الرئيسية » نقد » ادب » علوان السلمان : المشهدية في إيقاعات الزمن الراقص

علوان السلمان : المشهدية في إيقاعات الزمن الراقص

لقد شهد النص السردي على امتداد المدى التاريخي تحولا بنيويا في أجناسه..كان آخرها القص القصير جدا.. كونه نصا متمردا على الثبات والنوع.. فالقص ينطلق من لحظة وعي يحققها القاص متجاوزا الواقع وتقلباته صوب مطلقه بتعبيره عن الواقع المتداخل مع الخيال والإبداع الفني لتحقيق هدف محدد بذاته.. باعتماد الدقة في المفردة الدالة بتحقيق دورها الوظيفي وتركيزها في المعنى القائم على الالتزام بالقيم الجمالية والوعي بالوحدة الموضوعية التي هي(وحدة مستقلة ومتكاملة) كما يقول رولان بارت..
والقصة القصيرة فن الاستجابة للطارئ في الواقع والذاكرة توخي بعظمتها من خلال إدراكها روح الأشياء..إذ أن (ما يوحي به الفن العظيم هو الذي يدرك روح الأشياء..وهو الذي يدرك ما يربط الفرد بالكل وما يربط كل جزء من اللحظة بالديمومة الأبدية..)..
والقاص علي السباعي في مجموعته القصصية( إيقاعات الزمن الراقص) الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب/2002 ..والتي ضمت بين دفتيها اثنتين وعشرين قصة تباينت في موضوعاتها ودوافع انبثاقاتها مع اختلاف الزمكانية وتوحد الموقف الإنساني والوعي الايجابي مع تنوع بنائها السردي ..فهي تعبر عن عصر سلبت فيه أرادة الإنسان تحت تأثير الآلة الحديثة وما أفرزته من تداعيات وصراعات اجتماعية معبرة عن رؤية إنسانية..إذ توزعت ما بين القص القصير والقصير جدا والذي شغل حيزا واسعا في أروقة المجموعة التي فيها يعي القاص الإيجاز والتركيز والإيحاء وعمق الدلالة في أسلوبه السردي من خلال الاقتصاد في الوصف والتعامل مع الجوهري والتزام الضبط الفني في السرد..كون القصة القصيرة جدا هي( فن الإيجاز والتركيز الدال) كما يقول اكونور..وهي تأكيد لما قاله تشيخوف في رسائله ومذكراته ( أن تجيد الكتابة معناه أن تجيد الاختصار. . .)
( اهتزت الورقة الملقاة ما بين الحائط والأرض..تحركت حركة مريبة..الجو ساكن..تحركها آثار مخاوفي:أمن حركها؟ /قلبي يمتلئ بالحياة/أطرق برأسي ..نظرت..الورقة تهتز أكثر..تصدر منها خشخشة مسموعة ..جذبت حركة الورقة بعض الصغار..رفعها احدهم( أبو الحجل ) صرخوا..يصارعها..يقربها..يرفسها..سحقها احد الصبية بقدمه بقوة..فتغلغل بداخلي صوت..سحقه..مجساته تناضل هذا الموت/الموت في كل مكان/ أصابني الخوف..الألم..الفزع..التصاقه بالأرض… الحياة تستمر..تناولت الورقة..حاولت أن أحركها..لم استطع..تجمدت..تركتها تحركها الريح..) /ص43..
فالقاص يصل مبتغاه السردي بتحميل النص عناصره السردية وانتقاء مفرداته وسبكها بفنية تقتضي الرمزية المحركة للفكر باقتناص اللحظة بطريقة أسلوبية تثير الدهشة والتساؤل..وشاعرية تعتمد الاختزال الذي يسبح في عوالم التخييل والتأويل.. إضافة إلى اعتماد المونولوج الداخلي بتصوير الذات في صراعها مع كينونتها الداخلية.. مع تركيز على الشخصية بمنحها تقنية فنية متغلبة على الحواجز التعبيرية والاهتمام برسمها من الداخل وتعميق بعدها النفسي ..فكان معظم أبطال قصصه أفراد تميزوا بحضورهم..
(غراب اسود كبير بجناحين أبيضين عظيمين يحوم فوق(تاجية) المضطجعة على الأرض.. مباعدة ساقيها ما وسعها..مغرية الغراب على النعيق..استفاقت مذعورة..تتلفت كمن داهمها لصوص سرقوا سعادتها منها..راحت تشد منتحبة:
اشعندي وشخليت تنغك يلغراب تنذكر ما تنشاف خليت الاحباب
ازداد الغراب صلفا ..ينعق بعناد بينما (تاجية)ترتدي ملابسها صرخت بهستريا مؤلمة:
ـ اغرب عني..أجئت لتعلمني بنذير شؤم ..اغرب عني ..
غادرتها متجها إلى مهجعي كي ما أنام بعد تعب الليلة الفائتة..قلت وطعم اللذة المجنونة يقوم أسناني النخرة:
ـ قولي للغراب: سكين وملح
فغمزت (تاجية المجنونة)بعينيها الباسمتين ..ولتصرخ بجنون:
ـ سكين وملح…سكين وملح / ص19 ـ ص20
وهنا يواكب القاص اوابيده والذاكرة الشعبية شاهدا بحيث يداخل الفولكلور والحياة الشعبية مع مستوى السرد الذي ظل محتفظا بحس الحكاية الشعبية مسرودة بلهجة مفصحة وقريبة من بنية الحياة وصورتها..وهذا يعني أن السرد يذهب في المروي حينا والمحكي حينا آخر.. وهو يتكأ على لحظة عيانية مكثفة.. موحية..شديدة التركيز ..تضم بين جوانحها حركة لعالم متكامل يقوم على التفاعل بين الأنا المتكلم والانا المخاطب..مع استخدام تيمات متعددة كالاستذكار بانبعاث الذاكرة والتكرار والمزج بين الأزمان والحوار ..وما بين حالة التذكر والواقع يطرح القاص رؤيته المنحصرة بين تصوير الواقع وتفعيل حوادثه..وهذا يكشف عن قدرته المتحركة ما بين جماليات الإبداع السردي وجماليات الإبداع التقني الفني..بالتقاط لحظات موضوعاته فكرة أو فعلا اجتماعيا أو أنموذجاً إنسانياً..مع تنوع الأمكنة وإشراك المتلقي واستدراجه عبر وسائل أسلوبية ..
لقد اعتمد السرد عند السباعي تقانات فنية تجاوزت التفصيلات كي تعبر عن حركة الحياة التي تتطلب السرعة والإيجاز مسايرة لسرعة إيقاع العصر الذي وسم بعصر السرعة..فكانت قصصه مجموعة من التداعيات التي توظف بقصديه لتعطي بعض التفسيرات المتسلطة على ذهنه..إذ فيها لا يستغرق القاص الحلم ولا تنعزل ذاته عن العالم الخارجي ..كونه يطرح قصصه باعتبارها جسدا لغويا ناميا وهي تشكل دلالة نوعية وكمية مرتبطة بالسرعة الداخلية للنص من خلال نسق لغوي فني مقدم بعناية وتنظيم يعتمد تكثيف العبارة وانتقاء اللفظة الرامزة القادرة على الإشارة من خلال بنيتها وتركيبها وقدرتها الاشارية التي تغني النص اختزالا..وتثريه دلالة وتمنحه بعدا تأمليا يحرك الخزانة الفكرية للمتلقي..فتحمله مسؤولية أشغال الفجوات التي فرضت نفسها بينه والنص باستخدام أسلوب التنقيط دلالة الحذف..والتكرار دلالة التوكيد وإزالة الشك..
أطلت أمام عينه جمجمة معلقة بالسقف ..أشارت ناحيتها أحدى الفتيات قائلة:
ـ أنها جمجمة الحلاج..
حينما شاهدها شعر أن حياته لها قيمة ..لأول مرة يتمسك بالحياة… فجر بداخله أحساس سيطر على تفكيره ..راح يكبر… يكبر… ليسع العالم بأسره ..هتف صارخا:
ـ عجلن بالموت … عجلن /ص68
لقد اعتمدت نصوص القاص عناصر السرد (حدث ـ شخصية ـ زمكانية ـ حبكة ـ عقدة درامية..) مع امتلاكها قدرة التكثيف الدلالي الذي يصور عالما تتسع مدياته صوب التأمل..بحكم التركيز والاقتصاد في المفردات باعتماد المفردة الموحية الرامزة..مع اجتناب الاستطراد ..لتشكل لقطة مشهديه مختصرة للزمن..فيها يعتمد القاص على الألفاظ المركزة ..الموحية بمعان عدة مع ضربة رؤيوية محددة بمنظور جمالي تنهي السرد..وهذا يوجب على الكاتب (ان يكون قارئا متيقظا إلى أقصى حد ) كما يقول باشلار..إضافة إلى اتقانه لغة المجاز بتنبهه للفظ وفلسفة معناه وعمق دلالته.. مع قدرة على خلط الخيال بجسد الواقع..وهذا يعني أن القاص يمازج بين نسقين فنيين من السرد هما: النسق الواقعي والنسق التخييلي..
لقد كانت التسجيلية عند القاص تمثل وهج الانفعال السريع بحركة الواقع المتسارعة واستلهامها ورصد تحولاتها بقدرة على التقاط اللحظة العيانية والتركيز على الهم والهاجس الإنساني الذي يبرز كوحدة مستقلة تنبثق من واقع التشظي اليومي المتجسد في الحياة..
(همست الرياح كأنها موسيقى عذبة لسترافنسكي..وليالينا تزدان بالأقمار..فترانا كطيور النوارس على الدوام نسافر كالخواطر في نداءات أنفسنا وهي تضاجع اسطر نوتات عزف الزمن فترفرف المرأة الطائر بجناحيها برشاقة لتقول لنا:
رحلة ممتعة وأتمنى لكما صيدا وفيرا /ص90
فالقاص يستلهم الواقع الاجتماعي ويصوره بلغة حوارية تستخدم المونولوج الداخلي للكشف عن دواخل الشخصية ومدى تفاعله مع الخارج باعتماد لغة تتناسب وتتفاعل ووعيها الذاتي..بمزجها بين الواقعية الإرث الفاعل في تحريك الواقع وهي تعي الصراع وتحلله دون اللجوء إلى التعمية في السرد..والرمزية باعتماد الإشارة والتدليل على القصد ..
وبذلك استطاع السباعي تقديم قصة تميزت بلغتها الأكثر قدرة على الإيصال بتقنيتها المتسامية ..ومحاولتها الغوص داخل الحدث ورسمه من الداخل ..مع اعتماد اللحظة المتماسكة والثرية بدلالاتها وشخوصها مع إيقاع حاد للرؤيا من خلال جملها الملفعة بغشاوة رقيقة من الواقع..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *