د. عاطف الجرابسة : لا النَّافيةُ للعربِ

قلتُ لها :

قد حانَ الوقتُ أن نُعيدَ النَّظرَ والتفكيرَ في ثقافتنا وهويتنا ، وفي موروثنا المقدَّسِ وغيرِ المُقدَّسِ ؛ فلا أستطيعُ أن أتصوَّرَ أنَّ أمةً بهذه الهمجيَّةِ وهذه الغوغائيةِ وهذه الفوضى قادرةٌ على أن تمارسَ الفعلَ الحضاريَّ ، ولا أستطيعُ أن أتصوَّرَ أنَّ أمةً سعت إلى تدميرِ قاعدتِها الحضاريَّةِ وإرثِها التاريخيِّ قادرةٌ أن تربي طفلاً واحداً تربيةً حسنةً ، أو أن ترعى ذاتَها رعايةً حسنةً تجعلُها تصمدُ في وجهِ أيِّ ريحٍ عاتيةٍ أو غيرِ عاتيةٍ .

إنَّ هذه الأمةَ من المحيطِ إلى الخليجِ أدمنت الحربَ والفتنةَ والخيانةَ وجلدَ الذاتِ ، ونذرت نفسَها للشيطانِ ، فعاثت في نفسِها فساداً وإفساداً ؛ فقد أفسدت المكانَ وأفسدت الإنسانَ : عقلَه وقلبَه وضميرَه ، وأرست قواعدَ جديدةً في فنِ الفتنةِ فهدمت دولاً ، وأحرقت عواصمَ كانت قِبلةً للتاريخِ ، ومهداً للدياناتِ والأساطيرِ والحضاراتِ .

هذه الأمةُ ما زالت إلى اليومِ تدَّعي أنها حاملةُ فكرٍ وصانعةُ مجدٍ وصاحبةُ سِيَرٍ ، غير أنَّها ما زالت كما هي مُحصَّنةً بجاهليَّتها ، خاشعةً لأصنامِها ، ساجدةً لرجالٍ من طينٍ أسودَ ، لا تُحسنُ إدارةَ شؤونِها ، ولا هي بقادرةٍ على استشرافِ مستقبلِها ، أو توفيرِ الأمنِ والاطمئنانِ لأبنائِها .

ينبغي أن نعترفَ أنَّنا نعيشُ على المستوى الزمني في عصورِ ما قبلِ النَّارِ ، نحتكمُ إلى شريعةِ الغابِ ، وإنَّنا ما زلنا في المرحلةِ الرَّعويةِ لا فرقَ بيننا وبينَ تلكَ الكائناتِ التي تقتاتُ على العشبِ ، وينبغي أن نعترفَ بأنَّ عقولَنا ما زالت سوداءَ بلونٍ واحدٍ كلونِ قلوبِنا .

نحنُ أُمَّةٌ لا نجيدُ إلا زراعةَ الموتِ ، ونشرَ بذورِ الفسادِ بكلِّ مكانٍ ، لا يُصلِحنا شعرٌ ، ولا يَقبلنا ميزانٌ .

كلُّ الكواكبِ تساقطت من سمائِنا وكلُّ النجومِ آفلةٌ ، فلا نهارُنا نهارٌ ولا ليلُنا ليلٌ ، ذهبت ريحُنا وخمدت نارُنا ، فلا سراجٌ يشقُّ لنا عتماً ، ولا شمعةٌ تنيرُ لنا طريقاً ، كأسُنا فارغٌ كعقولنا ، وربيعُنا يابسٌ كقلوبِنا .

تلك هي ثقافتنا وهذا هو وعينا ، جهل يتناسلُ منه جهلٌ ، ودمٌ يصبُّ في دمٍ ، وتاريخٌ أهبلُ يجلسُ على الرَّصيفِ يستجدي قلماً وورقةً لينسخَ نفسَهُ من جديدٍ .

د.عاطف الدرابسة

شاهد أيضاً

هاتف بشبوش: مَن أضاءَ الكونَ وأعناقَ النساء …

ذات يوم إلتقى العملاقان مخترع الضوء.. الأمريكي ( توماس أديسون ) ومخترع اللؤلؤ.. الياباني ( …

عبد اللطيف الشواف في ذكرياته وانطباعاته
حادثة تموز ١٩٥٨قفزة نحو المجهول
شكيب كاظم

في سنة 2004، تولى من لندن الدكتور علي نجل الأستاذ عبد اللطيف (علي) الشواف، المولود …

لطيف عبد سالم: جائزة نوبل تتنفس شعرًا بمنجزِ لويز غليك

بعد تسع سنوات من غيابِ الشِّعْر عن فضاءِ جائزة نوبل للأدب، فاجأت الأكاديميَّة السويديَّة الأوساطِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *