باقر محمد جعفر الكرباسي : نقد القصة عند الاستاذ الدكتور علي جواد الطاهر (ملف/10)

إشارة :
من المؤسف أن تمر الذكرى السنوية لرحيل شيخ النقاد الدكتور “علي جواد الطاهر” من دون الإحتفاء بمنجزه النقدي العلمي وتراثه البحثي وهو “الطاهر” تربويا وعلميا. ويسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تُعدّ هذا الملف عن الراحل الكبير وتدعو الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى المساهمة فيه بما يتوفر لديهم من مقالات ودراسات ووثائق وصور.

الدراسة :

نقد القصة
عند الاستاذ الدكتور
علي جواد الطاهر

الدكتور
باقر محمد جعفر الكرباسي
الكلية الإنسانية الجامعة
2009

المدخل :
منذ السبعينات حين كنا شبابا نترقب الجديد من الاصدارات ولا يفوتنا شيء ، كنا نملك من الحيوية والمتابعة الجادة كثيرا ، بعكس ما يحدث لشباب هذه الايام … طروحات كتاب تلك الفترة كانت تسهرنا حتى الصباح في نقاش محتدم ينتهي دائما باختلاف الآراء ، وكتب الطاهر كانت من ضمن هذه الاصدارات ، فالعلاقة بالطاهر الموسوعي علاقة قديمة ، لم تكن علاقة شخصية وانما تعرفت عليه من كتبه وآرائه النقدية والفكر الناضج الذي يحمله ، فانصب اهتمامي عليه من ذلك الوقت وما زال، فقرأت عنه كثيرا وعشت مع مؤلفاته وقتاً ممتعاً، فوجدته يولي اهتماماً كبيراً بالقصة ويعطيها وقتاً لقراءتها وكتابة النقد عنها، هذا كله جعلني اكتب عنه هذا البحث، اذ درست فيه رأيه في تعريف القصة ومن ثم حديثه عن تاريخ القصة وأعلامها ومن ثم رأيه في نظرية القصة هذا كله كان المبحث الاول، اما المبحث الثاني فدرست منهجه في نقد القصة فكتبت شيئاً عن النقد القصصي في العراق ومن ثم عرجت على منهجه في هذا النقد مع خاتمة ومراجع استخدمتها للبحث .
المبحث الاول :
1- رأيه في تعريف القصة .
يعد الاستاذ الدكتور على جواد الطاهر ( رحمه الله ) علما من اعلام الادب والنقد في العراق والوطن العربي ، كانت اهتماماته متشعبة ومتعدده اذ عد من الكتاب الموسوعيين ، في وقت ضاقت الدنيا بالمثقفين فاتجهوا صوب التخصص ، التخصص في لون ثقافي يكتب فيه ويعرف به ، لكن اهتمام الطاهر كان منصبا في اغلبه على مجال النقد الادبي وبوجه اخص نقد القصة ، ولدى عودته الى الوطن وجد لديه اهتماما جادا الى القصة اذ يقول في تعريف القصة : (القصة عموما حكاية والحكاية خصوصاً ان يروي انسان لآخرين ما رأى او سمع او تصور وهي على هذا قديمة قدم المجتمع الانساني ، هذه القصص الأولى ولنسمها الحكايات قدر مشترك بين بني البشر في كل مكان او انها مما يجب ان يكون كذلك ، وطبيعي ان تكون اول ما تكون نثراً ، ونثرا اعتياديا من لغة الحياة اليومية وانما تستمد قوتها من تصرف الراوي بما تمليه عليه مخيلته وبما تمده به قدرته على الوصف والتشبيه) ( 1).
والقصة من فنون الادب التي احتلت مكانا مرموقا في النفوس للمتعة والتي يحس بها القارئ ويتذوقها السامع باختلاف العصور وتنوع الاعمال وتباين البيئات .
ويقول الطاهر عن القصة بكونها اثراً فنيا : ( انه حين يكون الأثر فنا مبدعا حقاً فهو فن للفن وفن للحياة واذا افترق الظاهر فطغى الفن شكلا او الفن مضمونا فلن يعود الفن فنا ولا فن مالم يتحد الامران ، ولا يتحد الامران بغير الفن والفنان …) ( 2)
وفي الملتقى القصصي لجيل ما بعد الستينات الذي عقد في بغداد عام 1992 ارتجل الطاهر كلمة قصيرة في جلسة الافتتاح كانت بعنوان ( واذ يولد جيل ) انها كانت منهجا وليست كلمة، كانت طريقا صحيحا للذين يرغبون بالابداع، قال الطاهر في نهاية الكلمة
: ( نعود لننتهي بأن القصة فن صعب وعلى صاحبه ان يتحمل من أجل ان يأتي بالاحسن ) (3 ) .
وعن أهم ما يراه في القصة سئل استاذ الجيل مرة فأجاب : ( الاداء الفني ، العناية بالتركيب والاسلوب ، عرض الحدث مع انفعالاته لامجرد حكاية او تقرير عن حادثة ، اما قضية القواعد القديمة التي ترتبط بالعقدة ، فقد خفت كثيراً ، الانسياب والتأثير النفسي لا المناورات عل اعصاب القارئ ، مدى تأثره فيك من هزة وتفكير منبعثين من عمقهما في الكتاب ، ، يقول الطاهر … لقد انتبهت لدى ستندال وتشيخوف مترجما الى الفرنسية ومن النثر الفرنسي بعامة : الى ان هناك عبارة خاصة اسمها ( العبارة القصصية ) ليست شعرا وليست علما : اذا قلت لي انها شيء بين هذا وذاك لم تخطيء كثيراً ) (4 ) .
هذا اهم ما أراه في القصة .

2- رأيه في تاريخ القصة وأعلامها :
للقصة تاريخ طويل يبلغ عمر البشر او يكاد ، وقد كانت القصص – اول ما كانت – خبرا او حكاية او اسطورة ، ثم مغامرات وخوارق لا تصدق في الحرب والحب ، وتاريخها طويل لأن حاجة الانسان اليها فطرية ، وعن القصة وتاريخها عند العرب كتب الطاهر : ( وتسأل عن القصة العربية ، وهل للعرب قصة ؟ وعن الرواية العربية وهل هي من ثمار الرواية الغربية ؟ …. لاشك في ان للعرب قصصا ، فليس العرب بدعا من الامم ليكونوا شعبا من غير قصة ، ولابد من انهم بدأوا – كما بدأ العالم كله – بالحكاية وربما كانوا – بسبب عراقتهم – من الامم السابقة في الحكاية ولم تلبث الحكاية القصيرة ان تكون حكاية طويلة
وقد فقد الكثير الكثير من هذه الحكايات كما هو طبيعي في فن يقوم على المشافهة وعلى الشعبية وانصرفت العناية الى الشعر في الجاهلية وبعدها ) (5 ) . ويستمر الطاهر في حديثه عن هذا الفن عند العرب فيقول : ( ويتصل العرب بالامم الاخرى من هنود وفرس وتتصل بهم هذه الامم فتكون كليلة ودمنه والف ليلة ليلة وكان اخذ وعطاء … ) (6 ) . وفي مقابل ذلك ماذا عنت الحكاية في اوربا ؟ يرى الطاهر : ( ان الحكاية تزداد فصاحة يزداد الادباء الجادون بها وينبثق عن الاهتمام تقدم وتطور ومسايرة الفن للحياة ، وهكذا خطا عصر النهضة خطوة وخطا القرن السادس عشر خطوة والسابع عشر والثامن عشر والتطور في كل ذلك يزداد ، والتجارب تتراكم والمصادر تتعدد وتكون الف ليلة وليلة من هذه المصادر حتى اذا كان القرن التاسع عشر كان بلزاك وديكنز دوستوفسكي وتولستوي ممن بلغو بالحكاية الطويلة مبلغ الرواية المحكمة الصنع العالية المنزلة المعبرة عن الحياة المصورة لأهلها ولآمالها … ) (7 ) . ويستمر الطاهر في حديثه عن تاريخ القصة فيقول : ( وفي هذا القرن بدأ العرب ينفضون عن وجوههم غباراً متراكما ويطردون عن عيونهم سلطان الكرى ويتذكرون ان لهم ماضيا مجيداً في الإبداع ، فكان الإبداع في الشعر اول ما كان ثم في النثر بمعنى الكتابة التي لا تتصل بالقصة على اية حال ، واطلع العرب خلال هذا القرن على القصة الحديثة من الأدب الغربي ورأوا المكانة الشامخة التي تحتلها وألموا بالصفات التي تميزها على حين لم يكن لديهم منها شيء ، واللبنانيون او ابناء سوريا اول من اتصل بالغرب واكثر من اتصل بأدبه لما اقام هذا الغرب في بلادهم من مدارس وانشأ من مؤسسات ثقافية اقتربوا من العلم بالقصة والاقتناع بمكانتها ، وتلاهم في ذلك المصريون ولكن الامور تسير ببطء .. في القرن العشرين كانت خطوة محمد حسين هيكل حيث ولدت قصة زينب كتبها عام 1912 وهو طالب في باريس وتتوالى المحاولات … ) (8 ) .
أما عن هذه المحاولات عند اللبنانيين والسوريين والمصريين قال الطاهر : ( انك من هذه الإعمال ازاء فن قصصي جديد على الأدب العربي شبه قديم على الادب الغربي ويمضي يتوطد ويتأصل ويكون له اعلام يعرف بهم ويعرفون به وهم الطبقة الأولى من أدباء مصر وأدباء العربية : محمود تيمور وتوفيق الحكيم وطه حسين وغيرهم من مصر وغير مصر ولكن هؤلاء هم الذين احتلوا المنزلة العالية ورفعوا الفن القصصي وارتفعوا به لأنهم كانوا أشد صلة بالقصة الغربية الحديثة لعلهم باللغة الأوربية ، وذاعت القصة عنهم في البلاد العربية وذيوع قصتهم ذيوع المفهوم الغربي للقصة أي ذيوع القصة الحديثة التي لم يكن للأقطار العربية بها عهد ) ( 9) . والعراق من هذه الدول العربية فلم يكن سباقا في الموضوع والسبب بديهي لانه لم يتصل بالقصة الغربية كما اتصلت سوريا ومصر .. فيؤرخ الطاهر البدايات القصة في العراق : ( ينشر محود احمد السيد اولى قصصة او رواياته بمصطلح ذلك الزمان ( في سبيل الزواج ) عم 1921 ثم ( مصير الضعفاء عام 1922… لقد كان السيد في قصصه هذه الرائد الذي اقتحم طريقا بكرا لم يجد في الساحة من يدعمه فيه ، غير حماسته ورغبته الجارفة في ان يرى هذا الفن الذي بهر به ) (10 ) .
لم يكن ظهور محمود احمد السيد حدثا اعتياديا او طارئا في مسيرة الادب العراقي بل كان مرحلة تاريخية كاملة بدأ يعيش فيها المجتمع العراقي منذ اوائل القرن العشرين ، يقول في ذلك الطاهر : ( واذا كانت محاولات السيد الأولى هذه في القصة والتي كتبها اوائل العشرينات يشوبها كثير مما يضعف منها لانها كتابات كاتب ناشيء صغير السن لم يدرك بعد للفن القصصي مقومات يمكن ان يقيم عليها عملا له قيمته ، فانها رغم ذلك تكتسب قيمة كبرى من كونها تمثل المحاولات الاولى في تاريخ القصة العراقية التي تنهج في الطريق الصحيح ، لقد كانت محاولات السيد هذه على سذاجتها تشكل ابرز المحاولات الجادة المبكرة لتقديم الادب القصصي ، ان محمود احمد السيد وضع البذرة الاولى واوصل القصة الى حافة الفن المتدقم داخل الفن في الحدود المستطاعة ) ( 11) . هكذا ارخ الطاهر للقصة العالمية والعربية والعراقية .

3- رأيه في نظرية القصة :
الفن القصصي فن جديد استحدث في الغرب وتطور من السذاجة والحكاية الشعبية حتى اصبح له نهج خاص به ، والفن القصصي هذا اذا ما نبغ في امه ظهرت معه مكونات ادبها وتطورها الحضاري والمقومات الحضارية والجذور الثقافية ، والاختلاط الملحوظ بين القصة في الشرق والغرب ناتج من التباين الفكري بينهما وبصرف النظر عن نوع القصة او اسمها وعدد كلماتها وشخصياتها يوجد كثير من أشكالها عند العرب نجد القصة والرواية والنبأ والخبر والأسطورة والمقامة وهي الأصول التي قام عليها بناء القصة الغربية التي لم يتفق كتاب الغرب على تحديد لها ، والطاهر في مرحلته الباريسية حضر بعض دروس النقد الأدبي في الجامعة الفرنسية ، هذا الحضور دله على ان النقد مظهر حضاري جليل يتطلب الموهبة والعلم العميق الواسع ، واتاحت له اللغة الفرنسية ان يقف على ( اصول ) القصة وروائعها ، فتكونت له قواعد وقوانين ، وفي كتابه ( في القصص العراقي المعاصر ) الصادر عام 1967 اسهامة جادة لبلورة مصطلح فني مستقر وناضج للقصة ، فكتب عن القصة نصه : ( منذ استقرت واقعية اوربية في القرن التاسع عشر وسارت تتلون زيادة في هذا وتخلصا من ذاك تبعا لشخصية الكاتب واهتمامه وفكره ومجتمعه وتوالي الخبرات الفنية ، حادثة من الحياة اليومية ، شخوص من حولك مشاعر حاضرة او مستحضرة ، خيال بقدر مقدر في حدود الحدث والفكر والتأليف بين الاجزاء وابتعاد واضح عن اوهام الحكايات وخوارق الاساطير وبعد واضح كذلك عن التعليمية المباشرة انتقلت من اوربا الى الشرق والى العراق يقتضي هذا التكامل – الذي هو عمود القصة – الوعي بالفن وحدة الحدث ، الالماح الى البيئة ، الوضوح في الشخوص ، الفكرة الخيرة الموقف النفسي ، المناجاة ، الحوار ، الادارة بين البدء والانتهاء بتناسب الاجزاء ، فلا طول معيب ولا قصر مخجل ، لغة سمحة افادة للقاريء وامتاعا من غير لعب باعصابه او تعال عليه ، او عبث يسلمه الى متاهه.. ) ( 12) . لخص الطاهر نظريته للقصة بما تقدم من شروط اشترطها على كاتب القصة اذا تحققت اصبحت قصة .

المبحث الثاني : منهج الطاهر في النقد القصصي

1- شيء عن النقد القصصي في العراق :
يجمع النقاد والدارسون على ان كتابات محمود احمد السيد النقدية هي بداية لممارسة العمل النقدي على بساطتها ومحدوديتها ، ويرى الدكتور عبد الاله احمد وهو من المختصين بفن القصة في العراق ان مقالة محمود احمد السيد النقدية ( فجر القصة في العراق ) : ( بالغة الاهمية ومن أفضل ما كتب في النقد القصصي طيلة الثلاثينات فهي تعرض فهم السيد لفن القصة وتعالج اتجاه القصاصين الناشئين لكتابة قصة خيالية مسرفة على نحو ينم عن فهم عميق للواقع الاجتماعي والنفسي في العراق ) ( 13) . فبدأ النقد القصصي في العراق بالسيد ومن ثم كانت فترة عناء ومشقة تعترض الباحث النقدي في القصة العراقية ، هذا دفع بعض الباحثين ان يتجهوا بدراستهم خارج القطر فكانت دراسة الباحث عبد القادر حسن أمين ( القصص في الادب العراقي الحديث ) عام 1955 ، ودراسة الدكتور عبد الإله احمد عن ( نشأة القصة وتطورها في العراق من 1908 – 1939) ودراسة الدكتور شجاع العاني ( المرأة في القصة العراقية ) ودراسة الدكتور عمر محمد الطالب عن القصة والرواية في العراق ، على حين دخل حومة النقد القصصي على صعيد التأليف اساتذة اسسوا النقد الحقيقي للقصة في مقدمتهم الأستاذ الدكتور علي جواد الطاهر الذي تغلب شغفه بالقصة فظهرت في الخمسينات انجازات نقدية قصصية مهمة تعاملت مع النتاج القصصي السائد في تلك المرحلة فيعد كتاب عبد القادر حسن امين اول كتاب اكاديمي نقدي عن هذا الفن الصعب ، صدر كتاب جعفر الخليلي ( القصة العراقية قديما وحديثاً ) عام 1957 ومن ثم صدر كتاب ( نظرات في التيارات الادبية الحديثة ) للدكتور جميل سعيد ، وللدكتور داود سلوم صدر كتاب ( تطور الفكرة والاسلوب ) عام 1962 ، قدم هؤلاء دراسات عن اعمال قاصين عراقيين مثل محمود احمد السيد وانور شاؤول وذو النون ايوب وعبد المجيد لطفي وخالد الدرة وصلاح الدين الناهي وجعفر الخليلي ، وتراوحت بين الانبطاعات الشخصية والوصف وتناول السيرة الذاتية وتعليقات وهوامش على تلك الاعمال القصصية ، تقلص الاهتمام بهذا النمط من الكتابة النقدية في نهاية الستينات وبداية السبعينات لظهور نقاد متخصصين اغنوا الواقع النقدي بدراسات مهمة على مستوى المقالة والكتاب وظهرت كتابات نقدية اشارت الى مرحلة جديدة في مسيرة النقد القصصي العراقي .
فللطاهر ابحاث في القصة العراقية تابع اعلامها وروادها وافاض في بيئتها ، وحدد لكل مرحلة جيلا من القصاصين ونشر عن نتاجهم اذ يقول الطاهر عن بداية القصة العراقية : ( وفي العراق المعاصر قصص كان لمحمود احمد السيد فضل في هذا الميدان حيث وضع البذرة الاولى واوصل القصة الى حافة الفن والتقديم داخل الفن في الحدود المستطاعة ) ( 14) . وقال الطاهر عن السيد والبدايات للقصة في العراق : ( لقد اراد السيد من القصص ان تكون اداة اصلاح ، وبدا له لفترة من حياته انه ما كان يقرأه من نماذجها المنتشرة في الاسواق العراقية آنذاك ، وهي نماذج تسير في اتجاه روايات الغرام والمغامرات او ما قدمه مؤلفا او مترجما للمنفلوطي وجبران هي المناذج الفضلى التي يحسن تقليدها لتحقيق غاياته ) (15 ) . اما في الريادة للقصة العراقية والريادة الفنية بالذات فلها رواد ممن كان لهم السبق في الوصول الى جديد ، وهكذا سمي الجيل الاول من كتاب القصة العراقية في العشرينات من القرن العشرين بالرواد ، وقد امتد عمر هذه الريادة الى اواخر الاربعينات على ضوء نتاجات هؤلاء الرواد .
فالريادة الفنية للقصة العراقية تنحصر على وفق ما يراه الطاهر في عبد الملك نوري ونزار سليم ومن ثم التكرلي اذ يقول عن هؤلاء الخمسينين : ( انهم كتبوا نماذج باقية يمضي الزمن وتبقى ، وتختار ويعجب بها البعيد والقريب ، وتترجم ، وتدرس وتعاد دراستها وكان اللازم ان تتخذ منطلقاً واساسا وان تسير القصة على نهجها متممة مكملة مستوعبة الواقع عارضة اياه العرض الفني اللائق الذي يستدعيه الظرف الجديد والتغييرات الجديدة ) (16 ) .

3- منجهه في النقد القصصي :
ليس ثمة نص او نصوص تشير الى نظرية نقدية للطاهر ، لكنه عبر كل نص او مقالة ادبية له تجد شيئاً من نظريته النقدية في الأدب ، يتصل عقله النقدي بعقله عموماً ، اما المنهج الذي اعتمده الطاهر في كتاباته النقدية يقوم على دعامتين :
الاولى : تسجيل الارتياح لقراءة اثر ادبي في مقالة من دون ابداء التعليلات ، وتلك اشبه ما تكون بالتحية لذلك الاثر منها الى النقد ، اما الثانية : عملية النقد بالمعنى المطلوب : قراءة النص ، فاذا كان الانفتاح له يقرأه ثانية مسجلا ما توحيه القراءة مستعملا ( صح ، خطأ ، جيد ، اصيل ، اخلاقي …. الخ ) وملاحظا اللغة : ( سلامتها ، فصاحتها ، انسجامها مع الاشخاص فضلا عن ذلك ملاحظة ( التكرار ) الذي يشير الى صلته بشخصية الكاتب ثم قراءة ثالثة ، فالكتابة النقدية .. ) (17 ) .
ويعترف الطاهر ( بأن كتابته عن الاثر الجيد باعجاب ، ربما كان من العوامل التي دفعت بعضهم الى وصف مقالته النقدية بـ( الانطباعية ) غير ان هذا الاعجاب يجيء من معايشة واستيعاب وتحليل ، للوقوف على عناصر الجمال والاصالة ) (18 ) .
وعن المنهج الذي يتبعه الطاهر سئل مرة : ثمة من يصفك بأنك انطباعي في النقد ، ووجود صبغة ذاتية تطغى على فهمك للمنهج وللنقد الادبي عموما : اجاب الطاهر : ( الوصف ، اذا أخذ بحسن نية – فهو صحيح ، وانا انطباعي ونصف ) ما المقصود بحسن النية ؟
الانطباعية لا تعني الهوى الشخصي ولا الرأي المفروض ولا الحكم المستعجل ، انما هي ثمرة قراءة متأنية وربما قراءات للاثر الادبي وما حوله ، واحيانا النقاش ومساءلة صاحب الاثر نفسه من حيث المبنى والمعنى …. انا انطباعي من خلال الموضوعية اقدم المادة الفنية الجافة بطراوة فتحس كأنها انطباعية ) ( 19) .
ويرى الطاهر ( ان الناقد انسان موهوب يقرأ النص فيفهمه على نحو خاص ويقف من مخبآته على امور خفية في مجالي ابداع المؤلف ومجال شخص في اسلوبه ثم يتكلم عنه وكأنه شيؤه ) (20 ) . من هذا الفهم نجد أن الطاهر ( يبتعد عن النقد الانطباعي الذي يتمركز حول مزاج مفرد في لحظة معينة في حضرة عمل ادبي ولهذا فنحن بحاجة الى الناقد المتذوق ونقصد الناقد الذي لايركن للهوى ومثل هذا الناقد يضع في باله طبيعة العمل الفني وماهيته والعلاقة بمنشئه من أجل فهم العمل فهما وثيقا ) وهكذا يكون الطاهر متجاوزاً المصطلح الرسمي للنقد الانطباعي ( 21) . الذي يلح على اسكات النص ليتكلم الناقد .
سئل الطاهر مرة عن الخطوات العامة التي يسير عليها في نقده. اجاب : ( منهجي يقوم أولا على مواجهة النص بقلب سليم بعيدا عن السوابق من قراءات وقواعد ومناهج وما هو معروف عن صاحبه لأن كل نص – لايٍّ – ينطوي على سره الخاص ، اقرأ هذا النص قصيدة كان او قصة او ديوانا او مجموعة قصصية او رواية قراءة اولى فان المح الى اصالة او قيمة خاصة توجهت نحوه توجها خاصا بقراءة ثانية ومعي قلم الرصاص اشير به الى هذه الكلمة او هذه الجملة واسجل على حواشي النص ما تبعثه القراءة من شؤون البناء والفكر والعاطفة والخيال واللغة ، وترابط الاجزاء ، والبناء العام في وحدة متسقة ولصورة الكلية المتكونة من القراءة ، وربما طال التسجيل عن مادة من هذه المواد او عن مادة خاصة تنبعث عن النص نفسه فبلغ الصفحة والصفحتين واذا عن سؤال سجلته لا بحث عن حله في النص وفي صاحبه ، فلا بأس من لقاء بصاحبه اذا كان ذلك ممكنا دون خضوع مطلق لأقواله واحكامه ، وابتعد عن النص حينا تختمر فيه تجربة النص لدي وتعايشني ، وتستحيل ضربا من تجاربي الخاصة تلح علي بالاعراب عنها فامسك بالقلم واشرع بالكتابة عن عمل مبدع هو ملك صاحبه الاول ، ولكني اكتب وكأني – كأني – امارس عملا مبدعا انا صاحبه ليأتي متماسكا حيا يغذيه ويوسع من مدى اجزائه ضمن وحدته ما سجلت من ملاحظات بالقلم الرصاص وما علمت عليه من دواعي الاستشهاد ، وربما قرأت النص قراءة ثالثة وقرأت ما كتبت عنه قراءة ثانية منقحا ومشذبا ليخرج في الناس وقد اطمأننت الى مسحة من ( الجمال ) عليه ) (22 ) .
كل هذه الخطوات يخطوها استاذنا الطاهر ( رحمه الله ) حتى يكتب ما يريد .

الخاتمة:
كتب ومقالات الطاهر في النقد القصصي ثمرة لقاء بين ذوق ناقد حساس مثقف وبين رغبة وطموح ، رغبة في توخي الدقة المنبثقة عن العلم والتواضع ، وطموح مزيد من النضج والابداع فهو يتناول الظواهر والاعمال القصصية بحساسية الناقد المحيط المتمرس.
فكان يقرأ اولا ومن ثم يضع الملحوظات، بعدها يتأنى كثيراً ثم يكتب نقده بنظرة ناقد قدير له فضل علمي على اجيال من الاساتذة، اذ ان دراسته في فرنسا جعلته يطلع على اداب الغرب وفنونه، فعاد الى العراق وعمل على منهجه النقدي فكان اراؤه وطروحاته وما زالت هي الاساس في المنهج النقدي الواقعي والذي يجعل القاريء والمتلقي متحفزا لقراءته، عاش الطاهر في حقبة من الزمن كانت الثقافة في شبابه على اوج صراعاتها اذ نتج عن ذلك اختلاف الاراء والحوارات المفيدة فكان زمناً خمسينياً وستنينياً ثقافياً له ثمراته على الثقافة العراقية .

الهوامش

(1 ) مقدمة في النقد الأدبي : الطاهر ، ص 218
( 2) علي جواد الطاهر : حميد المطبعي ، ص 220
( 3) مجلة اسفار : العدد 13 ، 1992 ، ص 112
( 4) مجلة الأديب المعاصر ، العدد 32 ، 1986 ، ص 160
( 5) مقدمة في النقد الادبي : ص 235.
( 6) نفسه ، ص 237
( 7) نفسه ، ص 237
(8 ) نفسه ، ص 238
( 9) المجموعة الكاملة لقصص محمود احمد السيد ، ص5.
( 10) نفسه ، ص6.
( 11) علي جواد الطاهر : المطبعي ، ص 219.
( 12) وراء الافق الادبي : الطاهر ، ص 82.
( 13) مجلة الجامعة المستنصرية : العدد 1 ، 1970 ، ص89.
(14 ) علي جواد الطاهر : المطبعي ، ص 219.
( 15) المجموعة الكاملة لقصص محمود احمد السيد ، ص 7.
( 16) كلمات : الطاهر ، ص 206
( 17) ج. س : الطاهر ، ص 15.
( 18) نفسه: ص 239.
( 19) نفسه : ص 209
( 20) علي جواد الطاهر : المطبعي ، ص 272.
(21 ) ج. س : الطاهر ، ص 324.
(22 ) نفسُهُ : ص 326

مراجع البحث
أ‌- الكتب
حميد المطبعي :
1- علي جواد الطاهر – موسوعة المفكرين والادباء العراقيين – جـ 19 ، ط1, 1994
علي جواد الطاهر ( الدكتور ) :
2- ج. س؟ اجوبة عن اسئلة في الادب والنقد ، وزارة الثقافة والاعلام ، دار الشؤون الثقافية ، ط1 ، بغداد 1997.
3- كلمات ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، ط1، 1997.
4- المجموعة الكاملة لقصص محمود احمد السيد ، مع عبد الاله احمد ( الدكتور ) وزارة الثقافة والفنون – سلسلة القصة والمسرحية 75، 1978.
5- مقدمة في النقد الادبي ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، ط1 ، 1979.
6- وراء الافق الادبي – مقالات – وزارة الثقافة والاعلام ، سلسلة دراسات 125، بغداد ، 1977.
ب- المجلات والدوريات :
1- مجلة الاديب المعاصر – تصدر عن اتحاد الادباء في العراق العدد 23 ، 1986، مقابلة مع الدكتور الطاهر اجراها الاستاذ خالد علي مصطفى .
2- مجلة اسفار – العدد 13 ، 1992 كلمة ارتجلها الدكتور الطاهر بعنوان ( واذ يولد جيل ) في الملتقى القصصي عام 1992.
3- مجلة الجامعة المستنصرية – العدد 1 ، بغداد ، 1970 ، بحث للدكتور عبد الاله احمد بعنوان ( النقد القصصي في العراق 1908 – 1939).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخاتمة:
كتب ومقالات الطاهر في النقد القصصي ثمرة لقاء بين ذوق ناقد حساس مثقف وبين رغبة وطموح ، رغبة في توخي الدقة المنبثقة عن العلم والتواضع ، وطموح مزيد من النضج والابداع فهو يتناول الظواهر والاعمال القصصية بحساسية الناقد المحيط المتمرس.
فكان يقرأ اولا ومن ثم يضع الملحوظات، بعدها يتأنى كثيراً ثم يكتب نقده بنظرة ناقد قدير له فضل علمي على اجيال من الاساتذة، اذ ان دراسته في فرنسا جعلته يطلع على اداب الغرب وفنونه، فعاد الى العراق وعمل على منهجه النقدي فكان اراؤه وطروحاته وما زالت هي الاساس في المنهج النقدي الواقعي والذي يجعل القاريء والمتلقي متحفزا لقراءته، عاش الطاهر في حقبة من الزمن كانت الثقافة في شبابه على اوج صراعاتها اذ نتج عن ذلك اختلاف الاراء والحوارات المفيدة فكان زمناً خمسينياً وستنينياً ثقافياً له ثمراته على الثقافة العراقية .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *