجراً قلقاً تحمله الريح انى تتجه ولا يستقر على مكان، السعادة بالنسبة له هي حقيبه على الظهر حين تحين لحظة الانطلاق، اما الانتظار فما هو الا محطة لالتقاط الانفاس وتقدير الربح، ولقد كانت ارباحه صفراً في خاتمة الرحلة التي انهاها قبل الاوان.هل كان بحسبانه مع كل الآمال العريضة التي بناها بالحصول على فرص ارتكاب الحماقات الكبرى، أنه لن يحصل في النهاية سوى على فرصة واحدة تتلخص بارتكاب حماقته الكبرى بالموت في منتصف الطريق قبل الوصول الى مبتغاه النهائي ومن دون  الحصول على اية امكانية لسنوح فرصة اضافية للقيام بحماقات اخرى؟. أي نكتة هذه؟ ما الذي عرفته ايها الشاب الغر عن معنى الحماقة؟  الموت؟! وانت في طريقك لارتكاب الحماقات!! نم قلق العين والروح في ارض غريبة، وحيداً غير منتظراً لأحد بعد إنقطاع السبيل، لقد حطت بك الريح حيث لاتعلم، وجاوزك الرفاق الى المحطة التالية.الخلاصة الفلسفية لما قاله جمال (تأتي من العدم تذهب الى العدم  تحيا بينهما)، فكر بذلك سعيد حيران وهو يتأمل المكان الذي دفن فيه جمال(في مقبرة هي عبارة عن غابة يضيع الداخل اليها)، بينما تنساب من بين أصابع كفه ذرات التراب الأخيرة التي ودع فيها رفيق رحلته القصيرة… رحلتنا دائماً قصيرة مهما طالت. من سيتذكرك ياجمال، من سيتذكرني، من سيتذكرنا، ومن سيتذكر الذي يتذكرنا ولو لبرهة من الزمن؟ لا أحد، في النهاية نحن ليس سوى العدم.

شاهد أيضاً

عدنان عادل: طيران

أُدجّجُ أطرافي بريش التَسكّع أنثى السحابة تغريني كي أطير. * ها هوذا يسير بمحاذاة الجثث …

من ادب المهجر:
إغترابات الليالي في ذاكرة مدينة
بدل رفو غراتس \ النمسا

وطنٌ معلق بأهداب السماء .. وافق يُحدق في ايادٍ شعب مخضبة بأوجاعٍ إلهية..! فقراء يسيرون …

~ نصوص من جواهر ( 12 ) ~
بقلم محمد الناصر شيخاوي/تونس

■ إطلالة على الحرف لا غير ؛ ملامسة جمالية فحسب ● القراءة النقدية بأدواتها المعرفية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *