الرئيسية » ملفات » محمد يونس : قراءة استعادية للقيم الشعرية؛ الشجرة الشرقية لفاضل العزاوي (ملف/2)

محمد يونس : قراءة استعادية للقيم الشعرية؛ الشجرة الشرقية لفاضل العزاوي (ملف/2)

إشارة : 

احتفاءّ بمسيرة إبداعية ثرة ومعطاء، شعراً ونقداً وسرداً، ودور تجديدي صادم في الثقافة العراقية، يسرّ أسْرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر ملفها عن المبدع الكبير “فاضل العزاوي” متمنية على الأحبّة الكتّاب والقرّاء إغناءه بالمقالات والصور والوثائق. وسوف يكون الملف مفتوحاً من الناحية الزمنية على عادة الموقع فلا زمن يحدّ الإبداع العظيم. تحية للمبدع الكبير فاضل العزاوي. 
المقالة :
قراءة استعادية للقيم الشعرية..  الشجرة الشرقية لفاضل العزاوي
محمد يونس
يمثل التاريخ الشعري العر اقي في تاريخه اهمية  وجودة ومقدرة اداء وتنوع ايقاعي، وما كان للحداثة الشعرية والتطورات الفنية اثر اكبر في خلق قيم ابداعية مهمة في الشعر العراقي، ويعد فاضل العزاوي واحدا من المجددين في صياغة وبناء القصيدة، ولرؤياه الشعرية دور في بلورة تجربة مهمة وتسعى الى التفرد الفني .

بناء متطور- فترة السبعينيات هي قطب او قمة للثقافة العراقية، وفي الجانب الادبي كان الشعر يحتل الاولوية، حيث هناك نظام يحرك الكم والنوع، وتعددت الطاقات الابداعية، وكان فاضل العزاوي طاقة متنوعة الاداء ادبيا، فقد برع في تقديم رواية مهمة خارج النسق التقليدي ، وهي ( مخلوقات فاضل العزاوي) ، ومنها يمكن أن نقنع أن فاضل العزاوي يسعى الى تحديث حاد وايقاع مختلف، وفي ديوانه ( الشجرة الشرقية) ثمة روح تجديد شعري واضح، رغم ما كان من سياقات ذاتية كانت تلتزم بها حينها قصيدة التفعيلة التي نزعت عنها (قفطان عتيق) للنسق العمودي في الشعر، ونلمس في ( الشجرة الشرقية) ذات تروي لنفسها شعرا، فيه مواراة من جهة وفيه جرأة من اخرى، وايقاع الجملة الشعرية الخارجي هو يؤشر سياق بناء غير ثابت على حال واحد، وأن كيان القصائد خرج عن النمطية،فهناك قصائد كتبت افقيا، ولم تكتب حينها الا قصائد نثر بنماذج قليلة، وهذا الشكل الشعري الذي يمثله كيان قصيدة مختلف هو نمط تجديد، وتجد المضمون الشعري ايضا يسعى الى المغايرة والابتكار كمظهري تجديد، ونرى كيان قصيدة ( المهرج ) مثال سيميائي، حيث أنه اندر من الندرة أن تجد نصا شعريا بذات النسيج، فاضافة الى كيان القصيدة المبني افقيا، وهنا لابد من تنسيق في الجمل الشعرية في سياق تسلسل البناء الافقي، وحتى الا ستهلال نجده غير نمطي، حيث تبدا تلك القصيدة .

وكما أجتزت الساعة مغلولا يا رجل الصحراء سترفع احزانك في وجهك حتى لايهلك من يأتي من بعدك أو ينسى انشادك هذا الممنوح الى الاجيال . وقال المتوحد: مالم اشهد جرحي لن اعرف نفسي .

أن نسق الكتابة هذا يمثل تطورا شعريا من جهتين، فهناك تطور عام شهدته الحركة الشعرية في العراق بكل مستوياتها، وكمرحلة شعرية تستوجب الاستجابة اليها والى بعدها الحداثي، ومن جهة اخرى هو مثال تجريبي للتطور الفني في الكتابة الابداعية، وطبعا هناك استثمارذاتي من قبل فاضل العزاوي للحالة العامة في التطور الحداثي الذي يمربه الشعر، والجهتان هما كل له سلطة أن تمثل داخل النص، فهناك كما نعتقد مشترك لذات الشاعر فاضل العزاوي لدا السلطتين، ويمكنهما من الاتفاق والتوافق، وذلك المشترك هو الاطار الحسي، عبر المشترك الدلالي في الاطار الانثربولوجي ، والشعوري في مستوى حسي متقارب ، وهذه المنطقة حساسة جدا لدى فاضل العزاوي، وأن لم تبن احيانا كون الشاعر استخدم الكثير من المفردات الجافة، اي أنها لاتعبر عن غير نفسها، وفي اغلب القصائد هناك حكي بصغة لغة شعرية، مثلا هذا الحوار الشعري في قصيدة ( النهوض ) والذي يحيل الى ذات الشاعر بكل مقوماتها الانسانية والشخصية .

– من أنت لتوقظ هذا الصمت الابدي

– اني اوقظ احلاما يا سيدتي أشجار

– ضحكت مني. وقالت

 – من يوقظ أخلاما يدخل وادي  الريح.

واللغة هنا واضحة ومتجلي كل بعد فيها بوضوح، حيث أن الشخصي يتمثل بالصفة العامة ومديات الشعور، وأما  الأنساني يمثله المعنى الشعري وابعاد الدلالات الشعرية، ونلاحظ أن كيان الشاعر راسخ خارج معطاه داخل الجمل الشعرية التي يمثلها، لكن الأسئلة التي يواجهها تبقى بلا اجابة، ويكون هنا  ليس سوى حالم بلا رهان، وكما في تلك الجمل الشعرية في القصيدة وكذلك في قصائد اخرى، وتلك تكون مراة للمنطق الشعري، ونشير هنا لفن الاداء الشعري الذي لم يجعل كيان القصيدة يتأثر بسياق الحكي، الذي هو مكتوب فقط، اما بعده الملفوظ فمختلف حيث لا تجد الا ايقاع للشعر، وجودة البناء والتعبير الشعري وصياغات الصورة بمستوى متمكن ابداعيا وجماليا. 

الهم الشعري – أن وجدان الشاعر فاضل العزاوي مثل في ديوان( الشجرة الشرقية) عدة اسئلة تتصل بحسه الشعري وموقفه الانساني ، وقد تبدى ذلك احيانا في كيان القصائد حتى بوجه ايدلوجي لكنه مبرر، او أن هناك مستويات فردية تتمثل بذات الشاعر وتكون بملامح رادكالية واضحة الى حد ما كما في بعض القصائد، وفاضل العزاوي لايبدي هما شخصيا، بل هناك رمز مسمى في بعض القصائد، مثل ( عبد الله)، وفي اخر يكون كيان الشاعر هلاميا محسوسا عبر الهم الشعري وغير منظور، والشعر هنا مسلك لمرور تطور الهم بمظهر الشاعر احيانا، واخرى يرمز عبر المعنى الشعري الى احاسيسه المتدفقة، ففي قصيدة (قرية الأطفال) يكون المظهر عبر المسمى (عبد الله) وهو تعويمي، فيسأله الأطفال تلك الشخصية الهلامية.

–  عمن تبحث يا عبد الله

قلت : عن الأنسان المفقود

قالوا  :  لعله هذا الطفل النائم تحت الأشجار

– لا اعرف

طبعا هناك حوار لكن ببعد شعري يجعله ليس كما معتاد أنه كلام، بل أن عنصر اللغة الشعرية وقدرتها الفائقة في تحقيق المعنى الشعري في كيان حوار، جعل الجمل الحوارية  حتى وهي مكتوبة لا ترسم الا معلم شعري، وتلك الميزة ما فارقها فاضل العزاوي في جميع قصائد الديوان التي فيها حوار من جهتين او جهة تحاور نفسها، وقدم تجربة فيها ذائقة شعرية عالية وبلاغة رسم معنى شعري، حيث أن كل جملة شعرية تجد نفسها فاعلا، وتقرأ بنفس ذلك النفس في أي زمن، وقوة فاضل العزاوي في جعل الهم الشعري بديلا للهم الأنساني، دون اي عاطفة شخصية تلمسها في الجمل الشعرية، بل أن العاطفة الشعرية تنيب هنا وترسم انفعال حسي في الأيقاع الداخلي، وثمة علائق تراكيبية بين ذات الشاعر والشعر من جهة، كقيمة تنمو برسم معالم هم يزداد عمقا، وبين الشاعر والمجتمع الذي ينيب عنه، كموقف انساني، واحيانا يتطور الى بعد ايدلوجي غير معين، وأن تفسير العلائق التراكبية بين الشعر والمجتمع لابد لذلك التفسير من البحث عن وسائل اقناع من الناحيتين ، فالمجتمع لايمكنه الأنفصال عن مقومات تاريخه، وكذلك الشاعر في مستوى نسبي ببعده الأنثربولوجي، فيما الشعر يسعى لتبرير اواعادة صياغة تلازم المجتمع بتاريخه عبر الأشارة والترميز وتوصيف او ايحاء الخيال الشعري، وقد رسمت القصائد مستويات عدة للعاطفة الشعرية، مرة نصية واخرى شخصية وثالثة لكيان مجتمع، لكن ليس مباشرة او بصيغ تأجيج السؤال الشعري ليكون ثوريا، بل حافظ ضياء العزاوي على ايقاعه، فكان الأيقاع الخارجي يقترب من ذات الشاعر ببعد عضوي بالعاطفة ومن ثم يعود بها الى كيان القصيدة، وأما الأيقاع الداخلي فيؤكد تلك العاطفة عبر الارتباط الوثيق بين المعنى وموسيقاه .

المفردة اللازمة – ليس امرا مستغربا ان نجد مفردة تلازم قصائد عدة عند فاضل العزاوي، وأن تلك المفردة بالغة العمق الرمزي، ويمكن أن تكون بمفرها ترسم اكثر من معنى شعري في ابعاد تأويلية، والشاعر فاضل العزاوي اجاد اختيار مفردته البليغة حسيا وعاطفيا ايضا، وأن مفردة ( عصفور ) قد توحي لنا لوحدها بأبعاد عدة، حيث هي رمز اجتماعي من جهة، وهي رمز متعدد المعاني ادبيا، وايضا هي بعد سيمولوجي انسانيا، وقد وردت مفردة ( عصفور )  بالتمام ( 20) عشرين مرة في قصائد عدة مختلفة الموضوعة الشعرية، وهي مرة تأتي ايقونة رمز شعري يمثل داخل الصورة الشعرية معنى شعريا، ومرة تكون عضوية اي تعبر عن نفسها، واحيانا تكون علامة سيمولوجية يلوح بها الشاعر كأيقونته، وهو قيمة في رمزيته وليس في عضوية المفردة، وحتى العاطفة الشعرية تمثل بها مفردة ( عصفور) وحدة حسية غاية في الانفعال، وايضا التوظيف الشعري كان يمثل صورا عدة، ولم يكن هناك بعد واحد للمفردة اللازمة او ايقونة الشاعر،ففي قصيدة ( ما الأنسان سوى حطاب ) نجد أن العصفور ليس في مجاله المعتاد، حيث يرد في الجملة الشعرية ، أنه يحوم فوق وادٍ، اي أن المجال الاساس للعصفور وهو الخمائل والاشجار خارج سياق الجملة، وكما أن مفردة (يحوم) تبعد المعنى في الجملة عن مداره، وفي قصيدة (ايتها البرية، ايتها البرية )، هناك حكي لذات الشاعر الذي اراد أن يبني بيتا في الوحشة، حيث يقول (اعطوني عصفورا اعمى )، وطبعا يمثل عمى العصفور مفارقة ، وفي قصيدة ( من يعطي ازهارا للبؤساء ) هناك لون يتمثل به العصفور ، واللون ازرق ومؤكد ثمة رمزية يتمثل بها، وفي قصيدة (اسئلة) هناك مكان حسي فيه عصفور، حيث يقف العصفور على نافذة الشاعر، وفي قصيدة (ذكرى الاصدقاء) يرد اسم عصفور مرتين، ففي الاولى يكون العصفور جاثما مصلوبا في عشه، وفي الثانية يبحث الشاعر عن عصفور مشنوق ، وطبعا هنا اكثر من معنى، وتتطور الابعاد التأويلية حتى تبلغ البعد الايدلوجي، لكن دون مباشرة اشارية له، وفي قصيدة ( الرسام والعصفور)، والتي فيها من النص الموازي نجد مفردة عصفور ماثلة كعنونة، وقد وردت مفردة عصفور ثماني مرات بصيغة مفردة، ومرتين بصيغة جمع، وطبعا تمثل في تلك القصيدة يكون العصفور رمزا اساسا وفاعلا في كيان القصيدة، وهنا نبلغ مستوى من اليقين بأن المفردة اللازمة قد اكدت رسوخها في ثقافة الشاعر فاضل العزاوي ولها في رؤياه قيمة وجدانية واحساس تناغمي، وربما قد تغور بعيدا نحو منطقة الطفولة الرحبة.

عن موقع الحقيقة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *