د. سعد التميمي : صراخ الأرواح قراءة أولية في “صمت الأكواخ” للشاعر عيسى حسن الياسري (ملف/90)

إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.
المقالة : 
صراخ الأرواح
قراءة أولية في ” صمت الأكواخ ” للشاعر .. عيسى حسن الياسري
د . سعد التميمي
هذه هي المجموعة السادسة التي تصدر للشاعر عيسى حسن الياسري , وبالرغم من أن الشاعر ينتمي إلى جيل الستينيات إلا أنه رسم لنفسه أسلوبا ً خاصا ًبه , ولغة تميز بها عن الآخرين من جيله , فشعره يتسم بالغنائية التي بدأت تغيب عن الشعر , ويتميز شعره أيضا ًبالرومانسية , فالطبيعة والمرأة أخذتا حيزا ً كبيرا في مجاميعه وبشكل خاص ” صمت الأكواخ ” , والطبيعة عند الياسري تتمثل في بيئته الريفية التي نشأ فيها , ويستخدم الشاعر ” الجنوب ” للدلالة على هذه البيئة , وقد هيمنت هذه المفردة على عناوين مجاميع الشاعر , أما المرأة فأنه يقدسها ولا يستطيع أن يتخلى عنها , فهي أحيانا ً تعوضه عن الطبيعة الريفية التي غادرها منذ زمن بعيد راحلا نحو المدينة بكل متاعبها , ولكن الريف أو الجنوب بقي حلما ًيراود الشاعر بين الحين والآخر , ويعترف بضعفه أمام المرأة قائلا ً :
” لكن .. مالا أندم عليه ِ.. ضعفي في حضرة فاكهة المرأة ِ..كنت ُأهيم على وجهي كما ..
الحمل الضائع ِ.. فأوعزت َإليها أن ْ تلتقطني .. وترضعني لبنها … ”
فالمرأة عند الشاعر أجمل لوحات ” الله ” وهو لا يمل من التأمل فيها , نلاحظ على تراكيب الشاعر اللغة السهلة البسيطة التي يستطيع المتلقي العادي أن يتذوقها ويصل إلى لب التجربة الشعرية فيها فصوره قريبة لا تحتاج من المتلقي كد الذهن , كما أن ّ الإيقاع الذي تخلقه التفعيلات , وعملية توزيع الألفاظ داخل الجمل يأتي أشبه بالأناشيد والتراتيل ْ.
وفي ” صمت الأكواخ ” هناك عدة قضايا تستحق الوقوف عندها وأولها ” العنوان ” فالشاعر كسر المألوف فلم يختر عنوان إحدى القصائد لتكون عنوانا ًللمجموعة وأتى بعنوان أراد له أن يكون غطاء يكتم به ” الصراخ ” والأنين الذي يتطاير من القصائد , فالأكواخ أراد بها الشاعر ” الجنوب ” بكل ما فيه من أهوار وقصب وبردي وحقول وأنهار , وهي لم تصمت في وجه ما تتعرض له من جراحات واغتصاب من قبل المدينة , فهي تصرخ في معظم قصائد الديوان , ونحن عندما نقرأ القصائد فأننا نسمع توجع الشاعر وهو يشارك رفاق طفولته وهم ينقرضون الواحد تلو الآخر ” نهر أبو ابشوت ” الأشجار اللون الأخضر الأكواخ الطيور التي غادرت أوكارها , إذن فالعنوان شكل ّثنائية ضدية خلقت مفارقة شعرية , فالأكواخ هي تلك الأرواح الكامنة في كل مفردات الحياة في الجنوب – الريف , وهي تصرخ في كل لحظة تطلب الاستغاثة لكن الشاعر اختار لها الصمت لأن الخوف هو سيد الموقف الآن كما يقول في إحدى قصائد الديوان :
” أنت َ أيها الخوف .. أعتل عرشك َ.. أيها السيد ُ .. يا سلطان هذا القرن ِ
يا قيصرنا الجدير بالسجود ْ … ” .
إذن فالصمت هنا هو ” صراخ ” أو ثورة غير معلنة تستنهض الجنوب المهدد بكل مفرداته كما في قصيدته ” مرثية أبو ابشوت ” :
” ارفعوا الأغطية .. وأزيلوا الغبار عن انحدارات قامته ِ … ”
إن ّ نهر ” أبو ابشوت ” الذي يرثيه الشاعر في هذه القصيدة مثله مثل كل مفردات البيئة الريفية يرتبط بطفولة الشاعر وماضيه , لذلك فإن ّ” صمت الأكواخ ” الذي كان مناجاة واستذكارا ًوعودة للماضي للتخلص من سجنه المتمثل بالمدينة ليعود حرا ً طليقا ًإلى قريته :
” من سيعتقني من جسدي .. هذي القلعة ذات الأسوار الشائكة ِ..إذ ْ أهجرها سأعود طليقا ً … ” .
ولم تخل الأقوال التي قدم بها الديوان من الإشارة إلى ملامح الريف , فاختار قولاً للأمام ” علي ” يثني فيه على “التراب ” و ” الماء ” اللذين تنعم بهما ,,التراب الذي يصلح فراشا ً , والماء الذي يعدل الطيب , كما اختار من ” فرجيل ” قوله ” لقد ضاعت قيمة المحراث .. وحرمت الحقول من زارعيها ..وسكت المناجل المقوسة آلات للقتل ” , ومن أقوال ” نيتشه ” يستخدم العبارة التالية :
” نحن بحاجة إلى الجنوب .. نحن بحاجة إلى نبرات صافية وبريئة ورقيقة ” .
لقد أراد الشاعر تأكيد الصفاء والبراءة والعذوبة التي يتوفر عليها الريف , وتتشكل هذه الاختيارات التي قدم بها الشاعر ديوانه بوابات يدخل من خلالها القارئ لقصائد الديوان , إذ نجد صدى هذه الاختيارات في كثير من القصائد , فهو دوما ًيبحث عن الجنوب الذي يستقطب أبناءه فيقول في قصيدة ” المحطة الخمسون ” :
” أن ْ أصنع أرضا ً لا منفى فيها ..وجنوبا مأهولا ً بالخبز ِ”
…………
فلننس البيت َ .. وقرطيك ِ الفضيين ِ .. ودعينا نحلم ُ ..أن نصنع أرضا ًلا منفى فيها .. وجنوبا ً لا تهطل فوق مراعيه أمطار الخوف ْ ” .
وقد كانت هذه القصيدة أشبه بالسيرة المكثفة للشاعر نفسه بعد أن أحس أنه وصل محطة الشيخوخة , مع ذلك فهو ما زال يخاطب المرأة في كل قصائده ِ
.و تلك القرية التي افتقدها منذ زمن بعيد , ولم يجدها في كل نساء المدينة على ما منحته من حب وعاطفة وظل يحلم بجنوب يعم فيه الخير ولا يلاحقه الخوف ليفترسه .
والقضية الأخرى التي نلمسها في هذا الديوان طغيان ألفاظ معينة وهي تشكل معجما ًشعريا ًخاصا ً بهذا الديوان , وتكاد تندرج في حقل واحد هو الريف , وقد كانت هذه المفردات الركيزة الأساسية في معظم القصائد , ومن أبرز هذه الألفاظ نذكر .. الجنوب – المراعي – الغابة – الحقل – الطيور –العشب – النجوم – العصافير – النهر –الندى –الفلاح – الحصاد – القرية – الريح – , وتتكرر هذه المفردات عدة مرات داخل القصيدة الواحدة وفي مجمل القصائد , ويعكس هذا الشيوع لهذه الألفاظ الارتباط الوثيق بين الشاعر والريف الذي ما زال يسكن قلبه , ويداعب مشاعره حتى ولو في الحلم , فضلا ًعن أن ّهذه المفردات لم تكن مقتصرة على هذا الديوان بل كانت شائعة في دواوينه الأخرى , ومن السمات الأخرى التي نلمسها في الديوان الغنائية الواضحة , وقد يعد بعض النقاد الغنائية عيبا ً يجب أن تتجاوزه القصيدة لتستطيع أن تواكب العصر وما يطرأ عليه من تطورات وما تجري فيه من أحداث , أو يقول آخرون أن ّ الياسري قيد نفسه بهذه الغنائية ولم يستطع مغادرتها , لكنني أرى أن ّ الياسري اختار هذا الأسلوب بإرادته فأراد أن يتميز بأسلوبه وتميزه هذا لا يعني أنه ظل ّيراوح في مكانه , فالشعر يجب ألا يكتب بأسلوب واحد , ومثلما نحن نحتاج للقصيدة التي تواكب عصر السرعة الذي نحن فيه والتي تعكس التحولات السريعة في الأحداث وهو ما تقوم به قصيدة ” النثر ” كذلك نحن أيضا ً نحتاج إلى تلك القصائد التي تتسم بالغنائية على ألا تكون الغنائية حد ّ الميوعة التي لم أجدها في ” صمت الأكواخ ” ,حيث يرمي الشاعر حزن الناس على الطبيعة مثلما فعل ” الرومانسيون ” في صورة جميلة مشحونة بالعاطفة واضحة الدلالة فيقول راثيا ًالنهر :

” أيها الملك الذي يتأبط حزن رعاياه ْ..أنت َارتحلت َ..وعلقك العصر فوق شماعة ِ..
المدن القاتلة ْ … ؟ . ”
فالمدينة هي الشماعة التي يلقي عليها المخربون والمغتصبون أسباب اغتيال الريف بمفرداته الجميلة , وهي عند الشاعر قاتلة تتعب من يجري خلفها :
” أتعبني الجري خلف المياه النظيفة ِ..خلف النساء المحبات ِ..باص الصباح ِ..وصاياك َ … ” .
ويتلاعب الشاعر بالألفاظ بدقة ليشحنها بدلالات جديدة تتفجر بها عاطفته , فالنظيفة هنا إشارة أشار بها لما يلاقيه الشاعر من ألم ومرارة في المدينة على ما فيها من حسنات , والعصر هنا مذموم لأنه اغتصب أحلام الشاعر , وتأتي الصور التي يشكلها إسناد الصفة ” القاتلة ” للموصوف ” المدينة ” لتكشف لنا خوف الشاعر من المدينة التي بدأت تحاصره في هذي المرحلة من عمره , وأخيرا ًنذكر أن ّهذه الدراسة كانت محصلة القراءة الأولى السريعة للديوان وهناك قراءات أخرى متأنية تكشف عما في الديوان من جماليات الأسلوب , خاصة وأن ّ فيه قصائد تستحق القراءة والنقد لأنها تنقلنا عما يكتبه البعض اليوم باسم ” الشعر ” وكل همهم فيه التلاعب باللغة حتى يغيب الموضوع عن المتلقي .

…………………………………..

” جريدة الجمهورية اليمنية – الملحق الثقافي – 16- 5 – 1997 “

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *