مؤيد البصام : عيسى عبد الكريم ، ذلك الفنان الأصيل الرائع

في جمعية الطليعة ، التي كان يأخذني إليها أخي تعرفت علي الفنانين طعمه التميمي ، الذي كان وقتها في مدينة العمارة ، وزاهر الفهد ، وماهود احمد وصبيح عبود ومنعم مسافر وغيرهم ، وفيهم عرفت الفنان الرائد المرحوم عيسي عبد الكريم ، رئيس الجمعية ، وعندما أقامت الجمعية معرضها السنوي كعادتها كل سنة في عام 1957-1958 ، اشتركت ضمن جناح أخي ، إذ أقيم في دائرة صحة اللواء في شارع دجلة مقابل سينما الخيام ، أيام عيد الفطر، وفي تلك السنين كانت تقام المعارض ويعرض فيها كل أجناس وإشكال الفنون بلا استثناء وحتى المخترعات ، واذكر إن أستاذا عرض نماذج مجسمة لأجهزة الجسم وكيف تعمل ، ولا انسي نموذجا مجسما لجهاز المثانة ، حيث كانت تتحرك السوائل داخل الأنابيب ، فيتحول اللون الأحمر الذي يرمز إلي الدم إلي اللون الأبيض بعد إن يمر بالمثانة ، وكلما كانوا يشغلونه ، وكنت انظر إليه بدهشة وتعجب ، وكانت هذه النماذج الأقرب لجناح معروضات أخي ، حيث كنت انتصب واقفا ، وقلما جلست علي الكرسي الذي وضعوه لي ولا أغادر المكان بتاتا إلا للضرورة القصوى فقد تسمرت قدماي في المكان منذ أشاروا لي علي مكان وقوفي وجلوسي في المعرض ، وعلي صدري شريط احمر يشير إلي كوني عضوا في المعرض ، وكان زملائي من طلاب مدرسة النبراس الابتدائية والتي كانت وقتها تقع في الشارع الذي فيه التوراة اليهودي (الكنيست) ، وهي مقابلة له ، وهو الشارع الموازي لشارع المعارف ، وتبعد مدرستي عن عيادة الدكتور داود كباية (طبيب الفقراء بلا منازع)ببيتين أو ثلاث ، ومن عادات إدارات المدارس في ذلك الزمن تشجيع الطلاب علي ارتياد المعارض والمسارح والاشتراك فيها لهذا يحضر مدرسينا ، ويصطحبون تلامذتهم وطلابهم لمثل هذه التظاهرات الفنية والعروض المسرحية التي تقام بين آونة وأخري ، وفي نهاية كل سنة دراسية تتنافس المدارس ، أيُّهم قدمت إعمالا أفضل وخصوصا طلبة الصفين الخامس والسادس الابتدائي وطلبة الثانوية ، وكانت لنا نحن التلاميذ والطلاب مثل هذه المشاهدات ، أعيادا وأفراحا لا توصف ، نستمر بالحديث عنها بيننا ولأصدقائنا ولأهلنا بضعة أيام ، وتشكل عاملا وحافزا ، لتثوير طاقات التلاميذ والطلاب نحو الإبداع والمثابرة للوصول إلي ما وصل إليه زملاؤه ، وبها تحققت قفزات رائعة علي صعيد الفن والأدب وباقي العلوم من جراء هذه الفعاليات التي تشحن روح المنافسة العلمية بين الطلبة ، وتوجد لهم سدا للفراغ .
.فكان وجودي في المعرض محل فخري واعتزازي وانتشاء ما بعده انتشاء ، فهم لا يستطيعون إنكار إني رسام ، لان مدرس الرسم كان دائما ما يعلق رسوماتي علي اللوحة باعتزاز ، وبعد ثورة 14 تموز 1958 ، كنت ارسم صورة المرحوم الرئيس جمال عبد الناصر ، إثناء الاحتفالات في حارتنا (بيوت عبد اللطيف العاني)أوفي المدرسة ، إذ لم تكن في بداية الثورة صور للقيادات العراقية ، فكانت صور الرئيس جمال عبد الناصر تغطي الساحات والشوارع رمزا للتحرر ، ولهذا كان زملائي يشاكسونني بإعمالي النحتية علي قلتها وفقرها من الناحية التقنية والفنية ، ولكن كل هذه المشاكسات لم تكن تهمني إمام عظمة وقفتي والناس تمر إمامي ، وعيون النساء والفتيات وطالبات المدارس ترمقني بعيون الإعجاب ، وانأ محط هذا الإعجاب ، فأغض الطرف خجلا ، ووجيب قلبي يتسارع والحرارة تشتعل في داخلي ، من هذا الموقع الأسطوري الفخم ، جاء المرحوم الفنان زاهر الفهد (زيارة مهاوي فهد)واقتلعني وقال لي : تعال يريدونك.. (كان رحمه الله شخصية لطيفة محببة ، فذة ، بسيطة ، مرحة نذر نفسه وحياته ومستقبله للفن ، يحمل طيبة فلاح جنوبي علي حافات الاهوار ، صوته فيه رنة وكأنه يريد إن يخرج مع قلبه ، نحيف ولم أر منذ الوهلة الأولى حتي فارقنا إلا علي هذه الهيئة ، جنوبي يحمل كل طيبة أهل العراق)سحبني من يدي وهو يسير مسرعا إلى خلف القاعة عند الممر الذي يشرف علي الحديقة الخلفية التي تقع علي ساحل نهر دجلة ، ووجدت الفنانين عيسي عبد الكريم وطعمه التميمي وآخرين لا اذكر اسميهما قال زاهر :هذا هو. احدهم حفظني بيتين من الشعر، كانا مألوفين لي لأنهما من الإشعار التي حفظناها في درس النصوص، وبعد إن حفظتهما قال المرحوم طعمه: اقرأهما بنبرة حزينة: وبعدها قال: اقرأهما بنبرة فيها فرح.. ثم عقب المرحوم عيسي ألان قراءة عادية كما تقرأهما في المدرسة.. وعندما انتهيت ، احتضنني زاهر وقال : الم اقل لكم وجدناه.
ثم قالوا لي : استعد لتمثيل الدور في مسرحية الجمعية القادمة . وقد عرفت لاحقا إن صديقي باسم العرس ، الذي كان نجم مسرح جمعية الطليعة ، والذي أبدع وخلب الألباب وهز المشاعر في مسرحية (أغنية ألتم)كان يبدي أحيانا بعض التمرد والكبرياء ، ويفرض شروطا علي الجمعية ، فأرادت الجمعية إن تقول له (لست وحدك في الساحة).. ولهذا سعوا لإيجاد البديل والمنافس ولم أكن اعرف بما يدور ، إذ إن باسم العرس صديقي وزميلي في المدرسة ، وكان من العقليات التي توصف بالعبقرية منذ الصغر ، إضافة إلي ما يتمتع به من صفة وراثية في آل العرس ، وهي الوسامة رجالا ونساء ،وكنا نشكل مجموعة من ثلاثة طلبة في مدرسة النبراس ، أطلق علينا أستاذ اللغة الإنكليزية (إسماعيل) (العباقرة الشياطين)وكنت ازور باسم في محل عمه أو خاله في السوق الكبير وذكر لي صديقي الدكتور علي ألساعدي الذي ترك مدينة العمارة علي اثر الاضطرابات والتظاهرات ، والتي قاد فيها إضراب عام1951 ، إذ بدأت السلطات بمضايقتهم وخاصة لأبيه الشيخ حسين الشيوعي المعمم ، وقد اغتيل بعد ذلك في السجن ، قامت علي أثرها قلاقل كثيرة.
       إن مالك المحل انف الذكر وصديقه جميل العرس ، وقد كان جميل العرس وعلي ألساعدي والشاعر المعروف أنور خليل تضمهم صداقة حميمة ، وحدث معهم عندما رشح عبد الرزاق الزبير وقاسم احمد العباس وطه الشيخ احمد عن لواء العمارة قامت السلطات وقتذاك باعتقالهم وسجنهم وترحيلهم إلي سجن الكوت عام 1948 ، وجاءت بأحد الإقطاعيين الرجعيين كما يصفونه أهل العمارة النائب فرحان العرس ، وهو أبو جميل العرس وقد هوس له أهل العمارة بعد إن وضعوه نائبا لهم (فرحان بعرس الواوية)ونظم جميل العرس قصيدة في حق أبيه مطلعها ..يا والدي بؤسا لمجلس امة به أنت عن أهل العمارة نائبا . ولهذا فأنا علي يقين بان باسم العرس لديه الكثير ليتحدث به عن جمعية الطليعة وفنانيها، وعن رئيس الجمعية الفنان عيسي عبد الكريم، لأنه أكثر احتكاكا بهم، وعمل معهم مدة طويلة، وحظي باهتمام كبير من قبلهم. بعد لقائي بالفنان عيسي إثناء المعرض ، أخذت أشاهده وأقابله ويحدثني في الجمعية ، وقد شكل في ذهني صورة رائعة ، لهذا الإنسان المبدع الأصيل ذي الخلق الذي لا يوصف إلا بالرائع ، في علمه وقدرته وتجربته ، كان يحمل الجمعية وأعضاءها بين حنايا ضلوعه ، كان يطمح إن تكون الجمعية ذات شان عظيم ، ومنزلة مرموقة في الثقافة والفن والأدب ليس في العراق وحسب بل والوطن العربي والعالم ، كان يحلم ولكنه متيقظ لحلمه ، فهو لم يؤمن بالقفز ، وإنما إيمانه بان الوصول إلى الهدف يتطلب التضحية والمشقة ، لهذا حقق مع مجموعة الفنانين قفزة رائعة ، كان من جرائها إن خرجت مدينة العمارة ، فنانين ومثقفين ورواد مسرح ، اغنوا الساحة العراقية فنياً وثقافياً وعلمياً منهم .ماهود احمد وصبيح عبود ، حسب الشيخ جعفر ومالك ألمطلبي ، وعبد الجبار ألمطلبي والعالم الفيزيائي الدكتور عبد الجبار عبد الله ، والقائمة تطول في التعداد ، فمنهم من رحل عنا ومنهم من هوعلى قيد الحياة ويمكن إن يتحدثوا عن هذه التجربة التي عاشوها وشاركوا فيها ، وآخرون يجب إن يخرجوا عن صمتهم ، وليتوجه إليهم الكتاب الشباب ليستكشفوا منهم تراث هذا الشعب ومرجعياته . ومن تواضع عيسي عبد الكريم ، إني حملت له في يوم ما ، مخطوطة مسرحية كتبتها بعد ثورة 14 تموز في فورة الحماس الثوري ، وزرته في بيته وجلس المرحوم في فراشه علي الرغم من آلامه ، يراجع معي المخطوطة ، وكانت مملوءة بالأخطاء ، فضلا عن سذاجة الفكرة ، ولكنه كان يناقشني بجدية ، لم اعرفها إلا مع أساتذتي عقب سني الجامعة ،هذا الإنسان الرائع ، الذي أشعرني إن الدنيا ملكي ، واني شخص لا يقل أهمية عن أي كاتب مسرحي ، لأنني عندما عدت إلي مخطوطتي بعد سنين عديدة ترقرقت في عيني الدموع ، إجلالا لذلك الفنان ، الذي تحمل وهوعلي فراش المرض ، كل هذه الترهات والأخطاء ، وأشعرني بأهمية عملي ومكانتي ، وبرهن بالصورة العملية التي أثرت في حياتي لحد الآن ، إن الفنان العظيم بتواضعه وان شموخه بعظمة ما يحمله من عطاء . والحقيقة يجب إن تقال ، نحن شعب ينسي الماضي في غمرة الحاضر ، ويتذكر الماضي لأجل الحاضر ، إن كان يخدمه ، وينساه إن كان لا يلبي رغباته ويشبع نرجسيته ، لا يأخذ من الماضي درساً للحاضر من اجل المستقبل ، بل سلم لتأييد رأيه ، وتحقيق طموحاته وغاياته الذاتية ، وينسي إن الذي أوصلنا إلى ما نحن به ، هم أولئك العظام الذين ناضلوا وكافحوا وجاهدوا ، من اجل إن تتواصل الشعلة منيرة ، لهذا نحن بحاجة إلى إعادة تركيب ذواتنا لاستذكار هؤلاء الرائعين الذين اظهروا بتراكمهم المعرفي والثقافي والفني ، ما اجلي وأوضح الحقائق أمام أعيننا ، وحملونا علي أكتافهم للظهور ، فلم يكن للقصة العراقية القصيرة ، إن تتبوأ هذه المكانة المرموقة بين إقرانها من كتاب القصة العربية والعالمية ، لولا جهاد ونضال الذين سبقونا ، عندما كتب (أنور شاؤول)في جريدة الحصاد في عشرينات القرن الماضي ، من يرسل قصة قصيرة يكافأ بقرشين ، لم نكن نحن ، ولكن هم الذين وضعوا اللبنات الأولى بتضحياتهم ومهدوا الطريق للسير والتقدم ، إن قراءة تأريخهم ومعرفة نضالهم وجهادهم ، هي التي ستشكل مرجعيتنا إلى مستقبل يحمل جذور التراكم المعرفي ، لان يكون بناء غير مقطوع الجذور والأصل إن دراسة تجربة جمعية الطليعة وفنانها الرائع الرائد عيسي عبد الكريم وبقية فنانيها ومثقفيها وأدبائها وجزء من رد الجميل لما قدمه ذلك الجيل للأجيال التي جاءت بعده ، ودراسة تجربتهم ستعطي دفعا ودفقا للتجربة الحالية قبل إن يفوت الوقت ، ولا يعود احد يعرف أو يستذكر هؤلاء المبدعين وتجاربهم الرائدة ، إنني عندما أعود بذاكرتي إلى الوراء أري مدينة العمارة ، وشارع المعارف المتوهج الذي كان يعج بالمارة صباح مساء ، وسوقها الكبير” المسقف ” الذي يمتد في وسطها يقطعها نصفين ومنطقة عواشه وسبع القصور ، حيث كانت العوائل الغنية والارستقراطية تسكن أكثرها في هذه المنطقة المظللة بالأشجار والشوارع النظيفة وعند العصر تبدأ حركة من وسط وشمال المدينة إلى جنوبها ،إذ تمتلئ منطقة عواشة بالعوائل والشباب يسيرون ذهاباً وإيابا بين حفيف الأشجار علي الجانبين ونسمات الهواء العذبة تمر علي سطح دجلة فترطب الجو.العمارة بجمعية الطليعة وفنانيها ومثقفيها وأنور خليل وشعرائها ، وشاكر الهاشمي بنظرته المتأملة ونحافته ،وهو يعدد ما عنده من كتب غير معروضة همساً ،وخليل رشيد يطقطق بمقصه على أنغام قصائد الند واني ، أو يتحدث عن آخر قصة كتبها أو سيكتبها ، العمارة النهر الذي يلتف حواليها ، يقطعها ويشطرها ويلفها كأنه عاشق لا يفارق معشوقته ، العمارة الأغاني الحزينة لحضارة عريقة مندثرة ضاعت في تلافيف العنجهيات والجهل ، ومنازعات الحمقى من اجل ملك زائل ودنيا فانية ، ولكنها عقلية التخلف والجهل ، التي حاول روادنا الأوائل القضاء عليها ، ولكنها قضت عليهم قبل إن يقضوا عليها .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.