علي لفتة سعيد : موسم الاصطرلاب (4)

  ( 4 )
من هنا سأبدأ. هذه نقطة اللقاء. وحتماً منطقة الانطلاق. هنا سأعلن ميلادي وتاريخي الجديد. وأطرد خوفي وأحرق قلقي وأكتب أوراقي. سأمزّق آخر أوراق الفوضى والانتظار. سأكسر أسوار السجن الحزين وأطلق نفسي من قفصها لتطير وترفرف وتغني لأبرهن للآخرين أنني أسير وفق ما أريد لا ما يريده القدر. لن أكون في عزلة وسأدقّق في أصغر التفاصيل حتى لا يفلت رأس الرؤية من رأسي. آه.. لقد صدقت تلك العرّافة عندما نظرت إلى باطن كفّي. لقد أصيبت حينها بالعجب. يا ليتها كانت على قيد الحياة لساعدتني كثيراً. لعنة على الموت الذي يسرق الأحلام ويبقي الجسد عرضة للانصهار تحت التراب. قالت لي.. أنني أسير مثلها ولكني سأصل. لأنني اكتشفت ما أعانيه من ضيق التفسير مبكراً. لقد جعلتني العرّافة لا أنام. أطرق أبواب الرؤية لأتطلع إلى الضوء المنبعث من كل الجهات وفي كل الألوان وأستمع إلى كل صوت يختلف عن بحة أصوات البشر. قالت: ستخرج من بئر الظلام إلى واحة الانطلاق الكبيرة حيث تتسع خطواتك. قالت: إن في عينيك بياضاً في السواد وسواداً في البياض. عليك بأتساع الصدر وأن تمرّغ وجهك بمسحوق الصبر. نفّذ كل ما تراه وتسمعه. لأنه أمر صادر من رؤياك العظيمة. ولا تسأله عن شيء. قالت: هنيئاً لك المستقبل. ولم أفهم منها شيئاً في بادئ الأمر.
لابد لي من الفرح الكبير ليتسع المكان. هنا مبتغاي.. أوجده الصوت الذي لاحقني ويأتيني كما الصدى يحرك خطواتي. أسمعه بوضوح حتى وصل الحمار هنا ولم يتحرك بعدها. وعرفت أنه المكان، هنا سأبتكر طرقاً جديدة لمواصلة تجميع أجزائي لأغدو كما الحلم. الخطوة الأولى هي إيجاد الأرض الخالية. وهاهي خالية من تشويشات الآخرين. سأتدرّب على صور مأهولة. جلساتي وتأملاتي وتوسلاتي في خدمة الصوت والضوء الذي يبرق في رأسي،مثل إسطرلاب يوجهني إلى قبلتي للوصول إلى الاكتمال الأخير. لابد من الخلوة الصافية ليكون الحصاد، تحت شمس كاملة أراها من الأفقين وسمت السماء.
شهور من البحث، لم يتعب.. شمس تسطع فوق التراب والأشواك والعقارب والأفاعي.. والعطش والرمال الحارقة والبرد القارص والريح الداخلة في تجاويف العظام.. أنتابه الخوف كثيراً لأنه قلق. حتى كاد يحرضه على التراجع. ويشتّت موكب أمنياته بالهراوات ونباح الكلاب والأحلام الكئيبة. لكنه كان يجد نفسه كلمّا وصل إلى قمّة الخوف أمام مرآة الصوت. حالماً بلحظة التصاقه مع الضوء. سيزيل طنين الضربات التي أرادت عرقلته. كان في كل صباح يمني نفسه أن سيصل. لم يهدأ في البحث.. إلا لأغراض النوم أو قضاء الحاجة. كان يراقب النجوم ويتجاوز التلال والمرتفعات وكتل الكثبان والوحشة والقمر بأشكاله المعهودة. غرق في أوحال المطر الذي أنهمر بلا انقطاع لأسابيع ولم يتوقف. عندما يأتيه النعاس ينام في أي مكان. حتى لو كان المطر ثلجاً. وأصابه اليأس. وكاد يفكر أنه يسير إلى حتفه. فالزمن الطويل لعنة. لكنه تدارك ذلك أيضاً.. لأنه أحسّ أنه طوال هذه الشهور مازال قوياً كفتى.. يتعب فيركب حماره.. يريح قدميه ساعة ثم يمشي لساعات عديدة. فربما لا يسمع الصوت إذا كان فوق الحمار. فحركته قد تعطل استنفار أذنيه واتجاهاتهما في هذا الاهتزاز المتواصل.. كان في بادئ الأمر قوياً. كلمّا تنازعه القلق قام باغتياله. ، فاختلفت هواجسه وتغيّر لون وجهه وتبدلّت ذرات رأسه لتبقى تتأرجح بين الشك واليقين.. أخذ يبصق لعاباً حاراً. وظل أسير إصغائه لعلها تنبع لحظة صافية لاستماع الصوت. يصارع اليأس.. يقاتله.. ليبعده عن جسده وتفكيره. فليطمه بكفيه ويقول: انه يسير في الطريق الصحيح. كان ينظر إلى الحشائش والطيور والحشرات. إذن هنا توجد حياة.
ثمة صورة مرسومة في مخيلته عن شكل المكان. الذي وضع بين يديه في لحظات التأمل العميقة. يفحص المكان. يرى أثراً فيلعن من خطا قبله. كيف وصلتم أيها الأوغاد هنا. أنتم تبحثون عن متع الحياة وأنا أبحث عن صنعها. فجأة. وهو يكلم نفسه.. في ساعة وضوح الفجر.. مع انثيالاته.. قفز كما الملدوغ. فرحاً لقد انطلقت مفرقعات رعشته وأسهم أمنيته وقرعت طبول أسارير وجهه.. شاهد نفسه وهي تتمرغ أمامه بصورة طفولية. مزيحا الهواء بذراعيه وهو يدور في كل الاتجاهات.. باحثاً عن وسيلة لإيقافه.. لقد تبول بلا ألم. أمسك نفسه وأعصابه. فبوله بات يخرج من فتحة في أعلى خصيتيه… بال واقفاً. سأبول وأواصل إلى ما أشاء. خرج بوله أمامه. هذه أولى علامات النجاح، لم يبل كما المرأة. راح يكرّر مع نفسه.. هذه علامات النجاح. لا نفع لأجزاء الجسد. إذا كان الرأس يعمل وفق إيعازات التأمل.
جف بلعومه وتيبس الحلق من شحة الماء. وصرخت البطن من قلة الأكل وتمزق الثوب وتهرأت العباءة وصار اليشماغ أثقل من رأسه، وكثّت لحيته. وتداخل عرق لحيته ببثوره المقشرة. تصوّر نفسه انه يشبه متسوّل يجر في داخله جوقة من السكارى.. وظلّ يبعد عن داخله غناء الرعب. عاد إلى جلساته فالزمن الطويل الذي قضاه في الحركة لم يمنحه الوصول.. ولم يفلح.. تعب كثيراً ونسي فرحته ببوله وقوفاً. كان يتابع شكل حماره. فيراه قد أصيب بفقر الدم وخرجت أضلاعه. وتدلت بطنه.. هاله منظر الحمار فسقط مغشياً.. أخرس. كمن خرج من غرفة التعذيب. ونام لثلاثة أيام متتالية. يغطيه العراء.. في غيبوبة الإرهاق. عندما فتح عينيه في إشراقة شمس النهار الرابعة. أزعجته تقاطعات الضوء داخل عينيه كأنه في مكان مخيف.. داخل غابة من الوحوش المفترسة الجائعة لجسد حيّ لتطعم أمعاءها.. وتوضحت له الرؤية لمدى فرسخ.. فرأى الشمس تتمطى في ضاحيتها الشرقية. ثم عبّ هواء لتنفسه.. وهزّ جسده مخلفاً صراع الخمول. أسند ذراعيه على الأرض وتطلع إلى المكان. فتح عينيه على وسعها. لم يصدق.. كاد الشك يأكل مع تفكيره. من انه ماضٍ في طريق الخلاص بقدميه وهذه المرة الأولى منذ بدء رحلته يسمع أمراً واضحا مثل أغنية مريحة تصاحبها موسيقى تداخلت مع هيكله الخامل لتحيله إلى نوافذ مشرعة لا تغلق. بينما كان سرب اليأس قد غادر من الأبواب الخلفية بلا عودة. أصابه الفرح. برق الضوء في رأسه، وثبت إسطرلاب توجهاته إلى الجهة التي وقف فيها الحمار. زقزقت في داخله أواني الفضة وملاعق الذهب. دار حول نفسه خمس و ثلاثين دورة. التقط أنفاسه، وسيطر على دوران الأرض تحت قدميه، وعاد ليدور حول نفسه خمس و ثلاثين دورة. وضع كفيه على وجهه ليمنع انصهار الفرحة.. عليّ أن أصدق رؤياي.. ياه.. قالها طويلة كأنه لم يصدق. لا مجال للعودة. فكلام العرّافة واضح وعليه أن يستغل الحال لبناء صرح نفسه الذي لن يهرم.
ركض كمن نهض لتوه من وليمة دسمة. سمع صوتا ينبهه بضرورة التوقف هنا. سعى ليروي غصّته ويغسل وجهه ويرى شكله البائس. كانت صورته تضحك وتتشظى وتتأرجح وتنتفخ. غطس رأسه داخل أفكاره وفتح عينيه. أخرج صوتاً كقرقرة الضفادع فتصاعدت فقاعات مختلفة الأحجام. أخرج رأسه وهزّ رقبته فتناثرت حبّات فرحته. صرخ بصوت مرتفع: أنتهى عصر الخمول والجمود.. عصر التفكير الآدمي الخائف وبدأ عصر التحضير إلى الآتي لأكون ما أكون. لابد لي من التهيؤ إلى الخطوة التالية. صدقت أيتّها العرّافة.. الجميلة رغم قبحك.. عليّ أن أنام لأرتاح.. بعدها أفكر بتنقلاتي الجديدة. لابد لي من بناء حياتي هنا لتكون منطلقي.. ربت على ظهره وهمس في أذن: أنا سعيد ولابد أن تكون سعيداً أيها الحمار العزيز. لك الشرف أن تصاحبني.. مدّ يداً مسترخية فوق موضع القلب، وثنى ذراعه اليمنى تحت رأسه.وبدأ باسقاء نومه الهارب جرعة تثاؤب في بستانه الجديد.. ساحبا قسطاً من الوقت ،ليسلم جفنيه إلى إغماضة رقيقة بعد أن حكّ رأسه ورقبته ومطّ شفتيه. لكن رغبة الرقص والدوران عاودته مرة أخرى. فمنحته رعشة جعلت من ظلام عينيه بركة تتراقص فيها الأضواء. فك أزرار دشداشته. مدّ إصبعاً خجلاً إلى عورته. فرْحتان قادتاه إلى إرتعاشة الرقص. لا يهم لا نفع لك. البول فقط ما أحتاجه. فنفسي لا تعشق النساء لكي تضاجعها. إذن لا فائدة من وجودك. أسند رأسه فوق كفيه الملمومتين ولم ينم. ضجيج من الكلمات لا يدري لماذا تباغته. وطال به الوقت وعيناه مازالتا مغمضتين والنوم ظلّ بعيداً عنه. عزا ذلك إلى فرحته. رغم حاجته إلى النوم ليريح جسده من تعب البحث عن المكان. فتح عينيه،هرباً من صداع الأضوية البراقة داخلهما. نظر إلى النجوم التي برزت مع سدول الليل. أصطدم لمعانها ببياض عينيه.. فسحبته الصور عنوة إلى وجه كان يرتعش إذا مرّ ذكره وخفق قلبه. جلس مذعوراً، والصورة أمامه تتحرك بحرية وكاد أ، يتقيأ. ما الذي جاء بك؟ أغمض عينيه طاردا ما جاءت به الذاكرة.. تململ.. أحاط رأسه بذراعيه.. دفنه في التراب. ولم تفارقه صورتها المطاردة لخلايا رأسه. فلا مفر من تثبيت عينيه والإصغاء إلى ذكرياته الرطبة.
– كنت مرآتك التي ترى من خلالها تقاسيم وجهك. لماذا لم تعد تنظر إليّ ؟.
– مرآتك لا تمنح الأبعاد الأربعة. هدوؤك فوضى. لأن ما بداخلي لا يطفؤه إلا الإصغاء إلى أحلامي.
– لقد قتلت كل شيء.
– سأربح نفسي. لأنني سأتوظأ من ماء لا ينسكب إلا على أمثالي. بينما أنتم تتوظأون وتصلّون من أجل أن تبعدوا عنكم الحزن أو من أجل ابتسامة بعيدة.
– الوجوه تمنحك الأمان، والتيه يمنحك الوحشة.
– لكنها لا تمنحني الوجود.
– أهذا ما يقلقك ؟
– كل شيء قيد القلق.. وأنت لا تعرفين من أكون غير رجل تريدينه ليضاجعك.
– وماذا تجني في التيه.
– صدقيني.. سأجني شيئاً كثيراً وكثيراً جداً. أفكاري الآن مثل حبات الرمل.
– إنك تصنع وهماً وتصدقه.
– ليس وهماً. لا أستطيع الميل على زجاج لا يتحمل وزن ذبابة.
سمع صوتها يطارده في كل الاتجاهات، تصاحبه ضحكة مجلجلة. جلس مذعوراً.. نفض رأسه وأزاح الريب من حضن فرحته. من أين جئت يا غلطتي الكبيرة ؟ لابد أن يتعلم لغة عدم الاكتراث وأن يبتكر قانون الإلغاء لكل شيء لا يريده. حرك كفه لتمّر نسمة هواء ترطب وجهه. أنا أكره الأحلام التي تعيدني إلى الوراء. لا أريد لروحي أن تضمحل أو تتهاوى. عليّ ببناء ثكنة انطلاقي.. لتبقى روحي بداخلها طرية كعروس البحر. تعيش في كل الأوقات وفي جميع الأحوال. آه.. بدأت أهذي.
نهض يدّرب نفسه على النسيان والفرح يضع يديه فوق رأسه تارة وأخرى خلف ظهره.. يكلم نفسه ليبتعد عن وساوس قد تعكر عليه صفوَ فرحته. ولما استطال به الوقت لم يجد بدّاً من الكلام بصوت مسموع.. يا سيدي الذي لم أرك.. اجعلني أسير على سجادات نظيفة أفرشها متى أردت وألمّها متى أمرت. ولن تتعبني الغربة. لأنني لن أكون غريباً، وسأنتظر حقيقتي الساطعة التي ستطلق حكمها النهائي في سجن القلق بلا استئناف. الغربة أوراق صفر سريعة الاشتعال، ستحترق في لهيب مرادي وسأتدفأ عليها، وألعب بأوراقي وكلمات عرّافتي قنديلي الذي يهديني وضوح الطريق للوصول إليك. أخرج لي الآن من أي مكان تشاء. هذه علامات وجودك معي. لن تغتصب روحي فأنا بلا سلطان إلا سلطانك أنت.. الداخل مع روحي والمتمازج مع أفكاري. لن أشعر بالغربة؟ وحده الحمار يواسيني بنهيقه المزيل لصفنتي القلقة، ويخرجني من أسوار التململ، أنه سلوتي. المكان الذي أوعزت بالبحث عنه، أوجده لي.. أنه يشبه ما رأيته في حلمي .. قالت لي العرّافة ذلك. ستكون أرضك تشبه أثر قدمك. آه.. أيتها النفس المطمئنة.. ادفني قلقي هنا في الخطوة الأولى للاطمئنان. أنا طفل رضيع. سأنام نصف إغفاءة.. وأغني أغنيتي الطويلة بانتظار أن يتوضح الضوء وأسمع الصوت بكل جوارحي لأستدل على الطريق. ولن أسمح لأحد باغتيال أحلامي مهما كان.
أيقظته الشمس. فتح عينيه. رفع ظهره ببطء. نافضاً عنه قطرات كحول الكسل العالقة في لهاثه. تراقصت رموشه المتسارعة مع جفنيه. وقد نبّأه الحلم إنه الآن ينام في حضن قدمه. رفع ظهره أكثر.. رأى ماءً وعشباً لم يدنسه منقار أو أثر حتى لحشرة. مسك حريته بأحلام كاملة لا يبترها كابوس.. خالية من السهاد. خرج من بطن توجيه إسطرلابه إلى الواقع.. عرف كيف يقود خطواته عندما أمره الضوء أن يتوجه. ظلّ يسبح بحمد أحلامه.. أعاد أزرار ثوبه إلى فتحاتها.. وقف على رؤوس أصابعه. شعر أنه يرتفع قليلاً. ليكتشف شكل الأرض. ضحك بأعلى صوته.. صرخ وقبّل نفسه. ودار.. دار.. باسطاً ذراعيه. مخلفاً وراءه سحابة من غبار مخلوطة برذاذ منعش حتى داخ واصطدم بلهاث أتعبه. سنوات من مطاردة اللهاث المسجون بين حقيقته المرتبطة بعالم آخر وشكّه في وجوده مع الآخرين بلا فائدة. لا حاجة الآن لمقاومة الموت أو معاندة تفسيرات يشاطرني فيها أشخاص ليس لهم علمٌ بتحليلات الأحلام والرؤى غير ما يرونه في المنام بعد مضاجعة النساء.. ركض إلى الخضرة وتمدّد هناك ونظر إلى صورته المتراقصة على صفحة الماء. آه وطني.. ملكي.. منك سأكون.
بدا له كل شيء واضحاً كحقيقة ملموسة لا غبار عليها. ولأن فرصته مازالت تتقافز بين أضلعه وقد كبرت منذ لحظة توقف إسطرلابه على الاتجاه الصحيح. عاد إلى الركض والدوران بكل الاتجاهات، يلحس الأرض ليتأكد من أن لا آثار عليها. فارشاً ذراعيه لتطير عباءته في الريح كأنه يقف في مقدمة سفينة كبيرة تلاعبها الريح. لقد أرادوا قتل حلمي والعودة إلى حقيقة وجودي. أسقط جسده قرب حافة رطبة. ماء وهواء وخضرة طويلة. قرص نفسه بقوة ليتأكد من إنه ليس في حلم. أطبق إصبعيه على ساعده الأيسر وعض على شفته السفلى. وفرك الجلد. وعندما خرج الدم لحسه بفرح طاغ. آه.. أنه طعم الحقيقة. أنا خلقتُ الآن. لأكون سيد نفسي.. أنتم يا من نعتموني بالجنون هذه بداية الشوط وسقوط شعاراتكم.
بصق باتجاه ما رسمه من خط وهمي يصل إلى نقطة ارتكاز سقط المتاع. كانوا يحاصرونه بالصمت أو الشتيمة أو الاستهزاء. بل عدّوه كافراً اتهموه بالإلحاد وأن كلماته رخيصة الثمن وأنه داهية الدهاء. يغتنم الفرص في سبيل مصلحته الشخصية. وعندما يئسوا من معرفة غاياته، قالوا لقد ركبه الشيطان وان ما يبحث عنه هو ملاذ الدنيا وملذاتها الفانية. لكنه كان يتشظى.. تتوالد أفكاره.. وتتكاثر محملة بأمنيات لا يعرف شكلها في رأسه كجوقة موسيقية غير متناسقة.. سحقاً لهم. توقعوا له الغرق. سحقاً لهم. كلماته لم يسمعوها جيداً. وصاروا يبتعدون عنه. سحقاً لهم.. لن أجعلهم هدفاً من أهداف سعادتي.. سحقاً لهم.. كنت أتصور انهم طريق الوصول.. لولا العرّافة التي أنقذتني من اللهاث وراءهم. قالت له في آخر غياب.. إن عليه أن يصمت ويتأمل كثيرا. لأنه يجب أن يصل إليه لوحده. لا فائدة من حضور الآخرين ومعرفة أسراره. قالت له.. أتركهم يحلقون خلف ضبابهم وأبق مع أسرارك الكثيرة. لا تدعهم يعرفون أي شيء مثلما هم لا يعرفون من أنت. سحقاً لهم.. لقد كادوا يضيعونني عندما تزوجت واحدة منهم. وفي بيت ككل البيوت. حماقات زواج ونكاح وولادة وتأخير وصمت ثم موت. يا لها من فئران تأكل تحت مؤخراتهم. وهم لا ينتبهون.. يتكاثرون فقط مثل أرانب شرهة وعرباتهم محملّة بجثث المأساة. فقر وجوع وبراءة واستسلام للقدر، حتى صاروا كدمى. وعرباتهم بلا عجلات والأرض مليئة بالمطبات يسقطون فيها. سحقاً لكم.. سأنظر من الثقوب التي يفهمها حكيمهم الهمام المحب لزوجتي الجميلة. خذها أيها الحكيم المعتوه. فرأسك لا يصل إلا لعضوك. لأنه المهم لديك قبل الأكل أحياناً.
ويضحك الآن. عليه أن يكمّم ماضيه ، أن يعيش سنوات بلا تواريخ. المدى له. بإصبعه رسم على التراب اتجاه دوران الشمس. حفر خطوته الأولى وطبع كفّه على البسيطة. صرخ في الأرجاء. لا يأتيه الجواب. يبتسم. أفق.. أفق.. أرض واسعة وكبيرة والآتي أجمل. الميلاد الجديد للبدء إلى ما لا نهاية. عليه أن يمسك بكل تعاليم رؤياه وتفسيرات عرّافته.
رش الماء فوق رأسه.. وراح يلعب كطفل صغير.. حتى تساقط منه الماء. وركض إلى حماره يقبله.. ويدّله على الحشائش ليأكل. لقد تحملت الجوع مثلي. كل ولا تخف سأمسك عدتي وأزرع وأنت تحرث معي. هنا الحياة وهناك الاستلاب. الموت لن يبحث عن خطواتي. لن يبحث عن مخلوق محروس بالغيب تعب من الفرح. أقترب من الماء مرّة أخرى غطس رأسه فيه ونام.

شاهد أيضاً

د.عاطف الدرابسة: روحٌ وحيدةٌ في دوَّامةِ الفراغِ

قلتُ لها : لِمَ تركتِ روحي وحيدةً في هذا الفراغِ ، تسألُ المجهولَ عن أسرارِ …

محمد الدرقاوي: درب “جا ونزل “

مذ بدأت أمي تسمح لي باللعب مع أبناء الحي في الدرب وأنا لا اعرف من …

تحسين كرمياني: يوم اغتالوا الجسر*

{أنت ستمشين تحت الشمس، أمّا أنا فسأوارى تحت التراب} رامبو لشقيقته لحظة احتضاره. *** وكنّا.. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *