أ.د. نادية هناوي سعدون : رؤية نقدية لواقع اللغة العربية بين سلطة الإعلام وثقافة الاتصال

*ناقدة وأكاديمية عراقية

مدخل /
تحتل اللغة العربية مكانة مرموقة بين اللغات العالمية نظرا لقدرتها على التطور وتلبية متطلبات التغيير والتحول الثقافي والحضاري والمعرفي ، وقد تأثرت اللغة العربية ” بألفاظ جديدة تتناسب والعصر الحديث أفادت في نهضة الصحافة العربية التي راحت تعبر عن هذا التطور الاجتماعي والثقافي منذ النصف الأخير من القرن التاسع عشر بلغة طبيعية وسهلة ” .. ، وهذا ما جعلها عرضة لتحديات مختلفة قد تتجلى من خارجها تارة وقد تنبع من داخلها تارة أخرى .
ولا يخفى تأثير العربية في اللغات الأخرى ف ” العربية بالنسبة إلى التركية كاللاتينية واليونانية بالنسبة إلى لغات أوربة الكبيرة الآن ” ، وقد وصفت اللغة العربية الفصحى بأنها ” المتمثلة في نصوص التراث الأدبي العربي في العصر الجاهلي السابق على الإسلام.. وكذلك بعد الإسلام والعربية هي التي نزل القرآن الكريم بها وهي اللغة المستخدمة في الأعمال الأدبية في الآماد التالية للانتشار الإسلامي ” .
وبسبب هذا الدور الحيوي للغة اخذ الاهتمام يزداد بدراستها لاسيما بعد أن ظهرت دعوات تحذر من ” أن المجتمعات العربية لا لغة لها اليوم وان ما فيها هو خليط من لغات يغطي الحياة اليومية .. أما المفارقة فهي في تراجع الاهتمام بالمسألة اللغوية في الوقت الذي تتزايد فيه حدتها ”
إن هذه المعاينة للغة العربية قد تتكئ على ازدواجية تعدد الأبعاد المعرفية والمجتمعية للغة من خلال الترجمة والتعريب واللغة الوطنية واللغة الأجنبية فضلا عن اللغة الإعلامية بوصفها ” ذلك المفهوم الذي يطلق على التجديد اللغوي أي التجديد في صورته اللغوية وليس في المضمون والفكر .. على شرط أن تتخلص من بعض شوائبها من خلال الإذاعة والتلفزيون والفيلم وتنمية قدرتها على تقديم الفكر العربي الإسلامي والقيم الراسخة الجليلة في مجتمعنا ”
ولعل مرد تلك الازدواجية عائد إلى ضرورات الاندماج في العولمة بالانفتاح الحضاري والثقافي والمعرفي حيث أخذت الهيمنة فيها بالاضمحلال مقابل غياب مظاهر التبعية الاستعمارية .. وقد ” أثبتت الدراسات الخاصة بالتبعية التكنولوجية وانعكاساتها على المجتمعات النامية في أن دخول مجتمعات العالم الثالث مجال تكنولوجيا الفضاء سيؤدي إلى مزيد من الهيمنة والسيطرة الإعلامية والثقافية ” !!
وإذا كان هذا الطرح قد يتفاوت في المشرق العربي عنه في مغربه على أساس أن ” في المشرق فرصة استيعاب إرادي للمعارف.. وفي المغرب فرصة دفاع عن الذات والهوية والتخلص من الإرث الاستعماري ومن التبعية ” ؛ إلا إن المتفق عليه عموما هو اشتراك المشرق والمغرب في الاهتمام بالمسألة اللغوية من خلال انبثاق مؤسسات تعنى باللغة والحفاظ عليها وتسعى إلى عدم جعل اللغة في منأى عن بعض مظاهر الحياة والمجتمع ..

النقد الأدبي واللغة/
للغة علاقة وثيقة بالعلوم الأدبية والنقدية منذ أواخر القرن التاسع عشر وتعود جذور الارتباط بين اللغة والنقد إلى مرحلة موغلة في القدم تمتد إلى أفلاطون الذي ” تنبه إلى ضرورة البناء الفني في اللغة وتبعه بعد ذلك أرسطو ” .
وذلك لأن اللغة كانت وما زالت متفاعلة مع أي تطور معرفي ” وهي في عصرنا الحاضر عنصر مهم من العناصر الحيوية في المسيرة الاجتماعية.. منذ أقدم العصور ”
وقد أخذت المدرسة البنيوية اللغوية على عاتقها دراسة مفهوم اللغة واللسان نقديا جنبا إلى جنب الأدب والفن ، وقد عززت التيارات ما بعد الحداثية كالسيميائية والتفكيكية والظاهراتية وغيرها النظر النقدي للغة وماهيتها وتطورها على أساس أن تلك النظريات ” امتداد للنظرية الفينومينولوجية والبنائية والانثربولوجية .. تتخذ مادة أبحاثها وتنطلق من تحليل الظواهر المعرفية واللغوية والاجتماعية ”
وأسهم دي سوسير في توجيه الأنظار نحو تلك العلاقة عبر دراسته للثنائيات المتعلقة بالدال والمدلول والبنية ومستويات العلاقات اللغوية وقد توثق ذلك أكثر مع التيارات والمدارس النقدية اللاحقة ..لاسيما ما يتعلق بولادة علم السيميولوجيا إذ ” أن المعروف في الدراسات الحديثة أن سوسير هو صاحب الفضل الأول في إعلان مولد هذا العلم ”
وقد نبه رولان بارت إلى ” وجود اتجاهين كبيرين لنظرية البنائية، الأولى البنائية التحليلية وعلى رأسها جاكوبسون التي تقدم منهجا موضوعيا وعلميا في دراسة الظاهرة عن طريق حل الشيء لاكتشاف أجزائه والوصول من خلال هذه الأجزاء إلى تحديد الفروق القائمة بينها والوصول إلى معناها ثم إعادة تركيب هذا الشيء مرة أخرى حفاظا على خصائصه وهو الاتجاه الثاني الذي حدد أبعاده تشومسكي رائد المدرسة التركيبية في النقد الأدبي ”
وقد كتب نعوم تشومسكي 1928 في خضم البنيوية التوليدية موضوعا عنوانه ( اللغة والمعرفة المحرومة من الوعي ) ضمن كتاب عنوانه ( Rules and Represntion ) نيويورك 1980 تناول فيه الدرس الالسني الذي صار فيما بعد فرعا علميا مهما في نظريته حول اللغة التي ” دللت على أن جميع اللغات تملك الخصائص ذاتها أي التي نتعلمها والأخرى التي لسنا مرغمين على تعلمها أيضا ” .
ولهذا عد تشومسكي المؤسس الحقيقي للالسنيات الحديثة ، ومن آراء تشومسكي التي أثبتها قلمه في هذه الدراسة ما يأتي :
1. اللغة لا تنتمي إلى المفاهيم المعروفة على أساس الالسنيات .
2. القواعد اللغوية هي نظرية علمية صحيحة لدى عالم الالسنيات .
3. عادة ما يستخدم مصطلح قواعد اللغة أي النحو والصرف بمعنى مزدوج وبصورة منتظمة مما يسمح للسياق بان يحدد هل أن المقصود هو القواعد الداخلية أم نظرية عالم اللغة .
4. إن اللغة هي مجموعة جمل تقوم القواعد بتوصيفها.. وان القواعد تُوّلد بصورة ضعيفة جمل اللغة ولكنها تولد بقوة الخواص الهيكلية لتلك الجمل.
5. إن اللغة التي تولدها القواعد لا تنتهي..
6. اللغة أداة التعبير عن الأفكار غير المقيدة .. وهذا البعد الخلاق للاستفادة من اللغة يصبح صفة مميزة للكائنات البشرية وهذا ما تمثله عبارة ديكارت (عقول أخرى) .
7. لم يعتقد تشومسكي بوجود فرضيات تتعلق باستقلالية سلوك الفرد ؛ فهناك الدوافع البيولوجية وهناك الأجهزة التي تهيئ الجسم للاتصال مع المحيط ..
8. إن المعرفة اللغوية تتجاوز مستوى الجمل ..
9. نظرية الأداء تراعي بنية الذاكرة في تنظيم التجربة من ناحية الأهلية النحوية والنفعية.
10. إن الطفل وفقا للألسنية البنيوية يتعلم اللغة ولا نقول أن اللغة تنمو أو تنضج .
11. إن اللغة تنتمي إلى أقدم صفات الإنسان المتطور بعد فصل البشر عن اللبائن العليا الأخرى وبذلك تختلف اللغة البشرية عن بقية الأنظمة الرمزية .
12. إن المبادئ الأساسية للنفس لا يمكننا الوصول إليها عن طريق الاستبطان.

ووفقا لتشومسكي فأننا نواجه بعد تخطي عتبة معينة من النمو موقفين ، فإما أن نعرف السيطرة على اللغة وإما السيطرة عليها مع الحفاظ على اللهجة الشخصية أو المحلية ..
ورأى تشومسكي أيضا صعوبة التأكد من فرضية أن اللغة اتصالية في تمكين الناس من التفاهم وذلك في حالة أن المتلقين لا يريدون تلقي أي شيء أو حين لا يكون المقصود هو الطرح الإعلامي ولا تعديل معتقد أو موقف ، فاللغة تؤدي وظائف مختلفة ومنها تسهيل الفهم في تحليل الجملة والإيضاح الوظيفي..
كما انه نقض فكرة تجانس العقل معترفا بصواب مارشال أدلسن الذي تقبل مقترحات فرويد المتعلقة بالعمليات التي ينشأ بفضلها الحلم والأسطورة والعمل الفني..
وأكد أن التحليل النفسي سيتطور كعلم سيميائي وستصبح السيميائية قادرة مستقبلا على وضع فحوصات نظام الإدراك البصري مع الأنظمة التحليلية المرتبطة بادراك الأشياء ؛ متكهنا أن من المحتمل أن يرسم الباحثون نطاقا للأسئلة الخاصة بالوظائف والبنى والأسس الفيزيقية لتطور الفرد والنوع البيولوجي يشمل شتى العناصر التركيبية للعقل البشري ..
ورأى الناقد الفرنسي ميشيل فوكو وفي خضم اهتمامه بالمفاهيم النقدية كالخطاب والملفوظ والمنطوق وتاريخها ، استحالة الفهم من دون إدراك مفهوم المعرفة أو الابستمية التي تفهم بأنها ” مجمل العلاقات التي قد تربط في وقت معين بين الممارسات الخطابية التي تفسح مجالا لأشكال ابستمولوجية ” أو هي بعبارة أخرى ” الرابطة التي توصل بين العلوم أما الخطاب فهو ممارسة لها أشكالها الخصوصية من الترابط والتتابع ” .
وان تحليل الملفوظات المكونة للخطاب لا يفتش في الأشياء المقالة عما تخفيه وعما قيل فيها ورغما عنها وعن اللامقال الذي تحجبه ؛ بل يبحث عن شروط تكونها وقوانين بنائها وعلاقات توزعها وكيفية عملها ودلالة ظهورها بدل ظهور غيرها .
ووجد الناقد جاك دريدا ـ والذي قلب العلاقة بين المكتوب والمنطوق في نقده للوغوس ـ أن الميتافيزيقيا تريد أن تقهر تعدد الألسن وتقرب فيما بين اللغات متسائلا هل يمكن للترجمة أن توحد هذا التعدد ..؟!!
وذهب إلى أن التمثيل الاتصالي للغة يتأرجح بين الديمقراطية والديكتاتورية ، فوسائل اللغة تختلف في قدرتها على الهيمنة أو التبعية إعلاميا وكذلك في تأويلها للواقع..
وإذا كان الإستراتيجيون مثل ميشيل فوكو وجاك دريدا وجاك لاكان وغيرهم يرون اللغة شيئا أساسيا لأي علم حول الإنسان وأنهم يرفضون أية صياغة لجوهر شامل أو كلية كأساس أو مركز لفكرهم ؛ فان الحداثيين المتأخرين مثل يورغن هايرماس وفردريك جيمسون يتخذون موقفا نظريا نقديا من فكرة الأنساق الكبرى ولكنهم لا يرفضون مفاهيم الحداثة وهم بذلك امتداد لمدرسة فرانكفورت
ويعد الناقد التونسي عبد السلام المسدي من أوائل المهتمين بالدرس اللغوي الأسلوبي العربي وعلاقة الأسلوب باللسان .. ومن أهم مؤلفاته الأسلوبية والأسلوب 1977 والتفكير اللساني في الحضارة العربية 1981 وقاموس اللسانيات ( عربي فرنسي ـ فرنسي عربي ) مع مقدمة في علم المصطلح 1984واللسانيات من خلال النصوص 1984 والشرط في القرآن على نهج اللسانيات الوصفية 1985 واللسانيات وأسسها المعرفية 1986والنظرية اللسانية والشعرية في التراث العربي من خلال النصوص 1988 ،ومراجع اللسانيات 1989.
وقد تبعه الباحثون العرب في العناية بدراسة الظاهرة من الداخل والبحث عن وجود وشائج قوية بين الأسلوبية والألسنية كونهما يستندان إلى علم اللغة لكن مصدر الاختلاف فيما بينهما يبقى عائدا ” إلى طبيعة العلامات اللغوية للمادتين المتخذتين موضوعا للدرس ؛ ففيما ينصرف علم اللغة إلى دراسة الشفوي ، يعنى علم الأسلوب بدراسة النصوص المكتوبة بمختلف أنواعها مقصيا من مجاله جميع أشكال المنطوق ” .

الإعلام واللغة /
يعد الإعلام العربي تحديا من تحديات اللغة العربية فاللغة التي توجه للشرائح الاجتماعية ينبغي أن تكون فصحى أو عربية ميسرة ..
وقد أسهمت العولمة في تأكيد ذلك التحدي لأنها في ابسط تعاريفها ” ترمي إلى توحيد العالم وإخضاعه إلى شكل ونمط واحد متجانس أساسه الثورة الاتصالية والمعلوماتية ولكن ما يهمنا هو العلاقة الجدلية بين العولمة والإعلام فالعالم متواصل في نمط خطي مترابط سيطرت مقولات العولمة على الإعلام فصرنا لا نتحدث عن إعلام وطني بل عن إعلام كوني تتحكم فيه الشركات متعددة الجنسيات بنسبة 90% وفي ذلك احتكار للثقافة .. ”
وقد ارتبطت العولمة بالإعلام من خلال التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وترادفت مع هذا المفهوم مفاهيم مقاربة مثل الشركات متعددة الجنسيات وما بعد الحداثة والتفاعلية والفضاء الافتراضي أو الالكتروني .
ومن مداخل دراسة علاقة العولمة بالإعلام المدخل التكنولوجي حيث يركز أصحابه على أن التقدم التكنولوجي المتسارع والمستمر في مجال الإعلام والاتصال يحدث نقلات وتحولات ثورية في بعدي الزمان والمكان وما يرتبط بهما من خبرات اجتماعية فضلا عن التمهيد إلى وعي جديد والفصل بين الحدود الجغرافية والهوية ، وهناك المدخل ما بعد الحداثي الذي يرى العولمة توسيعا للحداثة ضمن نطاق كوني يمتد افتراضيا في مناطق جغرافية متباينة .
ويرى تشومسكي أن عولمة الإعلام ” عملية تهدف إلى التعظيم المتسارع والمستمر في قدرات وسائل الإعلام والمعلومات على تجاوز الحدود السياسية والثقافية بين المجتمعات بفضل ما توفره التكنولوجيا الحديثة والتكامل والاندماج بين وسائل الإعلام والاتصال والمعلومات ”
كما أسهمت المؤسسات المدنية غير الحكومية في تنسيق الترابط بين الإعلام والاتصال والتعليم والتكامل فيما بينها، ومثلما أن التنمية والثقافة عنصران متلازمان ، فان الاتصال والإعلام ضروريان للتنمية الثقافية المعرفية.
وتعد التلفزة والإذاعة والانترنت والصحف من وسائل الاتصال والإعلام التي تؤدي دورا مهما في المجتمع بما تشيعه فيه من مظاهر اجتماعية وفكرية سلبا وإيجابا..
وهناك ثلاث نظريات أساسية في تأويل علاقة الإعلام باللغة هي النظرية الوظيفية والنظريات النقدية ونظرية الحتمية التكنولوجية..
تعود النظرية الأولى إلى رالف مورتن وتستخدم في مجال تأويل الظواهر من خلال الوقوف على تأثيراتها ونتائجها.
أما النظريات النقدية فإنها تستخدم لدعم الإيديولوجية عبر ما يعرف بالصناعة الثقافية من منطلق نظريات الواقعية التي تؤمن بشعار أن الأدب للحياة.
وتمثل نظرية الحتمية التكنولوجية آخر تيار بما تسمح به التقنيات ومن أصحاب هذه النظرية ماك لوهان .. مما يفرض الأشكال الخطية في تقديم المادة الإعلامية وعرض الأحداث .

الاتصال واللغة/
لا تخفى المنزلة التي احتلها الاتصال المعلوماتي المرقمن وعلى نحو واسع متصل بالحاسوب بعد أن تحول البث الهرتزي إلى بث رقمي افتراضي وصرنا نتحدث عن فضاء الكتروني وحياة رقمية وكيانات اجتماعية مفترضة ..
وصار الفرد مشاركا لا مستهلكا في تفاعلية نشطة يعبر عنها جان بودريار في صورة مادية قاتمة يقول: ” كل آلات البشر أصبحت شاشات ونحن البشر أيضا أصبحنا شاشات وتفاعل البشر هو تفاعل الشاشات ”
وتجدر الإشارة إلى أن أول فضاء تفاعلي رقمي كان قد أنجز عام 1940 في الولايات المتحدة الأمريكية حين ظهرت أول شبكة إعلامية باسم saje وهي أول شبكة للإنسان تدخل الكون الافتراضي الاصطناعي .
وقد انضم مفهوم التفاعلية إلى الأدب ” فيما يتعلق بأساليب القراءة التفاعلية على مستوى التمثل والاستبطان لمقاصد النص وإيماءاته وإحالاته الرمزية وتكنيكاته النفسية ” .
وتؤكد الدراسات في مجال النقد الثقافي ضرورة الربط بين علم الاتصال والنظرية الثقافية داخل وعاء تنصهر فيه الكيانات المعرفية المختلفة من خلال التركيز على تكنولوجيا الإعلام والاتصال الجماهيري..
ولعل السبب يكمن في أن ” الناقد ما بعد الحداثي يرى الحياة موقفية متشظية انطباعية ومتوجهة نحو الشكل ولذا لم تطور ما بعد الحداثية نموذجا معرفيا أساسيا يصلح بعد ذلك للتطوير في اتجاه نظرية متكاملة ” .
وقد اهتم الناقد العراقي د. محسن الموسوي في كتابه (النظرية والنقد الثقافي الكتابة العربية في عالم متغير واقعها سياقاتها وبناها الشعورية) بالعلاقة بين وسائل الاتصال والديمقراطية..
مفترضا أن الديمقراطية في أزمة في ظل النظام الإعلامي الجديد، وان للإنسان حقا في الإعلام وهذا ما تضمنه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ( حق الإنسان في أن يتصل ) فالاتصال حاجة لدى الإنسان المعاصر وليس مجرد وسيلة أو سلعة وهو شكل من أشكال التعبير عن الثقة بالنفس وتأكيد الهوية الثقافية وتحقيق الرسالة التربوية والاجتماعية ..
وهذا هو معنى ديمقراطية الاتصال أي ” أن القيم المعتمدة في النظام الجديد واضحة وتصب تماما في مجرى التأكيد على الديمقراطية داخل البلدان نفسها ”
وما يحصل في الدول العربية عامل من عوامل التأثير للنظام الإعلامي الجديد في امتلاك حق الاتصال بدءا من المنزل وانتهاء بالمؤسسات والمجالس الدولية ” فالذهن الحي والمتحرك هو وحده الدليل على نمو الشخصية كما انه وحده الدليل على ازدهار الديمقراطية ” .
وقد أحال د. محسن الموسوي على مقولة برندا بافليك ” أن التطورات الشديدة لتكنولوجيا إعلام الاتصال ومن ثم الوفرة المتزايدة أمام أعداد كبيرة من السكان من أشكال الاتصال المختلفة إضافة إلى الصعوبات السياسية والاقتصادية الأخرى كلها جعلت من الديمقراطية موضوعة رئيسة في زماننا ”
كما أورد رأيا لنورد نسترنغ وهو سيكولوجي ولساني وأستاذ الصحافة نبه فيه إلى ضرورة التركيب الديمقراطي للاتصال وان النظام الإعلامي الجديد يسعى إلى التخلص من التركة الاستعمارية وأخطاء النظام القديم ، وخالف الناقد الموسوي هذا الطرح لان هذا قد لا يصح على دول العالم الثالث ..!!
والحل برأيه يكمن في ” تنشيط أعلى ومشاركة فعالة في المناقشة والحوار وفي امتلاك حق الاتصال امتلاكا فعليا يبتدئ في المنزل وينتهي في المؤسسات والمجالس الدولية فالذهن الحي والمتحرك هو وحده الدليل على نمو الشخصية كما انه وحده الدليل على ازدهار الديمقراطية ” .
ولما كانت ” اللغة ذاتها المصطنعة أداة للمعرفة قائمة على تقطيع مخصوص للعالم والنظر إليه من وجهة معينة من ثم أمكن أن تصبح أداة رمزية للتسلط والهيمنة أو ضربا من البطالة ” ، فانه يتساءل هل أن وسائل الاتصال في العالم الغربي تختلف عن بلدان العالم الثالث المحسوبة في المنظومة الاشتراكية في الاتجاه نحو الديمقراطية ؟! .
ويجيب ” أن البحث في الجانب الآخر للديمقراطية أي جانبها غير المعلن وغير الخاضع للبلاغات والاستعراضات يلتصق وعلى مر العصور بتلك النزعة الإنسانية لضمان إنسانية الإنسان ليتم التعامل معه على هذا الأساس ويتوقع منه سلوكا اجتماعيا ضمن وضعه يبرر هذا التعامل ”
ومع تزايد وسائط الاتصال لم يعد للتلفاز ذلك الدور في تحقيق الإقناع لدى المشاهد…وقلت قدرته في إيقاع الذهن في خواء واستلاب يمنع الفرد من المشاركة الفعالة في الحياة وعم التعارض مع النظام القائم.
وبغياب أشكال الديمقراطية لوسائل الاتصال، نجد نماذج الهيمنة البيروقراطية.. بما يضع الديمقراطية في نقطة حرجة تتمثل في صورة من الصور الآتية:
ـ الاتصال الكاذب أو المزيف ” فالتماثل يلغي الهوية الشخصية والتي هي الدافع والمحرك في إقامة الاتصالات على صعيد الفرد أو الجماعة ”
ـ تقمص الأدوار ” أي تمثل الشخصيات المرغوبة في السينما أو التلفزيون أو السعي إلى استبدال ردائه الاجتماعي بشيء جديد سواء أكان سيارة أو منزلا أو غير ذلك ”
ـ التكون في شكل اجتماعي جديد سواء أكان هذا عصابة أو مجموعة متمردة..
ـ ظهور حالات العنف بشكله الإجرامي أو شكله التنظيمي بقصد فرض المبادئ الديمقراطية على كيانات تخلت عنها ..
كما بيَّن الناقد أن من أعداء الديمقراطية هي الثقافة الاستهلاكية والمصالح الأنانية والتمرد الفوضوي السلبي معرجا على ماثيو ارنولد الذي نبه في كتابه ( الثقافة والفوضى ) وقبل أن تأخذ الاتصالات معناها المعاصر لأنها لم تكن قائمة آنذاك إلى مشكلة الديمقراطية والثقافة ” وان من شان الثقافة أن تلغي الأنانية والتعصب وتقضي على المصالح العامة وتوجد الإيثار واللامصلحية ” .
ويجد الناقد بالرجوع إلى نظرية دارون عن أصل الأجناس والى جون ستيوارت مل حول الحرية أن ” لا جدوى التشريعات دون أساس ثقافي فعلي يتيح تصرف الفرد بكفاءة وفاعلية إزاء مستجدات الأحداث فان شكل الحياة والعلاقات الدولية ينبه إلى أن ما بلغه دارون إزاء الأجناس أفيد منه بشكل أو بآخر في ماكنة السيطرة الحالية التي تريد توظيف وسائل الاتصال لتكريس الاستلاب وتحويل البشر إلى رجال جوف مستهلكين ومعطلي الذهن والإرادة ”
وإذا كان الناقد قد امن بانتحار الديمقراطية وأنها معرضة لبطش لا مثيل له ؛ إلا إننا نرى أن واقع الحال اليوم يثبت عكس ذلك تماما فالديمقراطية لم تنتحر ، بل الدكتاتوريات هي التي انتحرت عبر الاحتجاجات والاعتراضات للشعوب العربية وتحدي الأغلبية المكبوتة المقهورة للأقلية الغالبة والقامعة .. وفي إطار تحولي تفكيكي يسعى إلى تقويض أركان التمركز المنطقي ويقلب ثوابت النظر الواقعي المسلم به لصالح متغيرات حتمية وليغدو المركز هامشا والهامش مركزا ..
خاتمة /
إنَّ اللغة العربية في واقعها المعاصر تواجه تحديات مختلفة تجعلها في مساس مباشر مع التطورات المعرفية والتغيرات الفكرية والثقافية العالمية التي تشهدها ميادين العلم والمعرفة والاتصال.
فمن جانب النقد الأدبي نجد للغة علاقة وثيقة بالنظريات والمناهج الحداثية كالأسلوبية والألسنية والبنيوية وكذلك المناهج ما بعد الحداثية كالسيميائية والتفكيكية والتداولية وغيرها والتي تحاول إرساء أسس التنظيم المعرفي لمنهجيات النقد واللغة وتقنين مفاهيمهما المنهجية والإجرائية .
ومن جانب الإعلام نلحظ الصلة الخطيرة التي تنتج عن العلاقة المتبادلة بين اللغة والإعلام بأنواعه المقروءة والمسموعة والمرئية وأثرها في المتلقين.. ولا غرو أن التغاضي عن تقنين تلك العلاقة سيجعل التأثير حاصلا لصالح الإعلام على حساب اللغة.
كما يبدو أن الدراسات المتعلقة بوسائل الإعلام تميل إلى التغاضي كذلك عن نتائج البحوث اللغوية المورفولوجية ولا تحاول إيجاد خيوط رابطة بين اللغة من جهة والإعلام من جهة أخرى ..
وللاتصالات وعلومها المتطورة الأثر المهم في اللغة لأنها دائرة في خضم التطور الاجتماعي الهائل والسريع إلى درجة أن اللغة قد تنخرط في سياق التصادمات التي تنتج عن الكم الهائل من تطبيقات وسائل الاتصال ووسائطه المتعددة إلى ما يشبه الثورة المعلوماتية التي تعد الرقمية واحدة من تجلياتها المهمة .
وبالتكامل بين هذه الميادين كلها تتحقق رؤية واقعية لحال اللغة العربية وصورة بينة لمآلها المستقبلي في نفوس أبنائها علميا ومعرفيا وثقافيا… كون اللغة العربية الأكثر اندماجا مع متطلبات الحاضر المعاصر بتعقيداته المختلفة من جهة وهي الأكثر انفتاحا كذلك على التطورات العلمية المتسارعة من جهة أخرى ..ناهيك عن أنها اللغة الوحيدة التي عهد الباري عز وجل بحفظها وبقائها ما بقي القران وبقيت الحياة على هذه الأرض فقال جل جلاله ( انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون ).

فهرس هوامش البحث

نظرية الإعلام المرئي والمسموع دراسة في قضايا البحث الاجتماعي ، د. نسمة احمد البطريق ، دار الثقافة للطباعة والنشر ، القاهرة ، 1987/56.
الجهود اللغوية في المصطلح العلمي الحديث دراسة ، د. محمد علي الزركان ، منشورات اتحد الكتاب العرب ، 1998/ 17.
علم الدلالة العربي النظرية والتطبيق دراسة تاريخية تاصيلية نقدية ، د. فايز الداية ، دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر ، دمشق سوريا ، طبعة أولى ، 1985 / 116.
عودة إلى المسالة اللغوية،د. الطاهر لبيب، مجلة الحياة الثقافية شهرية نعنى بالفكر والإبداع، العدد 172، 2006 / 3.
نظرية الإعلام المرئي والمسموع دراسة في قضايا البحث الاجتماعي ،د. نسمة احمد البطريق /55ـ57.
م.ن/24ـ25.
م.ن/ 5.
تأملات فلسفية ، د. ناجي التكريتي ، الموسوعة الثقافية ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، 2008 / 95.
التمهيد لدرس نحوي جديد ،علي كاظم حسن الفتال، الموسوعة الثقافية ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، 2008/ 6.
نظرية الإعلام المرئي والمسموع دراسة في قضايا البحث الاجتماعي ،د. نسمة احمد البطريق /49ـ 50
ينظر : نظرية البنائية في النقد الأدبي ، د. صلاح فضل ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ،طبعة ثالثة ، 1987 /43
نظرية الإعلام المرئي والمسموع دراسة في قضايا البحث الاجتماعي ،د. نسمة احمد البطريق /50.
اللغة والمعرفة المحرومة من الوعي بقلم نعوم تشومسكي ، ترجمة :عدنان المبارك ،مجلة الحياة الثقافية مجلة شهرية تعنى بالفكر والإبداع تصدرها وزارة الثقافة والشباب والترفيه بالجمهورية التونسية ، السنة 29 ، العدد 151 ، 2004 /31 .
ينظر: م .ن/ 32.
ينظر : م.ن/ 46.
ميشال فوكو المعرفة والسلطة ، عبد العزيز العيادي ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، بيروت ـ لبنان ، طبعة أولى ، 1994 / 16
م.ن/ 20
ينظر: م.ن/ 21.
ينظر: الترجمة والميتافيزيقيا ، جاك دريدا ترجمة عبد السلام عبد العالي ، مجلة الكرمل فصلية ثقافية تصدر عن مؤسسة بيسان للصحافة والنشر والتوزيع ، فلسطين ، العدد 17، 1985 /179.
ينظر: الصورة والجسد دراسات نقدية في الإعلام المعاصر ، د. محمد حسام الدين إسماعيل ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ـ لبنان ، طبعة أولى ، 2008/57.
ينظر: الأسلوبية والأسلوب ،د. عبد السلام المسدي ، الدار العربية للكتاب ، تونس ، طبعة أولى ، 1977.
النقد العربي الحديث ومدارس النقد الغربية ، الدكتور محمد الناصر، كلية الآداب ، سوسة ، طبعة أولى، 1998 / 155.
تأويل وسائط الإعلام للواقع وتأثير ذلك في مجال الرأي العام ، منذر عافي ، مجلة الحياة الثقافية ، العدد 180 فيفري 2007/29
ينظر: م.ن / 23ـ 35.
ينظر: م.ن/ 29.
م.ن/ 29
الصورة والجسد دراسات نقدية/ 101
جدلية الصورة الالكترونية في السياق التفاعلي لتباريح رقمية ، د. ياسر منجي ، دار الفراهيدي للتوزيع والنشر ، بغداد ـ العراق ، طبعة أولى ، 2010/ 17.
الصورة والجسد دراسات نقدية/ 108.
ينظر: النظرية والنقد الثقافي الكتابة العربية في عالم متغير واقعها سياقاتها وبناها الشعورية ، محسن جاسم الموسوي ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت دار الفارس للنشر والتوزيع ، عمان ـ الأردن ، طبعة أولى ، 2005/ 183.
م.ن/ 187.
م.ن/ 187.
م.ن/ 186.
م.ن/ 187
النقد العربي الحديث ومدارس النقد الغربية ، الدكتور محمد الناصر العجيمي / 9.
م.ن/ 188.
م.ن/ 190.
م.ن/ 190.
ينظر: م.ن/ 191.
م.ن/ 191.
م.ن/ 192.

فهرس مصادر البحث /
1. الأسلوبية والأسلوب،د. عبد السلام المسدي، الدار العربية للكتاب، تونس، طبعة أولى، 1977.
2. تأملات فلسفية، د. ناجي التكريتي ، الموسوعة الثقافية ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، 2008 .
3. تأويل وسائط الإعلام للواقع وتأثير ذلك في مجال الرأي العام، منذر عافي، مجلة الحياة الثقافية، العدد 180 فيفري 2007.
4. الترجمة والميتافيزيقيا ، جاك دريدا ، ترجمة عبد السلام عبد العالي ، مجلة الكرمل فصلية ثقافية تصدر عن مؤسسة بيسان للصحافة والنشر والتوزيع ، فلسطين ، العدد 17، 1985 .
5. التمهيد لدرس نحوي جديد ، علي كاظم حسن الفتال، الموسوعة الثقافية ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، 2008.
6. جدلية الصورة الالكترونية في السياق التفاعلي لتباريح رقمية ، د. ياسر منجي ، دار الفراهيدي للتوزيع والنشر بغداد ـ العراق ، طبعة أولى ، 2010.
7. الجهود اللغوية في المصطلح العلمي الحديث دراسة ، د. محمد علي الزركان ، منشورات اتحد الكتاب العرب ، 1998.
8. الصورة والجسد دراسات نقدية في الإعلام المعاصر ، د. محمد حسام الدين إسماعيل ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ـ لبنان ، طبعة أولى ، 2008.
9. علم الدلالة العربي النظرية والتطبيق دراسة تاريخية تاصيلية نقدية ، د. فايز الداية ، دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر ، دمشق ـ سوريا ، طبعة أولى ، 1985.
10. عودة إلى المسالة اللغوية، د. الطاهر لبيب، مجلة الحياة الثقافية شهرية تعنى بالفكر والإبداع، تصدرها وزارة الثقافة والشباب والترفيه بالجمهورية التونسية، العدد 172، 2006.
11. اللغة والمعرفة المحرومة من الوعي بقلم نعوم تشومسكي ، ترجمة :عدنان المبارك ،مجلة الحياة الثقافية مجلة شهرية تعنى بالفكر والإبداع تصدرها وزارة الثقافة والشباب والترفيه بالجمهورية التونسية ، السنة 29 ، العدد 151 ، 2004
12. ميشال فوكو المعرفة والسلطة ، عبد العزيز العيادي ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، بيروت ـ لبنان ، طبعة أولى ، 1994
13. نظرية الإعلام المرئي والمسموع دراسة في قضايا البحث الاجتماعي ، د. نسمة احمد البطريق، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، 1987.
14. نظرية البنائية في النقد الأدبي ، د. صلاح فضل نظرية البنائية في النقد الأدبي ، د. صلاح فضل ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ،طبعة ثالثة ، 1987.
15. النظرية والنقد الثقافي الكتابة العربية في عالم متغير واقعها سياقاتها وبناها الشعورية ، محسن جاسم الموسوي ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت دار الفارس للنشر والتوزيع ، الأردن ، طبعة أولى ، 2005.
16. النقد العربي الحديث ومدارس النقد الغربية الدكتور ، محمد الناصر العجيمي ، كلية الآداب ، سوسة، طبعة أولى ، 1998.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| سعد الساعدي : التاريخ الذي تكتبه القصيدة.. الكواز مؤرِّخاً .

إنَّ الناقد اليوم بحاجة لشيء جديد وطريقة اشتغالية جديدة، كمنهج يتماشى مع ما يجده أمامه، …

|طالب عمران المعموري : سيمياء النص وكيمياء المادة في “قصائد خافرة” للشاعر شكر حاجم الصالحي .

وهج شعري ومعرفي ينفرد حاذقاً خالقاً لنا نصوصاً وصوراً إبهاريه متماسكة  منح للشعر وجعه واخلاصه  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *